رقم ( 6 )
الباب الثالث : حدود الإلزام في تشريعات الاسلام:

 

الباب الثالث : حدود الإلزام في تشريعات الاسلام:

الفصل الأول : ( 1) في العقيدة

 

مقــدمة:

1 ـ في دولة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الاسلامية : لا بد من أجهزة إدارة وسلطة حكم - ليست سلطة تحكم، وليس حاكماً بالمعنى المعروف والمألوف ـ ولكن سلطة من أولي الأمر يختارهم المجتمع لادارة شئونه تتولى التشريع والقضاء بين الناس والتنفيذ والتطبيق وشئون الأمن والدفاع. وهي سلطة مسئولة أمام الناس من مستوى القرية والحي إلى المدينة والوطن. والناس هنا متفاعلون إيجابيون نشطون قائمون بالقسط يأتمرون بالمعروف ويتناهون عن المنكر ويتواصون بالخير والحق والصبر.

مقالات متعلقة :

سلطة المجتمع هذه في إلزام الفرد ما هو مداها ؟  وإذا كانت محددة فما هي حدود إلزام الفرد لنفسه ؟ هذا هو موضوعنا. ونبدأ بمدى الإلزام في حقوق الله جل وعلا في العقيدة  . 

 

2 ـ إنّ آيات التشريع في القرآن حوالي المائتي آية بما فيها من تفصيلات، وتتناول في معظمها الأحوال الشخصية والعلاقات الاجتماعية والأسرية كالميراث والوصية والتعاملات التجارية والعقوبات، ويبقى المجال واسعاً للتشريع البشري في إطار العدل والتيسير وحقوق الانسان. ولكن حتى تلك التفصيلات التشريعية في القرآن الكريم موكول معظمها في التنفيذ إلى الفرد نفسه، في ضوء مسئوليته الشخصية أمام ربه جل وعلا، وليس فيها إلزام من نظام الحكم، والذي يقوم على تنفيذ أوامر الله يجب أن يعرف حدود الإلزام التي جاءت في تشريع القرآن.

 

3 ـ والأصل أن الله هو الذي خلق البشر أحراراً في الطاعة والمعصية وهو الذي سمح لهم بحرية الإرادة، وحرية الايمان وحرية الكفر، بل وحرية الإلحاد في القرآن (إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)(فصلت 40). وعلى أساس هذه الحرية سيكون حسابهم يوم القيامة . فالمسألة الحقيقية هي يوم القيامة، والقاضي الحقيقي والوحيد هو الله يوم الدين.. هذا فيما يخصّ حق الله جلّ وعلا في الاعتقاد والعبادة .

 

4 ـ الإلزام يكون أساساً في حفظ حقوق العباد أو حقوق الانسان، فحتى لا تكون الحرية مفسدة للمجتمع  فقد وازن القرآن الكريم بين حرية الفرد وسلامة المجتمع. فجاءت قوانين العقوبات للتطبيق، ولكن معها إمكانية التوبة في إسقاط العقوبة الدنيوية. والتوبة هنا تحت رقابة المجتمع، ثم الرقابة الالهية. والتوبة المقبولة من المجتمع تسقط العقوبة وتمنح المدان فرصة أخرى لينصلح عمله. أما قبول التوبة من الله جل وعلا فموعدها يوم القيامة. وهي التي تنقذه من الخلود في النار ( وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) ( التوبة 105 ).

ويوم القيامة آت لا ريب فيه وهناك سيكون الفصل حيث لا ظلم ولا محاباة (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفى بِنَا حَاسِبِينَ)( الأنبياء 47.).

 

حدود تدخل الحاكم في حياة المحكوم وفق تشريع القرآن:

 

1 ـ نتجاوز هنا ونستعمل مصطلح الحاكم ليكون كلامنا مفهوماً، ونعيد التأكيد على أنه لا وجود لحاكم فرد في الدولة الاسلامية بالمعنى المتعارف عليه، ولكنهم أولو الأمر اصحاب الاختصاص، والذين يختارهم الناس في كل مستوى، ويكونون محاسبين أمام الناس.

2 ـ الله تعالى وحده هو الذي يبتلي الإنسان بالأوامر والنواهي وهو وحده الذي سيحاسبه يوم القيامة ولكي يكون الإنسان كامل المسئولية لابد أن يكون حراً، ولذلك فإنه ليس على المجنون والمكره مسئولية، ذلك هو المبدأ العام الذي يحدد إطار العلاقة بين السلطة التي تخدم المجتمع وبين الفرد الذي يعيش داخل المجتمع.

 

ليس للحاكم أن يتدخل في عقائد المحكومين:

 

1 ـ لم يشأ المولى العظيم أن يتدخل في حرية الإنسان واختياره لعقيدته. وذلك أعظم ما في الاختبار الذي وضع الإنسان فيه، خلقه حراً في التفكير وفي الاختيار ثم أرسل له الرسل وأنزل الكتب ودعاه للهداية، وفي دعوته للهداية حرص على تأكيد حرية الإنسان ومقدرته على الطاعة وعلى المعصية وعلى مسئوليته عن اختياره وعلى ما ينتظره من جنة أو نار (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا)(الكهف 29)، (قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ) (الاسراء107).فهنا تأكيد للمشيئة الإنسانية في العمل. وليس للنبي محمد إلا التذكير والوعظ  دون السيطرة، فلا سيطرة للنبي على الناس، لأن مرجعهم لله جلّ وعلا يوم القيامة (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍإِلاَّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ )( الغاشية 21)، (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ) ( يونس 99 ).

 

نزلت هذه الآيات والرسول في مكة، ثم بعد أن صار قائداً  للدولة الإسلامية في المدينة لم يختلف الوضع. بل نزل التاكيد قاعدة قرآنية تقول (لا إكراه في الدين) (البقرة 256). أي ليس من حق النبي إكراه أحد على الإيمان الصحيح.

 

ولم يمنع ضجيج المعارك بين المؤمنين والمشركين من تقرير حرية العقيدة،  فالجهاد هو  لتقرير هذه الحرية ومنع المشركين من الاضطهاد الديني (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ)(البقرة 193) (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّه فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ )(الانفال 39).

 

إرجاء الحكم في الخلاف العقيدي إلى الله يوم القيامة:

 

هذا ما ينبغي أن يعول عليه المؤمن إذا جادله من يتمسك بالباطل ليصدَّ عن سبيل الله، فبذلك يأمره القرآن الكريم (قُل لّا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ)(سبأ 25: 26) المؤمن دائماً في حواره لا يحولها إلى قضية شخصية، ولكن الدين لله وهو يرجئ الحكم إلى الله حين يحكم بين الجميع يوم القيامة ( قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) (الزمر 46)، فهو "يوم الدين" والمؤمن يعلم أن الله لم يعط سلطته في الحكم على عقائد الناس- إلى النبي نفسه، (وَإِن جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ)( الحج 68: 69) أما أصحاب الدين الأرضي فهم الذين صنعوه وهم الذين يملكونه لذا يريدون فرضه على الناس لمصلحتهم الدنيوية، ومن يناقش دينهم أو من يكفر به فقد كفر بهم واعتدى على شأن شخصي ملك لهم..

 

ليس من حق الحاكم المسلم هدم الأوثان:

 

استخدم القرآن الأسلوب العقلي في إظهار حقيقة تلك الأوثان وتوضيح أنها مجرد حجارة صنعها من يعبدها (قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ)(الصافات95: 96) وأنها أساطير وإفك (أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ) (الصافات 86)، (إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا)(العنكبوت17). وينطبق ذلك على الأصنام كما ينطبق على الأنصاب وهي القبور المقدسة.

 

وقد ناقش القرن أولئك الذين يعبدون الأولياء الموتى فأكد انهم مجرد موتى لا تشعر بما حولها ولم تخلق شيئاً بل هي مخلوقة ولا تشعر متى ستبعث يوم القيامة (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاء وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ)(النحل 20: 21).

 

وفي مواجهة الأساطير التي تزعم خوارق لتلك الالهة المعبودة الميتة فقد أمر الله تعالى رسوله محمداً أن يتحدى تلك الآلهة والأولياء الميتة في قبورها مؤكداً أنها لا تنفع ولا تضر، وأن الولي الوحيد للمؤمن لا يكون سوى الله تعالى وحده (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُواْ شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ)(الاعراف 194). وأوضح القرآن أن الولي المقصود بالعبادة والتقديس لا يكون إلا الله تعالى (أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)(الشورى9)، (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ قُلْ إِنِّيَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (الأنعام 14) وأوضح القرآن أن أحداً من المخلوقات لا يشاركه تعالى في الحكم في الدنيا وفي الآخرة (مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا) (الكهف 26) وأنه وحده الخالق والآمر (أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)(الاعراف : 54).

 

وعلى هذا الأساس العقلي حاور الله تعالى المشركين ممن يعبد الأولياء والآلهة (قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّنْهُ) (فاطر  40)، (قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ) (الاحقاف4: 6)، (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ إِن تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ) (فاطر  13: 14).

 

واستخدم القرن إيمانهم بالله الخالق حجة عليهم، فكيف يتركون رب السماوات والأرض ويطلبون المدد من غيره الذي لم يخلق شيئاً والذي لا يملك شيئاً (قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ)(الرعد 16) وكل هذه الآيات موجهة للمسلمين وغيرهم ممن يقدسون القبور في عصرنا.

 

لقد أوضح القرآن الكريم حقيقة الأصنام والأنصاب والقبور المقدسة في موضعها الحقيقي وأثبت أنها خرافة لا تستقيم مع العقل السليم، وأنها مجرد أحجار لا تختلف عن أية أحجار أخرى وإن ما يدور حولها أساطير تستحق السخرية لا التقديس.. بعدها أمر المؤمنين باجتنابها والابتعاد عنها (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ) (الحج 30) والأوثان كل ما هو مقدس من بشر وحجر ومواد طبيعية، والزور هو كل الأكاذيب وأقطعها ما كان منسوباً لله افتراءً على الله.

 

وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)(المائدة 90) الشيطان لا يقوم بنفسه بتصنيع الأنصاب أو ما يعرف الآن باسم الأضرحة، ولكنه هو الذي يوهم الناس بأن مواد البناء في الضريح مقدسة وتختلف عن أي مواد أخرى تبنى بها البيوت والمساكن والمصانع، وهو الذي يوهم الناس بأن المقبور تحت الرماد لا يزال حياً ولكنه معتقل تحت الأرض يرى ويحس بمن يطوفون بالضريح من فوقه، وطبعاً فلا يشكو من طول فترة اعتقاله في زنزانة انفرادية تحت الأرض ولا يتضرر من آلاف الأقدام التي تسير دائماً فق رأسه. الشيطان يحجب العقل عن التفكير السليم ويجعل الناس يؤمنون بأن هناك إلاها محبوسا تحت الرماد يستجيب لهم ويرفع عنهم الضرر.. والشيطان هو الذي يقنع الناس بأن مملكة الأموات هي التي تتحكم في مملكة الأحياء. كل هذه المعاني وغيرها تندرج تحت قوله تعالى عن الأضرحة (رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ). أمر القرآن باجتناب الأوثان والأضرحة، ويلاحظ أن اجتناب الأضرحة جاء صراحة للمؤمنين (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ )(المائدة 90) .

 

أمر رب العزّة جلّ وعلا باجتناب الأوثان والأضرحة ولم يأمر بهدمها أو تدميرها ولكن أمر فقط بالابتعاد عنها و اجتنابها وأن تتطهر منها بيوت الله والمساجد لكي تكون العبادة لله خالصة (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا)(  الجن 18).

 

قام القرآن بهدم الأضرحة والأثان في عقول الناس واعتقادهم واكتفى بذلك، وهي نظرية صائبة. فالضريح مثلاً يتكون من مواد بناء معروفة: أسمنت وطوب وأخشاب ومسامير وزجاج ورخام وأجهزة كهربائية وستائر وأقمشة وهذه المواد توجد في كل مكان ولا تختلف أحجار الضريح عن أي أحجار أخرى، وكلها تأتي من نفس المصدر، والذي جعل لأحجار الضريح قدسية إنما هو الاعتقاد فيها الذي أوهم الشيطان به جموع الناس. فإذا تهدم ذلك الاعتقاد الخرافي من قلوب الناس تصبح هذه الأضرحة مجرد أبنية وتتحول الأصنام إلى مجرد تماثيل صخرية، يتندر بها الناس على قلة عقولهم حين قدسوها.

 

أما إذا بادر حاكم مسلم إلى تدمير أحجار الأضرحة وتسويتها بالأرض فإن من يعبد الأضرحة ويعتقد فيها سيقيم في قلبه ألف ضريح وضريح، ولا تلبث أن تعود أضرحة أخرى وتتكاثر الأساطير والكرامات الخرافية التي تدّعي أن الأولياء قد انتقموا من ذلك الذي هدم قبورهم، وكل ما يمكن أن يحدث له من أمور عادية،  حتى لو كانت مجرد زكام سيتحول تفسيرها إلى أنه غضب الآلهة المزعومة عليه !!

 

 

 

وهناك مثل أكثر روعة، هو مسجد الضرار الذي أقامه المنافقون في المدينة للتآمر على الاسلام والنبي محمد عليه السلام والمسلمين. وكشف الله تعالى في الوحي القرآني دور هذا المسجد ونهى النبي عن الاقامة فيه : (لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ). لم يأمره بتدميره أو حرقه أو اعتقال المتآمرين أصحابه والدليل ضدهم ثابت لاجدال فيه وهو كلام رب العزة جل وعلا. 

 

فقط أمر النبى والمسلمين بعدم الذهاب اليه. وظل هذا المسجد مقاماً بدليل كلام الله تعالى عنه (لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)(التوبة 107: 110).

 

الخلاصة أنه ليس للدولة الاسلامية أن تتدخل في العقائد حتى لو تكاثرت فيها ملايين الأصنام وملايين العابدين لها. ليس من وظيفة الدولة هداية الناس أو ادخالهم الجنة، ولكن وظيفتها اقامة العدل بين الناس وتوفير الأمن لهم وتوفير أقصى قدر متاح لهم في حرية العقيدة والعبادة حتى يكون كل فرد مسئولا مسئولية مباشرة أمام الله تعالى يوم الدين عن اختياره العقيدي.

 

ماذا إذا أصدرت الدولة الاسلامية قانوناً يبيح الخمر والميسر والبغاء ؟

 

هنا يقع الإثم على من يسنّ هذا القانون، وعلى من يعمل به. وليست هناك عقوبة دنيوية على ذلك. ولا يعد هذا القانون اسلامياً .

 

ماذا إذا أصدرت الدولة الاسلامية قانوناً يحرّم إقامة الأصنام والأنصاب والأوثان ؟

 

طالما صدر هذا القانون معبراً عن رأي الجميع فقد أصبح عقداً ملزماً للجميع. إن صدر بالأغلبية فليس من حق الأغلبية فرض هيمنتها في أمور العقيدة على فرد واحد .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الباب الثالث : حدود الإلزام في تشريعات الاسلام:الفصل الثاني : في العبادة

 

1 ـ إنّ حقوق الله التعبدية على عباده لا مجال فيها لأحد من الناس التدخل فيها وإلا كان مدعياً للالوهية وجاعلا نفسه واسطة بين الناس ورب الناس، وهذا يناقض عقيدة الاسلام في أنه ليس لله تعالى شريك أو معين أو واسطة. ليس من حق الحاكم أن يلزم أحداً بالصلاة والزكاة والصدقات والصيام والحج وقيام الليل وذكر الله وتلاوة القرآن الكريم، أو أن يعاقب أحداً على التهاون فيها أو تركها، فهذه الفرائض تعامل خاص ومباشر بين العبد المسلم وربه، ولا مجال فيها لأحد الناس أن يتدخل بين الله وعباده أو أن يغتصب لنفسه حق الله في مراقبة عباده في تأدية فرائضه وفي حسابهم عليها .

 

2 ـ إن جوهر العبادة هو الإخلاص وبدونه تكون تأدية العبادة مجرد حركات بدنية ساخرة.. والله تعالى يأمر عباده بالإخلاص في عبادته (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ)، ( قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ)، (قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي)(الزمر2، 3، 11، 14). ومن إخلاص العبادة لله جلّ وعلا اجتناب الرياء ( فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ) (الماعون 4: 7) . وقد كان المنافقون يؤدون الصلاة بدون إخلاص بل لمجرد المراءاة والنفاق فاعتبرها رب العزة خداعاً لله تعالى (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً) (النساء142) . والله وحده هو الذي يعلم حقيقة الإخلاص أو الرياء في القلوب. والله وحده هو الذي يجازي على الإخلاص أو الرياء وذلك يوم القيامة الذي يختبر فيه رب العزة سرائر الناس (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ) (الطارق 9) وليس في إمكان البشر العلم بغيب السرائر وخطرات القلوب، ولا يستطيع البشر اختراع جهاز لكشف الكذب يتمكن من الغوص في أعماق القلوب، وحتى لو استطاعوا لأمكن للانسان نفسه خداع ذلك الجهاز. ولأن معرفة السرائر فوق طاقة البشر فليس من مهام إنسان أن يلزم الآخرين بما ليس في إمكانه السيطرة عليه.

 

3 ـ ولكن محصّلة الصلاة تدخل ظاهرياً في نطاق مراقبة المجتمع. فالله جل وعلا لم يأمر بتأدية الصلاة، ولكن أمر بإقامة الصلاة. وإقامة الصلاة تعني شيئين متلازمين : الخشوع والاخلاص أثناء أداء الصلاة في القيام والركوع والسجود والقنوت والتسبيح وقراءة القرآن. وهذا الخشوع وذلك الاخلاص في الصلاة تعامل خاص بين المؤمن وربّه لا دخل لبشر فيه. الجانب الآخر من إقامة الصلاة هو أن تثمر سلوكاً سامياً في التعامل اليومي مع الناس ورب الناس فيما بين أوقات الصلاة طيلة النهار واليقظة، يقول جل وعلا في إقامة الصلاة في كل أوقات يقظة الانسان (وَأَقِمْ الصَّلاةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) (هود 114)، فالحسنات بالمدوامة عليها تشغل الانسان عن الوقوع في السيئات، وبذلك تكون إقامة الصلاة، وفي ذلك ذكرى للذاكرين كما قال رب العالمين، أي لا تصلّي الظهر ثم تزني، أو تصلّي العصر ثم تكذب وتسرق وتعصي وتفسق. إقامة الصلاة تعني المحافظة عليها بالابتعاد عن الفحشاء والمنكر (وَأَقِمْ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ)(العنكبوت 45). والابتعاد عن الفحشاء والمنكر يعني أيضاً التفاعل الايجابي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتواصي بالخير. بهذا تتم إقامة الصلاة وليس مجرد تأدية صلاة مظهرية سطحية من حركات سجود وركوع وقراءة مع قلب غافل وسلوك فاسق وعقيدة ضالة، فهكذا كانت تفعل قريش المشركة، تصلي وتفسق فوصف رب العزة صلاتهم بالمكاء والتصدية ووصفهم بالكفر (وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُون) (الأنفال  35).

 

وعكس المحافظة على الصلاة أن تؤدي الصلاة مرائياً ومخادعاً للناس مع محافظتك على الفحشاء والمنكر. أنت هنا تضيّع الصلاة، أي تضيّع ثمرتها، يقول جلّ وعلا عمّن يضيّع صلاته بالعصيان (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ) (مريم 59 ).

 

إنطبق هذا على مشركي قريش الذين توارثوا الصلاة والصيام والحج والزكاة من ملة ابراهيم، وكانوا يؤدون الصلاة بنفس ما نعرفه اليوم من مواقيت وركعات، ولكنهم عبدوا الأولياء وأقاموا لهم القبور المقدسة في المساجد ورفعوا لهم الأذان فيها تعظيما لأوليائهم (الجن 18) واقترفوا الفحشاء والمنكر، أي لم يقيموا الصلاة ـ بنفس ما  نفعل اليوم . ولهذا قال جل وعلا لهم ولنا في صفات المؤمنين المفلحين (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُوْلَئِكَ هُمْ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (المؤمنون 1 : 11). أي ليس كل المؤمنين مفلحين. لا يفلح ذلك المؤمن الذي لا يقيم الصلاة بالخشوع أثنائها وبالتقوى والخلق الرائع فيما بين أوقاتها .

 

لايفلح المؤمن (المؤدي للصلاة) المدمن للفحشاء واللغو وخيانة الأمانة والعهد. هنا يكون المجتمع شاهداً على عدم فلاحه وعلى عدم إقامته الصلاة، لأن المجتمع شاهد عليه وهو واقع في اللغو والفواحش ونقض العهد وخيانة الأمانة. المجتمع هنا شاهد على سلوكيات مادية محسوسة، ويحكم بالظاهر المرئي على أن صاحبنا قد أفلح فقط في تضييع صلاته، أي تضييع ثمرتها في التقوى، كما سبق الاستشهاد بقوله جل وعلا (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً ) ( مريم 59 : 60). أي يستطيع أن ينجو لو تاب وآمن وعمل عملا صالحاً يعوّض به سيئاته السابقة .

 

 

4 ـ وهنا ندخل على التوبة ولها أيضاً جانبان مثل إقامة الصلاة :

 

جانب الاخلاص والصدق القلبي في التوبة، وهذا يحكم عليه فقط رب العزّة يوم القيامة، فيقبل توبته ويدخله الجنة. وهناك جانب سلوكي مظهري يحكم به المجتمع ظاهرياً على صدق توبة التائب، هو تأدية الحقوق لمن أذنب في حقهم وردّ المظالم والاعتذار لمن ظلمهم والتعهد بالاستقامة وعدم الرجوع للجريمة التي وقع فيها. هنا يكون المجتمع شاهداً على قبول توبته. ولو تاب مجرم وقع في جريمة تستحق عقوبة كالزنا والسرقة وقطع الطريق وقذف المحصنات فإن توبته السلوكية هذه تسقط عنه العقوبة (النور 2: 5)،(المائدة 33 : 34 ، 38 : 39) (البقرة  178)،(النساء 15 : 16). ولسنا الآن في تفصيل هذا الموضوع عن تطبيق العقوبات في الدولة الاسلامية، ولكن نؤكد على أن المجتمع يكون شاهداً على هذه التوبة مراقباً لعمل ذلك التائب، يقول جلّ وعلا للعصاة التائبين في المدينة ولكل العصاة بعدهم  (وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (التوبة  105).

 

5 ـ وبعد دخول مكة  سلمياً في الاسلام بقيت فيها عصابات إعتدت و نقضت العهود والمواثيق وهددت سلامة الحجاج وانتهكت حرمة البيت الحرام، وكان يتزعمها بعض من بقي من رموز النظام القديم الحريصين على استمرار بقائهم، وقد جمعوا بين عيوب النفاق وعناد الكفر، وقد أعطاهم الله جل وعلا في سورة براءة مهلة أربعة أشهر للتوبة الظاهرية بعدها تعلن عليهم الحرب بكل قوة حتى يتوبوا. والتوبة تعني إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فإن أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة انتهت الحرب واصبحوا إخواناً للمسلمين (فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)،(لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ)( التوبة 5، 10: 11). أي كان من علامة التوبة أن (يقيموا الصلاة) وأن (يؤتوا الزكاة ) أي تزكية وتطهير النفس عملا وسلوكاً بالمسالمة والصلاح الظاهري، وبذلك يكونون أخوة للمؤمنين. فإقامة الصلاة وايتاء الزكاة تعني هنا في هذا السياق التزام السلام والأمن وحفظ العهود والمواثيق شأن المؤمنين المفلحين الموصوفين في سورة (المؤمنون) بقوله جلّ وعلا (وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ). وهذا من الصفات التي تدخل في السلوك الذي يمكن للبشر الحكم عليه. وفي حالة أولئك المعتدين تعني أن يتركوا العدوان ويستبدلوه بالسلم وكف اليد عن الأذى. هنا دليل على طاعة أولئك الثائرين ودخولهم في إطار الدولة. أما إذا تركوا الخشوع في الصلاة أو تكاسلوا فيها أو سهوا عنها أو أهملوها تماماً فلا يملك المجتمع عقابهم، فذلك مرجعه لله جل وعلا يوم الحساب، وإنما يكون عقابهم حسبما جاء في الآية التالية إن نكثوا العهود وطعنوا في الدين واستحلوا حرمة البيت الحرام. عندها يحل العقاب برؤوس الفتنة من أئمة الكفر وليس من الأتباع الرعاع المخدوعين (وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ) ( التوبة 12). وهذا القتال له هدف وله نهاية هو رجوع أولئك المتآمرين عن نكثهم العهد وطعنهم في الدين "لعلهم ينتهون" فإن انتهوا توقفت هذه الحرب الدفاعية.

 

6 ـ ليس في القرآن آية واحدة تبيح للحاكم أن يعاقب تارك العبادات، وإن كان من واجب الأفراد أن يأمر بعضهم بعضاً بالمعروف وبالصلاة والزكاة أمراً قولياً وبالنصح (قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ الصَّلاةَ وَيُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلالٌ) (ابراهيم 31) كما أن واجب كل إنسان أن يأمر أهله بالصلاة (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا) (  طه 132).

 لقد تحدث القرآن عمن أضاع الصلاة فجعل عقابهم يوم القيامة إلّا من تاب منهم ( فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا)(مريم 59: 60)، وهو نفس العقاب لمن سها عن الصلاة او صلاها مرائياً .

 

7 ـ و لا إلزام في تقديم الصدقة الرسمية التي تجمعها الدولة. والله جل وعلا عاقب المنافقين بمنع أخذ الصدقة منهم (قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ) (التوبة 53 : 54). تقديم الصدقة إلتزام شخصي من المؤمن، سواء كانت صدقة رسمية عامة أو صدقة خاصة فردية. ثم نأتي على فريضة الصدقة أو زكاة المال، وفيها التزام داخلي للمؤمن بأن يؤديها رسمياً للدولة، وهنا يكون التسابق في الخير (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ )(البقرة 274).

 

وهناك بيت للمال لتجميع الصدقات وتوزيعها على مستحقيها المذكورين في قوله جلّ وعلا (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (التوبة 60). الصدقة الرسمية فريضة من الله، ولكن لا يتدخّل الحاكم في إلزام الناس بها لأنها علاقة بين المؤمن وربّه. النفقات التي تحتاجها الدولة تجمعها بالضرائب التي تفرضها، وهذا يتم بتشريعات تسنها الدولة بالاتفاق العام بين الأفراد طبقاً للشورى. ومتى صدر قانون أصبح ملزماً .  

 

8 ـ المؤمن هو الذي يلتزم  بالصلاة والصيام والحج وذكر الله وقراءة القرآن وذلك بدافع ذاتي قوامه الحرص على ابتغاء مرضاة الله وفضله. ولذلك كان خطاب الله تعالى مباشرة للمؤمنين بإقامة الصلاة وايتاء الزكاة والحج والصيام والتسبيح وذكر الله تعالى (فَإِذَا قَضَيْتُمْ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً)( النساء 103).

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة 183) (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ)( آل عمران97)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً) (الأحزاب 33،41: 42). فمن اختار الإيمان الصحيح كانت الصلاة عليه كتاباً موقوتاً في خمسة أوقات وكان عليه صيام رمضان وحج البيت إذا استطاع وذكر الله بكرة وأصيلا وتلاوة كتاب الله والإنفاق في سبيل الله سراً وعلانية ليربح في تجارة لن تبور.. وذلك التعامل المباشر بين الله وعبادة ـ خارج سلطة المجتمع ـ له جزاء في الدنيا والآخرة مثل البيع والشراء..

 

9 ـ والبيع والشراء له طرفان. ينطبق هذا في التعامل بين البشر كما ينطبق ذلك على التعامل بين الناس ورب الناس. والله جلّ وعلا يصف هذه العلاقة بينه وبين عباده بالتجارة والبيع والشراء (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ  تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ)(الصف 10: 11)، (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ) (فاطر  29)، (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفي بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة 111). فهنا يرغّب الله المؤمنين في الجهاد بعقد صفقة معهم تكون لهم الجنة مقابل التضحية في سبيل الله تعالى بالنفس والمال دفاعاً عن أنفسهم وحريتهم في العقيدة ضد عدو يعتدي عليهم .

 

10 ـ بل يجعل الله تعالى إعطاء الصدقة بمثابة تقديم قرض لله تعالى وهو جل وعلا سيضاعف رد القرض أضعافاً كثيرة (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ)(الحديد 11)، (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً)(البقرة 245). وحيث تكون الأوامر بالفرائض بهذه الصيغة من التعامل المباشر وبصيغة البيع والتجارة والإقراض فلا مجال حينئذٍ لأن يقوم الحاكم بإلزام أحد. والمؤمن حين يؤدي الفرائض لله يرجو (قبض الثمن) أو الأجر في الدنيا قبل الآخرة والقرآن يبيح له ذلك، فإذا جاءته شدة أو عسرة أقام الصلاة واستعان بالصبر والصلاة على كل شيء، وحينئذٍ يأتيه الفرج ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (البقرة 153). وفي آيات الصيام قال سبحانه وتعالى ( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ )( البقرة 186) . فثمرة الصوم في الدنيا أن يستجيب الله دعوة الداع.

 

11 ـ  ويلاحظ حرص الآية الكريمة على أن تكون العلاقة مباشرة بين الله وعباده. أي أنه حتى النبي لم يكن واسطة أو طرفاً في ذلك الخط المباشر بين الناس ورب الناس، فلم يقل ( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فقل : إِنِّي قَرِيبٌ). حذف كلمة ( قل ) هنا لها دلالة هائلة في عقيدة الاسلام لأنّ الله جل وعلا قريب من عباده بدرجة لايتصورونها، أقرب اليهم في حياتهم (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) ( ق 16) وأقرب اليهم عند الاحتضار: (فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ) (الواقعة 83 : 85). وفي كل الأحوال هو الأقرب اليهم من سلطة المجتمع، وأقرب اليهم من أقرب الأقربين اليهم ، فالأقارب يغيبون ولكنه جل وعلا هو القيوم القائم على كل نفس بما كسبت (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ )(الرعد 33) وهو مع نجوى المتهامسين (أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا) (المجادلة 7) لايغيب عنه شيء في ملكه (وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (النمل 75). سلطة المجتمع غائبة في أكثر الأحوال ويمكن الهرب منها وخداعها والالتفاف حولها. ولكن هل يستطيع البشر الفرار من رب العزة وهو على كل شيء شهيد ؟

 

12 ـ وفي فريضة الحج يقول سبحانه وتعالى ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ )(آل عمران 97)، ومعناه أن الناس مدينون لله بالحج لبيته الحرام في حالة الاستطاعة.. وتقدير الاستطاعة يرجع للشخص نفسه، ولا رقيب عليه إلا الله. فهو تعامل خاص بين الله وبين المؤمن. والمؤمن يعلم تماماً أنه إن كان مستطيعاً وتكاسل عن الحج فإنه يدخل في التحذير الوارد في قوله تعالى ( وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ)، والمؤمن يحس بمدى الإلزام المعنوي في الآية حيث جاء الأمر ليس بالصيغة الفعلية ( حجوا ) وإنما بالصيغة الاسمية (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ...)

 

13 ـ وشرع الله التسابق والتنافس والتسارع في تأدية الفرائض، وحيث يكون تنافس فلا مجال للإلزام والإكراه والعقوبة. فهناك تسابق بين المسلمين وأهل الكتاب في عمل الخير (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ)( المائدة 48)، (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمْ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة148). وهناك تسابق في داخل دائرة أهل الكتاب كان يحدث بين الأنبياء السابقين والصالحين من أتباعهم (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) (الأنبياء 90)، ( لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ)(آل عمران/114).

وشرع الله التسابق بين المؤمنين جميعاً في عمل الخير وتأدية العبادات (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)(آل عمران 133)، ( سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (الحديد 21)، (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) (المؤمنون57 : 61). والتنافس قائم بين المؤمنين في الخير طمعاً في الجنة وايماناً بالآخرة. وهناك تنافس أيضاً بين المتصارعين على متاع الحياة الدنيا وفي سبيله يرتكبون العصيان والجرائم.

 

ويترتب على ذلك أن ينقسم الناس إلى ثلاثة أقسام حسب التسابق في الخير أو في الشر. على القمة يقف السابقون ثم يليهم المقتصدون أي من توسط وخلط عملا صالحاً وآخر سيئاً ثم تاب قبل أن ينام على فراش الموت، ثم في الحضيض يأتي الخاسرون الذين تنافسوا في حياتهم في الشر والعصيان (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ)( فاطر 32)، ( وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)(التوبة 100)، ( يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)(المجادلة 11) والتنافس لا يعني الالزام وإنما الاختيار.

 

14 ـ والقتال في سبيل الله هو أصعب الفرائض وأثقلها على الناس، لذا كرهه المسلمون (كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (البقرة  216)، ومع ذلك فلا إلزام في فريضة الجهاد من الحاكم حتى ولو كان الرسول محمد عليه السلام. والأمر بالجهاد يأتي مباشرة للمؤمنين، حتى إذا تكاسلوا يأتيهم التقريع من الله ( أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ)(التوبة 13). وحين تثاقل المؤمنون عن القتال جاءهم التهديد من الله بأن يستخلف قوماً غيرهم ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (التوبة 38: 39). إذاً فالعقوبة لهم إذا تثاقلوا عن الجهاد تأتي من الله لا من الرسول الذي كان قائداً لهم. وإذا بخلوا بالإنفاق في سبيل الله وفي الجهاد يأتيهم نفس التهديد من الله بأن يستخلف قوماً غيرهم (هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ )(محمد 38 ).   

القتال في الاسلام للدفاع ضد المشركين المعتدين الساعين لفتنة المسلمين وإكراههم في الدين (وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنْ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)(البقرة 217). أما من يتثاقل عن الجهاد فقد أعطى المشركين فرصة الإجهاز عليه وهم لا يرقبون في مؤمن إلاَّ ولا ذمة. وبذلك خرج من الساحة بتقاعسه عن حماية نفسه وبسيوف المشركين المعتدين، وهنا يأتي مجاهدون آخرون يستفيدون من الدرس ويحرصون على حماية أنفسهم والدفاع عنها ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) ( المائدة 54).

 

إذن فالعقوبة من الله للمؤمنين إذا تقاعسوا عن الجهاد، أما الحاكم المسلم فليس له أن يلزمهم بالجهاد أو ان يعاقبهم عليه. عقوبتهم إذا تكاسلوا عن الجهاد هو منعهم مستقبلا من الخروج للجهاد .!! (فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِي أَبَداً وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِي عَدُوّاً إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ)(التوبة:  83). وهذا ما أكّده الله تعالى في الحديث عن منافقي المدينة وعذابهم الدنيوي بتسليط اموالهم واولادهم لتكون عذاباً لهم وهي أحب ما لديهم (فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُون)، (وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ)(التوبة55، 85) والله وحده هو الذي يستطيع أن يحول نعمة المال والأولاد إلى عذاب دنيوي.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الباب الثالث الإلزام في تشريعات الاسلام :الفصل الثالث- الإلتزام الفردي أساس تطبيق التشريع

 

الزام الفرد المؤمن لنفسه:

1 ـ المؤمن بالله وحده هو الذي يقوم بإلزام نفسه في تأدية الفرائض والعبادات وسائر الحقوق والالتزامات، وذلك بدافع ذاتي ولا رقيب عليه إلا الله الذي يعلم السر وأخفى، وهو يعلم أن الله قريب منه برحمته في الدنيا والآخرة وإنه إذا عصى وتكاسل فلن يجيره أحد من عذاب الله في الدنيا والآخرة. وقد يقوم العذاب الدنيوي بتقويم بعض الناس فيرجعون للصواب (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ )( السجدة 21 ).   

 

2 ـ ولأن الطاعة والإيمان موقف اختياري في الأساس لا شأن لسلطة بشر فيهما، فقد يختار المؤمن الفقير التركيز على الصلاة في ركعاتها وخشوعها وأن يحافظ عل قيام الليل، لأن ظروفه لا تساعده على الصدقة، قد يتمنى أن يتصدق وأن يكون قادراً على الاحسان المالي ولكن لا يملك إلّا نيته الطيبة. هذا الفقير في المال الغني بالرغبة في العطاء يعتبره رب العزة محسناً حسب نيتّه، طالما ينصح بالخير ويأمر بالمعروف. وحدث في غزوة ذات العسرة أن جاء فقراء للخروج للجهاد ولكن ليس لديهم دواب يركبونها ويأملون في أن يجد النبي لهم ما يركبونه، ولم يتحقق طلبهم فرجعوا باكين حزناً على فقرهم، فاعتبرهم رب العزة محسنين حسب نيتهم وإخلاصهم: ( لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ  وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ) (التوبة 91 : 92)،  فالمؤمن يقدر ظروفه ويتحرك على أساسها وهو يعلم أن الله مطلع على سريرته.

 

وهذا في الطاعات، أما في المعاصي فهو يتقي الله الذي يعلم خائنة الأعين ما تخفي الصدور، وهو يخشى الله في سريرته وفي خلوته حيث لا تدركه سلطة حاكم من البشر (إِنَّمَا تُنذِرُ مَنْ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ) (يس 11)، (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى )( النازعات 40 : 41).

 

3 ـ هذا المؤمن يجعله رب العزّة حكماً على نفسه إذا أقسم ثم لم يفي باليمين الذي أقسم به، وعندها يجب عليه دفع الكفارة، و هو الذي يوجب على نفسه الكفّارة ويدفعها ( لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)(المائدة 89)، قوله جل وعلا: (وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ) يرجع تحديدها للمؤمن نفسه وليس لسلطة المجتمع، ويقول جل وعلا في نفس الموضوع (لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ) (البقرة 225). فالمؤمن هنا هو الذي يعلم ويقدّر قوله جلّ وعلا (وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ)، فهو يعلم سريرة نفسه وما يدور في قلبه، وهو الذي يحاسب سريرته ونيته إذا كان يمينه لغواً أو غير لغو، وهو أدرى بإمكاناته في أداء كفارة اليمين وهو في كل ذلك يعلم أن الله مطلع على خبايا نفسه وإنه إذا خدع الناس فلن يستطيع أن يخدع رب الناس وإلا كان من المنافقين الذين يخادعون الله وهو خادعهم.

 

هنا لا تتدخل سلطة المجتمع في تلك العلاقة الخاصة بين المؤمن وربه ، ولا تستطيع .!

 

وعلى نفس النسق تأتي الغرامة عقوبة لمن يقتل الصيد ـ متعمداً ـ في الحرم وهو يحج إلى البيت الحرام (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ)(المائدة 95).

 

هل يستطيع حاكم أن يقرر ما إذا كان فلان من الناس قد قتل الصيد في الحرم عمداً أم خطأ؟ لا يعرف خبايا القلوب إلا الله. والله تعالى أوكل الحكم في تحديد العمد من عدمه إلى نفس الجاني وإذا كان قد قتل الصيد عمداً فعليه أن يدفع الفدية إذا كان يخشى الله وإلا فالله عزيز ذو انتقام وهو الذي ينتقم لحرمة بيته الحرام  والأشهر الحرم.

 

4 ـ وهكذا تنتقل سلطة الإلزام في تأدية الفرائض من الحاكم إلى شخص المؤمن نفسه هو الذي يلزم نفسه وهو الذي يقدم الإيمان الخالص والطاعة الخاشعة لله رجاء الثواب في الدنيا والآخرة، وهذا يذكرنا بالمقصد الأسمى للتشريع القرآني وهو إيجاد المؤمن التقي وتعليم المؤمنين أن يعيشوا متقين.

 

5 ـ ولذلك فإن آيات التشريع غالباً ما يتم تزييلها بالتقوى، أي دعوة المؤمن لكي يتقي الله ويطبق التشريع خوفاً من الله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. يقول جل وعلا (وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُواً وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) (البقرة  231). الآية الكريمة تنقسم إلى : الأمر التشريعي والمقصد التشريعي الذي لا بد من توافره لتطبيق الأمر التشريعي بكل دقة واخلاص ودون تدخل من سلطة المجتمع. الأمر التشريعي هو قوله جل وعلا (وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا) أي إذا طلقت زوجتك وانتهت عدتها وهي في بيتك فلك الخيار إما أن تبقيها بالمعروف وتعود زوجة لك وتصبح عليكما طلقة، وإمّا أن تخرج من بيتك وتنتهي علاقتك بها ويتم الانفصال التام بينكما بحيث لو أردت استرجاعها فلا بد أن يكون ذلك بزواج جديد، وبحيث يمكن أن تتزوج بعد خروجها مباشرة من تشاء. هنا أمر تشريعي بالأمر والنهي (فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) (وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا). وقد يحدث أن يرفض الزوج الانفصال النهائي ويقرر أن تظل زوجة له كي يضطهدها، أي يمسكها وفي نيته وفي قلبه الاضرار بها. هذه نيّة و سريرة لا تعلمها السلطة الاجتماعية، ولكن يعلمها رب العزة الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، لذلك، فإنه بعد الأمر التشريعي يأتي المقصد التشريعي في التحذير والوعظ من رب العزة إلى قلب الزوج مباشرة يقول جل وعلا له في خطاب مباشر (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُواً وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ). كل هذا لحثّ المؤمن على تنفيذ الشرع باخلاص، وحتى تكون تقوى الله هي المقصد الأعلى في التشريع. وحيث توجد تقوى الله فلا خوف من بشر ولا مراعاة لبشر. ويتكرر هذا في قوله جل وعلا في نفس الموضوع (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) ( الطلاق  2 : 3).

 

 الالتزام بالنذور والعهود والعقود:

 

وهناك نوعية أخرى من الإلزام الفردي. جزء منها يدخل في اطار العبادات في العلاقة مع الله تعالى، وجزء آخر يدخل في اطار التعاملات مع البشر. تتمثل هذه النوعية في العهود والمواثيق والنذور. وكلها تقوم على المبادرة الفردية الحرة ولكن يلتزم الفرد المؤمن بالوفاء بها. من نذر لله تعالى نذراً على شكل صدقة أو صلاة أو صيام لا بد من الوفاء به (وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ) (البقرة 270)، (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً) (الانسان 7)، ومن عاهد عهداً أو عقد ميثاقاً فلا بد من الوفاء به، وتلك إحدى الوصايا العشر في القرآن الكريم (وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (الانعام  152). وتكرر الأمر بالوفاء بالعهد والميثاق ضمن صفات المؤمنين الأبرار المفلحين (الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ )(الرعد 20) (وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ)(المؤمنون8)،(وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً) (الاسراء 34).

 

 

وقد يعقد المؤمن عقداً في معاملات مالية أو اقتصادية فلا بد من الوفاء بالشروط والنصوص المكتوبة في العقد، لأن الله تعالى يقول ( يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) (المائدة 1) وهذا يشمل عقد الزواج وسائر العقود الأخرى بين الأفراد أو بين الدولة والفرد أو بين المؤسسات وبعضها أو بينها وبين الأفراد.

 

ومن الممكن في ضوء عدم قدرة الدولة الاسلامية على الزام الفرد بالجهاد أن تجعله احترافاً و مقابل أجر وبعقد. وعندها يتعين على الفرد المتعاقد مع الدولة أن يلتزم بالشروط  التي وقّع عليها.

ويدخل في ذلك عقد الدولة مع من يخدم الناس من الموظفين وأصحاب الخبرة ـ أي أولو الأمر ـ بالمفهوم القرآني. كل منهم يخدم الناس بعقد محدد لا بد من الالتزام به وبشروطه وعلى أساسه يستمر أو يتعرض للفصل أو للشروط الجزائية وفقا لبنود العقد.

 

هنا الفرد المؤمن في دولته الاسلامية يكون كامل الأهلية ومسئولاً عما التزم به من عقد أو عهد من واقع حريته في القبول والرفض. والحرية أساسها المسئولية وليس الفوضى.

 

وإذا كان الفرد هو اللبنة الأولى للمجتمع والدولة فإن الفرد الحرّ المسئول الناشط الفعّال ذا الضمير اليقظ هو تعبير عن أمة ودولة حرّة مسئولة نشطة قائمة بالخير والعدل والقسط وحرية الأفراد والشعوب. وليس هذا حديث وعظ و(ينبغيات): أي (ما ينبغى أن يكون)، بل حقائق كانت موجودة في دولة النبي محمد عليه السلام في المدينة، وتوجد ما يقاربها في دول العالم المتحضر في الغرب وأمريكا واليابان، ويتم هذا بدون علمهم بالقرآن، ولكن باتباعهم الفطرة داخل ضمير الانسان ..

 

بل يمكن تحقيقها بكل سهولة في عالم المسلمين ـ في أحلام  اليقظة.!!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الباب الثالث حدود الإلزام في تشريعات الاسلام: الفصل الرابع - مدى إلزام السلطة الاجتماعية

 

تعريف السلطة الاجتماعية في الدولة الاسلامية:

 

1 ـ هي التي تتولى الادارة، وليس الحكم، لأن الحاكم هو الشعب الذي يعين موظفين ينفذون ما يريده الناس. والدولة الاسلامية طبقاً للمعايير القرآنية ليست دولة دينية كهنوتية مثل السعودية وايران، وليست دولة استبدادية عسكرية أو حزبية، وليست دولة شمولية مركزية تتدخل في كل شيء وتتحكم في الاقتصاد والبيع والشراء والانتاج والاستهلاك والاستيراد والتصدير مثل النظم الشيوعية. نظام الحكم في الدولة الاسلامية حقوقي، يضمن في الأساس تحقيق العدل المطلق بأعلى مستوى بشري ممكن بين الأفراد، وضمان الحرية المطلقة في الدين لجميع الأفراد: (عقيدة وعبادة ودعوة) وضمان العدل السياسي بالديمقراطية المباشرة بدءاً من القرى إلى المدن الكبرى، وتحقيق الأمن الداخلي لكل فرد والدفاع عن الشعب والوطن. والوطن هنا ليس مجرد الأرض بل كل المواطنين على قاعدة المساواة الكاملة والتامة. والدولة ممثلة في نظام الحكم والشعب هي  التي تملك الأرض ومواردها الاقتصادية وما فيها من ثورات، ولكنها لا تقوم بالانتاج، فالانتاج هو مهمة الفرد والأفراد، من المشغل إلى المصنع، فلكل فرد حق السعي في الارض والتملك والانتاج طبقاً لتكافؤ الفرص، وللورثة حق طالما يحسن الوريث إستغلال حقه، فلو تبين سفهه وعجزه تعود ثروتهم للسلطة لتديرها له وتعطيه ما يكفيه. وعلى الدولة ممثلة في نظام الحكم تيسير الاستثمار وسبل التملك وضمان الحقوق الاقتصادية وضبط المكاييل والموازين ومنع كل وسائل الفساد، ولها أن تسنّ القوانين التي تؤكد الشفافية وتطارد الفساد، وتضمن بالضرائب كفالة العدل الاجتماعي بإعطاء حقوق الفقراء والمساكين وابناء السبيل واليتامى والارامل والسائلين والمحتاجين. ولذلك فان جهاز الدولة الإداري ضئيل، ومسئوليته في الاشراف والتيسير والأمن والعدل ومكافحة الفساد، وسلطته في الالزام هي فيما يخص حماية الناس وحقوقهم ويخدم مصالحهم الشرعية. ويقوم بهذه السلطة مسئولو الأمن والقضاء والهيئات التنفيذية ..وغيرها .

 

2 ـ وسبق القول بأن حقوق الله لا يتدخل فيها الحاكم بالإلزام او العقاب، أما حقوق البشر فلابد من مراعاتها لتستقيم أمور المجتمع. والذي يقوم بذلك هو الهيئات التي يختارها المسلمون وفق  نظام الشورى.

وحقوق البشر التي يقيمها الحاكم وأعوانه تندرج تحت نوعين: إجراءات عقابية، وإجراءات اجتماعية اقتصادية. وحين نقول (الحاكم) نقصد الموظف المعين من أهل الاختصاص، قاضياً أو ناظراً أو مديراً أو مفتشاً في الاسواق أو جندياً أو قائداً .. كل في مجال تخصصه بإصدار الأمر أو بتنفيذه، وهو مساءل أمام الشعب في الجمعية العمومية التي تم أفراد القرية أو المدينة أو الحي. هذا بالاضافة إلى المسئولين على مستوى الأمّة والمجتمع كله في الدفاع والأمن العام والعلاقات الخارجية والاجراءات المالية والاقتصادبة العامة والقومية والوطنية مثل سك العملة والتعليم ومواجهة الأخطار والري والصرف على مستوى الوطن.

إلزام السلطة الاجتماعية ( الحاكمة ) بالإجراءات العقابية الايجابية :

 

وهذه تشمل عقوبة الزنا وقذف المحصنات وعقوبة قتل النفس وقطع الطريق والسرقة والشذوذ الجنسي. وتسقط العقوبة بتوبة الجاني، وبالاضافة إلى التوبة تستلزم جريمة القتل تقديم الدية بديلا عن القصاص. ومن لوازم التوبة إرجاع المظالم والاعتذار للمظلوم ودفع الغرامات المترتبة على جريمته. وذلك ما يدخل في إطار التقدير البشري، أما صدق التوبة والعزم على عدم العودة للمعصية وتصحيح الإيمان فهي أمور قلبية تخرج عن تقدير البشر، ويترتب عليها الغفران يوم القيامة أو الخلود في النار.

 

إلزامه بالعقاب السلبي بالمنع والتفريق:

 

قد يشاع عن امراة بأنها سيئة السلوك ولكن يتعذر ضبطها متلبسة، ولكن القرائن والشواهد تؤكد احترافها أو إدمانها للفاحشة، هنا يكون للحاكم المسلم أن يطلب شهادة أربعة شهود على سوء سلوكها فإذا شهد الأربعة قام بالتحفظ عليها في مكان أمين لمنعها من إشاعة الفاحشة وتظل كذلك إلى أن تتوب و تتزوج أو تموت (وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً) (النساء 15). وقد يرمي الزوج زوجته بالزنا ولم يكن معه شهود يثبتون عليها التهمة، وحينئذٍ يكون التلاعن بين الزوجين وبعده يتم التفريق بينهما وتسقط عقوبة القذف عن الزوج وعقوبة الزنا عن الزوجة: ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ)(النور6: 9).

 

إلزام الحاكم بالإجراءات الاقتصادية:

 

1ـ في حالة الحجر على السفيه ومنعه من التصرف في ماله لأن المال حينئذٍ يكون حقاً للمجتمع، ويعين الحاكم وصياً على مال السفيه ويكون للسفيه حق الربح من تشغيل المال، نستفيد هذا من قوله تعالى (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً) (النساء 5)،  قال "وارزقوهم فيها" أي من ربحها وريعها، ولم يقل ارزقوهم منها لأن (من) تعني رأس المال نفسه. وعن قسمة الميراث يقول تعالى فيما بعد (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً) (النساء 8) فقال عن التركة (منه) لأنها تقسم كلها. وهكذا تتضح الفروق الدقيقة بين (في) و (من).

 

2 ـ ويعين الحاكم وصياً على مال اليتيم فإذا بلغ اليتم سن البلوغ أجري له اختباراً لكفاءته فإن ظهر رشده صارت له الولاية على ماله، وإلا عاد المال للوصي، ويقرر الحاكم محاسبة الوصي وتقدير أجره عن الوصاية إذا كان محتاجاً للأجر، وإذا تم تسليم اليتيم ماله كان ذلك على يد شهود، تفهم ذلك من قوله تعالى (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً)( النساء 6).

 

3 ـ ويستلزم الحاكم بإقامة المكاييل والموازين بالقسط (وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ) (الانعام 152). (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) (الاسراء35)، (أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنْ الْمُخْسِرِينَ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ) (الشعراء181)، (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ)(المطففين1)،(أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ) (الرحمن 8: 9).

 

إلزام الحاكم بالتدخل في الحالات الزوجية الشخصية:

 

إذا خيف حدوث شقاق بين الزوجين تدخل الحاكم لمنع ذلك الشقاق وذلك بإختيار حكم من أهل الزوج وحكم آخر من أهل الزوجة ليتعاونا في تقريب وجهات النظر والصلح بين الزوجين يقول تعالى (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً) (النساء 35). والمطلقة في فترة العدة يتدخل الحاكم في تقدير حقها في النفقة والسكن بالمعروف ( أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً)(الطلاق6: 7)

 

هل للحاكم أن يُلزم الناس باجتناب الخمر:

مالم يصدر قانون يعبر عن رأي الجميع ويكون تنفيذه ملزماً للجميع فليس من حق الحاكم إلزام الناس باجتناب الخمر. ولكن يبقى العلاج القرآني هو الأمثل. ليس في القرآن عقوبة على تناول الخمر وإن كان تحريمها جاء في صورة التغليظ والأمر بالاجتناب  (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ) ( المائدة 90: 91.) والأمر بالاجتناب والنهي عن الاقتراب هما أشد أنواع التحريم.

لقد قرن تشريع القرآن الخمر والميسر بلوازم الشرك من الأنصاب والأزلام واعتبر الجميع رجساً من عمل الشيطان وأمر المؤمنين باجتنابه والابتعاد عنه إذا أرادوا الفلاح، وأوضح أن هدف الشيطان من نشر إدمان الخمر والميسر هو إيقاع العداوة بين المؤمنين وصدهم عن ذكر الله والصلاة. ومن  المتوقع أن يكون علاج القرآن لإدمان الخمر والميسر بنفس المنطلق العقلي الذي أرساه في موضوع اتخاذ القبور المقدسة، ليس بإلزام السلطة وعقابها ولكن بتوضيح خطورتها لينأى الإنسان عنها بدافع ذاتي.

 

والواقع ان التربية السليمة هي الأسلوب الأمثل في إبعاد النشء عن هذا الرجس، وسياسة الردع  والانتقام والحظر والتخويف لا تسهم الا في انتشاره خلسة بين الناس. وطالما تتعلق الخمر والميسر بصناعة الشيطان فهو الذي يزين للناس تناولها في غيبة القوانين التي تعاقب عليها، ولكن إذا تربي المؤمن على تقوى الله وطاعته في السر والعلن كان في مأمن من غاية الشيطان وصناعته، وهكذا فمهما تكاثرت  قوانين العقوبات في موضوع الخمر وملحقاتها فلن تزيدها إلا انتشاراً طالما غفل الناس عن حكمة القرآن في ترك قضية التحريم في إطار علاقة الإنسان بربه  وإذا كان يخشى الله حقاً فيكفيه أن الخمر والميسر من عمل الشيطان شأنهما شأن الأنصاب والأزلام، وإن فلاح المؤمن في الدنيا والآخرة مرتبط  باجتنابه هذه الصناعة الشيطانية .

 

والاجتناب من أشد تعبيرات التحريم إذ يعني الابتعاد عن كل ما له صلة بالخمر والميسر لقطع الطريق بينها وبين حواس المؤمن، ويبدأ اجتناب الخمر والميسر بقطع الطريق على الشيطان  حين يوسوس للإنسان أن يذوق التجربة الأولى أو أن يحضر مجالس الأنس، وغالباً ما يبدأ الإدمان بهذه الخطوة البسيطة ويظل الإنسان يدفع الثمن من صحته وكرامته وأمواله وسعادة أسرته طيلة حياته. إن الخمر والميسر والأنصب والأزلام من أشد أعداء العقل. وكل منها يحاول تغييب العقل وتدميره بطريقة مختلفة وبنفس القدر يحاول القرآن حماية العقل ويوجه المؤمن لاحترامه.. ومن هذا المنطلق كان تحريم الخمر والميسر بتلك الصورة التي تحترم الإنسان وعقله، إذ نجعله حارساً على عقله دون إلزام من حاكم قد يكون هو نفسه من السكارى في غير أوقات العمل الرسمية.

 

وفي إطار مقاصد التشريع في حفظ الحقوق والتيسير والتسهيل يمكن للهيئة التشريعية أن تسنّ القوانين، مثل منع التدخين في بعض المناطق ومنع المخدرات، وتنظيم تعاطيها للعلاج مثلا .. كما يمكن أن تنشىء وتستحدث وظائف لتتمكن من خدمة الفرد والأفراد .

 

 

 

 

الأمـر بالـمـعــروف والـنـهـي عــن الـمـنـكــر في الاسلام
كتاب (الأمـر بالـمـعــروف والـنـهـي عــن الـمـنـكــر بين الاسلام والمسلمين) يتناول فى دراسة تحليلية أصولية تاريخية التناقض بين الأمـر بالـمـعــروف والـنـهـي عــن الـمـنـكــر بين الاسلام والمسلمين. وهذا الجزء الأول يتعرض فى لمحة عامة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فى الاسلام بتأصيل مفهوم المعروف والمنكر قرآنياً وتشريعياً ومدى تطبيقه في الدولة الاسلامية في إطار الحرية الدينية المطلقة للفرد، ثم تعقبه ـ فيما بعد بعون الله جلّ وعلا ـ الأجزاء التالية تتبع مسيرة الأمـر بالـمـعــروف والـنـهـي عــن الـمـنـكــر في تقعيدات وتنظيرات فقهاء المسلمين وفي تاريخهم من عصر الرسالة والصحابة والراشدين والأمويين والعباسيين وغلبة الفكر السّني إلى عصر غلبة التصوف في الدولتين المملوكية والعثمانية ، وينتهي بالدولة السعودية الراهنة .


more