الروائح الكريهة تخنق بغداد... أزمة التلوّث بلا حلول جذرية
تتصاعد في العاصمة بغداد شكاوى السكان من انتشار روائح كريهة ومزعجة في عدد من المناطق، وسط حديثٍ عن ارتباطها بانبعاثات المصانع والمعامل غير المُجازة وكُور صهر المعادن المنتشرة داخل أو قرب المناطق السكنية، إلى جانب حرق النفايات في الشوارع، والانبعاثات الصادرة عن بعض محطات توليد الكهرباء وغيرها من المسبّبات. وتأتي هذه الأزمة في وقت تتزايد فيه الضغوط البيئية والصحية على سكان العاصمة العراقية، مع ارتفاع درجات الحرارة واستمرار مصادر التلوث من دون حلولٍ جذرية.
وفي خلال الأيام الأخيرة، تحرّكت الأجهزة الحكومية لملاحقة بعض مصادر هذه الانبعاثات، إذ أعلنت قيادة عمليات بغداد (الجهة المسؤولة عن أمن العاصمة)، اليوم الأربعاء، إغلاق معملَين غير مُجازَين وإزالة ثمانية مواقع تضمّ كُوراً لصهر المعادن، فضلاً عن اعتقال ستّة مخالفين، في منطقة سبع قصور شمال شرقي بغداد.
.
يتم إنشاء النصوص والإجابات بواسطة الذكاء الاصطناعي اعتمادًا على تقارير العربي الجديد، لذا يُنصح بالتحقق من المصادر المرفقة. (خدمة تجريبية)
هذا الموقع محمي بواسطة reCAPTCHA وتطبّق عليه سياسة الخصوصية وشروط الخدمة الخاصة بشركة Google.
وأفادت قيادة عمليات بغداد، في بيانٍ صدر اليوم الأربعاء، بأنّ "الحملة نُفّذت بالتعاون مع مفارز من جهاز الأمن الوطني وشرطة وبيئة الرصافة وبلدية الشعب، وشملت تدقيقاً وإغلاقاً لمصانع ومعامل وكُور صهر المعادن غير المُجازة"، موضحةً أنّ "الإجراءات جاءت بسبب عدم استيفاء تلك المواقع الضوابط المطلوبة، وما تُسبّبه عمليات الإنتاج من انبعاثاتٍ غازية وروائح وأضرار محتملة على صحة وسلامة السكان".
ولا تبدو المشكلة محصورةً بالمصانع والمعامل المخالفة، إذ يواجه سكان بغداد مصادر متعددة للروائح والملوثات، من بينها حرق النفايات بصورة عشوائية في الأحياء والشوارع والأراضي الفارغة، فضلاً عن الانبعاثات الناتجة عن بعض الأنشطة الصناعية يقول مقداد علي، وهو أحد سكان بغداد، إنّ "الروائح صارت في خلال الأيام الأخيرة أكثر حدّة وانتشاراً"، مشيراً في حديثه إلى "العربي الجديد" إلى أنّ "السكان باتوا يعيشون حالةً من الانزعاج المستمر بسبب الدخان والروائح المنبعثة من مصادر مختلفة". ويضيف: "لم تعد المشكلة تقتصر على الشارع، فالروائح تصل إلى داخل المنازل، وأحياناً نضطر إلى ارتداء الكمامات داخل البيت لتجنّب استنشاقها"، مطالباً الجهات الحكومية بـ"تحديد مصادر التلوث ومحاسبة المتسبّبين بدلاً من الاكتفاء بحملات مؤقتة تنتهي بعد أيام".
وحذّر مرصد "العراق الأخضر"، وهو مركز غير حكومي متخصّص بالشأن البيئي، في وقتٍ سابق، من تكرار انتشار الروائح الكريهة في بغداد خلال الأيام المقبلة، مرجعاً ذلك إلى استمرار مصادر التلوث وعدم معالجتها بصورة جذرية، في مؤشر إلى أنّ المشكلة تتجاوز حادثة عابرة أو مصدراً واحداً للانبعاثات.
من جهته، أكد الخبير البيئي أنس الربيعي أنّ الروائح المنبعثة من بعض العمليات الصناعية وحرق النفايات "لا ينبغي التعامل معها باعتبارها مجرد مشكلة إزعاج للسكان"، موضحاً لـ"العربي الجديد" أنّ "بعض الانبعاثات قد تحتوي على غازات وجسيمات ومواد سامة وخطرة، تختلف خطورتها بحسب نوع الوقود أو النفايات والمواد التي تُحرق أو تُصهر".
واعتبر الربيعي أنّ حملة ملاحقة المخالفين وإغلاق المواقع غير المُجازة واعتقال المسؤولين عنها تشكّل "خطوة ضرورية، لكنّها غير كافية"، مؤكداً أنّ "الحملات الحكومية الحالية ما زالت محدودة زمنياً ومكانياً، ولا تختلف كثيراً عن حملاتٍ سابقة تراجعت نتائجها بعد توقفها". ودعا إلى "وضع سياسة بيئية مستدامة تتضمن تشديد الرقابة على المصانع والمعامل ومحطات الكهرباء ومواقع التخلص من النفايات، إلى جانب فرض عقوبات قانونية رادعة على كلّ من يثبت تسبّبه بتلوث الهواء، سواء كان مواطناً أو مؤسسة أو جهة حكومية، لأنّ حماية البيئة يجب ألا تستثني أيّ طرف".
وتأتي هذه الأزمة في ظلّ سجل بيئي متراكم لبغداد، حيث تتداخل الانبعاثات الصناعية وعوادم المركبات وحرق النفايات والغبار ومشكلات إدارة النفايات مع عوامل مناخية وجغرافية تؤثر في جودة الهواء، كما أنّ التوسع العمراني وضع مناطق سكنية في تماسٍ مباشر مع أنشطة صناعية وخدمية كان يُفترض أن تكون بعيدة عن التجمعات السكانية.
اجمالي القراءات
79