على العرب الاعتذار لأمريكا!

د. شاكر النابلسي في الإثنين 23 فبراير 2009


-1-
جاء في الصحافة "الطالبانية"، أن نيافة الأسقف ديزموند توتو، كبير أساقفة جنوب أفريقيا، حثَّ الرئيس الأمريكي باراك أوباما، على تقديم اعتذار عن غزو بلاده للعراق، نيابة عن الشعب الأمريكي.
نكتة ظريفة، استغلتها الصحافة "الطالبانية"، وراحت تنسج حولها التعليقات "الطالبانية" القروسطية.
فمن يجب أن يعتذر للآخر، إذا كنا الآن في وارد الاعتذار؟
هل على أمريكا أن تعتذر للعراقيين، عما حصل في العراق، خلال السنوات الخمس الماضية؟


أم يجب على العرب وا&aa;لعجم، من جيران العراق الاعتذار لأمريكا، عما لحقها في العراق من خسائر، وتضحيات، بسبب عصبيتهم وخوفهم، من أن يطالهم ما طال العهد الدكتاتوري؟


-2-
أمريكا غزت العراق، بناءً على طلب المعارضة العراقية، التي كانت في الخارج. وكانت هناك شكوك بوجود أسلحة دمار شامل، فغزت أمريكا العراق، ووجدتْ هذه الأسلحة المدمرة الهائلة في العراق، ولكنها لم تكن الأسلحة التي كانت تبحث عنها.
وجدتْ أمريكا أسلحة دمار شامل من نوع آخر، بل هي أخطر من أسلحة الدمار الشامل الكيماوية، التي كانت تشكُّ بوجودها في العراق.
وجدتْ العراق من شرقه لغربه، ومن شماله لجنوبه، محكوماً ببسطار ديكتاتور واحد.
ووجدتْ العراقيين، صُماً بُكماً عُمياً. فهم لا يسمعون، ولا يتكلمون، ولا يقشعون. فقد وضع الدكتاتور في آذناهم وقراً، وفي ألسنتهم قفولاً حديدية، وعلى أبصارهم غشاوة، وفقأ أعينهم.
ووجدتْ أمريكا في العراق، شعباً عريقاً، له تاريخ مجيد ممتد، اختُصر في كبرياء، وشراسة، وغرور ديكتاتور.
ووجدتْ أمريكا في العراق، بلداً لا تحكمه الشرعية والقانون والعدالة، ولكن يحكمه الخوف والموت والسجن والهروب خارج العراق.
ووجدتْ أمريكا أن هذا العراق، الغني بفضّته البيضاء (مياه دجله والفرات)، وذهبه الأسود، مُلكٌ لأسرة الدكتاتور، تتصرف به كما يشاء، وتصرفه كما يشاء. وكلنا يذكر كيف أن أحد أبناء صدام (قُصي)، سحب يوم غزو العراق مليار دولار (كاش)، من البنك المركزي. فقد كان البنك المركزي خزينة والده، وبيده مفتاحها.


-3-
هكذا وجدت أمريكا العراق، وفيه هذه الأكوام الهائلة من الأسلحة التدميرية الدكتاتورية الشاملة، التي هي أفتك بالعراقيين من كثير من الأسلحة التدميرية الكيماوية الشاملة.
فالبُراء من سلاح التدمير الشامل الكيماوي، أسرع بكثير من البُراء من سلاح التدمير الشامل الدكتاتوري.
فقد برُأ الأكراد العراقيون في الشمال من سلاح التدمير الكيماوي. ولكن لم يبرأ الشعب العراقي من سلاح التدمير الشامل الدكتاتوري، إلا بعد حملة "حرية العراق" 2003، وبعد تضحيات كبيرة، غير مسبوقة في التاريخ العربي الحديث.


-4-
ورغم هذا كله، على أمريكا أن تعتذر للشعب العراقي!
عليها أن تعتذر للشعب العراقي، لأنها لم تقضِ نهائياً على فلول زعماء البعث، المختبئين في بعض دول الجوار.
عليها أن تعتذر للشعب العراقي، لأنها لم تنهِ مهمتها العسكرية، في خلال سنتين أو ثلاثة على الأكثر، بدلاً من خمس سنوات طوال.
وعليها أن تعتذر للشعب العراقي، لأنها وجدت أن طبقة المعارضة السياسية العراقية التي وثقت بها، وقررت "الحملة" بناء على إلحاحها، لم تكن على المستوى المطلوب من الثقة، ونظافة اليد، وحب الوطن.
وعليها أخيراً، أن تعتذر للشعب العراقي، لأنها لم تبدأ بإسقاط بعض الأنظمة العربية والأعجمية الدكتاتورية المجاورة للعراق، قبل إسقاط النظام العراقي الدكتاتوري. ولو فعلت ذلك، لما اجتاحت العراق الموجات الإرهابية القادمة من دول تلك الأنظمة.


-5-
ولكن على العرب والعجم أجمعين، إن كانوا أصحاب ضمير وخُلق سياسي قويم، أن يعتذروا للعراق اعتذاراً شديداً.
وعلى هؤلاء، أن يعتذروا للشعب العراقي، لأنهم كانوا سبباً رئيسياً في مقتل مئات الآلاف من العراقيين الأبرياء، بسبب تدفق الإرهابيين على العراق من كل فجٍ عربي وأعجمي عميق.
على العرب والعجم من جيران العراق، الاعتذار للعراقيين لما سببوه بواسطة أعوانهم، وأشرارهم، ومخابراتهم، وإرهابييهم، من تدمير البنية التحتية للعراق، وقتل النساء، والأطفال، والطلبة، والمعلمين، ورجال الأمن، وخطف المواطنين، وتفجير قاعات الأفراح، وطوابير الشباب المتقدم للخدمة في الشرطة العراقية.


-6-
وعلى العرب والعجم كذلك، أن يعتذروا لأمريكا.
عليهم أن يعتذروا لأمريكا، لأنهم كانوا سبباً في قتل أكثر من ثلاثة آلاف جندي أمريكي، جاءوا لتحرير العراق من أعتى أنظمة الحكم في التاريخ العربي القديم والحديث.
كما عليهم أن يعتذروا لأمريكا، لأنهم كانوا سبباً في خسارتها لأكثر من 400 مليار دولار، في حملتها على العراق. وكان يمكن للحملة على العراق أن تنتهي في أقل من عام، وفي أقل الخسائر في البشر والحجر والمال، لو ترك العرب والعجم من جيران العراق العراقيين لشأنهم، ولم يتدخلوا في شؤونهم الداخلية، ولم يرسلوا لهم أرتالاً من الإرهابيين، الذين قتلوا من كافة الطوائف والمذاهب، ما لم يُقتل من العراقيين، لو أن العراق اشترك في الحرب العالمية الثانية اشتراكاً فعلياً.


-7-
نيافة الأسقف ديزموند توتو، كبير أساقفة جنوب أفريقيا:
كيف تدعو أمريكا للاعتذار للعراقيين، وأنتَ في رسالتك تطالب أمريكا في الوقت ذاته، بأن تتخذ أمريكا موقفاً صارماً تجاه الدكتاتوريات الأفريقية، وخاصة ديكتاتورية القذافي، القابضة على رقبة الشعب الليبي، طيلة أربعين عاماً؟
لتعلم، يا نيافة الأسقف، أن دكتاتورية صدام، ودكتاتورية القذافي، وكل الدكتاتوريات العاتية في العالم الثالث، لا بُدَّ من لها من عملية جراحية عسكرية، كالتي تمَّت في العراق.
فهل من واجب الطبيب الجراح، أن يعتذر لمريضه عن كمية الدم المُسالة من جسمه، أثناء العملية الجراحية؟
أم أن على المريض أن يشكر الطبيب، ويعتذر له، عمَّا سببه له من تعب، وجهد، وخسارة مادية، طيلة وقوفه خمس سنوات في غرفة العمليات، لاستئصال الدُمَّل الدكتاتوري المتضخِّم، والمتقيِّح الذي كان بجسمه؟
السلام عليكم.

اجمالي القراءات 5622

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (6)
1   تعليق بواسطة   مهندس نورالدين محمد     في   الإثنين 23 فبراير 2009
[34774]

وعلى العرب أيضا

1-وعلى العرب والعجم أن يعتذروا من أمريكا على ماتقدمه من آخرماتوصل له العلم من أسلحة الى اسرائيل


2-وعلى العرب والعجم أن يعتذروا لاْمريكا عن دعمها لصدام لسنوات طويلة وتشجيعه   لغزوالكويت


3-وعلى العرب .< الأعراب> الاعتذار من أمريكا عن50مليار دولاردفعوها للقتال معها


أو عنها في أفغانستان ضد < الكفرة السوفييت> الذين حاولوا نقل الأفغان من البربرية الى الحضارة.


4-وعلى العرب والعجم الاعتذا ر   لامريكا عن دعمها لعشرات السنين للأنظمة الطاغية الفاسدة  المتوحشة .!!


2   تعليق بواسطة   فتحي مرزوق     في   الثلاثاء 24 فبراير 2009
[34796]

الغزو الأمريكي للعراق

الغزو الأمريكي للعراق جاء قرارا أعتباطيا من رئيس أعتباطي ، هي لحظة غير عاقلة من الرئيس الأمريكي أتخذ فيه قرار غير عاقل بالنسبة لشعبه ومصالحه ، ولكنه التقدير الإلهي الذي لابد منه للخلاص من طاغية أعطى لشعبه كل أنواع القتل من كيماوي وسحل ومقابر جماعية للأحياء ، ولم يبخل عليهم في ذلك ، لم يكن يجرؤ أحدا داخل العراق بل وخارجه على انتقاد صدام في أقل الأمور أهمية فكيف لهم أن يسقطوه من على كرسية . وربما يأتي اليوم الذي يتم فيه الكشف عن الأسباب الحقيقية لهذه الحرب فإني أعتقد أن السبب الحقيقي هو دول الخليج التي كانت لا تنام الليل بسبب وجود صدام حسين ، وكلنا يعرف العلاقات القوية بين آل بوش من ناحية وبين ملوك ومشايخ النفط الخليجيين من جهة أخرى ، هى علاقات لا نعرف مداها .


3   تعليق بواسطة   علي صاقصلي     في   الثلاثاء 24 فبراير 2009
[34803]

رب عذر اقبح من ذنب

استاذ شاكر امازلت مقتنع بان امريكا احتلت العراق رافة بالشعب العراقي؟ امريكا لا يهمها لا عراقيين ولا عرب ولا مسلمين ولا حتى اسرائيل. هي في حاجة ماسة للبترول بكميات مهولة وببلاش. اذ ان بترول العالم لم يعد يكفيها ولم تعد قادرة على تسديد ثمنه. واقوى تجارة في العالم هي ان تاخذ البترول ببلاش وتلعب بسعره كما تشاء. فقد ارتفع السعر الى 140 دولار ولما امتصت حاجاتها من الدول المتخلفة التي طمعت في هذا السعر قالت لهم عند تسديد الفاتورة ارجع غدا اذ هناك ازمة عالمية ولا تستطيع امريكا ان تدفع ما عليها . واخيرا اسال حضرتك لماذا لم تحتل او حتى تهدد امريكا كوريا الشمالية التي فيها من اقدم الدكتاتورات ؟ مع العلم انني لا الوم امريكا فهي تخدم مصالحها ولكن الوم من يتخذها كملائكة على وجه الارض كما لا انكر اننا السبب في تاخرنا وفي نفس الوقت يجب ان نعلم ان امريكا تستغلنا وتستغل حماقاتنا لمصلحتها.


4   تعليق بواسطة   عوني سماقيه     في   الثلاثاء 24 فبراير 2009
[34828]

2

1


5   تعليق بواسطة   نورا الحسيني     في   الثلاثاء 24 فبراير 2009
[34830]

بيدي لا بيد عمرو .

على الشعوب العربية إذا أرادت الإصلاح ، وعدم تدخل أمريكا وغيرها أن تصلح من أحوالها الداخلية قبل الخاجية،على سبيل المثال إعطاء قسط من الحرية والديمقراطية لشعوبها، والسماح بتعدد الأحزاب، ورفع مستوى المعيشة .. .. إلخ ، لكي يتمكنوا من العيش كآدميين.


6   تعليق بواسطة   جهاد السالم     في   الثلاثاء 24 فبراير 2009
[34844]

السلام عليكم

رغم الاعلام المركز  الذي يزيد عن 2000 في ال 100 من توجيه ضد صدام ومبادى صدام ولكنه يظل علم شامخ. يكفيها فخرا الجامعات والعلماء والانظمه الصحيه وهزيمة ايران الحاقده على العرب ونفطه.  امريكا تستخف بعقلية المواطن الامريكي من قلب الحقائق ولعبة الاحزاب الامريكيه الكوميديه.فقد جعلت السياسه في نظر الامريكي مجرد حزبين لا اكثير ولا اقل وتركت قتل الشعوب الخارجيه قضيه لا دخل للامريكي فيها بتاتا. وتعترف امريكا بانها دوله امبرياليه احتلاليه في كتب التاريخ التى تدرس في جامعتها ولكن , هناك الكثير ممن يحب كلام محطات التلفاز المظلل للحقيقه. على سبيل المثال , بامكان امريكا  بكل قواها الاعلاميه ان تجعل من هذا الموقع التنويري الى موقع ارهابي بمجرد خبر في محطة تلفاز وسوف يصدقها الكثير ومنهم من في موقعنا ايضا !!!   امريكا قتلت الملاين ولا توجد حجه لها امام التاريخ الا انها جريمه حمقاء سيدفع ثمنها الشعب الامريكي على المدى البعيد بنومه عن الحقائق الخارجيه.


أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2007-01-16
مقالات منشورة : 334
اجمالي القراءات : 1,293,284
تعليقات له : 0
تعليقات عليه : 362
بلد الميلاد : الاردن
بلد الاقامة : الولايات المتحدة