رقم ( 3 )
الباب الأول : قبل مذبحة كربلاء

الباب الأول : قبل مذبحة كربلاء  

الفصل الأول :  معاوية و( الحسن بن على ) والمال المعبود

 أولا : معاوية يستخدم المال فى الايقاع ( بالخليفة ) الحسن بن على بن أبى طالب

1 ـ بويع معاوية بالخلافة فى شوال 41 .  

وبين ثنايا الروايات التاريخية نلمح تخطيط معاوية فى إرغام ( الحسن ابن على ) على التنازل له عن الخلافة . فقد بويع الحسن بعد يومين من مقتل أبيه . فى رمضان سنة اربعين . وظل خليفة 8 أشهر وعشرة أيام ، ثم اضطر للتنازل لمعاوية .

2 ــ تقول الروايات أن الناس تفرقت عن الحسن ، وبقى معه أوباش الأعراب ، وهؤلاء ( نهبوا سرادق الحسن ،حتى نازعوه بساطًا كان تحته .وطعنوه فى خاصرته )، ( لما قتل علي رضي الله عنه توجه الحسن والحسين رضي الله عنهما إلى المدائن ، فلحقهما الناس بساباط ، فحمل على الحسن رجل فطعنه في خاصرته ، فسبقهم حتى دخل قصر المدائن .. ثم وجه ألى معاوية فصالحه‏.‏ ). ويذكر المسعودى أن الحسن خطب ( فقال : يا أهل الكوفة، لو لم تذهل نفسى عنكم إلا لثلاث خصال لذهلت : مقتلكم لأبى ، وسلبكم ثقلى ، وطعنكم فى بطنى . وإنى قد بايعت معاوية فاسمعوا له وأطيعوا " . يقول المسعودى :" وقد كان أهل الكوفة انتهبوا سرادق الحسن ورحله ، وطعنوه بالخنجر فى جوفه ، فلما تيقن ما نزل به إنقاد للصلح . ). وذلك في سنة إحدى وأربعين فسمي عام الجماعة.

3ـ ونقرأ تخطيط معاوية من خلال فهم سياسته ، فبينما كان ( على ) سريعا للحرب دون إعداد سليم ، كان معاوية لا يلجأ اليها إلا بعد أن يفشل أهم سلاح لديه ، وهو سلاح المال الذى كان يحوّل به المحايد الى صديق ـ ويحيّد به العدو ، ويزيد به الأنصار، ويزداد به ولاءا وتأييدا . وبسلاح المال نجح معاوية فى التحالف مع ( عمرو بن العاص ) ، ونجح فى تثبيط وتخذيل أتباع ( على ) وبه نجح فى الايقاع بالحسن بن على .  

4 ــ المال هو الأقوى مفعولا ، لأنه كان ـ ولا يزال ـ لغة التعامل فى دنيا السياسة القائمة على المنفعة بعيدا عن الشعارات ومزاعم التقوى والصلاح والضحك على الذقون . كان العرب فى الجاهلية يقتتلون على الشاة والبعير ومواضع الكلأ والرعى ، ثم أشرفوا بالفتوحات على نعيم الدنيا وزخرفها وورثوا أغنى المدائن فأذهلتهم الدنيا وتفتّحت شهيتهم بما أصبح تحت لديهم فتقاتلوا بسببه، وأصبح المال هو المعبود الأكبر لدى صحابة الفتوحات . وفهم معاوية هذا ، فجعله وسيلة التعامل ، يشترى به الأتباع ويهدّىء به النفوس.

5ـ لذا لا نستبعد أن يكون عملاء معاوية هم الذين حرّضوا أوباش الأعراب على نهب متاع الحسن وطعنه والتطاول عليه . أراد معاوية أن يزيل هيبة  ( الخليفة الحسن بن على ) ويجعل حياته مهددة .

لو أراد قتله لاستطاع ، ولكن قتل الحسن لن يُحلّ مشكلة معاوية ، لأن من بايع الحسن سيبايع بعد مقتله للحسين ، ثم بعد الحسين لفلان وفلان من أولاد (على ) وما أكثرهم . إذن فالحل هو جعل الحسن يتنازل لمعاوية  طواعية ، وأن يبايع له طواعية هو إخوته وشيعته .

ثانيا : معاوية يستخدم المال فى جعل الحسن يتنازل له عن الخلافة

1 ــ  وهنا يأتى دور المال فى تشجيع ( الحسن ) على التنازل .

تقول الروايات : ( فلما رأى الحسن تفرق الناس عنه بعث إلى معاوية يطلب الصلح‏.‏   فبعث معاوية إليه عبد الله ابن عامر وعبد الرحمن بن سمرة ، فقدما عليه المدائن فأعطياه ما أراد ، وصالحاه على أن يأخذ من بيت مال الكوفة خمسة آلاف ألف في أشياء اشترطها . ) وكان من شروط الصلح أن يكون الأمر من بعد معاوية للحسن ثم للحسين ، وأن لا يقضي معاوية بشيء دون مشورة الحسن ، وعدم شتم (على ) وعدم ملاحقة شيعته ، وأن يعطيه معاوية خراج دار بجرد فى فارس ، وأن يعطيه ما فى بيت مال الكوفة.

 2ــ وهنا نصل الى المقصود الأعظم ؛ وهو المال .

فقد تنازل الحسن عن الخلافة وبايع معاوية مقابل أن يأخذ من بيت مال الكوفة 5 مليون درهم . وحسبما تقول الرواية فقد ( كان معاوية قد أرسل إليه قبل ذلك صحيفة بيضاء ، وكتب إليه : "اشترط في هذه الصحيفة ما شئت . " فاشترط أضعاف الشروط التي سألها معاوية قبل ذلك . وأمسكها عنده.  وأمسك معاوية صحيفة الحسن التي كتب إليه فيها . فلما اِلتقيا ، سأله الحسن أن يعطيه الشروط التي شرط في الصحيفة فأبى معاوية وقال‏:‏ لك ما كنت تسألني‏.‏ ). أى أعطاه معاوية ( شيك على بياض )، فكتب فيه الحسن ما شاء . ثم أراد الحسن مبلغا أكبر فرفض معاوية.

ثالثا : معاوية يرشو وجوه بنى هاشم ليضمن سكوتهم

1ـ واستعمل معاوية فى خلافته سلاح المال أحسن إستعمال ليتفادى الحروب والفتن ما استطاع . وهذه مزية تُحسب له .  

2 ــ فقد أغدق معاوية المال على (الحسن والحسين ) وسائر وجوه بنى هاشم كى يضمن سكوتهم وولاءهم . وحتى يشغلهم بالنعيم عن السياسة .

3 ــ وقد جمع ابن كثير بعض الروايات التى تذكر كرم معاوية فى خلافته مع الهاشميين. :

( قال‏:‏ قدم الحسن بن علي على معاوية فقال له‏:‏ لأجيزنك بجائزة لم يجزها أحد كان قبلي، فأعطاه أربعمائة ألف ألف‏.‏ )

(ووفد إليه مرة الحسن والحسين فأجازهما على الفور بمائتي ألف، وقال لهما‏:‏ ما أجاز بهما أحد قبلي‏.‏ فقال له الحسين‏:‏ ولم تعط أحدا  أفضل منا‏.‏ )

 ( أرسل الحسن بن علي، وعبد الله بن جعفر إلى معاوية يسألانه المال، فبعث إليهما - أو إلى كل منهما - بمائة ألف.) .

( وروى الأصمعي قال‏:‏ وفد الحسن وعبد الله بن الزبير على معاوية فقال للحسن‏:‏ مرحباً وأهلاً بابن رسول الله، وأمر له بثلاثمائة ألف‏.‏ وقال لابن الزبير‏:‏ مرحباً وأهلاً بابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر له بمائة ألف‏.) .

3ـ   وبسبب كثرة الأموال التى كان يهبها معاوية لهم ، فقد كانوا يتبارون فى تفريقها كرما.

تقول الروايات (  بعث معاوية إلى الحسن بن علي بمائة ألف فقسمها على جلسائه، وكانوا عشرة، فأصاب كل واحد عشرة آلاف‏.‏ وبعث إلى عبد الله بن جعفر بمائة ألف فاستوهبتها منه امرأته فاطمة ، فأطلقها لها.)

(  كان لعبد الله بن جعفر على معاوية في كل سنة ألف ألف، فاجتمع عليه في بعض الأوقات دين خمسمائة ألف، فألحّ عليه غرماؤه فاستنظرهم حتى يقدم على معاوية فيسأله أن يسلفه شيئاً من العطاء، فركب إليه فقال له‏:‏ ما أقدمك يا بن جعفر‏؟‏ فقال‏:‏ دين ألحّ علي غرماؤه‏.‏ فقال‏:‏ وكم هو‏؟‏ قال‏:‏ خمسمائة ألف‏.‏ فقضاها عنه وقال له‏:‏ إن الألف ألف ستأتيك في وقتها‏.‏ ) .

هذا مع الكرماء ، أما عبد الله بن الزبير المشهور بالبخل ، فتقول الرواية عنه (..وبعث إلى عبد الله بن الزبير بمائة ألف فقال للرسول‏:‏ لم جئت بها بالنهار‏؟‏ هلا جئت بها بالليل‏؟‏ . ثم حبسها عنده ولم يعط منها أحداً شيئاً‏.‏ ).

رابعا : الحسن بن على  ينشغل بالمال والنساء عن طموحه السياسى

1ـ وفعلا إنشغل الحسن بأمواله ونسائه عن حقوقه السياسية التى إشترطها على معاوية ، وهى ( أن لا يقضي معاوية بشيء دون مشورة الحسن. ) .

2 ــ إنهمك الحسن فى الزواج وإقتناء السبايا والجوارى . فاشتهر بكثرة زيجاته ، وانه كان مزواجا مطلاقا ، وأحيانا كان يتزوج المرأتين فى ليلة واحدة ، وجمع فى ليلة زفاف بين زوجتين كل منهما ابنة عم الأخرى . وصار له  20 ولدا ، وتقول الرواية ‏:‏( أرخى الحسن بن علي رضي الله عنهما ستره على مائتي حرة‏.‏ ) أى تزوج مائتى حُرة ، غير السبايا المملوكات ، وقد انجب منهن أيضا.

خامسا : معاوية يرشى زوجة الحسن لتقتله بالسم

1ـ وبالمال ايضا تخلّص معاوية من الحسن قتلا بالسّم عندما قرّر معاوية أن الوقت قد حان ( للتوريث )، أى للعهد لابنه يزيد بالخلافة . وبالتالى كان لا بد من إغتيال الحسن.

2 ــ ولجأ معاوية للمال. يروى المسعودى فى (مروج الذهب ) أن معاوية بعث الى جعدة بنت الأشعث بن قيس  زوجة الحسن برسالة يقول فيها : " إنّك إن إحتلت فى قتل الحسن وجهت اليك بمائة الف درهم ، وزوجتك من يزيد " . فسقته السم فمات ، فبعث لها معاوية بالمال وكتب لها " إنا نحب حياة يزيد ولولا ذلك لوفينا لك بتزويجه" ).!.

سادسا : معاوية بالمال يتخلص من زعيم كنده صهر الحسن

1ـ جدير بالذكر أن معاوية ـ فى إعتقادنا ـ مسئول عن الموت المفاجىء لزعيم قبائل كندة القحطانية ، والد السيدة ( جعدة ) ، وهو الأشعث بن قيس الذى مات فجأة بعد مقتل (على ) بأربعين يوما ، وكان موته المفاجىء هذا تمهيدا لأن ينفرد معاوية بالحسن بن على وأن يتلاعب به . كان وقتها الحسن خليفة لا يزال ، ويحظى بالأعوان والجُند ، خصوصا من قبائل كندة ، وهذا بسبب تأييد صهره والد زوجته ( جعدة ) زعيم قبائل كندة ( الأشعث بن قيس ) .

 2 ــ وهذا الأشعث الطموح للسلطة يرى فى خلافة الحسن فرصته الكبرى للسيادة ،وهو من قبل قد تزوج أخت أبى بكر فى سبيل الصعود السياسى ، فجاء موت أبى بكر المفاجىء وقوّض أحلامه، ثم حاول ان يوثّق علاقته بخالد بن الوليد فوقف له (عمر ) بالمرصاد وأطاح (عمر ) بخالد . ثم حقّق الأشعث بعض أمانيه فى خلافة عثمان ، ثم عزله (على ) فتسبب الأشعث فى فشل ( على ) وتضييع إنتصاره فى صفين . ونجح الأشعث فى تزويح الحسن بابنته جعدة . ولكن مكر معاوية أسرع بإغتياله ، ليس فقط لينفرد معاوية بالحسن ـ كما حدث ـ ولكن أيضا لينفرد صهر معاوية حسان بن بحدل الكلبى بزعامة القبائل القحطانية بلا منازع بعد إغتيال الأشعث بن قيس ، ولتنفرد قبائل كلب بزعامة القبائل القحطانية اليمنية بدلا من كندة.

سابعا : هل قتل معاوية السيدة عائشة :

تردد هذا فى بعض الروايات . قد يصدق بعضهم هذه الروايات على إعتبار أن السيدة عائشة ( أم المُشاغبين ) كانت ستعارض التوريث وتقيم حربا مثل حرب الجمل . ولكننا لا نأخذ بهذه الروايات لأسباب التالية :

 1 ـ إنها عاشت بعد ماساة معركة الجمل فى ندم حيث أشعلت أول حرب أهلية فى تاريخ المسلمين بلا داع ، وكان يتم تذكيرها بهذا وتأنيبها به ، وعاشت تحمل هذا الإثم الى أن ماتت ، وبالتالى لا نتصور أن ترتكب نفس الخطيئة.   2 ـ إن معاوية كان حريصا على كسب ودها والتقرب اليها ومشاورتها إتقاء لشرّها ، ونجح فى كسبها الى صفه الى درجة أنها إكتفت بعبارات هينة فى إحتجاجها على قتل معاوية لحُجر بن عدى الكندى المعارض المُسالم ، وبدليل أنها لم  ترفع صوتها إحتجاجا على قيام معاوية بإستلحاق زياد بن أبيه وجعله ابن أبى سفيان بعد موت أبى سفيان ، خلافا للشرع الاسلامى والعُرف الجاهلى . إنهالت الانتقادات على معاوية وسكت عنها بحُلمه المشهور . وسكتت السيدة عائشة ، وهى قامة سياسية وفكرية فى وقتها .

3 ـ إن ثورتها على معاوية فى التوريث ستكون فى صالح بنى هاشم ( الحسين بن على ) وهى مشهورة بعدائهم . 4 ـ ثم كانت عائشة قد تجاوزت الخامسة والسبعين ـ أى بلغت أرذل العمر ، ولم تعد صالحة للطموح السياسى كما كان العهد بها من ربع قرن .

 5 ـ ومن يتجول فى عقل معاوية يعرف أنه كانت له حسابات فى تحييد خصومه بالمال أو بالاغتيال ، حتى لا ترتد عليه مكائده . وبالتالى فلا نعتقد انه يبادر بإغتيال عائشة . لقد كانت لغما متفجرا فى خلافة عثمان وخلافة على ، ولكن هذا اللغم أصبح فى النهاية مجرد قطعة من خُردة لا خوف منها .  

 ثامنا : معاوية يرشو ابن عباس داهية الهاشميين ليسكت على إغتيال الحسن

 جدير بالذكر أيضا أن معاوية نجح بالمال فى تحييد عبد الله بن عباس ( الداهية الهاشمى ). ومعاوية يعرف دهاء عبد الله بن عباس ، ويعرف أيضا حبّ ابن عباس للمال ، وهو الذى سرق بيت مال البصرة وهرب به من قبل . الخطورة هنا أن يقوم ابن عباس بفضح مخطط معاوية بعد إغتيال الحسن إبتزازا له  ، وفهم معاوية قصده ، لذا بادر معاوية برشوة ابن عباس حتى يسكت . تقول الرواية ( قال معاوية‏:‏ يا عجباً للحسن بن علي ‏!‏‏!‏ شرب شربة عسل يمانية بماء رومة فقضى نحبه،) أى يتعجب من مقتل الحسن بالسم ، وهذا فى حضور ابن عباس . أى يريد أن يعرف موقف ابن عباس . تقول الرواية عن معاوية (  ثم قال لابن عباس‏:‏ لا يسؤك الله ولا يحزنك في الحسن بن علي‏.‏ ) . وفهم ابن عباس بحصافته السياسية العرض الخفىّ فى كلام معاوية وأن مصلحته فى كسب ودّ معاوية وماله ، فأجاب ينافق معاوية : ( فقال ابن عباس لمعاوية‏:‏ لا يحزنني الله ولا يسوءني ما أبقى الله أمير المؤمنين‏.‏ ). وكانت النتيجة أن أعطاه معاوية مليون درهم وأشياء أخرى وعروضا أى ممتلكات عينية له ولأهله : (   فأعطاه ألف ألف درهم وعروضاً وأشياء‏.‏ وقال‏:‏ خذها فاقسمها في أهلك‏.‏ ).

تاسعا  : المال السُّحت هو معبودهم الأكبر

1 ـ من الآخر ..الهدف هو المال يا ولدى .!!، وهذا المال ليس مالهم ، ولم يؤت به من داخل الصحراء العربية ، ولكن من الجزية والخراج وعرق ودماء اهل البلاد المفتوحة . أى مال سُحت.

2 ــ  ـ وترى هذا المال السُّحت يغلّف سياسة الخلفاء ( الراشدين ) لا فارق بينهم وبين الخلفاء ( الفاسقين ) ، ونفسر من خلاله تاريخ أبى بكر وعمر وعثمان وعلى  وكبار الصحابة المشهورين .

3 ـ فعندما أختلف (على ) مع عماله فى الشرق كان بسبب المال. إلا إن عليا كان (عادلا ) فى توزيع هذا المال ( السُّحت ) على العرب فقط ، مثل (عمر ) . وعندما فارق ابن عباس ابن عمه عليا حرص ابن عباس على أن يأخذ معه بيت مال البصرة ، واستعان بأخواله ، وصار المال الذى معه سبب صراع بين الأعراب ، وكادوا أن يقتتلوا بسببه.

عاشرا  : هذا المال السُّحت من عرق الفلاحين المساكين

1ـ  لم يكن للعرب علم بإدارة البلاد المفتوحة وكيفية تسيير شئونها الادارية والمالية وحسابات الخراج والضرائب  وغيرها ، فتركوا هذا للإدارات المحلية التى كانت تمسك الدفاتر والحسابات للملوك السابقين ، وتقوم بجمع الجزية والخراج من القرى والفلاحين باسم الملوك  . وتنافس كبار تلك النواحى فى دفع الرشاوى للقيام بمسئولية الادارة وتحصيل الأموال . ثم يقومون بالتحصيل من الفلاحين وأهل البلاد أضعاف أضعاف ما قدموه من رشاوى ، يعطون  نصيب الخليفة ويأكلون معظم الباقى .

2 ــ ومن هذا المال السّحت كان معاوية يسترضى بنى هاشم وغيرهم من وجوه قريش . ومن هذا المال السّحت كانوا يتنافسون فى إنفاقه كرما وسخاءا كما هو حال الهاشميين ، أو يجمعونه حرصا وبخلا كما كان ابن الزبير . 3 ــ وتقول الرواية : ( كان لعبد الله بن جعفر على معاوية في كل سنة ألف ألف، ويقضي له معها مائة حاجة، ) أى يطلب منه مائة طلب فيلبيها له معاوية . ( فقدم عليه عاماً فأعطاه المال وقضى له الحاجات، وبقيت منها واحدة، فبينما هو عنده إذ قدم أصبغهند سجستان يطلب من معاوية أن يملكه على تلك البلاد، ) أى يجعله يديرها لحساب الخليفة . ( ووعد من قضى له هذه الحاجة من ماله ألف ألف‏.‏ ) أى يبحث عن واسطة يتوسط له عند معاوية ليجعله معاوية مديرا لبلاد " سجستان " ، ووعد بأن يدفع رشوة قدرها مليون درهم .( فطاف على رؤوس الأشهاد والأمراء من أهل الشام وأمراء العراق، ممن قدم مع الأحنف بن قيس، فكلهم يقولون‏:‏ عليك بعبد الله بن جعفر، فقصده الدهقان .). وتوسط عبد الله بن جعفر له عند معاوية ، ونجحت التوصية  ( فكلم فيه ابن جعفر معاوية ، فقضى حاجته تكملة المائة حاجة‏.‏ وأمر الكاتب فكتب له عهده، وخرج به ابن جعفر إلى الدهقان فسجد له وحمل إليه ألف ألف درهم‏.‏ فقال له ابن جعفر‏:‏ "اسجد لله واحمل مالك إلى منزلك، فإنا أهل بيت لا نبيع المعروف بالثمن‏.‏ ).

4 ــ هنا نرى ابن جعفر كريما يصنع معروفا مع هذا الرجل الراشى الفاسد الذى عرض مليون درهم رشوة ،  بمعنى أنه سيربح أضعافها بعد تأدية المقرر من الخراج والجزية .  ومع ذلك يتنازل ابن جعفر لهذا الرجل الفاسد  عن مليون درهم ، ويمكّنه من رقاب مئات الألوف من الفلاحين المستعبدين فى الأرض .!

فهل هذا معروف ؟!. .

حادى عشر : إحتقار صحابة الفتوحات لأبناء البلاد المفتوحة

 1ـ والعجيب أن التاريخ لعصر الخلفاء الراشدين والأمويين فى تركيزه على العرب يتجاهل تماما الاشارة لأهل البلاد المفتوحة ، وكأنه لا وجود لهم . وهذا إنعكاس لموقف الصحابة من هؤلاء المساكين . حتى ( على ) الذى كان يزعم مراعاة العدل كان لا يرى أهل البلاد المفتوحة ؛ كان لا يرى سوى العرب. وحين كان يهاجم أتباعه من أوباش الأعراب يقول  ( يا أهل العراق ) كأنما لا يوجد فى العراق سوى الأعراب . وكان يقال عن الأعراب الثائرين على ( عثمان ) القادمين من مصر ( المصريون ) أما سكان مصر فهم ( الأقباط ) . أهل العراق الحقيقيون هم غير العرب ، ممن كانوا يطلق عليهم العرب ( الموالى )  .

2 ــ  أى تملّك العرب الأرض ومن عليها ، وإحتقروا أصحاب الأرض وسكانها الذين يتمتعون بثمار عرقهم وخيرات أرضهم . وهو نفس تعامل الانسان مع الأنعام التى سخرها رب العزّة له . فالانسان يتملك الماشية ويستغلها ويذبحها ويأكلها ، ثم لا يراها أهلا للتساوى به . وهذا لا بأس به فقد سخّر الله جل وعلا لنا الأنعام . ولكنه جل وعلا  لم يسخر سكان فارس وايران والعراق والشام ومصر وشمال افريقيا للعرب الصحابة . بل خلقنا أخوة لآب واحد وأم واحدة ، وجعلنا شعوبا وقبائل لنتعارف لا لنتقاتل، يقول جل وعلا :( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ(13) الحجرات ) .

 ولكن كفر صحابة الفتوحات بهذا ، وظهر هذا فى تعامل  الصحابة والأجيال اللاحقة لهم مع أبناء الأمم المفتوحة . إمتصوا دماءهم ، ونهبوا اموالهم واسترقوا نساءهم وذرياتهم وقتلوا خيرة رجالهم ، وعاشوا على خيراتهم ، وتجاهلوهم كأنه لا وجود لهم . وحين كانت تضطرهم الظروف للتعامل مع ابناء البلاد المفتوحة كانوا يعاملونهم باحتقار شديد ، خصوصا فى العصر الأموى . وعاقبوهم بكل وحشية إذا ثاروا دفاعا عن أنفسهم .

3 ــ  ومن يقرأ الحوليات التاريخية كالطبرى وغيره لا يرى أدنى إشارة لأصحاب البلاد . كل الكلام عن العرب فقط . أما أصحاب الوطن الغلابة فلا وزن لهم ولا ذكر لهم ، وحتى لو أسلموا كان الأمويون يأخذون منهم الجزية!.

أخيرا :

الجهاد فى الاسلام هو بذل النفس والمال فى سبيل الله جل وعلا ، دعوة سلمية أو قتالا دفاعيا فى إطار تقوى الله جل وعلا . الجهاد الذى قام به صحابة الفتوحات وأنشأوا به امبراطوريتهم كان فى سبيل المال والثرة والجاه والسلطان . كان جهادا ـ ليس فى سبيل الله ـ ولكن فى سبيل الشيطان . لذا تقاتلوا ، ولا يزال على أثرهم المسلمون يهرعون . ونشقى الآن بهذا الجهاد فى سوريا وباكستان والعراق وأفغانستان والجزائر والشيشان ومصر وليبيا والسودان .. أما (الاسلام ) فقد أصبح فى ( خبر  ..كان ).!

 

  

  الفصل الثانى :    العهد ليزيد بن معاوية

 مقدمة :  معاوية بينفذ وصية أبيه بتوارث السُّلطة

1 ـ عند وصول عثمان للخلافة أوصى أبوسفيان بنى أمية بأن يتداولوا الخلافة بينهم ، تقول الرواية  : ( حين بويع عثمان دخل أبو سفيان داره ومعه بنو أمية ، فقال ابو سفيان ـ وكان قد عمى ـ أفيكم أحد غيركم ؟ قالوا : لا . قال : يا بنى أمية تلقفوها تلقف الكرة ، فو الذى يحلف به أبو سفيان ما زلت أرجوها لكم . ولتصيرنّ الى صبيانكم وراثة. ).  حمل معاوية فى قلبه وصية أبيه فأعدّ العدة مبكرا ولاحقا لتوريث ابنه يزيد .

2 ــ مشكلة معاوية هنا معقدة ، فهو أول توريث فى تاريخ المسلمين يجرى فرضه عليهم ، ثم إن إبنه يزيد بمجونه وفسوقه لا يصلح للخلافة، أى دخل معاوية فى (استحقاق ) هائل .

3 ــ والاستحقاق هو العمل السياسى الذى يخلق واقعا بكل السبل بعيدا عن الاخلاق وقيم الاسلام العليا. ونجح معاوية فى فرض التوريث فأقام إبنه خليفة ، ولكن إبنه الفاشل السيىء الماجن أضاع مجهود ابيه ، وترتب عليه خروج فرع آل أبى سفيان مبكرا من الخلافة الأموية ليحل محلهم الفرع المروانى ، نسبة لمروان بن الحكم بن العاص بن أمية .

4 ــ ونتتبع هنا جهد معاوية فى التوريث بعده ، كتمهيد لمذبحة كربلاء :

  أولا : جهود معاوية فى ترتيب إستحقاق التوريث

1 ـ معاوية هو إبن مخلص للثقافة العربية السائدة فى الانتماء للقبيلة والولاء لها .

هذا الانتماء حاربه الاسلام ، ووضع بديلا له هو الانتماء للقيم الاسلامية العليا من السلام والعدل والاحسان والحرية فى الدين وفى السياسة. وحقّقت دولة الرسول الاسلامية هذا واقعا استمر عشر سنوات ، فدخل فى ولايتها أناس شتى من القبائل العربية وبعض غير العرب مثل سلمان الفارسى وصهيب الرومى ، ودخلها رقيق سابقون ومستضعفون وأشراف وأثرياء وفقراء ورجال ونساء ، تعايشوا كلهم فى ظل الحرية والعدل والمساواة والتكافل الاجتماعى. ولكن ظل الولاء القبلى لقريش حيّا فى قلوب معظم المهاجرين ، وتعرضوا بسبب ذلك للتأنيب القرآنى  بسبب ولائهم لقبيلتهم قريش حتى فى وقت الصراع معها ، وقد تتابع هذا التأنيب من بداية الاقامة فى المدينة فى سورة الممتحنة الى قبيل موت النبى عليه السلام فى سورة التوبة.

هذا التعصب القبلى عاد سافرا بعد موت النبى عليه السلام وإتّحاد القرشيين من المهاجرين السابقين ومن دخل منهم فى الاسلام قبيل موت النبى. وكانت الردة محاولة للتحرر من زعامة قريش ، وبإخمادها تزعمت قريش العرب فى الفتوحات، وسلّمت القبائل العربية للقيادة القرشية ، وإعتلى الأمويون موجة الفتوحات التى كانت أفظع عصيان للاسلام ، فاختفت ثقافة الولاء للقيم الاسلامية لدولة الرسول، واستحكم البديل ، وهو الولاء للقبيلة وما تكتسبه لأفرادها  من غنائم ومكاسب ، وما يتبعه من تعصب قبلى . ونبهنا الى فشل (على) فى خلافته لأنّه كان يتغنى بالقيم الاسلامية من العدل والتقوى وهو يحكم دولة قامت على اسس الظلم والقهر والسلب والسبى لشعوب بأكملها. بينما كان معاوية يعزف ويعرف لغة خطاب واحدة هى إرادة الدنيا بكل صراحة وبلا نفاق ، وهو يعطى بعض هذه الدنيا لمن يتحالف معه ويخدمه، فنجح وأجاد معاوية اللعب على ثقافة قومه ، فجعل هذا التعصب القبلى فى خدمة أهدافه مذ أن بويع خليفة فى بيت المقدس فى شهر شوال عام 41.

إنّ القبيلة العربية هى جيش عسكرى متحرك ، جنوده هم رجال القبيلة ، وقائده هو شيخ القبيلة ، ويتفانى أفراد القبيلة فى طاعة قائدهم ، حتى لو كان قائدا أحمق ،مثل (الأحمق المُطاع : الأقرع بن حابس ) الذى قيل عنه ( إنه لو غضب ، غضب لغضبه مائة ألف سيف لا يسألونه لماذا غضب ) . هذه الثقافة العربية الجاهلية لعب عليها معاوية بمهارة شديدة، وأسّس عليها إستحقاقه فى الوصول للخلافة ، ثم نجح بها فى جعل إبنه يزيد خليفة برغم كل التحديات.

2 ـ وقد ساعده فى النجاح عاملان  :

الأول :  أنه باستثناء الخوارج ( وهم قد تحولوا الى عصابات ارهابية متشاكسة لايؤبه بها فى التقييم السياسى ) فإن كل القبائل العربية كانت تُسلّم بأحقية قريش فى القيادة والخلافة ، فانحصر التنافس والتعصب القبلى فيما بين تلك القبائل فقط  فى تأييد هذا الفرع أو ذاك من قريش : ( الأمويون ؟ الهاشميون / ابن الزبير )، بما يعنى إمكانية أن يجعل الخليفة القرشى هذا التعصب القبلى تنافسا بين القبائل فى خدمته .

العامل الثانى : هو المال الذى أصبح بالفتوحات الاها معبودا. فالصراع والاقتتال فى سبيل المال فاق ما تعوده العرب من قبل حين كانوا يقتتلون على المرعى والكلأ والشاة والبعير . أصبح صراعا حول الملايين من الدرهم والدينار وجنات زراعية دنيوية تجرى من تحتها الأنهار . وخلافا ( لعلى ) فقد نجح معاوية فى استغلال سلاح المال ، كان يكفيه أن يشترى زعيم القبيلة ليضمن قوتها العسكرية فى خدمته ، بل أن تتنافس القوى العسكرية فى خدمته . وبالمال نجح معاوية فى جعل ابنه خليفة بعده ، وبالمال نجح يزيد وفشل الحسين ، وبالمال نجح مروان ابن الحكم وابنه عبد الملك وفشل ( البخيل ) ابن الزبير . المال هو الذى جعل القبائل تتبع الأمويين وتتخلى عن الهاشميين ، وبالتالى كان حتما أن يخسر ابن الزبير، فقد جمع مع البخل أنه كان الأقل شأنا من الأمويين والهاشميين.، وأنه حاز الحقارة بكل ما تعنيه الكلمة .

3 ـ ومن مهارة معاوية فى استخدام سلاح المال أنه تنوّع فى استخدامه حسب الظروف:

 3 / 1 : إستخدمه فى التآمر لقتل خصومه. وفى تجنيد الأتباع وفى تحييد الخصوم كما فعل مع الهاشميين وكبار قريش ، وفى زيادة الولاء لدى أتباعه وولاته ليصبحوا أكثر ولاءا وطاعة ، . وسبق أنه أعطى عمرو بن العاص مصر ( طُعمة ) له ليستأثر بولائه ، وبعد موت عمرو استولى معاوية على كنوزه ، وعيّن عبد الله بن عمرو فترة قصيرة ، ثم عزله ، وولى مكانه أخاه ابن أبيه ليضمن السيطرة على مصر بالذات ولتكون عُمقا له.وقد أغدق   بالملايين  على أتباعه وخصومه فى نفس الوقت .

وهى سياسة حصيفة لأنه بالمال تجنب الحروب وسفك الدماء وإحتمال الهزيمة وضياع مُلك له يرى كثيرون أنه لا حقّ له فيه . ولكنه بسياسة الاستحقاق أصبح أكثر إستحقاقا له من ( على ) و بنيه ، الذين أثبتوا فشلهم السياسى ، ودفعوا الثمن هزيمة وقتلا .

3 / 2 : ومع أنه تزوج ( زواجا سياسيا ) من  سيمون بنت بحدل الكلبى زعيم قبيلة كلب اليمنية القحطانية ، وهى التى تسيطر على الطرق الى الشام ، والتى كانت حليفا من قبل لقريش ( الأمويين ) فى رحلتى الشتاء والصيف ، والتى ساعدت القادة الأمويين فى فتح الشام . عزّز معاوية صلته بهذه القبيلة  التى تعرف السمع والطاعة للحاكم  بحكم مجاورتها للروم ودول الشام وقتها . وهذا بعكس القبائل الصحراوية المتمردة بطبيعتها ، والتى لا تعرف الطاعة ، وتحتكم الى السيف فى خلافاتها ، وخلافاتها جزء من أهوائها المتقلبة . وهذه هى القبائل التى كانت عماد حركة الردة ، ثم عماد الفتوحات ، ثم كان منها الثوار الذين قتلوا عثمان ، ثم إنضموا لعلى ، ثم كان منهم الخوارج الذين قتلوا عليا ، ثم إستمروا فى الخروج على معاوية والأمويين .

معاوية انجب إبنه يزيد  من سيمون بنت بحدل ، وجعل إبنه يزيد ينشأ فى كفالة أخواله الكلبيين فى الصحراء بعيدا عن نعومة القصور . ولم يكتف بالاصهار ، إلا إنه قرن المصاهرة بعقد سياسى مالى ليضمن ولاء قبائل كلب كلها وهى المسيطرة على جنوب الشام . وطبقا للعقد كان معاوية يفرض لهم عطاءا ماليا لألفى رجل من كبارهم ؛ ألفين الفين ، وإن مات زعيم منهم أقام إبنه أو ابن عمه مكانه ، وجعل صهره  ابن بحدل واليا على جنوب الشام يتوارثها فى عقبه، وجعل لهم الأمر والنهى وصدر المجلس والحل والعقد والمشورة فى خلافة معاوية . ولأن إبنه يزيد تربى فى مضارب أخواله فى الصحراء  وتعلم هناك الفروسية  على أيديهم  فقد توثقت صلة الابن بأخواله.  ولم يكتف معاوية بذلك بل قام بتجديد العقد بنفس الشروط مع قبيلة كلب ليضمن تأييدهم ليزيد مقدما..

3/ 3  :  ولم يضع معاوية كل البيض فى سلة واحدة .

كانت قبائل قيس المُضرية تنافس قبائل كلب فى الشام ، فاستمالهم معاوية بالمال والمناصب ، وصار زعيم قيس ( الضحاك بن قيس الفهرى ) من كبار أعوانه فى دمشق ، وهو الذى تولى الدعوة للعهد ليزيد فى حياة معاوية ، ثم فى تثبيت خلافة يزيد بعد موت معاوية .

ولم يغفل معاوية عن قبائل كنده  اليمنية القحطانية وسيطرتها فى العراق، فعمل على إستمالتهم . و بعد أن تخلّص بالسم من زعيمهم الأشعث بن قيس ، إستطاع شراء إبنه محمد بن الأشعث بن قيس زعيم قبائل كنده بعد موت أبيه ،  فضمن معاوية ولاء قبائل كنده . ومحمد بن الأشعث هذا ، سنقابله فى ماساة الحسين لاحقا ، فهو الذى خدم عبيد الله بن زياد  والى الكوفة الأموى من قبل يزيد بن معاوية ، خدمه فى الايقاع بمسلم بن عقيل ـ الرسول المبعوث من الحسين الى الكوفة ليمهد له الأمور فيها . وبسبب المال باع محمد بن الأشعث من جاء رسولا من الحسين يطلب عونه

 .ثانيا : خطوات معاوية فى التجهيز للتوريث

1 ـ قام بالتخلص من خصومه الذين يحتمل أن يكونوا عقبة فى التوريث ، أو محتمل أن ينافسوا ابنه يزيد فى الخلافة ، فمات بالسم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد عام  46 هجرية ، وبنفس الطريقة مات الحسن بن على  والذى كان مفروضا أن يلى الخلافة بعد معاوية تنفيذا للاتفاق بينهما فى عام الجماعة . وقبله مات بالسم الأشعث بن قيس.

2 ـ بث الخلاف والايقاع بين الطموحين من الأمويين لتولى الخلافة ، وهم نظراء معاوية نفسه ، وبالتالى فهم عقبة فى تولى ابنه يزيد الخلافة  .  لم يستعمل معاوية وسيلة القتل ليتخلص من زعماء الأمويين منافسى ابنه يزيد ، والذين هم أحق منه (أمويا ) بالحكم بما لهم من سوابق سياسية فى وصول البيت الأموى للحكم من عهد عثمان الى عهد معاوية .

الى جانب معاوية كان يوجد إثنان من كبار بنى أمية ، ومن أعمدة ملك معاوية ، وهما سعيد بن العاص ومروان بن الحكم ، وكلاهما من فرع العاص بن أمية الذى ينتمى اليه عثمان بن عفان . هما منافسان قويان ليزيد ، و(يزيد ) بالنسبة لهما لا شىء . ومعاوية لا يستطيع شراءهما بالمال فهم لديهم ما يكفيهم من المال ، وربما لو أعطاهم أموالا زيادة فسيزدادون به قوة على قوتهم . ومعاوية لا يستطيع التخلص منهما بالقتل لحاجته لهما وللحفاظ على وحدة البيت الأموى . إذن لا بد من طريقة أخرى لتحييدهما مع الابقاء على حياتهما ، وهى زرع العداوة بينهما . كيف يزرع بينهما العداوة وهما ابناء عم وأقرب لبعضهما من قرابتهما لمعاوية ؟.
إعتاد معاوية بذر الشقاق بينهما بأن يعزل أحدهما ويولى الاخر مكانه ، ويأمر أحدهما بالانتقام من الآخر .

فى عام  53:  كان عزل سعيد عن المدينة واستعمال مروان مكانه .

تقول الرواية ( وفيها عزل معاوية سعيد بن العاص عن المدينة واستعمل مروان‏ .‏ وكان سبب ذلك أن معاوية كتب إلى سعيد بن العاص أن يهدم دار مروان ويقبض أمواله كلها ليجعلها صافيةً ويقبض منه فدك وكان وهبها له ، فراجعه سعيد بن العاص في ذلك فأعاد معاوية الكتاب بذلك ، فلم يفعل سعيد ، ووضع الكتابين عنده ، فعزله معاوية وولى مروان ، وكتب إليه يأمره بقبض أموال سعيد بن العاص وهدم داره ، فأخذ الفعلة ( العمال ) وسار إلى دار سعيد ليهدمها ، فقال له سعيد‏:‏ " يا أبا عبد الملك أتهدم داري ؟"  قال‏:‏ " نعم ، كتب إلي أمير المؤمنين ولو كتب إليك في هدم داري لفعلت‏ " .‏ فقال‏:‏  "ما كنت لأفعل‏" .! . ‏ قال‏:‏ " بلى والله‏ " .‏ قال‏:‏ " كلا‏. " ‏ وقال لغلامه‏:‏" ايتني بكتاب معاوية "، فجاءه بالكتابين ، فلما رآهما مروان قال‏:‏ " كتب إليك فلم تفعل ولم تعلمني ؟ " فقال سعيد‏:‏ " ما كنت لأمن عليك وإنما أراد معاوية أن يحرض بيننا‏.".! . ‏ فقال مروان‏:‏ " أنت والله خير مني‏.‏ " !. وعاد ولم يهدم دار سعيد.  وكتب سعيد إلى معاوية‏:‏ " العجب مما صنع أمير المؤمنين بنا في قرابتنا‏!‏ إنه يضغّن بعضنا على بعض . فأمير المؤمنين في حلمه وصبره على ما يكره من الأخبثين وعفوه وإدخاله القطيعة بيننا والشحناء وتوارث الأولاد ذلك .! . فوالله لو لم نكن أولاد أب واحد لما جمعنا الله عليه من نصرة أمير المؤمنين الخليفة المظلوم واجتماع كلمتنا لكان حقًا على أمير المؤمنين أن يرعى ذلك‏.". ‏ فكتب إليه معاوية يعتذر من ذلك ويتنصل وأنه عائد إلى أحسن ما يعهده ‏.‏ ). الذى حمل معاوية على هذا السقوط الأخلاقى مع ركنى دولته ( مروان وسعيد ) هو تخطيطه للتوريث.

3 ـ قتل ( حُجر بن عدى ) زعيم الشيعة فى الكوفة ظلما وعدوانا ، فكان أول ضحية لحرية الرأى السياسى والمعارضة السياسية السلمية فى تاريخ المسلمين . قتله معاوية إرهابا للشيعة عام 53

4 ـ الذى فهم غرض معاوية فى التوريث ولعب به وعليه هو الداهية المغيرة بن أبى شعبة .

نحن الآن مع المغيرة قبيل عام  49 تقريبا ، وهو العام الذى توفى فيه ، على أصح الروايات .

ويبدو أن معاوية قد برم بالمغيرة لأنه لم ينجح فى ولايته على الكوفة فى استثارة حجر بن عدى وأصحابه وقتلهم . لذا أراد عزل المغيرة وتولية سعيد بن العاص مكانه . كان المغيرة فى آخر أيامه يريد الاستقرار واليا على الكوفة لا يتركها إلا بالموت ،  فعلم نية معاوية فى عزله عن الكوفة ، فقال المغيرة لأصحابه: ( الرأي أن أشخص إلى معاوية، فأستعفيه ، ليظهر للناس كراهتي للولاية‏ .‏).  لذا بادر المغيرة بالذهاب الى دمشق ليخدع معاوية بآخر سهم فى جعبته . قال المغيرة لأصحابه حين وصل إليه‏:‏ ( إن لم أكسبكم الآن ولاية وإمارة لا أفعل ذلك أبدًا‏.‏ ). وقبل أن يقابل معاوية ذهب المغيرة رأسا ليزيد بن معاوية ، وقال له‏:‏ ( إنه قد ذهب أعيان أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وآله وكبراء قريش وذوو أسنانهم وإنما بقي أبناؤهم ، وأنت من أفضلهم وأحسنهم رأيًا وأعلمهم بالسنة والسياسة، ولا أدري ما يمنع أمير المؤمنين أن يعقد لك البيعة‏.‏ قال‏:‏ أوترى ذلك يتم ؟ قال‏:‏ نعم‏.‏) .

فوجىء يزيد بأن ما يحلم به وما يخطط  له أبوه سرا يأتى المغيرة له ويشجعه عليه : (فدخل يزيد على أبيه ، وأخبره بما قال المغيرة ، فأحضر المغيرة وقال له : ما يقول يزيد ؟ فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين قد رأيت ما كان من سفك الدماء والاختلاف بعد عثمان ، وفي يزيد منك خلف، فاعقد له ، فإن حدث بك حادثٌ كان كهفًا للناس وخلفًا منك . ولا تسفك دماء ولا تكون فتنة‏.‏ قال‏:‏ ومن لي بهذا ؟ قال‏:‏ أكفيك أهل الكوفة ويكفيك زيادٌ أهل البصرة وليس بعد هذين المصرين أحد يخالفك‏.‏)

المغيرة هنا أدخل نفسه مع معاوية فى التخطيط لتحقيق الحلم ، وبالتالى لم يعد بوسع معاوية التخلى عنه ، لذا : ( قال‏:‏ فارجع إلى عملك وتحدث مع من تثق إليه في ذلك وترى ونرى‏.‏ فودعه ورجع إلى أصحابه‏.‏) .

رجع المغيرة منتصرا وهم فى انتظاره فى قلق : ( فقالوا‏:‏ مه ؟ قال‏:‏ لقد وضعت رجل معاوية في غرز بعيد الغاية على أمه محمد وفتقت عليهم فتقًا لا يرتق أبدًا ). أى إنه فى سبيل أن يبقى واليا على الكوفة عاما أو أكثر شجع معاوية على اتخاذ خطوة يعلم أنها ستزلزل المسلمين . وكله يهون ..فى سبيل الكرسى الملعون..!
5
ـ ونعود للمغيرة بعد رجوعه للكوفة ، فقد جهز جماعة من بنى أمية واتباعهم ،وأرسلهم وفدا الى دمشق تحت قيادة ابنه موسى بن المغيرة ، ليطالبوا معاوية بأن يعهد لابنه بولاية العهد وتوارث الحكم . تقول الرواية : ( وسار المغيرة حتى قدم الكوفة ، وذاكر من يثق إليه ومن يعلم أنه شيعة لبني أمية ــ  أمر يزيد ، فأجابوا إلى بيعته ، فأوفد منهم عشرة ويقال أكثر من عشرة وأعطاهم ثلاثين ألف درهم ، وجعل عليهم ابنه موسى بن المغيرة ، وقدموا على معاوية ، فزينوا له بيعة يزيد ودعوه إلى عقدها‏.‏ فقال معاوية‏:‏ لا تعجلوا بإظهار هذا وكونوا على رأيكم‏.‏ ) أى أدخلهم معاوية فى مخططه للتوريث ، يتحركون وقت أن يريد . ثم اختلى بموسى بن المغيرة قائد الوفد وسأله : (‏:‏ بكم اشترى أبوك من هؤلاء دينهم ؟! .قال‏:‏ بثلاثين ألفًا‏.‏ قال‏:‏ لقد هان عليهم دينهم‏.‏ .!! ). هذا هو سحر المال .!!. وهناك روايات أخرى تختلف فى التفاصيل ولكن تتفق فى اساسيات الموضوع وهو دور المغيرة فى تشجيع معاوية على التحرك العلنى نحو تحقيق حلمه بتوارث السلطة فى عقبه.

6 ــ وقد كان زياد بن أبيه هو المتحكم فى فارس فى خلافة (على ) وبعد مقتل ( على ) ، فاستماله معاوية بأن  زعم أن زياد هو ابن لأبي سفيان ، وبإلحاق زياد ابن أبيه بنسب معاوية أصبح إسمه الرسمى زياد بن أبى سفيان ، وتحالف زياد مع معاوية وضم اليه فارس ، واستمر زياد بن أبيه أمير البصرة لمعاوية .  ومات المغيرة فى طاعون عام 49 ، فضم معاوية الكوفة وأعمالها الى ( زياد ابن أبيه ) . فكان زياد هو أول من جمع ولاية العراق كله وما يتبعه من فارسوأواسط آسيا ( أى نصف الامبرطورية الأموية ) . كانت هذه رشوة لزياد ، وإنتظر معاوية منه الرد عليها بالموافقة على بيعة يزيد، إذ كتب معاوية الى زياد ابن أبيه يستشيره فى البيعة ليزيد . وكان زياد ابن أبيه يرى أن يزيد بن معاوية لا يصلح للخلافة ، فكتب الي معاوية ينصحه بالتروى وألا يعجل ، وأن يُصلح من أمر يزيد، تقول الرواية ( وكتب زياد إلى معاوية يأمره بالتؤدة وألا يعجل ، فقبل ذلك معاوية ، وكف يزيد عن كثير مما كان يصنع. ).أى مما يفعله يزيد من الخمر والمجون .

ثالثا : إعلان البيعة ليزيد

1 ـ ثم مات زياد ابن أبيه ( فجأة )، على العادة فى الموت الفُجائى لكل من يخشلى منهم معاوية، بعدها مباشرة كان إعلان معاوية البيعة ليزيد  . تقول الرواية إنه ( لما مات زياد دعا معاوية بكتاب فقرأه على الناس باستخلاف يزيد ، وإن حدث به حدث الموت فيزيد ولي عهده . فاستوثق له الناس على البيعة ليزيد غير خمسة نفر )، وهؤلاء الخمسة هم فى هذه الرواية :  ( بايع الناس ليزيد بن معاوية غير الحسين بن علي وابن عمر وابن الزبير وعبدالرحمن بن أبي بكر وابن عباس .) .

وتقول عناوين الروايات ( وفى عام 56 هجرية أعلن معاوية البيعة لابنه يزيد  ) ، ( ثم دخلت سنة ست وخمسين  : وفيها دعا معاوية الناس الى بيعة ابنه يزيد من بعده وجعله ولي العهد.).

2 ـ وابتدع معاوية السّنة التى سار عليها بعده المستبدون فى مسرحيات توريث العهد ، وهى أن يعقد مؤتمرا يتبارى فيه القادة المنافقون والمطبلون من (الملأ ) فى  المطالبة بترشيح ابن السلطان وليا للعهد بعد السلطان ، ويقدمون لولى العهد البيعة والعهود والمواثيق .

معاوية هو مؤسس ومبتدع الكثير من ملامح الكفر السلوكى  الذى وقع ويقع فيه مستبدو المحمديين ، من الرشوة والاغتيال الى توريث الحكم . فبعد أن أعدّ العدة على مهل أمر بعقد مؤتمر عام للبيعة لابنه يزيد فى سنة 59 هجرية . وخطط معاوية السيناريو الواجب إتباعه . أن يخطب معاوية ، ثم يقوم بعده بالتعقيب الضحاك بن قيس الفهرى ينادى بترشيح يزيد ، ثم يليه عبد الرحمن بن عثمان الثقفى ، ثم ابن عضاة الأشعرى ثم ابن "> 4 ـ بإيجاز نقول أنه بدأ العرب بسبب طبيعتهم الحربية بالفتوحات ، وطبقا لتشريع القرآن والاسلام فهى ( كُفر سلوكى ) بالاعتداء . ثم تم تشريع هذا الكفر السلوكى بأحاديث وتشريعات فقهية ، فتمت ولادة الكفر العقيدى تشريعيا وعقيديا . ونحن نحظى فى عصرنا البائس بنوعى الكفر السلوكى ( الارهاب ) والعقيدى ( تقديس الصحابة والأئمة ). وبينما يتقدّم العالم المتحضر فى مجالات الديمقراطية وحقوق الانسان والمخترعات فإن المسلمين يتقدمون الى الخلف ، يجترّون ماضيا داميا ظالما شريرا ، يدافعون عن الظالمين ويسكنون مساكن الذين ظلموا أنفسهم ، بل يجعلون هذا التخلف الماضوى الرجعى دينا جديدا اسمه ( السلفية). وزعيم السلفيين فى العالم هو المستبد الأكبر فرعون إمام المستبدين والذى جعله الله جل وعلا مثلا وسلفا لمن اتى بعده من الظالمين : ( فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُۥ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَوْمًۭا فَـٰسِقِينَ ﴿٥٤﴾ فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَـٰهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿٥٥﴾ فَجَعَلْنَـٰهُمْ سَلَفًۭا وَمَثَلًۭا لِّلْءَاخِرِينَ ﴿٥٦﴾ الزخرف ).

ودائما : صدق الله العظيم .

 

 

 

الفصل الثالث   

  مراسلة الكوفيين الحسين وقتل مسلم بن عقيل

   مقدمة :  تقول الرواية عن ارسال مسلم بن عقيل للكوفة ( :‏ وكان مخرج ابن عقيل بالكوفة لثماني ليال مضين من ذي الحجةسنة ستين وقيل‏:‏ لتسع مضين منه ) .

 ننقل الأحداث التاريخية برواياتها بالترتيب ،  مع تلخيص لها

أولا : بعض شيعة الكوفة يراسلون الحسين ليأتى اليهم والحسين يبعث لهم بابن عمه مسلم بن عقيل  :

 1 ـ بعض شيعة الكوفة يراسلون الحسين ليأتى اليهم ، ويقولون إنهم يقاطعون الأمير الأموى ، وأنه لو جاءهم فسيطردون الأمير عليهم من لدن الأمويين .

تقول الرواية  :( ولما بلغ أهل الكوفة موت معاوية وامتناع الحسين وابن عمر وابن الزبير عن البيعة أرجفوا بيزيد ، واجتمعت الشيعة في منزل سليمان بن صرد الخزاعي ، فذكروا مسير الحسين إلى مكة ، وكتبوا إليه عن نفر ،  منهم‏ :‏ سليمان بن صرد الخزاعي والمسيب بن نجبة ورفاعة بن شداد وحبيب بن مظاهر،  وغيرهم‏:‏

" بسم الله الرحمن الرحيم . سلامٌ عليك . فإننا نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو . أما بعد.  فالحمد لله الذي قصم عدوك الجبار العنيد الذي انتزى على هذه الأمة ، فابتزها أمرها وغصبها فيئها وتأمرعليها بغير رضىً منها ، ثم قتل خيارها واستبقى شرارها وجعل مال الله دولة بين جبابرتها وأغنيائها،  فبعدت له كما بعدت ثمود.  وأنه ليس علينا إمام.  فاقبل لعل الله أن يجمعنا بك على الحق. والنعمان بن بشير ( أمير الكوفة ) في قصر الإمارة ، لسنا نجتمع معه في جمعة ولاعيد . ولو بلغنا إقبالك إلينا أخرجناه حتى نلحقه بالشام " ) .

وتقول الرواية : ( وسيروا الكتاب مع عبد الله بن سبع الهمداني وعبد الله بن والٍ . ثم كتبوا إليه كتابًا آخر وسيروه بعد ليلتين . فكتب الناس معه نحوًا من مائة وخمسين صحيفة . ثم أرسلوا إليه رسولًا ثالثًا يحثونه على المسير إليهم . ثم كتب إليه شبث بن ربعي وحجار بن أبجر ويزيد بن الحارث ويزيد بن رويم وعروة بن قيس وعمرو بن الحجاج الزبيدي ومحمد ابن عمير التميمي بذلك‏.) .

2 ـ   و يردّ الحسين عليهم بأنه سيبعث اليهم ابن عمه مسلم بن عقيل ليستكشف الأمر بنفسه، تقول الرواية  :

( فكتب إليهم الحسين عند اجتماع الكتب عنده ‏:‏ أما بعد فقد فهمت كل الذي اقتصصتم . وقد بعثت إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل ، وأمرته أن يكتب إلي بحالكم وأمركم ورأيكم . فإن كتب إلي أنه قد اجتمع رأي ملإكم وذوي الحجى منكم على مثل ما قدمت به رسلكم أقدم إليكم وشيكًا إن شاء الله.) ‏.

 ثانيا : قدوم مسلم بن عُقيل للكوفة

1ـ ثم أرسل الحسين إبن عمه مسلم الى الكوفة ، فدخلها مسلم ، واجتمع به شيعة الكوفة ، ووعدوه بالنصرة ، تقول الرواية  : (‏ ثم دعا الحسين مسلم بن عقيل فسيّره نحو الكوفة ، وأمره بتقوى الله وكتمان أمره واللطف، فإن رأى الناس مجتمعين له عجّل إليه بذلك‏.‏).. ( فسار مسلم حتى أتى الكوفة ، ونزل في دار المختار ، وقيل غيرها ، وأقبلت الشيعة تختلف إليه ( أى تزوره )،  فكلما اجتمعت إليه جماعة منهم قرأ عليهم كتاب الحسين فيبكون ، ويعدونه من أنفسهم القتال والنصرة . واختلفت إليه الشيعة حتى علم بمكانه..).

ثالثا : موقف أمير الكوفة وقتئذ ( النعمان بن بشير الأنصارى )

1ـ إلتزم أمير الكوفة وقتئذ ( النعمان بن بشير الأنصارى ) الطريق السلمى ، فأخذ يعظ شيعة الحسين ويحذّرهم رافضا أن يواجههم بالسلاح . وواضح من خطابه ووعظه لهم أنهم بايعوا يزيد . تقول الرواية  ( وبلغ ذلك النعمان بن بشير وهو أمير الكوفة، فصعد المنبر فقال ‏:‏ " أما بعد فلا تسارعوا إلى الفتنة والفرقة ، فإن فيهما تهلك الرجال وتسفك الدماء وتُغصب الأموال‏.‏". وكان حليمًا ناسكًا يحب العافية ، ثم قال‏:‏ " إني لا أقاتل من لم يقاتلني ، ولا أثب على من لا يثب علي . ولا أنبه نائمكم ، ولا أتحرش بكم ، ولا آخذ بالظنة ولا التهمة ، ولكنكم إن أبدلتم صفحتكم ونكثتم بيعتكم وخالفتم إمامكم فوالله الذي لا إله غيره لأضربنكم بسيفي ما ثبت قائمة بيدي، ولو لم يكن لي منكم ناصر ولامعين . أما إني أرجو أن يكون من يعرف الحق منكم أكثر ممن يرديه الباطل‏.‏".

وعارضه أنصار الأمويين  فى الكوفة ، تقول الرواية : .(  فقام إليه عبد الله بن مسلم بن سعيد الحضرمي حليف بني أمية فقال‏ :‏ إنه لا يصلح ما ترى إلا الغشم . إن هذا الذي أنت عليه رأي المستضعفين‏.‏" . فقال‏:‏ " أكون من المستضعفين في طاعة الله أحب إلي من أن أكون من الأعزين في معصية الله‏.‏" ونزل‏. ) .

2 ــ لم يأبه بهم ، فطلبوا  من الخليفة يزيد  بن معاوية عزله ، يتهمونه بالضعف ، تقول الرواية : (  ‏فكتب عبد الله بن مسلم إلى يزيد يخبره بقدوم مسلم بن عقيل الكوفة،  ومبايعة الناس له. ويقول له‏:‏ " إن كان لك في الكوفة حاجة فابعث إليها رجلًا قويًا، ينفّذ أمرك ويعمل مثل عملك في عدوك ، فإن النعمان رجل ضعيف أو هو يتضعف‏.‏". وكان هو أول من كتب إليه . )

 ثم كتب ليزيد آخرون منهم عمارة بن الوليد بن عقبة ، وعمرو بن سعد بن أبي وقاص.

رابعا : تعيين عبيد الله بن زياد ابن أبيه والي البصرة واليا على الكوفة أيضا

1ـ وسارع يزيد بعزل النعمان بن بشير وضم الكوفة لوالى البصرة  ( عبيد الله بن زياد ابن أبيه )  وأمره بقتل مسلم بن عقيل أو نفيه ، تقول الرواية : ( فلما اجتمعت الكتب عند يزيد دعا سرجون مولى معاوية ، فأقرأه الكتب،  واستشاره فيمن يوليه الكوفة .) فأشار عليه بتولية عبيد الله بن زياد بن أبيه .  ( فأخذ برأيه ، وجمع الكوفة والبصرة لعبيد الله ، وكتب إليه بعهده ، وسيّره إليه مع مسلم بن عمرو الباهلي ( والد قتيبة بن مسلم ) ، فأمره بطلب مسلم بن عقيل وبقتله أونفيه‏.‏ فلما وصل كتابه إلى عبيد الله أمر بالتجهز ليبرز من الغد .  )

2ـ وكان الحسين قد بعث برسالة موحدة الى زعماء أهل البصرة يدعوهم الى نُصرته  ، فخافوا الرد عليه ، وأحدهم بعث بالرسالة الى الوالى عبيد الله بن زياد ، فقتل ابن زياد رسول الحسين. وحين جاء لابن زياد أمر تعيينه واليا أيضا على الكوفة ، وقبل أن يسافر الى الكوفة جمع أهل البصرة  وهدّدهم بأشد العقاب لو تحركوا ضده وهو غائب عنهم فى الكوفة ، تقول الرواية : ( وكان الحسين قد كتب إلى أهل البصرة نسخةً واحدة إلى الأشراف، فكتب إلى مالك بن مسمع البكري والأحنف بن قيس والمنذر بن الجارود ومسعود بن عمرو وقيس بن الهيثم وعمر بن عبيد الله بن معمر ، يدعوهم إلى كتاب الله وسنة رسوله ، وأن السنة قد ماتت والبدعة قد أحييت، فكلهم كتموا كتابه إلا المنذر بن الجارود ، فإنه خاف أن يكون دسيسًا من ابن زياد. فأتاه بالرسول والكتاب ، فضرب ( ابن زياد ) عنق الرسول ، وخطب الناس وقال‏:‏ " أمابعد، فوالله ما بي تُقرن الصعبة وما يُقعقع لي بالشنان ، وإني لنكلٌ لمن عاداني وسلمٌ لمن حاربني ..يا أهل البصرة إن أمير المؤمنين قد ولاني الكوفة، وأنا غادٍ إليها بالغداة ، وقد استخلفت عليكم أخي عثمان بن زياد ، فإياكم والخلاف والإرجاف . فوالله لئن بلغني عن رجل منكم خلاف لأقتلنه وعريفه ووليه ، ولآخذن الأدنى بالأقصى ، حتى تستقيموا ولا يكون فيكم مخالف ولا مشاقُّ . وإني أنا ابن زياد أشبهته من بين من وطىء الحصى ، فلم ينتزعني شبه خال ولا ابن عم‏.‏").

3ـ وسافر عبيد الله بن زياد للكوفة ومعه 500 من أتباعه ، فتفرقوا عنه فى الطريق يحاولون تعطيله حتى يصل الحسين للكوفة قبله ، ولكنه سبق ، ودخل الكوفة وحيدا ، متنكرا ، وكان أهل الكوفة يظنونه الحسين ، ودخل دار الامارة وقابل الأمير المعزول ، والذى كان يظن أيضا أنه الحسين ، فكشف له ابن زياد عن شخصيته ، وتولى مكانه واليا . تقول الرواية : ( ثم خرج من البصرة .. وقيل‏:‏ كان معه خمسمائة فتساقطوا عنه.... ورجوا أن ..يسبقه الحسين إلى الكوفة ، فلم يقف على أحد منهم حتى دخل الكوفة وحده ، فجعل يمر بالمجالس فلا يشكّون أنه الحسين ، فيقولون‏:‏مرحبًا بك يا ابن رسول الله‏!‏ وهو لا يكلمهم . وخرج إليه الناس من دورهم فساءه مارأى منهم . وسمع النعمان ( الوالى ) ، فأغلق عليه الباب، وهو لا يشك أنه الحسين . وانتهى إليه عبيدالله ومعه الخلق يصيحون ، فقال له النعمان ‏:‏ أنشدك الله ألا تنحيت عني‏!‏ فوالله ماأنا بمسلم إليك أمانتي وما لي في قتالك من حاجة‏!‏ فدنا منه عبيد الله وقال له‏:‏ افتح لا فتحت - فسمعها إنسان خلفه، فرجع إلى الناس وقال لهم‏:‏ إنه ابن مرجانة‏ ( أى ابن زياد ).  ‏ففتح له النعمان فدخل ، وأغلقوا الباب . وتفرق الناس.)  ..

خامسا : سياسة ابن زياد فى الكوفة

1ـ  فى صباح اليوم التالى خطب ابن زياد معلنا سياسته لأهل الكوفة بالاحسان للمطيع منهم والقسوة مع المعارضة ، تقول الرواية :( وأصبح ، ..فجلس على المنبر ..وخطبهم .. فقال‏:‏ " أما بعد ، فإن أمير المؤمنين ولّاني مصركم وثغركم وفيئكم ، وأمرني بإنصاف مظلومكم وإعطاء محرومكم وبالإحسان إلى سامعكم ومطيعكم، وبالشدة على مريبكم وعاصيكم . وأنا متبع فيكم أمره ومنفذٌ فيكم عهده ، فأنا لمحسنكم كالوالد البر ولمطيعكم كالأخ الشقيق، وسيفي وسوطي على من ترك أمري وخالف عهدي . فليبق أمرؤ على نفسه‏.‏".).

 2  ـ وأمر ابن زياد   أعوانه بتسجيل أى غريب قدم للكوفة أو يقدم اليها ، وأى مشبوه وأى متهم بأنه من الخوارج ( الحرورية )، وقسّم الكوفة الى مناطق ، وعلى كل منها رجل ، ويضمن كل منهم المنطقة التى هو مسئول عنها ، وهدد بصلب من يتوانى منهم فى أداء مهمته ، تقول الرواية : ( ثم نزل فأخذ العرفاء والناس أخذًا شديدًا . وقال‏:‏ اكتبوا إلىّ الغرباء ومن فيكم من طلبة أميرالمؤمنين ( اى المطلوبين ) ، ومن فيكم من الحرورية ( الخوارج ) وأهل الريب الذين رأيهم الخلاف والشقاق ، فمن كتبهم إلي فبرئ ، ومن لم يكتب لنا أحدًا فليضمن لنا ما في عرافته أن لايخالفنا فيهم مخالف ولا يبغي علينا منهم باغٍ.  فمن لم يفعل فبرئت منه الذمة ، وحلال لنا دمه وماله .  وأيما عريف وجد في عرافته من بغية أمير المؤمنين أحدٌ لم يرفعه إلينا صُلب على باب داره..".. .‏ ثم نزل‏.‏ .)

سادسا :  مسلم بن عقيل يستجير بهانىء بن عروة المرادى:

1 ـ  بدأت محنة مسلم بن عقيل بعد إعلان عبيد الله بن زياد سياسته وتهديداته ، وأن القصد هو إعتقاله وتسليمه ، فإستجار بهانىء بن عروة شيخ عشيرة بنى مراد  من قبيلة مذحج ، فيُجيره هانىء مُضطرا ، وتصبح دار هانىء ملتقى الشيعة الراغبين فى مقابلة مسلم بن عقيل . تقول الرواية : ( وسمع مسلم بمقالة عبيد الله فخرج من دار المختار ، وأتى دار هانئ ابن عروة المرادي، فدخل بابه ، واستدعى هانئًا فخرج إليه، فلما رآه كره مكانه . فقال له مسلم‏:‏ " أتيتك لتجيرني وتضيفني‏.‏"!. فقال له هانئ ‏:‏ لقد كلفتني شططًا ولولا دخولك داري لأحببت أن تنصرف عني ،غير أنه يأخذني من ذلك ذمام ادخل‏.‏" فآواه ، فاختلفت الشيعة إليه في دار هانئ ‏.‏). أى جاءت الشيعة الى دار هانىء تجتمع بمسلم بن عقيل .

2ـ وأرسل ابن زياد  جاسوسا وزرعه فى دار هانىء ليعرف أخبار مسلم وأنصاره ، تقول الرواية : ( ودعا ابن زياد مولى له ، وأعطاه ثلاثة آلاف درهم ، وقال له‏:‏ "اطلب مسلم ابن عقيل وأصحابه ، والقهم ، وأعطهم هذا المال ، وأعلمهم أنك منهم واعلم أخبارهم‏.‏". ففعل ذلك . وأتى مسلم بن عوسجة الأسدي بالمسجد ،  فسمع الناس يقولون‏:‏ " هذا يبايع للحسين " وهو يصلي،  فلما فرغ من صلاته قال له‏ ( أى مولى ابن زياد ) :‏ " يا عبد الله إني امرؤ من أهل الشام أنعم الله علي بحب أهل هذا البيت وهذه ثلاثة آلاف درهم أردت بها لقاء رجل منهم بلغني أنه قدم الكوفة يبايع لابن بنت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقدسمعت نفرًا يقولون إنك تعلم أمر هذا البيت ، وإني أتيتك لتقبض المال وتدخلني على صاحبك أبايعه ، وإن شئت أخذت بيعتي له قبل لقائي إياه‏." ‏فقال‏:‏ " لقد سرني لقاؤك إياي لتنال الذي تحب وينصر الله بك أهل بيت نبيه،  وقد ساءني معرفة الناس هذا الأمر مني قبل أن يتم ، مخافة هذا الطاغية وسطوته‏" .‏فأخذ بيعته والمواثيق المعظمة ليناصحنّ وليكتمنّ ،  واختلف إليه أيامًا( أى قابله )  ليدخله على مسلم بن عقيل‏.... ثم إن مولى ابن زياد الذي دسه بالمال اختلف إلى مسلم بن عوسجة .. فأدخله على مسلم بن عقيل ، فأخذ بيعته وقبض ماله ، وجعل يختلف إليهم ( اى يزورهم ) ويعلم أسرارهم وينقلها إلى ابن زياد‏.‏)

سابعا : ابن زياد يعتقل  هانىء  بن عروة المرادى ويعذبه

1  ـ وخطط  ابن زياد لاعتقال هانىء بن عروة وإختطافه برغم عشيرته( بنو مراد ) وقبيلته ( مذحج ). وفى اللحظة المناسبة وقد توفرت المعلومات لدى ابن زياد ـ إستدعى هانىء بن عروة  بخديعة إستعان فيها بزعماء الكوفة .  تقول الرواية : ( وكان هانئ قد انقطع عن عبيد الله بعذر المرض ، فدعا عبيد الله : محمد بن الأشعث واسماء بن خارجة .. فسألهم عن هانئ وانقطاعه  ، فقالوا‏:‏ " إنه مريض " ‏. ‏فقال‏:‏ " بلغني أنه يجلس على باب داره وقد برأ  فالقوه فمروه أن لايدع ما عليه في ذلك" ‏. ‏فأتوه ، فقالوا له‏:‏ " إن الأمير قد سأل عنك" وقال‏:‏ لو أعلم أنه شاك ( أى مريض )  لعُدته ( أى زُرته ) ، وقد بلغه أنك تجلس على باب دارك وقد استبطأك . والجفاء لا يحتمله السلطان.  أقسمنا عليك لو ركبت معنا‏.‏". فلبس ثيابه وركب معهم‏.‏ فلما دنا من القصر أحست نفسه بالشر ، فقال لحسان بن أسماء بن خارجة‏:‏"يا ابن أخي إني لهذا الرجل لخائفٌ فما ترى ؟ " فقال‏:‏ " ما أتخوف عليك شيئًا ، فلا تجعل على نفسك سبيلًا .")‏.‏

2ـ  : ابن زياد يحقّق مع هانىء ويواجهه بالجاسوس ويثبت أن مسلم بن عقيل فى داره ، ويأمره ابن زياد بتسليم مسلم بن عقيل فيرفض هانىء فيقوم ابن زياد بضربه وتعذيبه ، وتقلق قبيلة مذحج على حياة هانىء ،  فيأتى بعضهم الى خارج القصر ليطمئن على هانىء ، فيأمر عبيد الله بن زياد القاضى شريح فيخرج اليهم ويطمئنهم بأن هانىء بخير ، فانصرفوا وتركوا هانىء فريسة فى يد عبيد الله بن زياد. تقول الرواية : ( فدخل القوم على ابن زياد ، وهانئ معهم، فلما رآه ابن زياد .. قال ..‏:‏ "أريد حياته ويريد قتلي   عذيرك من خليلك من مراد"... فقال هانئ ‏:‏ "وما ذاك ؟ "فقال‏:‏ " يا هانئ ما هذه الأمور التي تربص في دارك لأمير المؤمنين والمسلمين؟ ‏!‏ جئت بمسلم فأدخلته دارك وجمعت له السلاح والرجال وظننت أن ذلك يخفى علي‏!‏ ". قال‏:‏ "ما فعلت‏.‏".قال‏:‏ "بلى‏.‏". وطال بينهما النزاع  ، فدعا ابن زياد مولاه ، ذاك العين ( الجاسوس ) ، فجاء حتى وقف بين يديه . فقال‏:‏ أتعرف هذا ؟ قال‏:‏ نعم . وعلم هانئ أنه كان عينًا عليهم ، فسقط في يده ساعة. ثم راجعته نفسه قال‏:‏ " اسمع مني وصدقني ، فوالله لا أكذبك. والله ما دعوته ولا علمت بشيء من أمره حتى رأيته جالسًا على بابي يسألني النزول علي، فاستحييت من رده ولزمني من ذلك ذمام ، فأدخلته داري وضُفته ، وقد كان من أمره الذي بلغك ، فإن شئت أعطيتك الآن موثقًا تطمئن به ورهينةً تكون في يدك حتى أنطلق وأخرجه من داري وأعود إليك‏.‏". فقال‏:‏ " لا والله‏.‏ لا تفارقني أبدًا حتى تأتيني به‏.‏" قال‏:‏ "لا آتيك بضيفي تقتله أبدًا‏.‏". فلما كثر الكلام قام مسلم بن عمرو الباهلي وليس بالكوفة شامي ولابصري غيره ، فقال‏( لابن زياد ):‏ " خلني وإياه حتى أكلمه لما رأى من لجاجه."  وأخذ هانئًا ، وخلا به ناحية من ابن زياد ، بحيث يراهما فقال له‏:‏ " يا هانئ أنشدك الله أن تقتل نفسك وتدخل البلاء على قومك‏!‏ إن هذا الرجل ( مسلم بن عقيل ) ابن عم القوم ( يعنى  أن مسلم هاشمى وبنو أمية وبنوهاشم أولاد عمومة ) وليسوا بقاتليه ولا ضائريه ، فادفعه إليه فليس عليك بذلك مخزاة ولا منقصة،  إنما تدفعه إلى السلطان‏!‏ " ) قال( هانىء ) ‏:‏ " بلى ، والله إن علي في ذلك خزيًا وعارًا . لا أدفع ضيفي وأنا صحيح شديد الساعد كثير الأعوان . والله لو كنت واحدًا ليس لي ناصر لم أدفعه حتى أموت دونه‏.‏". فسمع ابن زياد ذلك فقال‏:‏ "أدنوه مني‏.‏". فأدنوه منه‏.‏فقال‏:‏" والله لتأتيني به أو لأضربن عنقك‏!‏ " قال‏:‏ "إذن والله تكثرالبارقة حول دارك‏!‏ "( يعنى أن قبيلته ستثأر له ) . وهو يرى أن عشيرته ستمنعه‏. ‏فقال ( ابن زياد )‏:‏ "أبالبارقة تخوفني‏.؟"‏.  وقيل إن هانئًا لما رأى ذلك الرجل الذي كان عينًا لعبيد الله علم أنه قد أخبره الخبر فقال‏:‏ " أيها الأمير قد كان الذي بلغك ولن أضيع يدك عندي ، وأنت آمن وأهلك فسر حيث شئت‏.‏" ( يعنى أن هانىء يعطى الأمان للأمير ابن زياد كى يترك الكوفة ويغادرها آمنا ، أى يهدد الأمير ) . فأطرق عبيد الله عند ذلك ، ومهران قائم على رأسه وفي يده معكزة فقال ( مهران يخاطب الأمير يحرضه على هانىء )‏:‏ " واذلاه‏!‏ هذا الحائك يؤمّنك في سلطانك‏!‏ " فقال (ابن زياد لمهران )‏:‏ "خذه." ،  فأخذ مهران ضفيرتي هانئ ، وأخذ عبيد الله القضيب،  ولم يزل يضرب أنفه وجبينه وخده حتى كسر أنفه وسيل الدماء على ثيابه ونثر لحم خديه وجبينه على لحيته حتى كسر القضيب ، وضرب هانئ يده إلى قائم سيف شرطي وجبذه فمنع منه ، فقال له عبيد الله‏:‏ "أحروري؟ أحللت بنفسك وحل لنا قتلك‏!‏ ". ثم أمر به فألقي في بيت وأغلق عليه‏.‏ فقام إليه أسماء بن خارجة فقال ‏:‏" أرسله يا غادر‏!‏ أمرتنا أن نجيئك بالرجل فلما أتيناك به هشمت وجهه وسيلت دماءه وزعمت أنك تقتله‏.‏". فأمر به عبيد الله فلهز وتعتع ، ثم تُرك . ( أى ضربوه ضربا شديدا ثم تركوه ) . وبلغ عمرو بن الحجاج ( زعيم قبيلة مذحج ) أن هانئًا قد قتل ، فأقبل في مذحج ( قبيلة مذحج ) حتى أحاطوا بالقصر ونادى‏:‏ "أنا عمرو بن الحجاج ، هذه فرسان مذحج ووجوهها ، لم نخلع طاعة ولم نفارق جماعةً‏.‏". فقال عبيد الله لشريح القاضي وكان حاضرًا‏:‏ " ادخل على صاحبهم ( أى هانىء ) فانظرإليه ثم اخرج إليهم فأعلمهم أنه حي‏.‏". ففعل شريح ، فلما دخل عليه ، قال له هانئ ‏:‏ " يا للمسلمين‏!‏ أهلكت عشيرتي.! أين أهل الدين؟ أين أهل النصر؟ أيخلونني وعدوهم وابن عدوهم‏!‏ "وسمع ( هانىء ) الضجة فقال‏:‏ يا شريح إني لأظنها أصوات مذحج وشيعتي من المسلمين ، إنه إن دخل علي عشرة نفرأنقذوني‏.‏" فخرج شريح ومعه عين ( جاسوس )  أرسله ابن زياد،  قال شريح‏:‏ " لولا مكان العين لأبلغتهم قول هانئ ‏" .‏فلما خرج شريح إليهم قال‏:‏ "قد نظرت إلى صاحبكم وإنه حي لم يقتل‏." ‏فقال عمرو وأصحابه‏:‏ " فأما إذ لم يقتل فالحمد لله‏!‏ " ثم انصرفوا‏.‏).

ثامنا : مسلم بن عقيل يحاصر قصر ابن زياد فيفشل ويتفرق عنه أصحابه

1 ــ  وبلغ مسلم ما حدث لهانىء ، فنادى أصحابه للحرب لانقاذ هانىء ، واعدّ جيشا لقتال عبيد الله بن زياد ، وحاصر بهم قصر الإمارة الذى تحصّن فيه ابن زياد، واتصل ابن زياد برءوس القبائل المتحالفين معه ، وأمرهم بالتحريض ضد مسلم بن عقيل، كما دعا من معه فى القصر من رءوس القبائل بأن يعلنوا من شرفات القصر أنصار مسلم بن عقيل بالترهيب والترغيب حتى ينفضوا عن مسلم . وفعلا ما لبث أن تفرّق عن مسلم أنصاره ، وصار وحيدا !!.  

2 ــ تقول الرواية  : ( وأتى الخبر مسلم بن عقيل فنادى في أصحابه‏:‏ يا منصور أمت‏!‏ وكان شعارهم ، وكان قد بايعه ثمانية عشر ألفًا ، وحوله في الدور أربعة آلاف ، فاجتمع إليه ناس كثير ، فعقد مسلم لعبد الله بن عزير الكندي على ربع كندة ، وقال‏:‏  "سر أمامي " ، وعقد لمسلم بن عوسجة الأسدي على ربع مذحج  وأسد ، وعقد لأبي ثمامة الصائدي على ربع تميم وهمدان ، وعقد لعباس بن جعدة الجدلي على ربع المدينة.  وأقبل نحو القصر‏.‏ فلما بلغ ابن زياد إقباله تحرّز ( أى تحصّن ) في القصر ، وأغلق الباب،  وأحاط مسلم بالقصر ، وامتلأ المسجد والسوق من الناس،  وما زالوا يجتمعون حتى المساء.  وضاق بعبيدالله أمره ، وليس معه في القصر إلا ثلاثون رجلًا من الشرط وعشرون رجلًا من الأشراف وأهل بيته ومواليه.  وأقبل أشراف الناس يأتون ابن زياد من قبل الباب الذي يلي دارالروميين ، والناس يسبون ابن زياد وأباه‏ . ‏فدعا ابن زياد كثير بن شهاب الحارثي وأمره أن يخرج فيمن أطاعه من مذحج فيسير ويخذّل الناس عن ابن عقيل ويخوفهم،  وأمر محمد بن الأشعث أن يخرج فيمن أطاعه من كندة وحضرموت فيرفع راية أمان لمن جاءه من الناس،  وقال مثل ذلك للقعقاع بنشور الذهلي وشبث بن ربعي التميمي وحجار بن أبجر العجلي وشمر بن ذي الجوشن الضبابى ، وترك وجوه الناس عنده استئناسًا بهم ، لقلة من معه‏. ‏وخرج أولئك النفر يخذلون الناس.  وأمر عبيد الله من عنده من الأشراف أن يشرفوا على الناس من القصر فيُمنُّوا أهل الطاعة ويخوّفوا أهل المعصية ،  ففعلوا،  فلماسمع الناس مقالة أشرافهم أخذوا يتفرقون حتى إن المرأة تأتي ابنها وأخاها وتقول‏: "‏انصرف الناس يكفونك " ويفعل الرجل مثل ذلك ، فما زالوا يتفرقون حتى بقي ابن عقيل في المسجد في ثلاثين رجلًا‏.‏).

تاسعا :  مسلم يختفى فى بيت إمرأة

1 ـ واصبح مسلم بن عقيل يسير فى شوارع الكوفة خائفا يترقّب .!! ، وذهب الى مساكن قبيلة كنده ، يظن أنهم سينصرونه لأن زعيمهم محمد بن أشعث بن قيس من كبار الشيعة ، ولم يكن يعرف أنه أصبح عميلا لابن زياد ، فاستجار مسلم بامرأة من كندة، فأجارته وآوته .

2 ــ  تقول الرواية عن حال مسلم بن عقيل  : ( فلما رأى ذلك خرج متوجهًا نحو أبواب كندة ، فلما خرج إلى الباب لم يبق معه أحد ، فمضى في أزقة الكوفة لا يدري أين يذهب ، فانتهى إلى باب امرأة من كندة يقال لها طوعة ، أم ولد كانت للأشعث وأعتقها فتزوجها أسيد الحضرمي فولدت له بلالًا . وكان بلال قد خرج مع الناس، وهي تنتظره ، فسلم عليها ابن عقيل وطلب الماء فسقته ، فجلس، فقالت له‏:‏ " يا عبد الله ألم تشرب ؟ "قال‏:‏ " بلى" ‏.‏قالت‏:‏ "فاذهب إلى أهلك . " فسكت . فقالت له ثلاثًا فلم يبرح . فقالت‏:‏ " سبحان الله‏!‏ إني لا أحل لك الجلوس على بابي‏.‏" ، فقال لها‏:‏ " ليس لي في هذا المصر منزل ولا عشيرة ، فهل لك إلى أجر ومعروف ، ولعلي أكافئك به بعد اليوم ؟ " قالت‏:‏" وما ذاك ؟" قال‏:‏" أنا مسلم بن عقيل، كذبني هؤلاء القوم وغرّوني‏.‏"!. قالت‏:‏" ادخل".‏ فأدخلته بيتًا في دارها ، وعرضت عليه العشاء فلم يتعش‏ .‏ وجاء ابنها ، فرآها تكثر الدخول في ذلك البيت فقال لها‏:‏ "إن لك لشأنًا في ذلك البيت‏.‏"، وسألها فلم تخبره ، فألحّ عليها فأخبرته ،واستكتمته ،وأخذت عليه الأيمان بذلك فسكت‏.) .

عاشرا : محمد بن الأشعث بن قيس يخبر ابن زياد بمكان مسلم بن عقيل 

1ـ بعد أن تأكّد ابن زياد من تفرّق أنصار مسلم بن عقيل عنه جمع قادة شرطته وجنده فى المسجد ونادى فى الناس بالحضور فيه ، وأمرهم بالطاعة وهددهم إن عصوا ، وأمر الشرطة بتفتيش بيوت الكوفة وجعل جائزة لمن يأتيه بمسلم بن عقيل ، وخاف ابن السيدة التى أوت مسلم بن عقيل ، فأفشى الابن  السّر لعبد الرحمن ابن محمد ابن الأشعث ، فأوصل عبد الرحمن الخبر الى ابيه محمد بن الأشعث ،  فأوصله الى ابن زياد . فجعل ابن زياد محمد بن الأشعث ( الكندى ممثلا لقبائل قحطان اليمنية ) قائد الحملة المكلفة باعتقال مسلم بن عقيل وجعل معه أحد زعماء قبيلة قيس المُضرية فى الكوفة وهو عمرو بن عبيد الله السلمي ،  ليكون هناك توازن بين قبائل (مُضر ) وقبائل ( قحطان ) فى إعتقال مسلم بن عقيل .

2 ــ تقول الرواية : ( وأما ابن زياد فلما لم يسمع الأصوات ( أى حين تفرق الناس المحاصرين للقصر ) قال لأصحابه‏:‏ " انظروا هل ترون منهم أحدًا  ؟ " فنظروا فلم يروا أحدًا ،  فنزل إلى المسجد قبيل العتمة  ( أى خرج من القصر وذهب الى المسجد قبيل صلاة العشاء )  ، وأجلس أصحابه حول المنبر ، وأمر فنودي‏:‏ " ألا برئت الذمة من رجل من الشرط والعرفاء والمناكب والمقاتلة صلّى العتمة ( العشاء )  إلا في المسجد‏." . ( أى يهدد من لا يحضر صلاة العشاء معه فى المسجد ، يريد أن يجعل صلاة العشاء مؤتمرا عاما )  ‏فامتلأ المسجد فصلى بالناس ، ثم قام ،  فحمد الله ثم قال‏:‏  " أما بعد فإنّ ابن عقيل السفيه الجاهل قد أتى ما رأيتم من الخلاف والشقاق ، فبرئت الذمة من رجل وجدناه في داره ، ومن أتانا به فله ديته‏. " ‏وأمرهم بالطاعة ولزومها وأمر الحصين بن تميم أن يمسك أبواب السكك ثم يفتش الدور ..ودخل ابن زياد وعقد لعمرو بن حريث وجعله على الناس ، فلما أصبح جلس للناس‏ .‏ ولما أصبح بلال ابن تلك العجوز التي آوت مسلم بن عقيل أتى عبدالرحمن بن محمد بن الأشعث فأخبره بمكان ابن عقيل ،  فأتى عبد الرحمن أباه وهو عند ابن زياد فأسرّ إليه بذلك ، فأخبر به محمدٌ  ( ابن الأشعث ) ابن زياد،  فقال له ابن زياد‏:‏ " قم فأتني به الساعة . " وبعث معه عمرو بن عبيد الله بن عباس السلمي في سبعين من ( قبيلة ) قيس ، حتى أتوا الدارالتي فيها ابن عقيل‏. ).

حادى عشر : مسلم يقاتلهم دفاعا عن نفسه ثم يخدعه محمد بن الأشعث بالأمان فيستسلم

1 ـ ودافع مسلم بن عقيل عن نفسه بما استطاع ، وفى النهاية إنخدع بوعد محمد بن الأشعث فسلّم نفسه جريحا ، بينما رفض القائد الآخر ( القيسى ) إعطاءه الأمان بل نزع سلاحه ، فأيقن مسلم بالغدر.

2 ــ تقول الرواية عن مسلم عندما أحسّ بمجىء الحملة لاعتقاله : (  فلما سمع الأصوات عرف أنه قد أُتي  ( أى تعرض للخداع والخيانة وأنهم آتون لأخذه ) فخرج إليهم بسيفه حتى أخرجهم من الدار ،  ثم عاودا إليه فحمل عليهم فأخرجهم مرارًا،  وضرب بكير بن حمران الأحمري فم مسلم فقطع شفته العليا وسقطت ثنيتاه، وضربه مسلم على رأسه وثنى بأخرى على حبل العاتق كادت تطلع على جوفه ، فلما رأوا ذلك أشرفوا على سطح البيت ، وجعلوا يرمونه بالحجارة ويلهبون النار في القصب ويلقونها عليه‏. ‏فلما رأى ذلك خرج عليهم بسيفه فقاتلهم في السكة ،  فقال له محمد بن الأشعث‏:‏ " لك الأمان فلا تقتل نفسك " ‏!‏ فأقبل يقاتلهم وهو يقول‏( شعرا ) :‏

أقسمت لا أقتل إلا حُرًا     وإن رأيت الموت شيئًا نكرا  

أو يخلط البارد سخنًا مرًا    رد شعاع الشمس فاستقرا

كل امرىءٍ يومًا يلاقي شرًا    أخاف أن أكذب أو أُغرا

فقال له محمد‏( ابن الأشعث ):‏ "إنك لا تُكذب ولا تُخدع ،القوم ( يعنى بنو أمية ) بنو عمك وليسوا بقاتليك ولا ضاربيك‏.‏". وكان قد أثخن بالحجارة وعجز عن القتال ، فأسند ظهره إلى حائط تلك الدار ، فآمنه ابن الأشعث والناس ، غير عمرو بن عبيد الله السلمي ( القيسى )، فإنه قال‏:‏ " لا ناقة لي في هذا ولا جمل " ، وأتي ببغلة فحُمل عليها ، وانتزعوا سيفه ، فكأنه أيس من نفسه ، فدمعت عيناه ، ثم قال‏:‏ "هذا أول الغدر‏.‏!".  قال محمد‏( ابن الأشعث ):‏" أرجو أن لا يكون عليك بأس‏.‏". قال‏:‏ " وما هو إلا الرجاء؟ أين أمانكم ؟! "ثم بكى‏.‏ فقال له عمرو بن عبيد الله بن عباس السلمي‏:‏ " من يطلب مثل الذي تطلب إذا نزل به مثل الذي نزل بك لم يبك‏!‏ " فقال‏:‏ " ما أبكي لنفسي ، ولكني أبكي لأهلى المنقلبين إليكم .! أبكي للحسين وآل الحسين‏.‏.!! ثم قال لمحمد بن الأشعث‏:‏ " إني أراك ستعجز عن أماني ، فهل تستطيع أن تبعث من عندك رجلًا يخبر الحسين بحالي ويقول له عني ليرجع بأهل بيته ولا يغره أهل الكوفة، فإنهم أصحاب أبيك الذين كان يتمنى فراقهم بالموت أو القتل؟ " فقال له ابن الأشعث‏:‏ " والله لأفعلن‏!‏ " ثم كتب بما قال مسلم إلى الحسين ، فلقيه الرسول بزبالة ( مكان اسمه زبالة ) فأخبره ، ( أى أخبر الحسين ) فقال‏( الحسين ) :‏ " كلما قدر نازلٌ عند الله نحتسب أنفسنا وفساد أمتنا‏.‏".! وكان سبب مسيره من مكة كتاب مسلم إليه يخبره أنه بايعه ثمانية عشرألفًا ويستحثه للقدوم‏.‏.) . أى كان مسلم قد أرسل رسالة الى الحسين بأن 18 ألفا قد بايعوه ويستحثون قدومه ، فتحرك الحسين بناءا على هذا .

ثانى عشر : لقاء الخصمين (مسلم وابن زياد ) ، وضرب عنق مسلم بن عقيل  

1   ـ وجىء بمسلم الى قصر عبيد الله بن زياد ، وطلب محمد بن الأشعث من ابن زياد بأن يفى بعهد الأمان الذى قطعه ابن الأشعث لمسلم ، فرفض ابن زياد .

2 ــ ، تقول الرواية : ( وأما مسلم فإن محمدًا قدم به القصر، ودخل محمد على عبيد الله فأخبره الخبر وأمانه له،  فقال له عبيد الله‏:‏ " ما أنت والأمان‏!‏ ما أرسلناك لتؤمنه إنما أرسلناك لتأتينا به‏!‏ " ، فسكت محمد.  ولما جلس مسلم على باب القصر رأى جرةً فيها ماء بارد فقال‏:‏ " اسقوني من هذا الماء‏." ‏فقال له مسلم بن عمرو الباهلي‏:‏ " أتراها ما أبردها‏!‏ والله لا تذوق منها قطرة حتى تذوق الحميم في نار جهنم‏!‏"  فقال لهم ابن عقيل‏:‏ " من أنت  ؟ قال‏:‏ أنامن عرف الحق إذ تركته ونصح الأمة والإمام إذ غششته وسمع وأطاع إذ عصيته أنا مسلم بن عمرو‏.‏" . فقال له ابن عقيل‏:‏ " لأمك الثكل ، ما أجفاك وأفظك وأقسى قلبك وأغلظك‏!‏ أنت يا ابن باهلة أولى بالحميم والخلود في نار جهنم مني‏!‏ " ..‏ فدعاعمارة بن عقبة بماء بارد فصب له في قدح، فأخذ ( مسلم بن عقيل ) ليشرب فامتلأ القدح دمًا ، ففعل ذلك ثلاثًا فقال‏ ( مسلم بن عقيل ) :‏ " لو كان من الرزق المقسوم شربته‏.‏". وأُدخل على ابن زياد ، فلم يسلم عليه بالإمارة،  فقال له الحرسي‏:‏ " ألا تسلّم على الأمير ؟ " فقال‏:‏ " إن كان يريد قتلي فما سلامي عليه ؟ وإن كان لا يريد قتلي فليكثرن تسليمي عليه‏.‏" . فقال له ابن زياد‏:‏ "لعمري لتقتلن‏!‏ " فقال‏:‏ " كذلك ؟ " قال‏:‏ " نعم‏. "  ‏قال‏:‏" فدعني أوصي إلى بعض قومي‏ "  ‏قال‏:‏  " افعل‏ " . ‏فقال لعمر بن سعد‏ ( ابن أبى وقّاص ) :‏" إن بيني وبينك قرابة ولي إليك حاجة وهي سر " ، فلم يمكّنه ( عمر بن سعد بن أبى وقاص ) من ذكرها ، فقال له ابن زياد‏( أى قال ابن زياد لابن سعد بن أبى وقاص ) :‏ " لا تمتنع من حاجة ابن عمك‏.‏" ، فقام معه ، فقال‏ ( مسلم بن عقيل ):‏ " إن عليّ بالكوفة دينًا استدنته منذ قدمت الكوفة، سبعمائة درهم فاقضها عني ، وانظر جثتي فاستوهبها فوارها. ( أى إدفنها ولا تدعهم يصلبونها ) " فقال عمر ( ابن سعد ) لابن زياد‏:‏ إنه قال كذا وكذا‏.‏ فقال ابن زياد‏:‏ " لا يخونك الأمين ، ولكن قد يؤتمن الخائن ، أما مالك فهو لك تصنع به ما شئت ، وأما الحسين فإن لم يردنا لم نرده وإن أرادنا لم نكف عنه.  وأما جثته فإنا لن نشفعك فيها".‏.‏ثم قال ( ابن زياد ) لمسلم‏:‏ " يا ابن عقيل ، أتيت الناس وأمرهم جميع وكلمتهم واحدة لتشتت بينهم وتفرق كلمتهم‏!‏ " فقال‏ ( مسلم ) :‏ " كلا  ، ولكن أهل هذا المصر زعموا أن أباك قتل خيارهم وسفك دماءهم وعمل فيهم أعمال كسرى وقيصر، فأتيناهم لنأمر بالعدل وندعو إلى حكم الكتاب والسنة‏.‏" فقال‏ ( ابن زياد ) :‏ " وما أنت وذاك يا فاسق ؟ ألم يكن يعمل بذلك فيهم إذ أنت تشرب الخمر بالمدينة ؟ "  قال‏:‏ " أنا أشرب الخمر‏!‏ والله إن الله يعلم أنك تعلم أنك غير صادق، وأني لست كما ذكرت ، وإن أحق الناس بشرب الخمر مني من يلغ في دماء المسلمين فيقتل النفس التي حرم الله قتلها على الغضب والعداوة وهو يلهو ويلعب كأنه لم يصنع شيئًا‏.‏" ، فقال له ابن زياد‏:‏ " قتلني الله إن لم أقتلك قتلةً لم يقتلها أحدٌ في الإسلام‏!‏ " قال‏:‏ "  أما إنك أحق من أحدث في الإسلام ما ليس فيه ، أما إنك لا تدع سوء القتلة وقبح المثلة وخبث السيرة ولؤم الغلبة ، ولا أحد من الناس أحق بها منك‏.‏" . فشتمه ابن زياد وشتم الحسين وعليًا وعقيلًا ،  فلم يكلمه مسلم . ثم أمر( ابن زياد )  به فأصعد فوق القصر لتضرب رقبته ويتبعوا رأسه جسده . فقال مسلم لابن الأشعث‏:‏ " والله لولا أمانك ما استسلمت.  قم بسيفك دوني قد أخفرت ذمتك‏.‏". فأُصعد مسلم فوق القصر، وهو يستغفر ويسبح ،وأُشرف به على موضع الحدائين فضربت عنقه ، وكان الذي قتله بكير بن حمران الذي ضربه مسلم . ثم أتبع رأسه جسده‏.‏ فلما نزل بكير قال له ابن زياد‏:‏ " ما كان يقول وأنتم تصعدون به؟ " قال‏:‏ " كان يسبح ويستغفر فلما أدنيته  لأقتله قلت له‏:‏ " ادن مني ، الحمد لله الذي أمكن منك وأقادني منك‏ " !‏ . فضربته ضربة لم تغن شيئًا فقال‏:‏ أما ترى في خدش تخدشينه وفاء من دمك أيها العبد ؟"  فقال ابن زياد‏:‏ " وفخرًا عند الموت‏ " !‏ قال‏:‏ ثم ضربته الثانية فقتلته‏.‏"

ثالث عشر : قتل هانىء بن عروة

1ـ وحاول ابن الأشعث مع ابن زياد أن يعفو عن هانىء ، فلم ينجح ، ، تقول الرواية : ( وقام محمد بن الأشعث فكلم ابن زياد في هانئ ، وقال له‏:‏ قد عرفت منزلته في المصر وبيته وقد علم قومه أني أنا وصاحبي سقناه إليك ، فأنشدك الله لما وهبته لي ، فإني أكره عداوة قومه‏." .‏ فوعده أن يفعل‏.‏ ) .

2 ــ وحنث اين زياد بوعده بعد قتل مسلم ( فأمر بهانئ حين قتل مسلم فأخرج إلى السوق فضربت عنقه . )  ( وبعث ابن زياد برأسيهما إلى يزيد ، فكتب إليه يزيد يشكره ويقول له‏:‏"  وقد بلغني أن الحسين قد توجه نحو العراق ، فضع المراصد والمسالح ، واحترس ، واحبس على التهمة ، وخذ على الظنة ، غير أن لا تقتل إلا من قاتلك‏.‏. )

 

‏ الفصل الرابع : مسيرة الحسين للعراق برغم تحذيرات الناصحين   

 أولا : نصائح وتحذيرات للحسين  بعدم الذهاب للكوفة ، والحسين يرفض بإصرار

مقدمة :  يبدو أن مُحبّى الحسين كانوا يتوقعون ذهابه الى العراق ، وبدأ هذا بمجرد تولى يزيد الخلافة ، إذ غادر الحسين بيته فى المدينة وتوجه الى مكة ليسافر منها الى العراق . وتوالت التحذيرات مُشفقة عليه تحذره من الذهاب ،وتتنبأ له بما حدث ، وهو مُصمم على الرفض . بدأت النصائح والتحذيرات من أحبّته وأهله ومن غير أهله ، بل حتى من بعض الأمويين ومن الأعراب . ولم تفلح فى إقناع الحسين بالعدول عن رأيه . وحتى بعد أن إقترب من الكوفة وتيقن من خذلان شيعته له وقتل مسلم ابن عقيل وقتل رٌسُله الى الكوفة وأنه مٌقبل على معركة إنتحارية وغير متكافئة فإنه إستمر كما لو كان فى حالة تنويم مغناطيسى . ننقل الروايات هنا من تاريخ الكامل لابن الأثير ، وهى تبدو متماسكة متناسقة متدفقة ، لا عوج فيها ولا أمتا .

1 ــ تقول الرواية ( لما خرج الحسين من المدينة إلى مكة لقيه عبد الله بن مطيع فقال له:  " جعلت فداك! أين تريد؟  " قال: "  أما الآن فمكة، وأما بعد فإني أستخير الله. " قال:  " خار الله لك وجعلنا فداك! فإذا أتيت مكة فإياك أن تقرب الكوفة ، فإنها بلدة مشؤومة ، بها قُتل أبوك وخُذل أخوك واغتيل بطعنة كادت تأتي على نفسه، الزم الحرم،  فإنك سيد العرب لا يعدل بك أهل الحجاز أحداً ، ويتداعى إليك الناس من كل جانب، لا تفارق الحرم، فداك عمي وخالي! فوالله لئن هلكت لنسترقن بعدك." ) نصيحة غالية مخلصة لم يعمل بها الحسين .

2 ـ وهو فى مكة جاءته نصيحة أخرى من أحد عُقلاء القرشيين وهو عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، بألا يذهب الى العراق ، ورفض الحسين نصيحته . تقول الرواية :  ( لما أراد الحسين المسير إلى الكوفة بكتب أهل العراق إليه  ، أتاه عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وهو بمكة ، فقال له: "  إني أتيتك لحاجته أريد ذكرها نصيحةً لك، فإن كنت ترى أنك مستنصحي قلتها وأديت ما علي من الحق فيها، وإن ظننت أنك لا مستنصحي كففت عما أريد .  " ،  فقال له:  " قل ، فوالله ما أستغشك وما أظنك بشيء من الهوى. " قال له: "  قد بلغني أنك تريد العراق، وإني مشفقٌ عليك، إنك تأتي بلداً فيه عماله وأمراؤه ومعهم بيوت الأموال، وإنما الناس عبيد الدينار والدرهم، فلا آمن عليك أن يقاتلك من وعدك نصره ومن أنت أحب إليه ممن يقاتلك معه. " ،  فقال له الحسين: " جزاك الله خيراً يا ابن عم، فقد علمت أنك مشيت بنصح وتكلمت بعقل، ومهما يقض من أمر يكن، أخذت برأيك أو تركته، فأنت عندي أحمد مشير، وأنصح ناصح."
3 ـ وجاءته النصيحة الكبرى من داهية الهاشميين عبد الله بن عباس ، وهو الذى نصح من قبل ( عليا بن أبى طالب ) فلم يسمع له ففشل وإنهزم . وجاء الدور على إبنه ( الحسين ) ، نصحه ابن عباس فرفض الحسين النصيحة شأن أبيه ، فكانت مذبحة كربلاء .  تقول الرواية : ( وأتاه عبد الله بن عباس فقال له:  " قد أرجف الناس أنك سائر إلى العراق، فبيّن لي ما أنت صانع؟ " فقال له: "  قد أجمعت السير في أحد يوميّ هذين إن شاء الله تعالى. " ،  فقال له ابن عباس: " فإني أعيذك بالله من ذلك، خبرني، رحمك الله، أتسير إلى قوم قتلوا أميرهم وضبطوا بلادهم ونفوا عدوهم؟  فإن كانوا فعلوا ذلك فسر إليهم، وإن كانوا إنما دعوك إليهم وأميرهم عليهم قاهر لهم وعماله تجبي بلادهم فإنما دعوك إلى الحرب، ولا آمن عليك أن يغرُّوك ويكذبوك ويخالفوك ويخذلوك ويستنفروا إليك  ، فيكونوا أشد الناس عليك " . فقال الحسين: "  فإني أستخير الله وأنظر ما يكون." ). 

4 ــ وقتها كان عبد الله بن الزبير فى مكة ، وهو يطمح فى الخلافة ، ولا يمكن أن يتحقق أمله هذا فى وجود الحسين ، لذا كانت أمنيته أن ينتهى الحسين قتلا ليخلو له الجو . ولهذا نصح ابن الزبير الحسين أن يذهب الى الكوفة . وتستمر الرواية لتخبر بموقف ابن الزبير من تحريض الحسين على الذهاب للعراق : ( فخرج ابن عباس وأتاه ابن الزبير فحدثه ساعةً ،  ثم قال ( ابن الزبير ) : " ما أدري ما تركنا هؤلاء القوم وكفنا ونحن أبناء المهاجرين وولاة هذا الأمر دونهم، خبرني ما تريد أن تصنع؟ " فقال الحسين: " لقد حدثت نفسي بإتيان الكوفة، ولقد كتبت إلي شيعتي بها وأشراف الناس وأستخير الله " . فقال له ابن الزبير: " أما لو كان لي بها مثل شيعتك لما عدلت عنها." ... فقام ابن الزبير فخرج من عنده.فقال الحسين: إن هذا ليس شيء من الدنيا أحب إليه من أن أخرج من الحجاز، وقد علم أن الناس لا يعدلونه بي فود أني خرجت حتى يخلو له.) ...

5 ـ وأعاد إبن عباس تحذيره ونُصحه للحسين ، تقول الرواية : ( فلما كان من العشي أو من الغد أتاه ابن عباس فقال: يا ابن عم، إني أتصبر ولا أصبر، إني أتخوف عليك في هذا الوجه الهلاك والاستئصال، إن أهل العراق يريدونك كما زعموا فاكتب إليهم فلينفوا عاملهم وعدوهم ثم أقدم عليهم، فإن أبيت إلا أن تخرج فسر إلى اليمن فإن بها حصوناً وشعاباً، وهي أرض عريضة طويلة، ولأبيك بها شيعة، وأنت عن الناس في عزلة، فتكتب إلى الناس وترسل وتبث دعاتك، فإني أرجو أن يأتيك عند ذلك الذي تحب في عافية.فقال له الحسين: يا ابن عم إني والله لأعلم أنك ناصح مشفق، وقد أزمعت وأجمعت المسير. فقال له ابن عباس: فإن كنت سائراً فلا تسر بنسائك وصبيتك فإني لخائف أن تقتل كما قتل عثمان ونساؤه وولده ينظرون إليه. ثم قال له ابن عباس: لقد أقررت عين ابن الزبير بخروجك من الحجاز وهو اليوم لا ينظر إليه أحد معك، والله الذي لا إله إلا هو لو أعلم أنك إذا أخذتُ بشعرك وناصيتك حتى يجتمع علينا الناس أطعتني فأقمت لفعلت ذلك.) .

6 ــ وقابل ابن عباس ابن الزبير فى الطريق ، تقول الرواية : ( ثم خرج ابن عباس من عنده فمر بابن الزبير فقال: قرت عينك يا ابن الزبير! ثم أنشد قائلاً:  "يا لك من قبرةٍ بمعمر  ....خلا لك الجو فبيضي واصفري .... ونقري ما شئت أن تنقري. " . هذا الحسين يخرج إلى العراق ويخليك والحجاز." ) .

ثانيا : تحذيرات بعد خروج الحسين بآله من مكة يريد العراق

1 ــ وخرج الحسين بأهله من مكة الى العراق ، وأرسل والى الحجاز الأموى ( عمرو بن سعيد بن العاص ) بعض أتباعه لمنع الحسين وإرجاعه ، وتضاربوا بالسياط ، وتغلب عليهم الحسين وأهله ، وواصل طريقه . وفى الطريق لقى الحسين قافلة آتية من اليمن فى طريقها الى دمشق بعث بها الوالى فى اليمن ( بحير بن ريسان ) الى يزيد بن معاوية ، فاستولى عليها الحسين . تقول الرواية : (  ثم خرج الحسين يوم التروية، فاعترضه رسل عمرو بن سعيد بن العاص، وهو أمير على الحجاز ليزيد بن معاوية مع أخيه يحيى، يمنعونه، فأبى عليهم ومضى، وتضاربوا بالسياط، وامتنع الحسين وأصحابه وساروا فمروا بالتنعيم، فرأى بها عيراً قد أقبلت من اليمن بعث بها بحير بن ريسان من اليمن إلى يزيد بن معاوية، وكان عامله على اليمن، وعلى العير الورس والحلل، فأخذها الحسين وقال لأصحاب الإبل: من أحب منكم أن يمضي معنا إلى العراق أوفينا كراءه وأحسنا صحبته، ومن أحب أن يفارقنا من مكاننا أعطيناه نصيبه من الكراء؛ فمن فارق منهم أعطاه حقه، ومن سار معه أعطاه كراءه وكساه.)

2 ـ وفى الطريق قابله الشاعر الفرزدق ( وكان يتشيع ) آتيا من العراق ، فسأله الحسين عن الأحوال ، فأصدقه القول ، ولم ينتصح الحسين أيضا ، تقول الرواية : ( ثم سار، فلما انتهى إلى الصفاح لقيه الفرزدق الشاعر ، فقال له ( الفرزدق داعيا له ) : " أعطاك الله سؤلك وأملك فيما تحب " . فقال له الحسين: " بيّن لي خبر الناس خلفك. " . قال: " الخبير سألت، قلوب الناس معك، وسيوفهم مع بني أمية، والقضاء ينزل من السماء، والله يفعل ما يشاء."  فقال الحسين: "  صدقت، لله الأمر يفعل ما يشاء وكل يوم ربنا في شأن، إن نزل القضاء بما نحب فنحمد الله على نعمائه وهو المستعان على أداء الشكر، وإن حال القضاء دون الرجاء فلم يعتد من كان الحق نيته، والتقوى سريرته." .

3 ـ وحاول عبد الله بن جعفر بن أبى طالب كل ما فى وسعه ليُرجع الحسين الى مكة . أرسل إبنيه برسالة مستعجلة الى الحسين . وأدرك إبنا جعفر الحسين فى الطريق فسلّماه رسالة ابيهما ، تقول الرواية : (  وأدرك الحسين كتاب عبد الله بن جعفر مع ابنيه عون ومحمد، وفيه: " أما بعد ، فإني أسألك بالله لما انصرفت حين تقرأ كتابي هذا، فإني مشفق عليك من هذا الوجه أن يكون فيه هلاكك واستئصال أهل بيتك، إن هلكت اليوم طفىء نور الأرض، فإنك علم المهتدين ورجاء المؤمنين، فلا تعجل بالسير فإني في إثر كتابي، والسلام.".
4 ــ ولم يكتف عبد الله بن جعفر بهذا  ، بل ضغط على الوالى الأموى فى مكة عمرو بن سعيد بن العاص ليكتب للحسن رسالة بالأمان والإكرام إن رجع الى مكة . وفعل عمرو هذا ، بل أرسل للحسين رسالة الأمان مع أخيه يحيى بن سعيد بن العاص . وسار يحيى بن سعيد بن العاص ومعه عبد الله بن جعفر حتى لحقا بالحسين ، وقرآ عليه رسالة الأمان وألحّا عليه بالرجوع فرفض ، وتعلل برؤيا زعم أن النبى جاءه  فى المنام وأمره بالمُضى فى طريقه . تقول الرواية : ( وقام عبد الله بن جعفر إلى عمرو بن سعيد فقال له: اكتب للحسين كتاباً تجعل له الأمان فيه وتُمنّيه في البر والصلة واسأله الرجوع. وكان عمرو عامل يزيد على مكة، ففعل عمرو ذلك ، وأرسل الكتاب مع أخيه يحيى بن سعيد ومع عبد الله بن جعفر، فلحقاه وقرآ عليه الكتاب ، وجهدا أن يرجع، فلم يفعل، وكان مما اعتذر به إليهما أن قال: إني رأيت رؤيا رأيت فيها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأمرت فيها بأمرٍ أنا ماضٍ له، عليّ ، كان ، أو لي. فقالا: ما تلك الرؤيا؟ قال: ما حدثت بها أحداً وما أنا محدث بها أحداً حتى ألقى ربي.).

ثالثا  : الحسين  فى طريقه الى الكوفة :

1 ـ وعرف ابن زياد بخروج الحسين فقام بارسال قائد شرطته الحصين بن نمير التميمي بجنود على منافذ  الطرق للعراق لتمنع دخول الحسين . وأرسل الحسين رسولا الى أهل الكوفة يعرفهم بقدومه ويأمرهم بالاستعداد . ووقع رسول الحسين فى يد قائد شرطة ابن زياد فأرسله الى ابن زياد فقتله ابن زياد . تقول الرواية : ( ولما بلغ ابن زياد مسير الحسين من مكة بعث الحصين بن نمير التميمي صاحب شرطته ،  فنزل القادسية ، ونظّم الخيل ما بين القادسية إلى خفان، وما بين القادسية إلى القطقطانة وإلى جبل لعلع. فلما بلغ الحسين الحاجر كتب إلى أهل الكوفة مع قيس بن مسهر الصيداوي يعرفهم قدومه ويأمرهم بالجد في أمرهم، فلما انتهى قيسٌ إلى القادسية أخذه الحصين  ، فبعث به إلى ابن زياد، فقال له ابن زياد: اصعد القصر فسُبّ الكذاب ابن الكذاب الحسين بن علي. فصعد قيسٌ فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " إن هذا الحسين بن علي خير خلق الله، ابن فاطمة بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أنا رسوله إليكم وقد فارقته بالحاجر فأجيبوه " ؛ ثم لعن ابن زياد وأباه واستغفر لعلي. فأمر به ابن زياد فرُمي من أعلى القصر ، فتقطع فمات.)

2 ـ وفى طريقه الى الكوفه لحقه عبد الله بن مطيع ، وأعاد نصيحته وتحذيره ، إدراكا منه أن بنى أمية لو قتلوا الحسين وآله فلن يهابوا أحدا بعدئذ . وقد صحّت توقعاته . وكالعاده رفض الحسين توسلات ابن مطيع . تقول الرواية : ( ثم أقبل الحسين يسير نحو الكوفة فانتهى إلى ماء من مياه العرب، فإذا عليه عبد الله بن مطيع، فلما رآه قام إليه فقال: بأبي أنت وأمي يا ابن رسول الله! ما أقدمك؟ فاحتمله فأنزله، فأخبره الحسين، فقال له عبد الله: أذكرك الله يا ابن رسول الله حرمة الإسلام أن تنتهك، أنشدك الله في حرمة قريش، أنشدك الله في حرمة العرب، فوالله لئن طلبت ما في أيدي بني أمية ليقتلنك، ولئن قتلوك لا يهابون بعدك أحداً أبداً، والله إنها لحرمة الإسلام تنتهك وحرمة قريش وحرمة العرب، فلا تفعل ولا تأت الكوفة ولا تعرض نفسك لبني أمية! فأبى إلا أن يمضي.).

 3 ــ وإقترب الحسين من العراق ، وعرف بمقتل مسلم بن عُقيل ، وتيقّن من إنفضاض شيعته عنه ، وأنه سائر الى حرب غير متكافئة مع ابن زياد . ونصحه بعض من معه بالرجوع خشية عليه وعلى آله من الاستئصال فرفض بنوعقيل بن أبى طالب وأبوا إلا المسير للأخذ بثأر مسلم بن عقيل ، ووافقهم الحسين . تقول الرواية : ( وأتاه خبر قتل مسلم بن عقيل بالثعلبية ، فقال له بعض أصحابه: " ننشدك إلا رجعت من مكانك ، فإنه ليس لك بالكوفة ناصر ولا شيعة ، بل نتخوف عليك أن يكونوا عليك!  "فوثب بنو عقيل وقالوا: " والله لا نبرح حتى ندرك ثأرنا أو نذوق كما ذاق مسلم! "  فقال الحسين:  " لا خير في العيش بعد هؤلاء."  فقال له بعض أصحابه:  " إنك والله ما أنت مثل مسلم بن عقيلٍ، ولو قدمت الكوفة لكان الناس إليك أسرع. " )

4 ـ وواصل الحسين الطريق ، وكلما مرّ على عين ماء تبعه بعض الأعراب مناصرين له . وفى الطريق جاءه خبر مقتل أخيه من الرضاع عبد الله بن بقطر ، وكان الحسين قد بعثه ليلحق بمسلم بن عقيل ، ولم يكن الحسين يعلم بعدُ بمقتل مسلم بن عقيل . فإعتقله جُند ابن زياد . وقتله ابن زياد . وعلم الحسين بمقتله فأيقن أن شيعته بالكوفة قد خذلوه ، فطلب ممّن أتى معه  من الأعراب فى الطريق أن يفارقوه بلا حرج ، فانفضوا عنه ولم يبق معه سوى من صحبه من مكة . تقول الرواية : ( ثم ارتحلوا فانتهوا إلى زبالة، وكان لا يمر بماء إلا اتبعه من عليه ،  حتى انتهى إلى زبالة، فأتاه خبر مقتل أخيه من الرضاعة عبد الله بن بقطر، وكان سرحه إلى مسلم بن عقيل من الطريق وهو لا يعلم بقتله، فأخذته خيل الحصين، فسيره من القادسية إلى ابن زياد، فقال له ( ابن زياد ) : " اصعد فوق القصر والعن الكذاب ابن الكذاب ثم انزل حتى أرى فيك رأيي." .  فصعد فأعلم الناس بقدوم الحسين ولعن ابن زياد وأباه، فألقاه من القصر فتكسرت عظامه، وبقي به رمق، فأتاه رجل يقال له عبد الملك بن عمير اللخمي فذبحه، فلما عيب ذلك عليه قال: " إنما أردت أن أريحه."  .. فلما أتى الحسين خبر قتل أخيه من الرضاعة ومسلم بن عقيل أعلم الناس ذلك ، وقال:"  قد خذلنا شيعتنا، فمن أحب أن ينصرف فلينصرف ليس عليه منا ذمام."  فتفرقوا يميناً وشمالاً حتى بقي في أصحابه الذين جاؤوا معه من مكة ، وإنما فعل ذلك لأنه علم أن الأعراب ظنوا أنه يأتي بلداً قد استقامت له طاعة أهله فأراد أن يعلموا علام يقدمون.).

5 ـ وجاءه آخر تحذير فى الطريق من إعرابى قابله ، ولم يسمع له . تقول الرواية : ( ثم سار حتى نزل بطن العقبة، فلقيه رجلٌ من العرب فقال له: "  أنشدك الله لما انصرفت ، فوالله ما تقدم إلا على الأسنة وحدّ السيوف، إن هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مؤونة القتال ووطؤوا لك الأشياء فقدمت عليهم لكان ذلك رأياً، فأما على هذه الحال التي تذكر فلا أرى أن تفعل. " فقال: "  إنه لا يخفى عليّ ما ذكرت ولكن الله، عز وجل، لا يغلب على أمره. " . ثم ارتحل منها.) .

أخيرا : فى ضوء ما سبق يتضح أن الحسين قد إختار مصيره  ...إختار الانتحار ..!!

                                                             

مذبحة كربلاء : دراسة بحثية تاريخية ( ترفع ضغط الدم .!! )
هذا الكتاب كان مقالات فى مذبحة كربلاء ، تبحثها موضوعيا من الناحية التاريخية ، معتمدا على أشهر المصادر التاريخية فى التراث السنى . وتم تنقيحها وتجميعها فى هذا الكتاب .
more