كندا تعود إلى الرياض بعد 26 عاماً... فما الذي تريده من السعودية؟
إيلاف من جدة: بعد 26 عاماً من الغياب، عاد رئيس وزراء كندي إلى السعودية، لا بزيارة بروتوكولية عابرة، بل ضمن محاولة واضحة لإعادة رسم موقع أوتاوا في الخليج، وتنويع أبوابها الاقتصادية بعيداً من الاعتماد الثقيل على واشنطن. في قصر السلام بجدة، استقبل ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، في محطة تحمل من السياسة بقدر ما تحمل من الاقتصاد.وأفادت وكالة الأنباء السعودية، بأن ولي العهد أقام مراسم استقبال رسمية لكارني، قبل عقد جلسة مباحثات تناولت العلاقات الثنائية، وفرص تطوير التعاون في قطاعات متعددة، إضافة إلى التطورات الإقليمية والدولية.
وتعد الزيارة الأولى لرئيس وزراء كندي إلى المملكة منذ زيارة جان كريتيان عام 2000، بحسب «أسوشيتد برس»، التي قالت إن كارني وصل إلى السعودية سعياً لتوسيع الروابط الاقتصادية الكندية خارج الاعتماد التقليدي على الولايات المتحدة، في ظل ضغوط تجارية مرتبطة بسياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وبحسب بيان سابق لمكتب رئيس الوزراء الكندي، تمتد زيارة كارني إلى السعودية من 8 إلى 10 تموز (يوليو) 2026، وتركز على تعميق الشراكة في الطاقة، والمعادن الحرجة، والدفاع، والبنية التحتية، والاستثمار، إلى جانب قطاعات الذكاء الاصطناعي، والتقنيات النظيفة، والزراعة، والسياحة، وعلوم الحياة.
ونقلت «رويترز» أن كارني دفع خلال زيارته باتجاه علاقات أوثق مع السعودية في مجالي التعدين والطاقة، قائلاً في منتدى أعمال متلفز إن المملكة يمكن أن تساعد شركات التعدين الكندية على التوسع، فيما التقى أيضاً أمين الناصر، الرئيس التنفيذي لـ«أرامكو»، لبحث تعميق التعاون في الطاقة.
وتأتي زيارة كارني في لحظة تحاول فيها كندا توسيع شراكاتها التجارية تحت ضغط الرسوم الجمركية الأميركية. فقد أوردت «رويترز» في حزيران (يونيو) أن اندفاعة أوتاوا لتنويع التجارة اصطدمت بواقع الاعتماد الكبير على السوق الأميركية، رغم إبرام اتفاقات أو السعي إليها مع دول في آسيا وأميركا الجنوبية والخليج.
ومن الجانب السعودي، تبدو الزيارة منسجمة مع مسار «رؤية 2030» التي يقودها ولي العهد لتنويع الاقتصاد وجذب الاستثمارات الأجنبية وتوسيع الشراكات الصناعية والتقنية خارج قطاع النفط. ولذلك لا تظهر كندا في جدة مجرد شريك سياسي يعود بعد أزمة، بل شريك محتمل في قطاعات تهم الرياض: المعادن، الطاقة النظيفة، البنية التحتية، الدفاع، والذكاء الاصطناعي.
وكانت العلاقات بين البلدين قد تعرضت لأزمة حادة عام 2018، قبل أن تعلن الرياض وأوتاوا في أيار (مايو) 2023 إعادة العلاقات الدبلوماسية إلى مستواها السابق. ومن هذه الزاوية، تمثل زيارة كارني نقطة تحول من «استعادة العلاقات» إلى محاولة تحويلها إلى مصالح ملموسة وصفقات واستثمارات.
وقال كارني عند وصوله، بحسب «عرب نيوز»، إن «كندا تبني شراكة جديدة مع المملكة العربية السعودية»، وهي عبارة تختصر التحول في المزاج السياسي الكندي: من علاقة متوترة سياسياً إلى مقاربة أكثر براغماتية، تضع الاقتصاد والأمن وسلاسل الإمداد في مقدمة الحسابات.
لكن جدة لا تمنح أوتاوا طريقاً اقتصادياً فقط. فالسعودية، بحكم موقعها في أسواق الطاقة، وثقلها في الخليج، ودورها في ملفات إقليمية حساسة، باتت شريكاً يصعب تجاوزه لدولة مثل كندا تبحث عن منافذ أوسع في عالم تزداد فيه الحمائية التجارية والتوترات الجيوسياسية.
الزيارة، إذاً، ليست مجرد عودة كندية إلى الرياض بعد 26 عاماً. إنها مؤشر إلى عالم جديد: كندا تبحث عن بدائل، والسعودية تعرض منصة نمو واستثمار ونفوذ. وبين حاجة أوتاوا إلى تنويع أسواقها، وحاجة الرياض إلى شركاء نوعيين في اقتصاد ما بعد النفط، تبدو جدة اليوم نقطة التقاء بين بلدين خرجا من أزمة دبلوماسية إلى حسابات مصلحة أكثر نضجاً.
اجمالي القراءات
19