الدرهم الأيوبي

أحمد صبحى منصور   في السبت 12 سبتمبر 2009


 

الدرهم الأيوبي
 
    اشتهر العصر الفاطمي في بدايته بالعملة الذهبية ، ولكن تدهور الدولة الفاطمية انعكس علي رصيدها من الذهب ، واستمر هذا النقص في الرصيد الذهبي طيلة العصر الأيوبي الذي اشتهر بسيطرة الدرهم الفضة بديلا عن الدينار الذهب .
 
     وهناك عدة أسباب توضح ذلك النقص في النقود الذهبية منذ أواخر العصر الفاطمي حتي الدولة الأيوبية ، إذ انخفض استغلال الذهب في مناجم الصحراء الشرقية بمصر وتركت الدولة الإشراف على المشرفين على المناجم يفعلون بها ما يشاءون ، وفي نفس الوقت توقفت الجهود في البحث عن الكنوز الفرعونية ، وهبطت الصادرات المصرية خصوصا الأقمشة ، ثم قام الصليبيون بنهب مدينة تنيس مركز صناعة النسيج عدة مرات ، والعمليات الحربية التي قام بها الفاطميون ضد الصليبيين استنزفت هي الأخرى جانبا كبيرا من احتياطي الذهب ، كما أن الصليبيين بدورهم حاربوا المسلمين حربا اقتصادية إذ قاموا بتهريب الذهب من الشرق إلي المدن التجارية الإيطالية والأسبانية فقلت كميات الذهب المعروضة في الأسواق العربية .
 
     وجاءت الدولة الأيوبية فاكتنز السلاطين ما بقي من الرصيد الذهبي وأصبحوا يدفعون مرتبات الجند وغيرهم بالدراهم الفضية التي سيطرت علي الحياة الاقتصادية في العصر الأيوبي .
 
    ومع ذلك فلم تكن الدراهم الأيوبية عالية القيمة فرغم أن القيمة الاسمية للدرهم هي 1/16 من الدينار إلا أن الدراهم التي أمر بضربها صلاح الدين الأيوبي كانت رديئة تصل نسبة النحاس فيها للنصف ، حتي لقبها الناس في مصر بالزيوف أي الدراهم الزائفة .
وقد اضطر الملك الكامل الأيوبي إلي إبطال التعامل بهذه الدراهم سنة 622 هـ وضرب دراهم جديدة جعل نسبة النحاس فيها الثلث فقط ، وأصدر الملك الكامل أوامره للناس بالذهاب إلي الصيارفة لاستبدال الدراهم القديمة بتلك الدراهم الجديدة الكاملية علي حساب كل رطل من الدراهم القديمة ( الناصرية نسبة للناصر صلاح الدين ) بما يساوي 5ر2 من الدراهم الكاملية الجديدة .
     وقد اكتسحت الدراهم الكاملية الجديدة الدنانير الذهبية أو ما تبقي منها ، واستمر التعامل بها في مصر والشام طيلة العصر الأيوبي ، إلي أن أدركت تلك الدراهم الكاملية العصر المملوكي وشهدها المقريزي في القرن التاسع الهجري .
     وفي سنة 630هـ حدثت أزمة اقتصادية في عهد الملك الكامل الأيوبي فازدادت كمية الفلوس النحاسية حتي أصبحت النقود المتداولة مقصورة علي كميات ضئيلة من الدراهم الفضية الأيوبية وكميات ضخمة من العملة النحاسية ، ومنذ ذلك التاريخ بدأ ظهور العملة النحاسية واستمر التعامل بها وأصبح اسمها ( الدراهم الفلوس) تمييزا لها عن الدراهم العادية المصنوعة من الفضة المخلوطة بنسبة من النحاس .
     وقد انتهزت المدن التجارية الإيطالية تلك الفرصة للثراء السريع. إذ نشطت البندقية وفلورنسا في جمع الفضة من الأسواق المصرية وتهريبها إلي إيطاليا حيث يتم سكها دراهم يعيدون تصديرها إلي الشرق لتحظي بالقبول ، ومن هنا بدأ انتشار الدراهم البندقية ثم الفلورنسية،وأدي ذلك إلي اختفاء نسبي للفضة من البلاد المصرية .
     وفي عهد الملك الكامل الأيوبي كان في مصر نوعان رئيسيان من النقود ، وهي الدراهم الفضية " النقرة" والدراهم " الفلوس " النحاسية ، وكان السعر الرسمي للدرهم الفضي النقرة هو ستة دراهم من الفلوس النحاسية ، وكان من يخالف ذلك يتعرض للعقوبة .
     وفي أواخر العصر الأيوبي هجم الصليبيون بزعامة لويس التاسع علي دمياط ، واستطاع مماليك السلطان الصالح أيوب هزيمتهم وأسر لويس التاسع في دار ابن لقمان بالمنصورة.
 ودارت المحادثات لإطلاق سراح الملك الفرنسي الأسير ، وتقرر أن يدفع فدية قدرها أربعمائة ألف دينار ..
ولا شك أن ذلك المبلغ الذهبي الضخم كان جائزة مالية مهمة للدولة المملوكية الوليدة استطاعت به أن تدعم بها رصيدها الذهبي وتخرج مؤقتا من أسر الدراهم الفضية والنحاسية الأيوبية .                
اجمالي القراءات 9888
التعليقات (2)
1   تعليق بواسطة   لطفية سعيد     في   الثلاثاء 06 اكتوبر 2009
[42703]

النقود التي تكون أثمانا للمبيعات وقيما للأعمال هي في رأي المقريزي :

جاء في كتاب "شذور العقود في ذكر النقود"


النقود هي الذهب والفضة فقط : يقول تقي الدين أحمد بن علي المقريزي، مؤرخ الديار المصرية، في كتابه شذور العقود في ذكر النقود:


إن النقود التي تكون أثماناً للمبيعات وقيماً للأعمال إنما هي الذهب والفضة فقط ولا يعلم في خبر صحيح ولا سقيم عن أمة من الأمم ولا طائفة من طوائف البشر، أنهم اتخذوا أبداً في قديم الزمان ولا حديثه نقداً غيرهما ، إلا أنه لما كانت في المبيعات محقرات تقل عن أن تباع بدرهم أو بجزء منه احتاج الناس من أجل هذا في القديم والحديث من الزمان إلى شيء سوى الذهب والفضة يكون بإزاء تلك المحقرات، ولم يسم أبداً ذلك الشيء الذي جعل للمحقرات نقداً البتة فيما عرف من أخبار الخليقة، ولا أقيم قط بمنزلة أحد النقدين، واختلفت مذاهب البشر وآراؤهم فيما يجعلونه بازاء تلك المحقرات ، ولم تزل بمصر والشام وعراقي العرب و العجم و فارس الروم في أول الدهر وآخره ملوك هذه الأقاليم لعظمهم وشدة بأسهم ولعزة شأوهم وخنزانة سلطانهم يجعلون بازاء هذه المحقرات نحاساً يضربون منه اليسير قطعاً صغاراً تسمى فلوساً لشراء ذلك ، ولا يكاد يؤخذ منها إلا اليسير، ومع ذلك فإنها لم تقم أبداً في شيء من هذه الأقاليم بمنزلة أحد النقدين.


2   تعليق بواسطة   لطفية سعيد     في   الثلاثاء 06 اكتوبر 2009
[42704]

اهتمام المقريزي بالمشكلات الإقتصادية في كتابه إغاثة الأمة بكشف الغمة

اهتم تقي الدين المقريزي بالمشكلات الاقتصادية وقدم لنا أفكاراً عن بعض الظواهر النقدية، ودرس في كتابه(إغاثة الأمة بكشف الغمة) ظاهرة المجاعة، أو ما يمكن التعبير عنها بالأزمة في المجتمع الرأسمالي (فقد شخص النقص في إنتاج قيم الاستعمال من المنتجات والسلع وارتفاع أثمانها، وبين أثر العامل النقدي فيما يتعلق بكمية النقود في النشاط الاقتصادي من خلال أثرها في المستوى العام للأثمان، كما لاحظ افتقاد النقود المعدنية النفيسة (الذهبية والفضية) تاركة المجال للنقود النحاسية في التداول خلال فترة المجاعة، وذلك لأن ارتفاع الأثمان قد خفض من القيمة الشرائية للنقود، وبما أن الذهب والفضة، كمعدنين نفيسين ، قد ارتفع ثمنهما بالمقارنة مع سعر الصرف المقرر رسمياً لهذه النقود المعدنية، مما جعل استخدامهما في صناعة الحلي والأواني وغيرها أكثر مردوداً، وهكذا تطرد العملة الرديئة العملة الجيدة، وبهذا نجد في فكر المقريزي كما لاحظ د. دويدار جوهر ، ما يسمى قانون كريشام (1519م-1579م) Gresham's law الذي جاء من بعده بنحو مائة عام.


أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
باب دراسات تاريخية
بقدمها و يعلق عليها :د. أحمد صبحى منصور

( المنتظم فى تاريخ الأمم والملوك ) من أهم ما كتب المؤرخ الفقيه المحدث الحنبلى أبو الفرج عبد الرحمن ( ابن الجوزى ) المتوفى سنة 597 . وقد كتبه على مثال تاريخ الطبرى فى التأريخ لكل عام وباستعمال العنعنات بطريقة أهل الحديث ،أى روى فلان عن فلان. إلا إن ابن الجوزى كان يبدأ بأحداث العام ثم يختم الاحداث بالترجمة او التاريخ لمن مات فى نفس العام.
وننقل من تاريخ المنتظم بعض النوادر ونضع لكل منها عنوانا وتعليقا:
more