كيف وصلت دارفور إلى شفا المجاعة؟
السودان- على فراش أرضي بالٍ، في أحد مخيمات طويلة للنازحين في دارفور، تجلس حليمة، يحيط بها أطفالها الخمسة، تروي كيف تحوّلت وجبة واحدة من العصيدة إلى حلم صعب المنال.
والعصيدة طعام تقليدي في دارفور، يصنع من دقيق الذرة، ويُطهى بالماء حتى يصبح عجيناً كثيفاً، ويُقدَّم في العادة مع الصلصة، لكنه في مخهذه وجبتنا الوحيدة، نأكلها ظهراً، وننام جوعى حتى الصباح، وأحياناً لا نجد شيئاً، فنشرب الماء وننام" تروي حليمة بصوت يخنقه التعب، وتصف حالها "لم نعد نسأل ماذا سنأكل، بل هل سنأكل اليوم أم لا؟".
وعلى بعد أمتارمنها، يقف إسحاق أحمد الذي فرّ من دار السميات شرق الفاشر، حائراً بين البقاء أو مواصلة النزوح. يروي كيف غادر قريته بسبب الجوع والعطش، واصفاً رحلة لم تكن بحثاً عن الأمان فقط، بل عن لقمة عيش "لم نعد نجد ما نأكله ولا ما نشربه، فقررنا النزوح بحثاً عن الغذاء".
وتعكس حالة حليمة وإسحاق واقعاً يعيشه ملايين السودانيين، في واحدة من أكبر أزمات الجوع في العالم. فما تفاصيلها؟يمات النزوح يُقدَّم وحده، وأحياناً لا يُقدَّم أبداً.ما حجم الأزمة؟
يواجه نحو 19.5 مليون شخص بالسودان (أكثر من 40% من السكان) مستويات أزمة من انعدام الأمن الغذائي الحاد (المرحلة الثالثة أو أعلى) ويعاني 135 ألف شخص من مستويات كارثية (المرحلة الخامسة) في 14 منطقة بولايات دارفور الكبرى وجنوب كردفان، حسب تحليل التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، الذي غطى الفترة من فبراير/شباط 2026 إلى مايو/أيار ونُشر يوم 15 من الشهر نفسه.
وحسب إفادة صحفية لبرنامج الأغذية العالمي بتاريخ 14 سبتمبر/أيلول 2026، حذر كارل سكاو، المدير التنفيذي بالإنابة للبرنامج، من أن نحو 20 مليون شخص في السودان يواجهون الجوع الحاد، بينما بلغ عدد النازحين بسبب النزاع نحو 14 مليون شخص، مشيراً إلى أن نحو 200 ألف شخص يواجهون مستويات كارثية تصل إلى حد المجاعة، وأن 5 ملايين آخرين في مستوى الطوارئ.
**داخلية** نازحون في مخيم طويلة يتدافعون للحصول علي الغذاء في مقر منظمة دولية
نازحون بمخيم طويلة يتدافعون للحصول علي الغذاء في مقر منظمة دولية (الجزيرة)
ما المناطق الأكثر احتياجا؟
ويكشف عبد الباقي محمد حامد، وزير الرعاية الاجتماعية ومنسق الشؤون الإنسانية بحكومة إقليم دارفور، في تعليق للجزيرة نت، عن خريطة الاحتياج، موضحاً أن معدلات الحاجة لا تزال كبيرة جداً بدارفور، وأن أكثر المناطق احتياجاً هي محلية المالحة، تليها مناطق كرنوي ثم مبرو، إضافة إلى الطينة ومناطق هشابة والدور وأورشي وأم مراحيل وأبوديسة، التي تتجمع فيها أعداد كبيرة من النازحين.
ويحذر الوزير من أن هذه المناطق تحتاج إلى تدخل إنساني عاجل لتوفير الغذاء والدواء والمياه النظيفة، قائلاً "استمرار الوضع الحالي يعني كارثة إنسانية حقيقية".
طفل من المالحة يعاني سوء التغذية في أحد المراكز الصحية
أحد المراكز الصحية في المالحة بدارفور (الجزيرة)
لماذا يموت الأطفال؟
حسب تقديرات اليونيسيف الصادرة في 17 مايو/أيار 2026، فإن 825 ألف طفل دون سن الخامسة معرضون لخطر الموت بسبب سوء التغذية الحاد الوخيم خلال عام 2026، بزيادة 25% عن مستويات ما قبل النزاع، فيما أُدخل ما يقرب من 100 ألف طفل للعلاج من سوء التغذية الحاد الفترة من يناير/كانون الثاني إلى مارس/آذار 2026 وحده.
ويوضح مدير منظمة الجسور للسلام والتنمية بمحلية المالحة شمال دارفور، للجزيرة نت، كيف أصيب عشرات الأطفال بسوء التغذية نتيجة تردي الأوضاع المعيشية في المنطقة، ويصف الوضع بـ"الخطير جدا" ويقول إن منطقته الآن في حاجة إلى تدخل إنساني عاجل لإنقاذ حياة هؤلاء الأطفال، وإن الأسر لا تجد ما تطعم به أبناءها.
اليونيسيف: 825 ألف طفل دون سن الخامسة معرضون لخطر الموت بسبب سوء التغذية الحاد
ويحذر هذا المسؤول من أن "استمرار هذا الوضع يعني كارثة إنسانية حقيقية، خاصة أن المراكز الصحية تفتقر إلى الأدوية والغذاء العلاجي اللازم لعلاج حالات سوء التغذية".
لماذا يستمر النزوح؟
لا تزال عملية توافد النازحين من المناطق الأخرى إلى طويلة بسبب الجوع والعطش مستمرة، حسب آدم رجال المتحدث الرسمي باسم المنسقية العامة للنازحين واللاجئين. ويقول للجزيرة نت إن 138 عائلة جديدة وصلت يوم 15 سبتمبر/أيلول 2026، ليرتفع إجمالي العائلات النازحة إلى 354 عائلة، أي ما يعادل 2127 شخصاً، أغلبيتهم من النساء والأطفال.
ويشير إلى أن العائلات هاجرت من شرق الفاشر وكردفان، وتفتقر إلى أبسط مقومات الحياة الكريمة، وتعيش في ظروف قاسية تتسم بانعدام الأمن الغذائي، ونقص المياه النظيفة، ونقص الأدوية، وانعدام المأوى المناسب.
كيف فشل الموسم الزراعي؟
ويحذر الصادق خميس برانقو، وزير الزراعة بحكومة إقليم دارفور، في تعليق للجزيرة نت، من أن "المجاعة أخطر من الحرب".
ويضيف: "الدعم السريع لم يحرق القرى فقط، بل أحرق مستقبل الزراعة في دارفور، نهبوا البذور والمعدات الزراعية، وأطلقوا الماشية على ما تبقى من محاصيل لتجريفها وتدميرها، لقد حرموا ملايين السودانيين من مواسمهم الزراعية، وتحولت الأراضي الخصبة إلى حقول خاوية لا تنتج شيئاً.
وحسب ما أعلنه كارل سكاو، المدير التنفيذي بالإنابة لبرنامج الأغذية العالمي، في مؤتمر صحفي عقده في 14 سبتمبر/أيلول 2026 عقب زيارته الميدانية للسودان، فإن "دارفور لم تشهد هذا الجفاف منذ عام 1984، ونحن الآن في موسم الأمطار" محذراً من أن "الجميع يخشون أن يلحق ذلك ضرراً جسيماً بالزراعة ومخرجاتها وبقطاع الثروة الحيوانية على المدى البعيد".
و شهد موسم الأمطار انخفاضاً في معدلات الهطول التراكمي عن المتوسط في معظم مناطق الزراعة، مع عجز بلغ 20% في ولاية سنار و30% في ولاية القضارف، مما أثر سلباً على إنبات المحاصيل ونموها، وفقا لتقرير منظمة الأغذية والزراعة الصادر في 3 سبتمبر/أيلول 2026.
سوء التغذية يفتك بأطفال المالحة.. مشهد من داخل مركز صحي
سوء التغذية يفتك بأطفال المالحة (الجزيرة)
لماذا ينهار نظام الإغاثة؟
وتتفاقم الأزمة مع انهيار نظام الإغاثة، إذ يؤكد برنامج الأغذية العالمي في إفادته الصحفية أن تمويله تراجع إلى النصف تقريباً، حيث تلقى 645 مليون دولار العام الماضي، مقابل 206 ملايين فقط حتى الآن هذا العام. ويشير سكاو إلى أن "الفجوة اللازمة لاستمرار العمليات الحالية تقترب من 300 مليون دولار" محذراً من أن البرنامج قد يُضطر لتقليص المساعدات خلال أسابيع ما لم تتوفر تمويلات عاجلة .
وفي 11 سبتمبر/أيلول 2026، أطلقت المنسقية العامة للنازحين واللاجئين نداءً عاجلاً للمنظمات الإنسانية لتلبية الاحتياجات الأساسية، داعية إلى "توفير حصص غذائية طارئة كافية للتخفيف من الجوع اليومي، وتزويد المستشفيات والمراكز الصحية بالأدوية الأساسية، وتوفير مصادر مياه شرب نظيفة وآمنة، وخيام ومساكن مؤقتة للعائلات الوافدة حديثاً" إضافة إلى "برامج عاجلة للدعم النفسي والاجتماعي للأطفال والنساء المتضررين.
وسعت الجزيرة نت للحصول على تعليق من مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية وبرنامج الأغذية العالمي حول تدهور أوضاع الجوع في السودان، لكنها لم تتلق رداً حتى لحظة نشرالتقرير.
وفي مخيمات السودان المكتظة، حيث تقتسم الأمهات ما تبقى من طعام على أطفالهن، كما يحذر وزير الزراعة من مجاعة قد تكون أخطر من الحرب، ويؤكد المتحدث باسم النازحين أن ما يصلهم لا يكفي لعشر احتياجاتهم، ويبقى السؤال:
كم طفلاً سيموت جوعاً قبل أن يتحرك العالم؟ وكم وجبة أخرى ستفصل بين الحياة والموت، في ظل نظام إغاثة ينهار تحت وطأة نقص التمويل؟
اجمالي القراءات
29