لبنان يلغي عقوبة الإعدام في خطوة تاريخية ويستبدلها بالسجن المؤبد
إيلاف من بيروت: في تحوّل تشريعي وقضائي بارز، أقرّ مجلس النواب اللبناني، اليوم الثلاثاء، قانون إلغاء عقوبة الإعدام، منهياً بذلك عقوبة بقيت منصوصاً عليها في التشريعات اللبنانية لعقود، رغم توقف تنفيذ أحكام الإعدام فعلياً منذ عام 2004.
وأقرّ البرلمان اقتراح القانون بعد إدخال تعديلات على النص، على أن تُستبدل عقوبة الإعدام بعقوبات سالبة للحرية مشددة، وفي مقدمتها السجن أو الأشغال الشاقة المؤبدة، بحسب النصوص والحالات التيويضع القرار لبنان أمام مرحلة جديدة في نظامه العقابي، بعدما كان يُصنّف طوال أكثر من عقدين بين الدول التي تُبقي عقوبة الإعدام في قوانينها من دون تنفيذها عملياً.
مسار طويل قبل الوصول إلى الهيئة العامة
لم يأتِ إقرار القانون بشكل مفاجئ، بل سبقته سلسلة طويلة من المناقشات داخل اللجان النيابية. ففي 23 شباط 2026، أقرت لجنة حقوق الإنسان النيابية اقتراح إلغاء عقوبة الإعدام واستبدالها بالحبس المؤبد، بحضور وزير العدل عادل نصار وعدد من النواب والخبراء المعنيين بالملف.
بعد ذلك، انتقل الاقتراح إلى لجنة الإدارة والعدل، التي ناقشته خلال عدد من الجلسات في أيار، قبل أن تقره معدلاً في الثاني من حزيران. وفي التاسع من تموز، أقرت اللجان النيابية المشتركة اقتراح إلغاء عقوبة الإعدام، ما مهّد الطريق لوصوله إلى الهيئة العامة لمجلس النواب.
وكان من المفترض أن يناقش المجلس الاقتراح في جلسة 16 تموز الماضي، إلا أن النصاب فُقد عند الوصول إلى البند المتعلق بإلغاء عقوبة الإعدام، ما أدى إلى تأجيل حسمه.
واليوم، 11 آب، عاد الاقتراح إلى الهيئة العامة، حيث أقره النواب بعد نقاشات ومواقف متباينة، ليصبح إلغاء عقوبة الإعدام قراراً تشريعياً صادراً عن البرلمان.
ماذا يعني القانون عملياً؟
جوهر التعديل هو حذف عقوبة الإعدام من المنظومة العقابية اللبنانية واستبدالها بعقوبة مؤبدة مشددة.
وهذا الأمر لا يتعلق فقط بوقف تنفيذ أحكام الإعدام، لأن لبنان كان متوقفاً أصلاً عن تنفيذها منذ أكثر من عشرين عاماً، بل يعني الانتقال من «وقف التنفيذ عملياً» إلى إلغاء العقوبة من القانون نفسه.
وبالتالي، فإن المحاكم لن تعود، بعد دخول القانون حيز التنفيذ وفق الأصول، إلى إصدار عقوبة الإعدام في الجرائم التي كانت تستوجبها سابقاً، وإنما ستطبّق العقوبة البديلة التي حددها التشريع الجديد.
كما أن أحد الأبعاد الأساسية للتعديل يتعلق بالمحكومين بالإعدام سابقاً الذين لم تنفذ بحقهم الأحكام، إذ يقوم المبدأ التشريعي المطروح منذ سنوات على استبدال أحكامهم بعقوبات مؤبدة وفق الأحكام الجديدة.
22 عاماً من دون تنفيذ حكم إعدام
يحمل القرار أهمية خاصة لأن لبنان لم ينفذ أي حكم بالإعدام منذ عام 2004.
وخلال السنوات التالية، استمرت المحاكم في إصدار أحكام بالإعدام في بعض القضايا الخطيرة، لكن هذه الأحكام لم تكن تنفذ، ما جعل لبنان عملياً دولة تطبق وقفاً غير رسمي لتنفيذ العقوبة، من دون أن تلغيها تشريعياً.
وبذلك، يحوّل قرار مجلس النواب اليوم الواقع القائم منذ أكثر من عقدين إلى قاعدة قانونية واضحة: لا تنفيذ للإعدام ولا بقاء لعقوبة الإعدام نفسها ضمن النظام العقابي وفق القانون الجديد.
وزير العدل: خطوة تاريخية
وزير العدل عادل نصار، الذي شارك في مراحل مناقشة الاقتراح داخل اللجان النيابية، وصف إلغاء العقوبة بأنه خطوة تاريخية.
وكانت وزارة العدل والجهات الحقوقية الداعمة للإلغاء تعتبر أن إبقاء عقوبة لا تُنفذ منذ سنوات طويلة لم يعد مبرراً، وأن استبدالها بعقوبة مؤبدة يحافظ على مبدأ معاقبة مرتكبي الجرائم الخطيرة، من دون منح الدولة سلطة إنهاء حياة المحكوم.
انقسام سياسي وحقوقي
لم يمر الملف من دون اعتراضات.
فالنقاش حول إلغاء الإعدام في لبنان ارتبط دائماً بحساسية الجرائم الكبرى، ولا سيما القتل العمد والإرهاب والجرائم التي تستهدف العسكريين والمدنيين.
ويرى معارضو الإلغاء أن بعض الجرائم تستوجب عقوبة قصوى، وأن إلغاء الإعدام قد يُنظر إليه على أنه تهاون مع مرتكبي جرائم شديدة الخطورة.
في المقابل، يقول مؤيدو القانون إن السجن المؤبد يبقي العقوبة شديدة، بينما يلغي احتمال تنفيذ حكم لا يمكن التراجع عنه في حال وقوع خطأ قضائي، إضافة إلى اعتبارات مرتبطة بحقوق الإنسان وتطور الأنظمة العقابية الحديثة.
وجاء النقاش في وقت يشهد لبنان أيضاً سجالاً واسعاً حول قانون العفو العام وأوضاع السجون، ما زاد حساسية الملف، خصوصاً لدى عائلات ضحايا الجرائم والإرهاب.
سابقة على المستوى العربي
يحمل القرار بعداً يتجاوز الداخل اللبناني، إذ يجعل لبنان، وفق التقارير الدولية التي أعقبت التصويت، أول دولة عربية تلغي عقوبة الإعدام بصورة تشريعية شاملة.
ويضع ذلك لبنان في موقع مختلف إقليمياً في ملف العقوبات وحقوق الإنسان، خصوصاً أن عقوبة الإعدام لا تزال موجودة في تشريعات عدد كبير من دول المنطقة.
ماذا بعد إقرار مجلس النواب؟
إقرار مجلس النواب هو المحطة التشريعية الأساسية، إلا أن تطبيق القانون يمر بالإجراءات الدستورية المعتادة المتعلقة بإصدار القانون ونشره في الجريدة الرسمية.
وعند دخوله حيز التنفيذ، ستصبح العقوبة البديلة هي المرجع بالنسبة إلى الجرائم التي كانت القوانين اللبنانية تفرض عليها الإعدام، كما ستبرز مسألة كيفية تطبيق الأحكام الجديدة على المحكومين بالإعدام سابقاً.
وبذلك يكون لبنان قد انتقل، بعد أكثر من عشرين عاماً من وقف عمليات الإعدام عملياً، إلى مرحلة مختلفة كلياً: إلغاء عقوبة الإعدام من التشريع نفسه واستبدالها بعقوبة مؤبدة مشددة.
ويمثل القرار واحداً من أبرز التعديلات التي طرأت على النظام الجزائي اللبناني في السنوات الأخيرة، ومن المتوقع أن يفتح نقاشاً أوسع حول مفهوم العقوبة، وحقوق الضحايا، وأوضاع السجون، ومدى قدرة النظام القضائي والعقابي اللبناني على تطبيق عقوبات السجن المؤبد بصورة فعالة. يشملها القانون.
اجمالي القراءات
34