هل مصر إستثناء من سنة الله في كونه ؟
هل مصر إستثناء من سنة الله في كونه ؟
جلس الدكتور طارق في بهو مقهى نجيب محفوظ بالأزهر، يتأمل أحوال مصر، ويتساءل: كيف انتقلت دولة كانت تمتلك هامشًا من الحركة السياسية والاجتماعية إلى حالة من الانسداد السياسي والتدهور الاقتصادي؟ وهل ما يحدث استثناء من سنن الله في قيام الدول وسقوطها؟
فقد إنسد الأفُق السياسى فيها تماما ،وغابت الحريات العامة ، وتآكلت الطبقة المتوسطة وإنقسم الشعب إلى فئتين ، فئة ال5% ،فئة (اهل إيجيبت) ،وفئة الفقراء المُستضعفين . ويسأل لماذاوكيف حدث هذا ؟
ومن وما الذى أوصلها إلى هذه الحالة المُتردية ؟
فمصر كانت عبر تاريخها سلة الغذاء لها ولمُحيطها الإقليمى.وكانت مثل نهر النيل لا ينضب ولا يجف .فما الذى أوصلها لتستدين بأكثر من (200مليار دولار ) وأكثرمن (20 تريليون جنيه) ،وباعت أكثر من نصف مصانعها وأصولها الثابتة ، وشواطئها ،وتبحث عما تبيعه من موانئها الجوية والبحرية ومبانيها ومعمارها التاريخى لسداد فوائد ديزنها.وأن الناتج المحلى السنوي لم يعد يكفى بالكاد خدمة الديون ؟
فجاءه الرد من توأمه الذى لا يُفارقه ،ويعيش معه أفكاره وحواراته ، وقتما يُريد أن يتحدث مع ذاته في مناقشة قضية من القضايا قبل أن يخُطها بقلمه على أوراق أرشيفه الفكرى.
فقال له توأمه الفكرى :
هل تعتقد أن مصر خارجة عن سُنة الله في كونه ؟
فقال الدكتور طارق :
ماذا تقصد ؟؟
قال توأم الفكر :
أقصد أن لله جل جلاله قوانين وسُنن وضعها لإصلاح الكون ، وليعيش الناس بسلام وآمان إجتماعى وإقتصادى. فالمُجتمع الذى يتمسك بها ،ينجُ ويعيش في رغد ، وأمان نفسى .
فقال الدكتور طارق :
هل من توضيح أكثر ؟
فقال توأم الفكر :
تعالى نرجع للتاريخ ، ولتاريخ مصرى تحديدا. فعندنا حقبتين لنتعلم منهما .
الحقبة الأولى:
هي عصر (فرعون موسى) . ففرعون موسى وأد الحريات، وإستولى على كُل شيء ،وقسم الشعب إلى حاشية ، وإلى فئة مُستضعفة ،يقتل منهم ما يشاء ،ويسترق من نسائهم من يشاء، ولم يكتف بهذا، بل قال لهم (وَنَادَىٰ فِرۡعَوۡنُ فِي قَوۡمِهِۦ قَالَ يَٰقَوۡمِ أَلَيۡسَ لِي مُلۡكُ مِصۡرَ وَهَٰذِهِ ٱلۡأَنۡهَٰرُ تَجۡرِي مِن تَحۡتِيٓۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ ٥١) الزخرف
بمعنى أنه نادى في الناس ،بانه مالك للأرض وما عليها ومن عليها .
فكانت النتيجة الحتمية طبقا لسُنة الله وقوانينه في الكون أن أهلكه ودمّره هو وجنوده ،وعرشه ، وطهر الأرض منه ،ومن طُغيانه وإستبداده وبغيه على الناس . ففرعون موسى قتل نفسه وجنوده ،وأهلك عرشه بنفسه ، لأنه لم يستمع للنُصح والرشاد ،ولم يعُد طواعية لتطبيق سُنة الله وقوانينه في كونه للحفاظ على إصلاح الأرض ، وعلى حياة الناس فيها بأمانو بسلام وبحُرية ، ،وبعدل في توزيع للثروة والسُلطة ،ولكنه أبى وتولى وإستكبر .
فلو إستمع لنصائح موسى عليه السلام ، وخلى بين الناس وبين حُرياتهم ،ولم يطغى عليهم ما كان ليحدث إهلاك له ولا لجنوده وعرشه.
المثال الثانى ،في حقبة ثانية :
هى حقبة عزيز مصر (ملك مصر –رئيس مصر – فرعون مصر وقتها ) .
فعندما رأى الملك رؤية وإحتار في فهمها ،أرسل لمجلس وزرائه وملأه ، يستفتيهم ،ويستشيرهم. فوصلوا في نهاية الأمر إلى توصية ،بأن هناك من هو أعلم منهم على فهمها ،وهو يوسف عليه السلام .فأرسلوا إليه ، فجاء وشرح لهم ما تعنيه الرؤيا،وكيف سيتعايشون معها ،وكيف سيُحافظون على الوطن والمُجتمع وحياة الناس وأرزاقهم وقتها.
فطلب منهم أن يجعلوه (وزيرا للتموين والمالية) ،لأنه أقدر وأعلم الناس على التعامل معها ،وعلى قيادة سفينة الوطن بسلام وأمان ليعبروا جميعا المحنة بأمان وسلام .وقد كان .
فنحن أمام (ملك ،و رئيس) إستمع لصوت العقل ، وآمن بحرية الرأي ، وبالمشورة ،وبسؤال أهل العلم ،وبالإستماع مُنصتا لهم ،ثم اطاع توصياتهم توصيات التي خرجوا بها،وطبقها .
فنجى يوسف عليه السلام بمصر وبخزائنها ورزق شعبها ،ونجى الملك بمُلكه ودولته ، ونجى الشعب معهما .لماذا ؟
لأنهم جميعا أطاعوا قوانين الله جل جلاله وسُنته في كونه في إصلاح الأرض وإعمارها والحفاظ عليها ،وعلى من عليها.
فقال الدكتور طارق :
معنى هذا أنك تريد أن تقول أن مصر الآن أمامها طريق واحد للنجاة ،وهو العودة لسُنة الله في كونه بإطلاق الحُريات ،وإقامة العدل، وإتباع مبدأ الشورى ، وإستشارة أولى العلم والرأى والخبرة ،وإختيار الأكفأ لتولى المسئولية في تطبيقها ؟
فقال توأم الفكر ::
نعم بالضبط .
لكن لو تمسك حاكمها بالسير على خطى (فرعون موسى) في وأد الحُريات ، وذبح السلام والأمن الإجتماعى ،وفى تدميرالأمن الإقتصادى ،وفى التعامل مع الشعب وأملاكه وموارده وأرضه بمنطق (أَلَيۡسَ لِي مُلۡكُ مِصۡرَ وَهَٰذِهِ ٱلۡأَنۡهَٰرُ تَجۡرِي مِن تَحۡتِيٓۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ) .انا مالك الأرض وما ومن عليها.فحتما ستُطبق عليه قوانين الله وسُنته في خلقه بإهلاكه ودماره وجعله عبرة للعالم كُله ،وما ذلك على الله بعزيز.
فقال الدكتور طارق :
وما ذنب الشعب المقهور المغلوب على أمره ؟
فقال توأم الفكر :
لأنهم وقعوا في غلطة شعب فرعون ( إستخف قومه فأطاعوه ).
فهم الذين سمحوا لظهورهم بالإنحناء ،ولأعيُنهم بالإنكسار،ولألسنتهم بالخرس ، وسمحوا بسحق أولادهم ،وضياع مُستقبلهم أمام أعيُنهم، وكأن البلد ليست بلدهم ولا وطنهم ،ولاالأولاد أولادهم وأحب وأغلى ما في الكون عندهم !!
قال الدكتور طارق :
هل هناك إمكانية لإنقاذ ما يُمكن إنقاذه ؟
قال توأم الفكر :
نعم بكل تأكيد .
من وجهة نظرى بالتعلم من حقبة عزيز مصر ويوسف عليه السلام مع إضافة ما إستجد من علوم حديثه فىحقوق الإنسان ،وبما يسير عليه العالم الحديث المُتحضر في :
التغيير والتداول السلمى المُستمر للسُلطة .
وضمان الخروج الآمن للحاكم وحكومته .
وبتغييرالدستور الذى جعل من الحاكم مالكا للأرض وما عليها ومن عليها . وإستبداله بدستورمبنى على الحرية والسلام والعدل ،والتداول السلمى للسُلطة .وسيادة القانون الناتج عن تشريعات لبرلمان حقيقى يكون كل أعضائه من المثقفين المُتعلمين . برلمانا يليق بمصر ومكانتها وتاريخها .برلمانا يُحاسب الرئيس شهريا في جلسة علنية .ويكون أقوى من الرئيس والحكومة ، والقضاء .
وأن تُجرى انتخابات لمجلس رئاسى مؤقت لمدة 6 سنوات .تتلخص مهامه في إعادة مصر إلى طريق الإصلاح الحقيقى ، إصلاح دستورى – وتشريعى – وتعليمى –وإقتصادى – وقضائى –وتنفيذى ،وإجتماعى .
وأن ينُص الدستور والقانون الجديد على خروج المؤسسات الدينية وممثليها وأعضائها ممن يعملون في الأزهر والكنيسة ،والأوقاف،وفى تدريس المواد الدينية الإسلامية والمسيحية واليهودية في المدارس والمعاهد والجامعات من الحياة السياسية نهائيا ،فلا يحق لهم الترشح للبرلمان ،ولا لعضوية البرلمانات المحلية للمحافظة والمدينة ،ولا بالتصويت والإقتراع فيها .
وأن ينص الدستوروالقانون الجديد على خروج المؤسسة العسكرية نهائيا من كل ألأنشطة الإقتصادية المدنية للدولة وإعادة كل الأرض والشركات التي خصصها لهم الحاكم الحالي لملكية الدولة .
فالجيش والشرطة وظيفتهم تنحصرفى الحفاظ على الأرض والشعب وحمايتها أمنيا ، وحماية الدستور في حالة تغول سُلطة من سُلطاته (البرلمان –القضاء – الحكومة )على الدولة والشعب وهددت إستقرار الوطن .
وإلا ستكون النهاية مُشابهة ومتطابقة مع ما حدث (لفرعون موسى وجنوده ) وتدميرلعرشه .
فقال الدكتور طارق :
معنى هذا كُله أن مصر ليست إستثناءا من قوانين الله وسُنته في خلقه ، وأنها لو أرادت الخلاص فلابد أن تعود لقوانين الله وسُنته في خلقه في العدل والسلام والحُرية والشورى وحقوق الإنسان ؟؟
فقال توأم الفكر :
نعم :
وأنظر إلى رواندا بعدما كانت في حروب أهلية طاحنة
كيف خرجت من الحرب الأهلية ،وكيف بنت مؤسساتها،وكيف تحسن إقتصادها ،لتُصبح الدولة الأولى في أفريقيا في العلم والتنمية والتكنولوجيا والإستثمار، ومُنافسة لأُروبا.
حدث هذا بعدما تحولت إلى تطبيق سُنة الله في خلقه ،وأعادت الحرية، وأقامت العدل والسلام ،وحقوق الإنسان لشعبها .
فقال الدكتور طارق :
هل تنتبه مصر ،وتعمل على إنقاذ ما يُمكن إنقاذه قبل فوات الأوان ؟؟
وهل نتعلم من التاريخ قبل أن يعيد التاريخ نفسه؟
قال توأم الفكر :
نرجو من الله لهم هذا ،والخير والعودة إلى سُنة الله في كونه ،لأنها ليست إستثناء منها ،ولن تخرُج عليها .
وأن نعلم إن الأزمة ليست أزمة نقص أموال، ولا نقص مشروعات، ولا نقص قروض، وإنما هي أزمة غياب السنن التي تقوم عليها الدول وتستقر بها المجتمعات. وكل علاج لا يبدأ بإقامة العدل، وإطلاق الحريات، وسيادة القانون، واختيار الأكفاء، واحترام كرامة الإنسان، لن يكون إلا مسكنًا مؤقتًا أو مساحيق تجميلية، سرعان ما تذوب أمام أول اختبار. أما الإصلاح الحقيقي، فهو الذي يعيد بناء الدولة على الأساس الذي قامت عليه سنن الله في العمران، لأن الله لا يحابي أمة ولا حاكمًا، وإنما تجري سننه على الجميع. فمن أقام العدل، وحفظ الحرية، واستمع إلى أهل الخبرة، واحترم كرامة الإنسان، أعانه الله على البناء.
ومن سار في طريق الظلم والاستبداد، فإن سنة الله تمضي فيه كما مضت فيمن سبقه.
اجمالي القراءات
111
جزاك الله خير الجزاء بالدنيا والآخرة دكتور عثمان المحترم تشخيص حاله مصر بل وكل الدول العربية التي يحكمها نظام سياسي دكتاتوري، ووضع الحل الذي ينقذ الشعوب من غضب الله جل وعلا على سكوتهم على الظلم وخاصة ظلم انفسهم ولم يتعضوا من قصص القرآن العظيم للأمم السابقة والله المستعان.