سماسرة السلطة.. «بن سلمان» يعيد تشكيل السعودية في طريقه إلى العرش

اضيف الخبر في يوم الثلاثاء 14 نوفمبر 2017. نقلا عن: الخليج الجديد


سماسرة السلطة.. «بن سلمان» يعيد تشكيل السعودية في طريقه إلى العرش

قبل أسبوعين فقط، حظيت قمة مبادرة الاستثمار المستقبلي في الرياض بإشادة دولية. لكن اهتمام المستثمرين تحول بعد ذلك إلى حالة من عدم اليقين الشديد، حيث بدأ ولي العهد الأمير «محمد بن سلمان» قيادة حملة مكافحة الفساد، وسط تحولات في السلطة في الخليج. ولكن على الرغم من المخاطر على المدى القصير، يعتقد البعض أن التأثير على المدى الطويل سيكون إيجابيا.

كان يوم 4 نوفمبر/تشرين الثاني يوما تاريخيا في المملكة العربية السعودية. فقد أظهر الملك «سلمان» وابنه ولي العهد «محمد بن سلمان» تصميمهما المستمر على تنفيذ الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية في إطار رؤية عام 2030. وتتمثل أهدافهما في الدخول في منطقة جديدة من توطيد السلطة، كما يؤكدان على المضي في ساحة القتال الإقليمية ضد إيران.

خطوة استراتيجية

بدأ ذلك اليوم باستقالة رئيس الوزراء اللبناني «سعد الحريري» من الرياض وعلى ما يبدو بضغط من السعودية، حيث تم استدعاء النفوذ الإيراني في لبنان ومخاوف «الحريري» من محاولة اغتياله. وأعقب ذلك مرسوم ملكي أصدره الملك «سلمان» بإنشاء اللجنة الوطنية لمكافحة الفساد. برئاسة ولي العهد «محمد بن سلمان»، وقد حددت مهام اللجنة بملاحقة الجرائم والأشخاص والكيانات الضالعة في الفساد العام. وتشمل الصلاحيات الواسعة لللجنة القدرة على إصدار مذكرات اعتقال، وتقييد السفر وتجميد الحسابات. وكما قال الملك في خطاب متلفز: «سيتم تطبيق القوانين بشكل صارم على كل من مس المال العام ولم يحمه أو قام باختلاسه، أو أساء استخدام سلطته ونفوذه».

وقد استهدفت الحملة بشكل استراتيجي القوى العاملة في قطاع الأعمال والحكومة. وشمل ذلك 11 أميرا وعشرات رجال الأعمال وكبار المسؤولين والوزراء السابقين ومن أبرزهم رجل الأعمال الملياردير الأمير «الوليد بن طلال»، رئيس مجلس إدارة شركة المملكة القابضة والأمير «متعب بن عبد الله»، وزير الحرس الوطني والأمير «تركي بن عبد الله»، الأمير السابق لمنطقة الرياض ورجل أعمال آخرين على رأسهم «وليد الإبراهيم» و«بكر بن لادن» و«محمد العمودي» و«صالح كامل».

يعتبر هذا تطورا حاسما ولكن عملية تصوير ذلك أنه مجرد انتزاع مثير للسلطة هو تجاهل لثلاثة اتجاهات أساسية هامة جدا. أولا، إن حملة مكافحة الفساد هي جزء من التحول الاجتماعي والسياسي المستمر في المملكة. وثانيا، يتعلق الأمر بتوطيد السلطة من قبل ولي العهد وإعادة هيكلة نظام الحكم الملكي. وثالثا، هناك عنصر متعلق بالهيمنة الإقليمية حيث تصّعد المملكة العربية السعودية منافستها مع إيران.

جزء من الصورة الأكبر

يشارك الملك وولي العهد في محاولة لسحب المملكة إلى القرن الحادي والعشرين، تحت رؤية 2030، بدعم من عدد كبير من الشباب.

وليس سرا أن المملكة قد ابتليت لعقود بالكسب غير المشروع. ولذلك، فمن الممكن تماما أن جميع المتهمين بالفساد مذنبون. وبطبيعة الحال، يمكن أن تبدو الاعتقالات سخيفة، بالنظر إلى أن العديد من الآخرين الذين يحتمل أن يكونوا غارقين في الفساد لم يستهدفوا حتى الآن. فالشفافية والنظام القانوني يجب أن يسودا، من أجل الاستقرار على المدى الطويل، وسوف تعتمد توقعات المستثمرين على ذلك. ولكن في الوقت الراهن، تم تلقى الخبر بإيجابية من كتلة جيدة من قبل الجمهور السعودي، وخاصة الشباب، الذين رأوا إثراء الحرس القديم لنفسه من خلال النظام وقد أراد الشباب بالفعل محاسبتهم في العهد الجديد.

وبينما وصف العديد من المحللين حملة القمع على الشخصيات المؤثرة في عطلة نهاية الأسبوع الماضية على أنها انتزاع جريء للسلطة من قبل الملك وولي العهد، فإنه ذلك لم يكن سوى استمرار لسلسلة من التحركات لإعادة تشكيل نظام الحكم الملكي بشكل دائم وتوطيد السلطة في أيدي فرع واحد من الأسرة.

ومنذ ثلاثينيات القرن العشرين، عملت المملكة على نظام من الضوابط والتوازنات، حيث أعطيت بعض فروع الأسرة مراكز سلطة مستقلة أو إقطاعات، وتم اتخاذ القرارات على أساس توافق الآراء مع الموافقة الدينية الدينية لمجلس الشورى. وعلى مدى العامين الماضيين، اتخذ الملك «سلمان» سلسلة من التحركات لقلب هذه التقاليد: حيث تم العمل على إبعاد نفوذ الهيئة الدينية عن طريق تمرير قوانين مثل السماح للمرأة بالقيادة وتقليل تأثير الشرطة الدينية. كما تم تفكيك مراكز السلطة المستقلة من خلال تعديلات وزارية كبيرة أدت إلى إزالة نفوذ بعض فروع عائلة «سعود» وإعطائها لفرع «سلمان» أو لحلفائه المقربين؛ ومن ذلك عزل الأمير« محمد بن نايف» لصالح «بن سلمان» في يونيو/حزيران والقيام بعمليات قمع ضد رجال الدين والناشطين، مثل الذي حدث في الستة أسابيع الماضية.

وفي الأسبوع الماضي، تم عزل الأمير «متعب بن عبد الله» بناء على اتهامات الفساد وربما كان «متعب» آخر العقبات السياسية. حيث يسيطر الملك ونجله الآن على جميع فروع القوات المسلحة الثلاثة: الجيش، الذي استولى عليه «بن سلمان» عندما عين وزيرا للدفاع في عام 2015، وقوات الأمن الداخلي، التي استولى عليها من «محمد بن نايف» في يونيو 2017، والآن تم الاستيلاء على الحرس الوطني من فرع الملك الراحل «عبد الله».

ملكية مطلقة؟

تم تفكيك نظام الضوابط والتوازنات من قبل الأسرة وممارسة الحكم بتوافق الآراء حيث تم استبدال ذلك بملكية مطلقة مع تركيز السلطة في أيدي الملك «سلمان»، وولي العهد «محمد بن سلمان» وهذا الفرع من الأسرة. وفي حين أن النزول إلى هذا الطراز المطلق يحمل مخاطر الحكم التعسفي، فإنه في السياق السعودي يمكن أيضا أن ينظر إليه على أنه خطوة ضرورية لتفعيل العمل من خلال إصلاح رؤية 2030.

ومع ذلك، فإن هذا التفسير - أي الحاجة إلى توطيد السلطة من أجل تحقيق التغيير - يواجه تحديا من قبل حقيقة وهي أن بعض رجال الأعمال المؤثرين و السياسيين الذين دعموا عملية الإصلاح، مثل الأمير «الوليد»، تم استهدافهم. في الحملة أيضا. كما لم يشكل العديد منهم تهديدا مباشرا لسلطة ولي العهد. بل كان آخرون مثل «عادل فقيه» يعملون مع ولي العهد لتحقيق رؤية 2030.

ومع ذلك، فإن إدراجهم قد يكون مؤشرا على أن ولي العهد يصدر تحذيرا وقائيا للمستقبل، وأنه لا يوجد أحد فوق التدقيق، بغض النظر عن مدى قربه من مركز السلطة. ويمكن أيضا أن تكون ممارسة محتملة للحصول على النفوذ، وزيادة الإيرادات لتجديد خزائن الدولة. وكما ذكرنا قالت الحكومة إن الأصول المتراكمة عن طريق الفساد ستصبح ملكا للدولة.

ولعل التفسير الأكثر ترجيحا هو أن الأفراد الذين اعتقلوا قد تم اختيارهم لأنهم يمثلون الحرس القديم - كل منهم عمره أكثر من 55 عاما - وأن «بن سلمان» يقوم بتلبية الرغبة الشعبوية على مستوى عال من أجل الدخول في حقبة جديدة.

الحرب الباردة مع إيران

سمح استمرار توطيد السلطة للملك ووولي عهده باعتماد سياسة خارجية أكثر حزما وأكثر مرونة. ففي السابق، مع وجود «محمد بن نايف» كولي للعهد ووزير للداخلية كان توافق الآراء لا يزال المعيار لاتخاذ القرار، وكان نهج السياسة الخارجية السعودية محافظا ويعطى الأولوية للتماسك الإقليمي. وبمجرد انتقال الدعم الأمريكي من «بن نايف» إلى «بن سلمان» قام الملك بعزل «بن نايف»، وكان ولي العهد حريصا على تأكيد سلطته على ذلك بسرعة من خلال حصار قطر في الشهر نفسه.

كما ظهر ذلك مرة أخرى في لبنان، فقد استدعي رئيس الوزراء السني «سعد الحريري» المدعوم من السعودية إلى الرياض، ثم طلب منه على ما يبدو الاستقالة وسط قلق المملكة من أنه لم يفعل ما يكفي للحد من صعود حزب الله، وهو جماعة شيعية تدعمها إيران.

وفي الوقت نفسه، فإن الصراع بالوكالة مع إيران في اليمن كلف آلاف الأرواح اليمنية، وأخذ من الميزانية السعودية الكثير. وقد توقفت الجهود المبذولة لإخضاع قطر في تحالف دول مجلس التعاون الخليجي، حيث أن الحصار القطري يؤثر سلبا على جميع الأطراف المعنية، في حين يدفع دولة الخليج الصغيرة إلى الاحتماء بخصوم السعودية.

وبما أن ولي العهد يستفيد من القوة الجديدة لمواصلة سياسته الخارجية الهشة بدعم من الإمارات والولايات المتحدة وبشكل ملحوظ من (إسرائيل)، وهي فكرة كان لا يمكن تصورها منذ وقت ليس ببعيد فهناك خطر حقيقي من زيادة عدم الاستقرار في المنطقة وتصاعدها نحو الحرب المباشرة مع إيران.

ازدياد المخاطر

انقلبت الجهود الرامية إلى تحسين ثقة المستثمرين في الحكومة ارتدادات عكسية عن غير قصد في المدى القريب. وبالإضافة إلى ذلك، فمن المرجح أن مجموعة واسعة من المستثمرين المحتملين الذين كانوا على استعداد للاستثمار في المستقبل سينتظرون ويراقبون التطورات. 

والأهم من ذلك أن الهزة لم تنته بعد. فقد ذكر النائب العام «سعود المعجب» أن هذه فقط المرحلة الأولى من حملة مكافحة الفساد، مع إضافة مئات الأسماء إلى قائمة تجميد الأصول في البنك المركزي بشكل يومي.

وبالنظر إلى عدم اليقين بشأن مصير شركاء الأعمال في المجتمع جديد، قد يتم تعليق صفقات جديدة وقد يمتنع السكان المحليون عن وضع أموال في تداول سوق الأسهم ، والتي شهدت تراجعا في الأيام القليلة الماضية.

وسوف يستمر هروب رأس المال بالتأكيد مع استهداف المزيد من الأسماء في الحملة. وقد أدت المخاوف بشأن عملية الإصلاح السريع إلى خروج الأموال من الشركات السعودية. ورغم ذلك من المتوقع أن يستمر نمو الناتج المحلي الإجمالي في النمو في المستقبل القريب. ومن ناحية أخرى، من المتوقع أن يصل العجز في الميزانية إلى حوالي 8% من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام، أي أكثر بقليل من نصف مستواه في العام الماضي، في حين أن استنزاف الاحتياطي يتباطأ بعد أن خسر ثلث قيمته خلال العامين الماضيين.

ولا يعتقد أن إلقاء القبض على العديد من أقطاب القطاع الخاص سيعمل على تعزيز النمو وخلق فرص العمل في القطاع الخاص تمشيا مع جهود رؤية 2030. وقد وضعت الحكومة حملة خصخصة ونفذت إصلاحات لفتح الاقتصاد لرأس المال الأجنبي، ولكن هذه الخطوة أصبحت تخيفهم في الوقت الحاضر.

كيف سيحدث النمو؟

على المدى القصير، يجب على الملك وولي العهد الآن الاعتماد بشكل أكبر على أسعار النفط. وقد قامت أسعار خام برنت مؤخرا بكسر حاجز 60 دولارا للبرميل ومن المتوقع أن تمدد منظمة أوبك تخفيضات الإنتاج في اجتماع هذا الشهر. وهناك ضرائب جديدة جارية، مثل ضريبة القيمة المضافة التي ستطبق في يناير/كانون الثاني 2018، مع تخفيضات الدعم التي تلوح في الأفق. وق أدت الثقة في إصلاحات المملكة حتى الآن إلى زيادة الاكتتاب في السندات الدولية وفي تصنيفات ائتمانية عالية من الوكالات، مع سد العجز المالي.

ويبدو أنه من المحتمل أن تبلغ قيمة الأموال التي ستصادرها السعودية من المتهمين بالفساد ستكون ضخمة جدا. وقد تتطلع الحكومة إلى إبرام صفقات مع بعض المتهمين والجهات الراغبة الآن في لعب دور في تنمية القطاع الخاص مقابل التخلي عن تهمهم، إلى جانب «غرامات» أو استعادة بعض الأموال.

قيود المحافظين

ويعد السخط من الطبقة الدينية وفروع العائلة المالكة هو مصدر عدم الاستقرار المحتمل، حيث قد يتجمعون معا في مواجهة النظام الجديد، ومع ذلك، وبالنظر إلى السلطة المطلقة للملك وولي العهد اليوم ورغبة الأسرة السعودية في الاستقرار، يبدو أن هذا الخطر هو خطر صغير.

وأشادت الطبقة الدينية المحافظة بالحملة ضد نخبة رجال الأعمال، وهو الأمر الذي يوحي بأنهم يدركون أن لديهم الكثير ليخسروه إذا ما حاولوا تحدي النظام الجديد.

وقد يشعر بعض أفراد العائلة الملكية بأنه ليس لديهم الكثير ليخسرونه، نظرا لدورهم المتدهور في نظام الحكم، سواء من خلال الإقطاعيات أو من خلال هيئة البيعة. ومع ذلك، فإنهم لا يزالون يعتمدون على الثروة المتراكمة من خلال نظام رواتب الدولة التي تغطي الآلاف من أفراد العائلة المالكة، والتي كانت تدفع من تدفق إيرادات أرامكو السعودية.

ولذلك، ونتيجة للنتائج غير المباشرة، قد يكون لدى الملك وولي العهد حافزا على عدم الاكتتاب العام لشركة أرامكو السعودية على الصعيد الدولي، وبدلا من ذلك، قد يختار الاكتتاب العام الجزئي في البورصة المحلية، مع تقديم الاكتتاب الخاص للصينيين. ويبدو أن الإشارة الأخيرة للرئيس «ترامب» تؤكد أن الاكتتاب الدولي ليس وشيكا، فقد أعرب عن حزنه بسبب حقيقة أن العقبات التنظيمية القائمة في نيويورك قد تكون أكثر من اللازم في الوقت الراهن، بعد أن أعلن دعمه للملك في مكالمة هاتفية.

مكاسب على المدى الطويل

على المدى القصير، سيحدث تغيير في مشاعر المستثمرين التي ارتفعت في الأسبوع السابق وسيتم تأجيل العديد من الأعمال المحتملة. إن كيفية تعامل النظام القانوني مع المعتقلين سيكون مؤشرا رئيسيا على ما إذا كانت المملكة تعتزم تشجيع الشفافية وتعزيز سيادة القانون التي ستكون شروطا مسبقة لتعزيز الثقة لدى المستثمرين في الطريق.

على المدى المتوسط والطويل، إذا كانت الأمور ستهدأ فإن ذلك سيثبت أن «محمد بن سلمان» قادر فعليا على إثبات الاستقرار في نظام الحكم الجديد مع إبقاء المجتمع راضيا اقتصاديا، وهادئا، وكذلك على الحد من تأثير إيران الإقليمي .

وعلى الرغم من معالجة العديد من الملفات على الجبهات المحلية والأجنبية في وقت واحد، فإن الملك وولي العهد يجدان أنفسهما مشجعين بكل من الدعم الشعبي وبقدر من السلطة لا مثيل له للسلطة. وعندما ننظر إلى الوراء حيث تراث ميكيافيللي في كتابه «الأمير» فإن التدابير التي وقعت في نهاية هذا الأسبوع يمكن أن تكون هي الطريق إلى مجتمع جديد مستقر.

اجمالي القراءات 169
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق