التأويل كمصطلح قرآني

زهير الجوهر في الإثنين 26 يناير 2009


تحية طيبة

يأتي هذا المقال كحلقة أخيرة حول معنى التأويل وعلاقتة بالمحكم والمتشابه. وأستطيع أن أقول بأني والحمد لله قد توصلت الى فهم نهائي لهذا الكلمات.

التأويل في القرآن جاء في سبعة عشر موضعا:

1) تعبير الرؤيا(تفسير الأحلام):

وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تاويل الاحاديث ويتم نعمته عليك وعلى ال يعقوب كما اتمها على ابويك من قبل ابراهيم واسحاق ان ربك عليم حكيم.  سورة يوسف - آية 21 

وقال الذي اشتراه من مصر لامراته اكرمي مثواه عسى ان ينفعنا او نتخذه ولدا وكذلك مكنا ليوسف في الارض ولنعلمه من تاويل الاحاديث والله غالب على امره ولكن اكثر الناس لا يعلمون.   سورة يوسف  - آية  21

ودخل معه السجن فتيان قال احدهما اني اراني اعصر خمرا وقال الاخر اني اراني احمل فوق راسي خبزا تاكل الطير منه نبئنا بتاويله انا نراك من المحسنين.  سورة يوسف  - آية 36 

قال لا ياتيكما طعام ترزقانه الا نباتكما بتاويله قبل ان ياتيكما ذلكما مما علمني ربي اني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالاخرة هم كافرون.  سورة يوسف  - آية 37

قالوا اضغاث احلام وما نحن بتاويل الاحلام بعالمين.  سورة يوسف - آية 44

وقال الذي نجا منهما وادكر بعد امة انا انبئكم بتاويله فارسلون.  سورة يوسف - آية 45


ورفع ابويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا ابت هذا تاويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا وقد احسن بي اذ اخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد ان نزغ الشيطان بيني وبين اخوتي ان ربي لطيف لما يشاء انه هو العليم الحكيم.  سورة يوسف  - آية 100 

رب قد اتيتني من الملك وعلمتني من تاويل الاحاديث فاطر السماوات والارض انت وليي في الدنيا والاخرة توفني مسلما والحقني بالصالحين.  سورة يوسف - آية 101

2)بيان سبب أيقاع الفعل:

قال هذا فراق بيني وبينك سانبئك بتاويل ما لم تستطع عليه صبرا.  سورة الكهف - سورة 18 - آية 78 

أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (79) وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (81) وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا (82) . سورة الكهف.

3)حساب الحقوق والمستحقات في المعاملات التجارية:

 واوفوا الكيل اذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير واحسن تاويلا.  سورة الإسراء  - آية 35

4) فض النزاعات:

سورة النساء - آية 59
 
يا ايها الذين امنوا اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي الامر منكم فان تنازعتم في شيء فردوه الى الله والرسول ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الاخر ذلك خير واحسن تاويلا

5) تفسير الآيات التي تتناول الأخبار الغيبي:

  هل ينظرون الا تاويله يوم ياتي تاويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا او نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل قد خسروا انفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترونز  سورة الأعراف  - آية 53

  
بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما ياتهم تاويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين.  سورة يونس  - آية 39


هو الذي انزل عليك الكتاب منه ايات محكمات هن ام الكتاب واخر متشابهات فاما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تاويله وما يعلم تاويله الا الله والراسخون في العلم يقولون امنا به كل من عند ربنا وما يذكر الا اولوا الالباب.  سورة آل عمران -     آية 7

من هذه السياقات أعلاه أجدني متفقا مع رأي العلامة المحقق الدكتور الشيخ عبد الهادي الفضلي المحترم. حيث قال:

( و نحن ـ هنا ـ متى تأملنا في هذه المعاني لكلمة ( تأويل ) التي استعملها فيها القرآن الكريم فإننا سنراها تلتقي عند صفة أو حال واحدة اتصف بها كل واحد من المعاني المذكورة ، تشكل عنصرًا أساسيًا في دلالة كلمة تأويل على معناها ، تلك الصفة هي ( الغموض ) ، و أعني بالغموض ـ هنا ـ عدم وضوح المعنى عند المتلقي بما يفتقر معه إلى الإيضاح) . 

وكذلك أتفق معه حول النتيجة النهائية التي خرج بها:

(و نخلص من هذا إلى أن التأويل في المصطلح القرآني لا يكون إلاّ لما فيه غموض يفتقر إلى التفسير .
فالتأويل ـ قرآنيًا ـ تفسير و لكن لما فيه غموض) . 

أنظر: معنى التأويل كمصطلح قرآني للعلامة المحقق الدكتور الشيخ عبد الهادي الفضلي( أنقر هنا).

  أذن التأويل قرآنيا معناه : كشف الغموض.

فتأويل الاحلام والرؤى معناه كشف الغموض عنها, أي تفسيرها ومعرفة دلالتها.

وتأويل الفعل عندما يكون غامضا معناه كشف الغموض عن سبب أيقاع الفعل مثلما فعل العبد الصالح مع نبي الله موسى(ع).

وكذلك تأويل المعالملات التجارية معناه حساب الحقوق والمستحقات الناجمة عنها.

أما تأويل النزاعات فمعناه حل هذه النزاعات ومعرفة من معه الحق ومن عليه الحق.

ومن الواضح ان تأويل القرآن معناه هنا هو تفسير الغامض من الآيات القرآنية,ومعظم ذلك يتعلق بالجانب الغيبي.

أذن التأويل قرآنيا معناه "كشف الغموض" ولايأتي الا مع الغامض والمبهم.

لكن متى نقول بأن الكلام يحتاج الى تأويل ومتى لايحتاج اليه:

نقول بأن الكلام بحاجة الى تأويل عندما يكون المعنى المقصود منه يتعدى ظاهره! وهذا يكون مع الكلام المرمز والكلام التشبيهي(التقريبي) وكل كلام يحتاج معرفة مقصودة الى ما يتعدى مجرد تحليل كلماته لغويا وفهمة حسب السياقات اللغوية والمعرفية العامة والمعتادة.

نستطيع ان نقسم الكلام من حيث مقصوده الى قسمين رئيسيين:

1) كلام مباشر: وهو الذي مقصوده لايتعدى أحد المعاني الظاهرية التي قد يحمل عليها.

2) كلام غير مباشر: وهو الذي يتعدى مقصودة المعاني الظاهرية التي قد يحمل عليها.

يعتبر المعنى ظاهريا عندما يعرف من تحليل الكلام لغويا بأستخدام السياقات اللغوية والمعرفية المعتادة العامة والمتعارف عليها.

مثال: سئل أحدهم: من الخليفة بعد النبي(ص): فأجاب: الخليفة بعد النبي هو من كانت أبنته تحته.

الآن المقصود من هذه الجملة لابد وأن يقع مابين المعنيين الظاهرين المتعارفين وهو أما أن يكون أبا بكر أو علي.

هذا مثال على كلام مباشر فهو ليس مرمز (كلام طلسمي رمزي) ولا تشبيهي.

الكلام الغير مباشر هو مثل الكلام الرمزي ( الشفرة السرية مثلا) أو الكلام التشبيهي مثل الأخبار الغيبي في القرآن عن الجنة والنار.

الكلام المباشر لايحتاج الى تأويل لمعرفة مقصودة. بينما الكلام الغير مباشر يحتاج الى تأويل لمعرفة مقصودة.

وسمي التأويل تأويلا لأنه يتعدى المعاني المتوقعة من الكلام, وبذلك نصل اليه بعد جهد معرفي أو مشاهدة حسية, فنقول بأن تفسير ذاك الكلام قد آل الى كذا وكذا بعيدا عن المعاني الظاهرية التي قد يحمل عليها, وبذلك فأن كذا وكذا هو تأويل ذاك الكلام.

الآن ماهو المحكم والمتشابه كما تذكرهما  الآية 7 من سورة آل-عمران

الجواب هو: الآية المحكمة: هي التي يقع مقصودها في أحدى معانيها الظاهرية(أي هي من الكلام المباشر) والتي لايوجد من بين المعاني الظاهرية التي قد تحمل عليها معنى يؤدي الى الأضلال والفتنة.

وسميت محكمة لأمتناعها على أن تحمل على مايؤدي الى الأضلال والفتنة. فهي محكمة بوجة المحاولات التفسيرية المنحرفة للذين في قلوبهم زيغ.

مثال: وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولاتعتدوا ان الله لايحب المعتدين.

أما الآية المتشابهة: فهي الآية التي يوجد من بين المعاني الظاهرية التي قد تحمل عليها معنى يؤدي الى الأضلال والفتنة, وطبعا هذا المعنى هو ليس مقصودها. وسميت متشابه لانها تتشابه مع أقوال المنحرفين في أنها ممكن ان تحمل ظاهريا(بصورة خاطئة طبعا) على ماتحمل عليه أقوالهم.

الآن الآية المتشابهة قد تكون من صنف الكلام المباشر أو من صنف الكلام الغير مباشر.

مثال على آية متشابهه من صنف الكلام المباشر: 
 
وان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين.  سورة النحل - آية 126

ونلاحظ بأن هذه ممكن أن يساء تفسيرها بأتجاه تحليل قتل المدنيين والأبرياء أذا كان المقابل يفعل ذلك, وهذا طبعا ليس مقصودها.

مثال على آية متشابهه من صنف الكلام الغير مباشر:

 الرحمن على العرش استوى.  سورة طه   - آية 5

وهنا قد يحرف تفسير هذه الآية الكريمة الى التجسيد.

وطبعا هناك آيات مبهمة لاهي متشابهه ولامحكمة مثل : الر, الم, و كهيعص.

أذن هناك آيات محكمة, وآيات متشابه لكن مباشرة(أي لاتحتاج الى تأويل لمعرفة مقصودها), وآيات متشابهه لكن غير مباشرة(نحتاج الى تأويل لمعرفة مقصودها),وآيات مبهمة لامحكمة ولامتشابهه.

الآية 7 من ال-عمران تقول لنا بأن الله وحدة يعلم تأويل القرآن. أي هو وحدة يعلم المقاصد من الكلام الغامض والمبهم وأما بالنسبة للكلام الذي يبدوا مباشرا فأذا كان قصده يتعدى ظاهره فأن الله وحدة يعرف ذلك, ولذلك لاعبرة لمن يقول بأن الصراط المستقيم هو علي وبأن عصا موسى هي علي وكلام من هذا القبيل فهذه تأويلات لايعلمها الا الله وحدة.

من هنا نعرف لماذا الذين في قلوبهم زيغ يميلون الى المتشابه من القرآن,وذلك لأنهم يستغلون التشابه الظاهري مع أقوالهم المنحرفة ويفسرون القرآن بصورة منحرفة ومن ثم يأولون القرآن أي يدعون تفسير الغيبيات فيه وطبعا بما يتلائم مع أنحرافهم, فهم يستغلون كون الغيب بعيد عن متناولنا ويستغلونه من أجل تأييد أفكارهم. ومقال الدكتور أحمد صبحي منصور عن التأويل في التراث والعصر الراهن خير مثال على ذلك.

واحدة من القصص التي نراها حولنا حول أستغلال تأويل الغيبيات, هي مايفعلة بعض المتصوفة فهم يدعون بأنهم يستطيعون أن ينقلوك الى الجنة, ويروك النار ومن هذا القبيل, بينما بكل وضوح ينكر القرآن ذلك (الآعراف_53). ويا لطالما روى التأريخ أشياء من هذا القبيل مثل ماحصل في قلعة الموت حيث كان النزاريين يخدرون الذين يؤمنون بعقائدهم ثم يجعلونه يعيش في جنة سرية في القصر, ويقولون له بأنه كان في الجنة, وغيرها. فهذه كلها تتناقض مع القرآن, حيث لايعرف تأويل الغيبيات فية أحد من البشر.

ومن الجدير بالذكر فأنا تكلمت هنا عن المحكم والمتشابة الذي تذكره الآية 7 من سورة آل-عمران, وهو مختلف عن المذكور في الآية 1 من سورة هود , والآية 23 من سورة الزمر, حيث مفهوم الأحكام والتشابه في هذه الآيات مختلف عن ذاك الذي تتناوله الآية 7 من سورة آل-عمران.

أعتقد بأن أمر المحكم والمتشابه والتأويل قد أصبح واضحا, وبات من أسئلة الماضي.

مع التقدير

 

اجمالي القراءات 8031

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2007-06-23
مقالات منشورة : 24
اجمالي القراءات : 223,209
تعليقات له : 597
تعليقات عليه : 475
بلد الميلاد : Iraq
بلد الاقامة : Jamaica