فهمي لسورة التوبة ( الجزء الرابع عشر ) :
فهمي لسورة التوبة ( الجزء الرابع عشر )

أسامة قفيشة في السبت 09 يونيو 2018


فهمي لسورة التوبة ( الجزء الرابع عشر )

( إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) 111 التوبة :

هنا يبدأ العمل على تنبيه هؤلاء المؤمنين الحقيقيين , و قد علمنا بأنهم قله قليلة , فتم مدحهم و تبشيرهم بالجنة لقاء وفاءهم لله جل وعلا و لرسوله و استجابتهم لما يُدعَون له , و التزامهم بصلة النبيّ و عدم البعد عنه , و حثهم على القتال في سبيل الله جل وعلا و لا يتراجعوا أو يتخاذلوا من بذل أموالهم و أنفسهم في سبيله .

( التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ) 112 التوبة :

الاستمرار في سرد صفات هؤلاء القلة القليلة التي تم تبشيرها بالجنة بشكلٍ علنيٍّ و واضح , و هم أولئك الذين استمروا بالتواصل مع النبيّ و استمرت صلتهم به و لم يقطعوها أو يبتعدوا عنه و سلموا بما أمرهم و استجابوا لدعوته رغم صعوبة الموقف و ضيق الحال و عُسره .

( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُولِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ) 113 التوبة :

تذكيرهم بفحوى و هدف هذا النفير , و من هذا البيان الداعي لوجوب قتال المشركين المتآمرين فور نهاية هذا العام , و تخليص الحرم المكي من هيمنة قريش المشركة , و بسط يد المؤمنين عليه لتوليهم إدارته و رعايته و امتلاك شؤون عمارته , و عدم التهاون مع أصحاب الجحيم حتى و إن كانوا أولي قربى , و الاستعداد لمواجهتهم , و النهي عن مجرد دعوة الله جل وعلا كي يغفر لأحدٍ منهم . 

( وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ) 114 التوبة :

بيان و توضيح بأن استغفار إبراهيم لأبيه في دعائه و رجاءه و طلبه ذلك من الله جل وعلا ( وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ ) , فقد جاء هذا بعد أن قدّم إبراهيم عليه السلام وعداً بذلك لأبيه و قطعه على نفسه ( قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا ) و كذلك في قوله جل و علا ( قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ ) , و هذا قصص قرآني و ليس حُكماً قرآنياً , و هنا يجدر بنا التعلم من تلك العبرة , و نتوقف عن أخذ الحكم الشرعي من القصص الوارد لنا في كلام الله جل وعلا , لأن القصص القرآني للعبرة , و لا يبين لنا تفاصيل الأحداث و نتائجها أو ما ترتب عليها , أما صيغة بيان الحكم الشرعي فتكن صريحة واضحة , و كلامٌ مباشر كما في قوله ( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ ) .

( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) 115 التوبة :

هنا أيضاً تشريعٌ واضح و صريح يقطعه و يكتبه الله جل وعلا على نفسه , فلا يمكن لرسائل الله جل وعلا المرسلة للناس بأن تكون ناقصة أو غير مكتملة (حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم ) , بل يجب أن تكون واضحةٌ بيّنة , فتبين للناس ما لهم و ما عليهم كي لا يضلوا , و من ثم يرجع الأمر للناس في مشيئة الهداية أو الضلال , فلا يبقى لهم حجه على الله جل وعلا .

( إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ ) 116 التوبة :

التأكيد بأن الملك لله جل وعلا , ففي النهاية كل شيءٍ في الأرض أو في السماء فهو ملك لله جل وعلا , حتى نحن البشر ما نحن إلى من ضمن ما يملكه هذا الرب العظيم , و هو المهيمن و المسيطر علينا فهو من يحينا و هو من يميتنا , و هو مولانا و ولينا و ما لنا من دونه من ناصر ينصرنا كي نفوز بجنته و ذلك هو الفوز العظيم .

( لَقَد تَّابَ اللَّه عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ) 117 التوبة :

1 - كلمة ( ساعة ) في كتاب الله جل وعلا تشير إلى فترة زمنيه محدده و محدودة , و عليه فساعة ( العسرة ) هي فترة زمنية محددة يشار بها إلى فترة المهلة و هي الأربع شهور , و أي فترةٍ أكثر عسرةٍ على النبيّ و المؤمنين من تلك الفترة , بعد أن تخلى عنهم القريب و الحبيب و الجار و الحليف , و لم يقف في صفهم سوى قلة القلة و هم كل من ( النبيّ عليه السلام و القليل من المهاجرين و القليل من الأنصار ) ,

و كيف بهؤلاء من مواجهة كل من حولهم من المشركين بعد انقضاء فترة المهلة , و كيف يمكن لهؤلاء من إرغام قريش على وقف مخططاتها الانقلابية و تخليها عن عمارة المسجد الحرام و تسليم مقاليد إدارته للمؤمنين ! حقاً هي حالةٌ لا تشبهها حالة من قبل , يملئها العسر و الضيق اللذان يؤديان لضيق الصدور و زيغ القلوب , و حالة إرباكٍ لا وصف لها , ( أما القول بأن ساعة العسرة هي يوم العسرة أو معركة العسرة فما هذا سوى تاريخ بشري لا يخلو من الدجل ) .

2 - هؤلاء جميعاً كادوا يزيغون لولا رأفة و رحمة الله جل وعلا بهم فتاب عليهم و ثبتهم , و لا ننسى بأنه جل وعلا قد بشرهم بالجنة قبل بضع آياتٍ تلوناها .

3 - هنا يجب الانتباه بأن الحديث يدور عن الأشخاص الذين لم يتخلفوا عن نداء النفير فقط .

( وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) 118 التوبة :

1 - هنا يأتي الحديث عن الثلاثة ( و هؤلاء الثلاثة هم مجهولون لنا اليوم ) ,أما في ذلك العهد فكانوا معلومين , و جاءت أل التعريف مرفقة بعددهم أي أنهم معروفون للجميع في ذلك الوقت , و لكن تشير الآيات التي تتوالى لنا و إلى حدٍ ما بأن هؤلاء الثلاثة هم ثلاث قبائل من الأعراب ممن حول المدينة .

2 - هؤلاء الثلاثة هم من الذين تخلفوا عن النفير و لم يستجيبوا للنداء فخذلوا الله و رسوله , و لكنهم أعادوا النظر و التفكير مرةً أخرى و قرروا الالتحاق بالنبيّ بعد أن شعروا بالندم في أنفسهم , و استشعروا خوفهم من الله جل وعلا .

3 - هؤلاء الثلاثة شملتهم التوبة أيضاً ( هنا نلاحظ بأن هؤلاء الثلاثة مجرد أن استشعروا في أنفسهم الندم و الأسف و الخوف من الله جل وعلا فسرعان ما نزلت توبة الله جل وعلا عليهم , كي تشجعهم و تعينهم على التوبة لله – تاب عليهم ليتوبوا – و تعلمهم بأن الله توابٌ رحيم ) , و هذا كله بسبب أنه تم إبلاغهم سابقاً بأن من يتخلف عن النفير هذه المرة  فهو من أهل الجحيم و لا توبة له , و لن يغفر الله جل وعلا له ذلك .

4 - أرى أن إعطاء هؤلاء الثلاثة فرصةً أخرى و جديدة , و قبول توبتهم عند الله جل وعلا , هو مرتبط بشكلٍ وثيق بحالة العسر التي قد ألمت بالنبيّ و من حوله من قلة القلة من مهاجرين و أنصار , ربما ليشد عزمهم , و ليرفع معنوياتهم بعد أن تخلى عنهم الجميع و تخاذلوا عن النفير و الاستعداد لتلبية أمر الله جل وعلا بقتال من وجب قتالهم من المشركين المتآمرين و تخليص المسجد الحرام من يد هؤلاء و وضعه تحت إدارة و عمارة المؤمنين .

5 - هؤلاء الثلاثة حتماً هم من المنافقين الأعراب المتواجدين حول المدينة , و هم من الصنف الذي أخبرنا به الله جل وعلا ممن خلطوا عملاً صالحاً و آخر سيئاً , و الرابط الذي يدل على ذلك كون هؤلاء هم وحدهم من منافقي المدينة من اعترف بذنبه فأصبح معروفاً و معرفاً للنبيّ و للمؤمنين , و هؤلاء الثلاثة هم أيضاً معروفون للنبيّ و للمؤمنين .    

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ ) 119 التوبة :

مدح و تشجيع لهؤلاء الثلاثة على شعورهم بالندم و الأسف , و وضعهم في دائرة المؤمنين مجدداً , و حثهم على تقوى الله جل وعلا , و التزامهم بتصديقه و العمل و الانصياع لأمره سبحانه . 

اجمالي القراءات 725

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2014-04-09
مقالات منشورة : 145
اجمالي القراءات : 497,172
تعليقات له : 135
تعليقات عليه : 328
بلد الميلاد : فلسطين
بلد الاقامة : فلسطين