فصائل عراقية مؤيدة لإيران تستقطب متطوعين للقتال حال بدء هجوم أميركي
لليوم الثالث على التوالي، تتواصل في بغداد وعدد من مدن جنوب ووسط العراق فعاليات مؤيدة للموقف الإيراني ضد تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشن عمل عسكري ضد طهران، تضمنت تظاهرات ووقفات احتجاج لفصائل وقوى سياسية عراقية وتيارات دينية مختلفة. غير أن التحول الأبرز هو فتح بعض الفصائل مكاتبها لاستقبال المتطوعين للقتال، وتُملأ استمارات للمتطوع تحوي اسمه وعنوانه، وطبيعة العمل الذي ينوي القيام به في حال بدء الهجوم العسكري على إيران.
وتضمنت الفعاليات التي أطلقتها "كتائب حزب الله" و"النجباء" و"سيد الشهداء"، وهي أبرز ثلاثة فصائل عراقية حليفة لإيران، ارتداء أكفان بيضاء وتنظيم "مسيرات الشهادة"، مع رفع صور المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي والأمين العام الراحل لحزب الله اللبناني حسن نصر الله، وأعلاماً إيرانية وشعارات دينية. ورغم تأكيدات مسؤول أمني في بغداد وآخر في البصرة، لـ"العربي الجديد"، أن الفعاليات اجتماعية ودينية، ولا تنضوي على أي تهديد أمني يستوجب من الدولة التعامل معه، لكن أظهرت صور بثتها منصات الفصائل عمليات تسجيل للحصول على السلاح.ومع ذلك، فإن التساؤل الأساسي هو ما إذا كانت فعاليات تسجيل المتطوعين فعلية أم استعراضاً إعلامياً أو ما يسميه قادة الفصائل "رفع الجاهزية المعنوية والقتالية". وأظهرت صور نشرتها جماعة "كتائب حزب الله" توافد عشرات من العراقيين إلى مقرها في بغداد، وصفتهم بـ"المتطوعين الاستشهاديين للدفاع عن أهل الإسلام".
من جهتها، أعلنت "حركة النجباء" في بيان لها، أول من من أمس الأربعاء، "فتح باب التطوع" من أجل "الدفاع عن الإسلام والمستضعفين"، فيما أشار قيادي بارز في الجماعة في تسجيل مصور إلى فتح المكاتب لاستقبال المتطوعين. يأتي ذلك في توقيت بالغ الحساسية، إذ يقف العراق مجدداً على تخوم صراع إقليمي مفتوح، في ظل احتدام التهديدات المتبادلة بين واشنطن وطهران، وما يرافقها من ارتفاع منسوب التعبئة داخل قوى مسلحة عراقية ذات ارتباطات عقائدية وسياسية عابرة للحدود.
مصدر أمني عراقي مطلع تحدث لـ"العربي الجديد"، شريطة عدم الكشف عن هويته، عما وصفه بـ"فعاليات إعلامية ودينية للتكاتف والدعم تنظمها الفصائل ولا تنضوي على أي تهديد أمني للداخل العراقي أو الخارج"، وفقاً لقوله، معتبراً أن هناك من يحاول تضخيم هذه الفعاليات لأسباب سياسية معروفة. وأكد أن الفعاليات جرى تنظيمها في بغداد والبصرة وبابل والنجف ومناطق مختلفة، و"لم يسجل فيها أي خرق أمني أو قانوني"، وفقاً لقوله. لكن مصدراً أمنياً آخر في البصرة قال لـ"العربي الجديد" إن "الموقعين على استمارات مشاريع الاستشهاد في البصرة هم من التيار الديني المتشدد داخل الهيكل العام للفصائل المسلحة"، مضيفاً: "نعم أعتقد أنهم يقصدون ما يفعلون، والفصائل تتحرك من منطلق ديني في الدفاع عن إيران حال تعرضت لأي هجوم".
وتوالت المواقف العلنية من "كتائب حزب الله" ومنظمة "بدر" وحركة "النجباء"، في مشهد يعكس تصاعد خطاب التعبئة والاستعداد بما يتجاوز الإطار الدفاعي المحلي، ويفتح الباب أمام سيناريوهات إقليمية معقدة قد تضع العراق في واجهة تداعيات مباشرة. ويرى مراقبون أن هذا المسار لا يهدد فقط الأمن الوطني العراقي، بل يضع الدولة أمام اختبار سيادتها وقدرتها على ضبط السلاح المنفلت، ومنع استخدام أراضيها أو مواطنيها في صراعات لا تخضع لقرار رسمي.وقال الناشط المدني أوس الخزرجي، لـ"العربي الجديد"، إن "ما يجري يضع العراق على محك أي تصعيد عسكري، وسيدفع العراقيون ثمن ذلك من استقرار البلاد ومن اقتصادهم أيضاً"، معتبراً أن "هذه الفعاليات تستجلب مزيداً من التشدد الأميركي تجاه العراق، وتظهر عجزاً حكومياً عن التحكم باتجاهات السلاح وطريقة إدارة الدولة المشهدَ السياسي والأمني".
وأضاف أن "هذه الأنشطة تمثل مؤشراً بالغ الخطورة، وقد تتحول إلى قنابل اجتماعية موقوتة، وتغذي ثقافة العنف العابر للحدود، فضلاً عن تعريض العراق لعقوبات أو ردات فعل دولية قاسية".أما الباحث السياسي رسلي المالكي، فشدد على البعد القانوني للقضية، مذكراً بأن تلك التحركات يجب أن تُحاسَب قانونياً. وقال في تدوينة له على "إكس" إن "قانون العقوبات العراقي نص على أن يعاقب بالسجن المؤبد أو المؤقت كل عراقي يقوم بأعمال عدوانية أو عسكرية أو تحريضية ضد دولة أجنبية من شأنها تعريض العراق لخطر الحرب او قطع العلاقات السياسية، وذلك دون تفويض أو قرار من الدولة العراقية".
صمت حكومي يثير التساؤلات
ورغم خطورة المعلومات المتداولة، لم يصدر حتى الآن أي تعليق رسمي من الحكومة العراقية أو الجهات الأمنية المختصة، الأمر الذي زاد من حالة القلق الشعبي، وفتح باب التساؤلات حول قدرة الدولة على احتواء الموقف، ومنع انزلاق البلاد نحو صراع إقليمي جديد، وسط مخاوف من أن استمرار الصمت الرسمي قد يفسر على أنه عجز أو تواطؤ، ما يشجع على اتساع نطاق هذه الأنشطة، ويقوض ما تبقى من ثقة الشارع بقدرة الدولة على حماية أبنائها ومستقبلهم. ويدفع هذا المشهد المتشابك العراق لأن يكون مرة أخرى ساحة مفتوحة لتجاذبات إقليمية خطيرة، حيث يتقاطع السلاح بالعقيدة، والسياسة بالعاطفة، على حساب أمن المجتمع وسلامته.
اجمالي القراءات
25