حق الأداء العلني... منح الفنانين المصريين عوائد من إعادة عرض أعمالهم
في الوقت الذي تتسارع فيه إعادة عرض الأفلام والمسلسلات المصرية على القنوات التلفزيونية والمنصات الرقمية، من دون أن ينعكس ذلك غالباً على دخل صناعها، بدأت مصر اتخاذ خطوات عملية لتفعيل أحد الحقوق التي بقيت معطلة لأكثر من عقدين، رغم النص عليها في قانون حماية الملكية الفكرية. ففي 22 يونيو/ حزيران الماضي، وافق مجلس الشيوخ على المقترح البرلماني الذي قدمه الممثل وعضو المجلس ياسر جلال، الداعي إلى تفعيل "حق الأداء العلني"، وأحال تقرير اللجنة المختصة إلى الحكومة لاتخاذ الإجراءات اللازمة لتنفيذه.
منذ ذلك الحين، تعمل الحكومة والجهات التنفيذية، بالتنسيق مع النقابات الفنية، على إعداد اللوائح والآليات المنظمة لتحصيل هذه الحقوق وتوزيعها، في خطوة يرى فنانون وخبراء قانون أنها قد تعيد صياغة العلاقة الاقتصادية بين المبدعين وشركات الإنتاج والجهات المستفيدة من إعادة استغلال الأعمال الفنية، سواء عبر القنوات التلفزيونية أو المنصات الرقمية أو أماكن العرض العامة.
يمنح "حق الأداء العلني"، وفق قانون حماية الملكية الفكرية رقم 82 لسنة 2002، أصحاب المصنفات الفنية وأصحاب الحقوق المجاورة، مقابلاً مالياً عند إعادة استخدام أعمالهم أمام الجمهور، سواء من خلال البث التلفزيوني والفضائي أو المنصات الرقمية أو في الفنادق والمقاهي والمطاعم، وغيرها من أماكن العرض العام. بذلك، يتحول العمل الفني من مصدر دخل يرتبط بمرحلة الإنتاج فقط، إلى مورد مالي يمتد طوال فترة استغلاله.ورغم إقرار القانون هذا الحق منذ عام 2002، فإن تطبيقه ظل معطلاً بسبب غياب آليات تنفيذية واضحة، واعتماد كثير من عقود الإنتاج على بنود تمنح المنتج حق استغلال العمل مقابل أجر مقطوع يتقاضاه الفنان أو المؤلف أو المخرج عند التعاقد، من دون حصوله على أي مقابل عن إعادة عرض العمل لاحقاً.
يقول خبير الملكية الفكرية والمستشار القانوني للنقابات الفنية حسام لطفي إن التحرك الحالي لا يقتصر على تنفيذ نص قانوني قائم، بل يهدف أيضاً إلى استكمال المنظومة التشريعية بما يضمن تطبيق هذا الحق بصورة فعلية على جميع عناصر العمل الفني.
يوضح لطفي، لـ"العربي الجديد"، أن المظلة القانونية يجب أن تشمل جميع المبدعين المشاركين في العمل السمعي البصري، من مؤلفي القصة والسيناريو والحوار، والمخرجين، وكتاب المعالجة، ومؤلفي الموسيقى التصويرية والملحنين، إضافة إلى فناني الأداء، باعتبارهم جميعاً أصحاب حقوق مالية مرتبطة بإعادة استغلال العمل.
ويضيف أن القانون كان يمنح فناني الأداء هذا الحق مبدأً، إلا أن ممارسته ظلت مرتبطة بما تنص عليه العقود، ما أتاح في كثير من الأحيان التنازل عنه أو الالتفاف عليه. لذلك، تعمل النقابات الفنية حالياً على إعداد "عقد موحد" يجعل حق الأداء العلني إلزامياً لا يجوز إسقاطه أو التنازل عنه، ويلزم جهات الإنتاج باحترامه تلقائياً، ويشير إلى أن استكمال المنظومة يتطلب أيضاً تعديلات تشريعية لسد الثغرات التي عطلت التطبيق طوال السنوات الماضية، مؤكداً أن النقابات تنسق مع أعضاء في مجلس النواب للوصول إلى صيغة قانونية تضمن استدامة التنفيذ وعدم تعطيله مستقبلاً.
حق الأداء العلني يمنح الفنان عائداً مالياً مع كل إعادة عرض لعمله
ولا يقتصر الجدل الدائر حول هذا الحق على قيمته المالية، بل يمتد إلى دوره في توفير قدر من الاستقرار الاقتصادي للمبدعين، في ظل استمرار عرض أعمالهم لسنوات طويلة بعد انتهاء إنتاجها، وتحقيقها عوائد متجددة للجهات المالكة لحقوق البث، من دون أن يحصل كثير من المشاركين فيها على أي نصيب من هذه الإيرادات.
تقول الممثلة إلهام شاهين، لـ"العربي الجديد"، إن معظم الدول المتقدمة تطبق منظومة الأداء العلني منذ سنوات طويلة، وإن أهميتها تضاعفت مع انتشار المنصات الرقمية التي أصبحت تعيد عرض الأعمال الفنية باستمرار.
وتضيف أن الهدف من تفعيل القانون هو ضمان حصول الفنان على دخل مستمر من أعماله، بما يوفر له ولأسرته قدراً من الاستقرار المادي، سواء خلال سنوات نشاطه أو بعد تقدمه في العمر، وحتى بعد موته، ليصبح إرثه الفني مصدراً لدخل ورثته، كما يحدث في العديد من الدول.
تصف شاهين التحرك الحالي بأنه من أهم الخطوات التي شهدها الوسط الفني خلال السنوات الأخيرة، مشيدة بالمبادرة التي تقدم بها ياسر جلال داخل مجلس الشيوخ، إذ ترى أنها تعكس مطالب ظل الفنانون يطرحونها منذ سنوات طويلة، وتؤكد أن القرار يحظى بإجماع داخل الوسط الفني، لأنه يمنح الفنانين شعوراً بالأمان الاجتماعي، ويؤسس لحماية قانونية طال انتظارها.يرى رئيس اتحاد النقابات الفنية، المخرج عمر عبد العزيز، أن الأثر الأهم لتفعيل "حق الأداء العلني" لا يتمثل في زيادة دخل الفنانين فحسب، وإنما في تغيير طبيعة علاقتهم بالمهنة، يقول لـ"العربي الجديد" إن غياب دخل مستقر يدفع كثيراً من الفنانين، خصوصاً في فترات تراجع الإنتاج أو مع تقدمهم في العمر، إلى قبول أعمال لا تضيف إلى مسيرتهم الفنية، لتأمين احتياجاتهم المعيشية فقط.
أما إذا أصبح الفنان يحصل على عائد من إعادة عرض أعماله، فسيكون أقدر على اختيار أدواره وفق معايير فنية بعيداً عن الضغوط الاقتصادية. يستعيد عبد العزيز نماذج من تاريخ الفن المصري والعربي لممثلين انتهت حياتهم في ظروف مادية صعبة، قائلاً إن غياب منظومة حقوق الأداء العلني كان أحد الأسباب التي أدت إلى هذا الواقع، رغم أن أعمالهم استمرت تحقق أرباحاً لسنوات طويلة بعد رحيلهم.
يشير إلى أن العمل على هذا الملف يعود إلى نحو ست سنوات، شهدت مشاورات بين النقابات الفنية والجهات الحكومية وخبراء الملكية الفكرية، قبل أن ينتقل أخيراً إلى مرحلة التنفيذ، معتبراً أن الخطوة "ستحفظ كرامة الفنان المصري، وستنعكس إيجاباً على الصناعة بأكملها".بدوره، يؤكد نقيب السينمائيين، المخرج مسعد فودة، أن الملف تجاوز مرحلة النقاشات القانونية، ودخل بالفعل مرحلة التنفيذ العملي، ويكشف لـ"العربي الجديد" أن نقابة السينمائيين بدأت بالتنسيق مع نقابة المهن التمثيلية برئاسة الفنان أشرف زكي في تحديث قواعد بيانات الفنانين وصناع السينما، عبر استدعائهم لاستكمال بياناتهم الشخصية والفنية وحصر أعمالهم، تمهيداً لإنشاء قاعدة بيانات دقيقة تضمن احتساب مستحقاتهم عند بدء تطبيق المنظومة.
يشير فودة إلى أن نجاح التجربة يتطلب وجود قاعدة بيانات مكتملة لكل صاحب حق، سواء كان ممثلاً أو مخرجاً أو مؤلفاً أو موسيقياً، حتى تُنجز عملية توزيع العوائد بدقة وعدالة. ويرى فودة أن تفعيل "حق الأداء العلني" يأتي ضمن حزمة أوسع من الإجراءات التي تستهدف إعادة تنظيم بيئة العمل داخل الصناعة، وحماية العاملين فيها، بعد سنوات من غياب الضوابط الملزمة.
في هذا السياق، أعلن اتحاد النقابات الفنية عدداً من القرارات التنظيمية، من بينها تحديد ساعات التصوير اليومية بثماني ساعات حداً أقصى، حفاظاً على صحة الفنانين والعاملين خلف الكاميرا، بعد تكرار حالات الإرهاق والإصابات الناتجة عن ساعات العمل الطويلة.
اجمالي القراءات
22