عقدة الفيتو.. الأمم المتحدة بين دعوات الإصلاح وهيمنة الدول الكبرى

اضيف الخبر في يوم الثلاثاء ٢٩ - سبتمبر - ٢٠٢٦ ١٢:٠٠ صباحاً. نقلا عن: الجزيرة


عقدة الفيتو.. الأمم المتحدة بين دعوات الإصلاح وهيمنة الدول الكبرى

بينما تتعالى الأصوات الداعية إلى إصلاح الأمم المتحدة الخاضعة لهيمنة الدول الخمس الكبرى التي تتخذ من حق النقض (الفيتو) سلاحا لحماية مصالحها، يرى محللون أن العالم قد يتجه نحو التحالفات العسكرية والاقتصادية لتجاوز المنظمة الدولية وتحويلها إلى منظمة رمزية لا تأثير لها.
مقالات متعلقة :


فعندما اندلعت الثورة الليبية في عام 2011، تحرك مجلس الأمن سريعا لاتخاذ ما عدَّها تدابير لازمة لحماية المدنيين، وفرض حظرا جويا لمنع ارتكاب انتهاكات جسيمة، لكنه فشل في فرض تدابير مماثلة في سوريا بسبب انقسام الدول الدائمة العضوية التي تمتلك حق النقض (الفيتو)، وخصوصا روسيا والصين.ومع عجز المجلس عن حماية السوريين في العام نفسه الذي قرر فيه حماية الليبيين، تساءل العالم عما إذا كانت حماية المدنيين هدفا أخلاقيا وقانونيا أم إنها تكون هكذا في بلد ثم تخضع لحسابات السياسة في بلد آخر.

وحسب تقرير "الأمم المتحدة أمام اختبار البقاء أو الإصلاح" الذي أنتجته الجزيرة، فقد أعادت الازدواجية التي تعاملت بها القوى الكبرى إزاء وضعين متشابهين تماما الحديث عن ضرورة إصلاح الأمم المتحدة التي لا تزال تخضع لإرادة خمس دول فقط بينما العالم تضاعف خمس مرات عما كان عليه حينما أنشئت هذه المنظمة الدولية عام 1945.

حديث قديم متجدد
وبدأ الحديث عن إصلاح الأمم المتحدة في ستينيات القرن الماضي، ثم تكرر على مدار العقود التالية، لكن الأسئلة الأكثر إلحاحا كانت:

أين تكمن المشكلة؟
لماذا لم يُعدَّل ميثاق المنظمة؟
ما مستقبل الأمم المتحدة؟
فبعد حرب عالمية مدمرة هُزمت فيها اليابان وألمانيا وانتصر فيها الحلفاء، أُسست الأمم المتحدة في 24 أكتوبر/تشرين الأول 1945، بهدف بناء نظام يمنع اندلاع حروب مدمرة جديدة وينمي العلاقات الودية بين الأمم.

وشكلت المنظمة أجهزة رئيسية هي: الجمعية العامة، ومجلس الأمن، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي، ومجلس الوصاية، والأمانة العامة.

ورغم أن مجلس الأمن هو الذراع الأقوى للأمم المتحدة فإنه الجهة الأكثر تعرضا لانتقادات مطالبة بالإصلاح، فهو مكون من 15 مقعدا، منها 5 مقاعد دائمة مخصصة لكل من الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وفرنسا وبريطانيا والصين.عقدة "الفيتو"
وتمثل هذه الدول القوة الرئيسية للمجلس، ويحق لها استخدام حق النقض (الفيتو) ضد صدور أي قرار، إضافة إلى 10 مقاعد غير دائمة تختارها الجمعية العامة على أساس جغرافي لفترة مدتها عامان، وتتوزع بين أفريقيا (3 مقاعد) وآسيا (مقعدان) وأمريكا اللاتينية والكاريبي (مقعدان) وأوروبا (3 مقاعد).

ويُعَد هذا التقسيم أحد أبرز المشكلات، فالنظام الهيكلي للمجلس بالنسبة إلى كثيرين ما زال يعكس ميزان القوى الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية أكثر مما يعكس عالمنا الحالي الذي تغير سياسيا واقتصاديا وديموغرافيا بصورة جذرية خلال العقود الماضية.

فالقارة الأفريقية بقدراتها الواسعة وثقلها السكاني والسياسي المتصاعد لا تمتلك مقعدا دائما، وكذلك أمريكا اللاتينية والعالم العربي، بل والهند التي تمثل تعدادا سكانيا ضخما وتتحول إلى قوة اقتصادية وسياسية عالمية.

السفيرة الأمريكية السابقة لدى الأمم المتحدة تدلي بصوتها باستخدام "الفيتو" في مجلس الأمن الدولي
السفيرة الأمريكية السابقة لدى الأمم المتحدة تدلي بصوتها باستخدام "الفيتو" في مجلس الأمن الدولي (الفرنسية)
ازدواجية معايير
ومنذ تأسيسها، أدت الأمم المتحدة أدوارا حيوية في مناطق كثيرة من العالم، حيث رعت وقف إطلاق النار بين الهند وباكستان بشأن إقليم كشمير عام 1949، وبين العراق وإيران عام 1988 بعد حرب دامت 8 سنوات.

كما نجحت في إنهاء الحرب الأهلية التي استمرت 12 عاما في السلفادور، والحرب الأهلية في ليبيريا عام 2003، وأنقذت الوكالات الأممية التابعة لها ملايين البشر من المجاعات والأوبئة والنزوح عبر إطلاق حملات استجابة طارئة لتقديم المساعدات الغذائية العاجلة والرعاية الطبية.

وحققت المنظمة استجابة تاريخية لمجاعة الصومال عام 2011، وأخرى لمجاعة إثيوبيا الكبرى عام 1984، وقبلها الإغاثة الجوية خلال الحرب الأهلية (بيافرا) في نيجيريا بين عامي 1968 و1970.

وساعدت وساطة الأمم المتحدة في احتواء نزاعات كان يمكن أن تتحول إلى حروب أوسع، مثل النزاع على جزيرة باكاسي بين الكاميرون ونيجيريا، واحتواء التوتر العرقي والسياسي الذي تصاعد في غينيا عامي 2008 و2010.

لكن كل ما سبق لم يشفع للمنظمة الدولية، إذ يرى محللون أن المعضلة الكبرى تكمن أساسا في حق النقض (الفيتو) الذي تتميز به الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن.

فالفيتو بالنسبة إلى كثيرين هو سياسة تهدف إلى ضمان بقاء القوة الكبرى داخل النظام الدولي، لكنه يتحول في كثير من الحالات إلى أداة لتعطيل ذلك النظام. فعلى سبيل المثال، عندما تكون دولة دائمة العضوية طرفا في نزاع أو حليفا رئيسا لأحد أطرافه، يشل الفيتو قدرة المجلس على التحرك، والأمثلة على ذلك كثيرة، ومنها المفارقة التي طُرحت في البداية بين ليبيا وسوريا وكذلك أوكرانيا مقابل غزة.

فبعد الحرب الروسية على أوكرانيا، سارع مجلس الأمن والجمعية العامة إلى إدانة انتهاك سيادة أوكرانيا، وصدرت مواقف وقرارات دولية واسعة تؤكد حماية المدنيين والقانون الدولي. لكن حين تعلق الأمر بقطاع غزة، استخدمت الولايات المتحدة حق النقض مرات عديدة ضد مشروعات تتعلق بوقف إطلاق النار، قبل تمرير القرار 2728 في مارس/آذار 2024.

وفي البوسنة، أعلن مجلس الأمن عام 1995 مناطق آمنة بينها سربرنيتسا منعا لحدوث انتهاكات ولحماية المدنيين البوسنيين، بينما قلص بعثة الأمم المتحدة في رواندا قبلها بعام واحد بدلا من تعزيزها، وذلك في ذروة الإبادة التي راح ضحيتها نحو 800 ألف شخص.
معايير متناقضة
لذلك، يذهب المفكر والمتخصص في الشؤون الدولية ريتشارد بتلر إلى أن ميثاق الأمم المتحدة ينص على مجموعة متناقضة من المعايير، فمن ناحية يشير الميثاق إلى فكرة المساواة بين الدول الأعضاء والالتزام بمبدأ الحفاظ على السلم والأمن وإنقاذ الأجيال من الحرب وضمان حقوق الإنسان، لكنه من جانب آخر أعطى امتيازات مذهلة للأعضاء الدائمين بما يمكنهم من أداء دور المهيمن.

ومن ثم، فإن "الفيتو" يمثل -برأي بتلر- نقطة خلاف حساسة، لأنه يضع الكثير من السلطة في أيدي عدد قليل من الدول. وهو رأي أيده المحلل بمؤسسة "سانشري" في واشنطن جيفري لورنتي الذي كتب عددا من المقالات بشأن الإصلاحات المطلوبة، قائلا إن "الفيتو يعطي حقا لا مسوغ له لخدمة المصالح السياسية للدول الخمس الدائمة العضوية".

ويرى لورنتي أن هذا الوضع يؤدي إلى التراخي في مواجهة الجرائم والانتهاكات الجماعية، بما يعني أن المشكلة ليست في فكرة الأمم المتحدة نفسها، وإنما في غياب الإرادة السياسية التي تسمح بتنفيذ ما أنشئت لأجله.

ولا يعني عدم إصلاح الأمم المتحدة استبدال منظمة أخرى جديدة بها، لكنه -بحسب المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية الدكتور خالد الجابر- قد يدفع العالم إلى تجاوزها تدريجيا عبر مؤسسات وتحالفات وتكتلات موازية.

فانهيار الأمم المتحدة لن يحدث غالبا بإغلاق مقرها، بل بتحولها تدريجيا إلى رمزية بينما تنتقل القرارات الحقيقية إلى التحالفات العسكرية والتكتلات الاقتصادية والتدريبات الإقليمية والصفقات الثنائية، حسب الجابر، الذي يرى أن الخطب والقرارات والقمم قد تظل قائمة بينما يتراجع تأثير المنظمة الفعلي في إدارة النظام الدولي إلى حد التلاشي.

لذلك، لم يعد إصلاح الأمم المتحدة ترفا بل ضرورة -وفق الجابر- الذي يعتقد أن الإصلاح المؤسسي وحده "لن يكون كافيا إذا لم يتغير السلوك السياسي للدول الكبرى". فالمشكلة الأعمق ليست في أن النظام الدولي يفتقر إلى القواعد، وإنما في أن القوى الكبرى تريد القواعد عندما تحمي مصالحها وتريد الاستثناء منها عندما تقيد حركتها.

أما محلل الشؤون الخارجية في صحيفة بلومبيرغ أندرياس كلوث، فذهب إلى أن النظام الأممي يواجه تعطيلا كبيرا لأن الولايات المتحدة وروسيا والصين تستخدم حق النقض لحماية مصالحها ومصالح حلفائها، وهو ما يشل قدرة المنظمة على حل الحروب الكبرى.

لذا، يرى كلوث أن القيادات الدولية قد تقود الأمم المتحدة إلى مصير عصبة الأمم في الثلاثينيات، محذرا من أن هذا الأمر قد يفتح الباب أمام صراعات أوسع.
اجمالي القراءات 82
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق