المحكم والمتشابه والتأويل

زهير الجوهر في الأحد 18 يناير 2009


تحية طيبة

سبق لي وأن كتبت في هذا الموضوع على هذا الموقع المبارك. وخلال بحثي في هذا الموضوع تقلبت بين أفكار كثيرة. وهنا يأتي هذا المقال كحلقة أخرى عن هذا الموضوع.

مدار هذا المقال يدور حول المحكم والمتشابة  المذكور في الآية 7 من سورة آل-عمران

هو الذي انزل عليك الكتاب منه ايات محكمات هن ام الكتاب واخر متشابهات فاما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تاويله وما يعلم تاويله الا الله والراسخون في العلم يقولون امنا به كل من عند ربنا وما يذكر الا اولوا الالباب

المتأمل لهذه الآية الكريمة يستخلص وجود نوعان من الآيات القرآنية: آيات محكمات وآيات متشابهات.

الآيات المحكمات بمجموعها تشكل "أم الكتاب", والكتاب هنا يعني "القرآن" , لأن القرآن هو الكتاب الذي أنزل على محمد.

نلاحظ أن لفظ أم جاء مفردا, أي أن الله سبحانه وتعالى لم يقل " هن أمهات الكتاب", وأنما قال " هن أم الكتاب". وهذا يعني ان مجموعة الآيات المحكمة تؤلف كيانا واحدا سماه تعالى بأم الكتاب, والأم في اللغة معناها "الأصل", وكذلك ذكرت في القرآن بمعنى " الأعظم". وهنا نرى بأن مجموعة الآيات المحكمات تشكل أصل القرآن أو أعظم مافي القرآن, في كلا الحالتين نحن نفهم أنه لايجوز بأي حال من الأحوال تفسير أي آية في القرآن بما يتناقض مع مجموعة الآيات المحكمات.

بالمقابل نرى بأن الآيات المتشابهات يستغلها الذين في قلوبهم زيغ أي ميل عن الحق وذلك عن طريق تفسيرها تفسيرا مغلوطا يتناسب مع الميل الذي في قلوبهم وذلك لغرض الفتنة اي الميل عن الحق ولغرض تأويل القرآن, ويخبرنا الله بأن تأويل القرآن لايعلمه احد غيره حتى يوم القيامة:

   هل ينظرون الا تاويله يوم ياتي تاويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا او نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل قد خسروا انفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون  (سورة الأعراف -آية 53)


وطبعا مفهوما بأن الذي في قلبه ميل يبني تفسيرات مغلوطة للآيات المتشابهات من القرآن, ومن ثم يأول القرآن بمايتناسب مع تلك التفسيرات المغلوطة كي يبرر لنفسه الآنحراف عن الحق.

أذن يتبين لنا بأن الفيصل ما بين المحكم والمتشابه هو قدرة الذين في قلبهم زيغ على أستغلال الآيات بما يتناسب مع ميولهم الزائغة.

لذا يمكننا تعريف المحكم والمتشابه بالآتي:

الآية المحكمة: هي الآية التي لايمكن للذي في قلبه زيغ أن يفسرها بصورة مغلوطة بما يتلائم مع ميوله الزائغة.

الآية المتشابهة: هي الآية التي يمكن للذي في قلبه زيغ بأن يفسرها بصورة مغلوطة  بما يتلائم مع ميوله الزائغة.

المحكم في اللغة يأتي من المنعة والأمتناع. فنقول بأننا أحكمنا غلق الباب أذا أغلقناه بطريقة بحيث يمتنع فتحه. وهنا المحكم من الآيات معناه الآيات المصاغة لغويا بطريقة بحيث يمتنع على الذي في قلبه زيغ بأن يفسرها بصورة تتلائم مع مقدار ميله عن الحق. ولذلك نرى بأن الذي في قلبه زيغ لاينجذب نحو المحكم من الآيات, لأنها محكمة بوجه محاولاته التفسيرية الزائغة.

أما الآيات المتشابهه فهي ليست محكمة بالمعنى أعلاه, لذلك من الممكن لمن في قلبه زيغ ان يحملها (بصورة مغلوطة طبعا)على معنى يوافق ميوله الزائغة, لذلك تراه يجد ضالته في هذه الآيات كي يقنع نفسه وغيره بآراءه المنحرفة. وسميت هذه الآيات بالمتشابهة وذلك لانها قد تظهر شبها للآراء المنحرفه للذين في قلوبهم زيغ. فالتشابه هنا هو مع تلك الآراء المنحرفة,وهذا هو أصل التسمية.

الآن نأتي لتفسير ماذا تعني كلمة "تأويل", ولأجل شرح ذلك لابد لنا من مقدمة بسيطة :

أولا: عندما نقول بأن تفسير الجملة الفلانية هو كذا وكذا فأننا نقصد بأن معنى الجملة الفلانية هو كذا وكذا على قصد قائلها.

أذن المعنى المقصود من أي جملة  (على قصد قائلها) هو تفسير تلك الجملة, وتفسير الجملة هو المعنى المقصود منها على قصد قائلها.

يسمى التفسير تأويلا عندما لايمكننا أن نعرف المعنى المقصود منها بالأعتماد على ظاهرها, أي بالأعتماد على تحليل كلماتها والسياقات اللغوية المعتادة العامة.

بمعنى آخر التأويل يستعمل مع الكلام المبهم الذي لايمكننا تبيين قصد قائله بالأعتماد على ظاهر الكلام.

وسمي تفسير المبهم تأويلا وذلك لأننا نصل اليه بعد عملية أستنباطية مركبة تجعلنا نصل الى ذلك التفسير. فنقول بأن أمر تفسير تلك الجملة المبهمة "آل" الى كذا وكذا, وبذلك فأن كذا وكذا يعتبر تأويل تلك الجملة(أي تفسيرها). و"آل" معناها "وصل أخيرا". أي أننا توصلنا أخيرا الى معنى تلك الجملة الفلانية بعد أن أستبعدنا كل المعاني الظاهرية والمعاني المتوقعة المعتادة, ولذلك سمي ذلك المعنى الذي توصلنا اليه وعرفنا بأنه هو المقصود من الجملة على قصد قائلها بأنه تأويل تلك الجملة, لأنه ما "آل" اليه جهدنا الأستنباطي لمعرفة مقصودها.

أي ببساطة هنا نوعان من الكلام, كلام سهل ومباشر ممكن الوصول الى معرفه تفسيره (أي معناه على قصد قائله) من مجرد سماعه,وبالاعتماد على السياقات اللغوية المعتادة لفهم اللغة. فمثلا عندما تسأل فلان أي زيد ويقول لك زيد في البيت, فأن جملة "زيد في البيت" واضحة ولاتحتاج الى "تأويل", أي لاتحتاج الى تفسير آخر غير المعنى الظاهري الواضح لنا.

كذلك عندما نقول مثلا "يدا واحدة لاتصفق" , كذلك نحن نعرف من السياقات المعتادة بأن معناها يتعدى ظاهرها ليعني بأن المساعدة ضرورية للنجاح,وبالرغم من أن هذا المعنى هو ليس الظاهري لأول وهلة لكنه معلوم من سياقات الأمثلة,ومفهوم, وبالتالي ممكن توقعة ولايحتاج الى أن نصل الية بعد جهد جهيد. لذلك لايسمى ذلك التفسير تأويلا.

تفسير جملة معينه يسمى تأويلا لها أذا كانت تلك الجملة مصاغة بحيث يتعذر الوقوف على مقصودها(على قصد قائلها طبعا) من مجرد الأعتماد على السياقات اللغوية العامة  المعتادة.

مثال: " الرحمن على العرش أستوى".

الآن ماذا يعنى الأستواء هنا بالضبط, هو في الحقيقة شيء خارج عن قدرتنا على الأستيعاب, وذلك لأننا بعيدين كل البعد عن ذلك العالم الغيبي الذي تتكلم عنه الآية. وكذلك معظم اخبار الغيب المذكور في القرآن مثل أوصاف الجنة والنار وغيرها كلها في علم الغيب وليس لنا أدراك مقصودها في الوقت الحاضر, وبالتألي لانستطيع الوقوف على حقيقة مقصودها على قصد قائلها تعالى, الا عندما نشاهدها في اليوم الآخر,وبالتالي فأننا نقول بأن تفسير هذه الآيات هو تأويل هذه الآيات, أي أن تفسير هذه الآيات يؤول الى شيء آخر يتعدى ظاهرها اللغوي.

لذلك فأن جملة "تأويل القرآن" تعني "تفسيرالآيات المبهمة من القرآن" والآيات المبهمة من القرآن هي تلك الآيات المتعلقة بالأخبار الغيبي في القرآن الذي لن يعلم الا في الآخرة.

الآن نرجع الى تفسير الآية 7 من سورة ال-عمران

هو الذي انزل عليك الكتاب منه ايات محكمات هن ام الكتاب واخر متشابهات فاما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تاويله وما يعلم تاويله الا الله والراسخون في العلم يقولون امنا به كل من عند ربنا وما يذكر الا اولوا الالباب

تفسير هذه الآية هو: أن الله أنزل القرآن على محمد منه آيات محكمات يمتنع على الذي في قلبه مرض أن يفسرها بصورة منحرفة تقود الى الفتنة,ومجموعة هذه الآيات المحكمات تشكل كيانا واحد هو أم الكتاب أي أصله وأعظم مافية, واليه يجب الرجوع لفهم القرآن ولايجوز تفسير أي آية من القرآن بما يتناقض معه. ومنه آيات متشابهات , فالذين في قلوبهم زيغ اي ميل عن الحق, سوف يتبعون تفسيراتهم المغلوطة لمجموعة من الآيات المتشابهة لغرض الفتنة أي الأنحراف عن الحق, وسوف يتبعون تفسيراتهم المغلوطة لمجموعة الآيات المتشابهة كقاعدة فكرية أستنباطية لغرض الوصول الى تأويلات منحرفة للآيات المبهمة التي تتعلق بالغيب كي يدعموا أنحرافهم. ويبين لنا تعالى بأنه لايمكم لأي أنسان الوقوف على معنى تلك الآيات الغيبية, ولذل فأن مجرد الأدعاء بمعرفة تأويل تلك الآيات هوبحد ذاته يعتبر ميلا عن الحق. أما الراسخون في العلم فهم يقرون بعدم قدرتهم على العلم بتفسير الآيات المتعلقة بالأخبار الغيبي في القرآن, ويقولون بأنهم يؤمنون بالمحكم والمتشابه كل من عند الله, ولايتذكر الا أولوا الألباب الذين يعرفون حدود معرفتهم ولايتبعون الميول الزائغة.

لكن ما علاقة المتشابة بالتأويل؟

التأويل يأتي مع المبهم! والتأويل يصل اليه الأنسان بأتباع طريقة مركبة من الأستنباط, وهنا تقول الآية 7 من سورة آل-عمران, بأن الذين في قلبهم زيغ يستعملون تفسيراتهم المغلوطة للمتشابه من القرآن كقاعدة فكرية لأستنباط تأويلاتهم للأخبار الغيبي في القرآن.

الفرق الأساسي بين المحكم والمتشابة هو أن المتشابه قد يحمل معناه الظاهر بصورة مغلوطة على معنى يشابه الأقوال المنحرفة للذين في قلوبهم زيغ. بينما المحكم لايوجد من بين المعاني الظاهرية التي قد يحمل عليها معنى يشابه أقوال المنحرفين عن الحق.

مثال) سورة التوبة  آية 123

يا ايها الذين امنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا ان الله مع المتقين
الآن الأنسان الذي يحب العنف والدموية (وبالتالي فأن في قلبه زيغ) سوف يفسر هذه الآية على العموم في كل زمان ومكان لتشمل كل الكفار, ويفسر الكفار على أنهم غير المسلمين,وبالتالي يستحل دماء كل من يتهمة بالأشراك.

ثم بعد ذلك وأنطلاقا من هذا التفسير المنحرف سوف يأول الكثير من الآيات التي تتحدث عن الجنة والنار على أساس بأن من يقتل كذا وكذا عددا من الكفار سوف يدخل الجنة, وأن الذي لايناصره سوف يدخل النار.

أي أنه الآيات التي تتعلق بالأخبار الغيبي هي نفسها لا محكمة ولا متشابهة,وأنما هي آيات مبهمة, لكن المنحرفين يستعملون تفسيراتهم(وليس تأويلاتهم) المغلوطة للآيات المتشابهة من القرآن لتكوين قاعدة فكرية أستنباطية يدعون بأنها أوصلتهم لمعرفة تفسير الآيات المبهمة المتعلقة بالأخبار الغيبي.

وهنا نرى التلازم مابين أستغلال الفكر المغلوط لتفسير المتشابه من القرآن لغرض الفتنه, أي حرف الدين, وكيفية تبرير كل ذلك فيما بعد بتأويل الغيبيات في القرآن بصورة مغلوطة(بأستعمال التفسير الخاطي للمتشابه) لتناصر وتؤيد تلك الافكار المنحرفة. وشاشات التلفاز أمامنا كل يوم ونرى بأم أعيننا ونسمع بمليء آذاننا ما يؤيد الآية أعلاه.

لذا يسترعى الأنتباه!

مع التقدير

 

اجمالي القراءات 21350

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (3)
1   تعليق بواسطة   زهير الجوهر     في   الإثنين 19 يناير 2009
[33130]

شكرا لأخي أحمد أبراهيم

وأوافقك الرأي بشأن الكلمة واللسان الأعجمي, وبأنتظار المزيد من التفكير المشترك حيث أن التفكير المشترك يساعدنا كثيرا على حل المعضلات.


مع كل التقدير و الأحترام


2   تعليق بواسطة   عبد الله العراقي     في   السبت 16 يناير 2010
[44992]

على وزن متفاعلات وليس مفاعلات

انت قلت (انها قد تظهر شبها للآراء المنحرفه للذين في قلوبهم زيغ. فالتشابه هنا هو مع تلك الآراء المنحرفة,وهذا هو أصل التسمية.)


وكلامك صحيح لو قال تعالى مثلا مُشابهات ولكنه تعالى قال مُتشابهات (على وزن متفاعلات وليس مفاعلات) اي ان الشبه هو في ما بينها وليس في ما بين ايه وخارج القران


 



واظن انهنّ متشابهات اي يشبه بعضها بعضا في انه لا يمكن الحصول منهن على حكم ثابت يقيني لا يقبل الشك (بعكس المحكمات)


 والله العالم.





3   تعليق بواسطة   عبد الرحمن أبو ياسين     في   الخميس 19 ديسمبر 2013
[73495]



على حد علمي أن كلمة متشابهات أصلها الشبهة و الاشتباه . فيختلط الأمر على قارئها إن لم يكن ملما بالآي المحكم . و قد يستغل أصحاب الأهواء إمكانية اسقاط المعاني التي توافق أهواءهم على الآيات المتشابهات . و قد أقر أخي زهير هذا معيارا للتفريق بين الصنفين .



أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2007-06-23
مقالات منشورة : 24
اجمالي القراءات : 472,598
تعليقات له : 592
تعليقات عليه : 478
بلد الميلاد : Iraq
بلد الاقامة : Jamaica