7- عاشق ولهان

احمد صبحي منصور   في الخميس 14 ديسمبر 2006


أحداث سنة 73

أخبرنا ابن ناصر الحافظ قال‏:‏ أخبرنا المبارك بن عبد الجبار قال‏:‏ أخبرنا أبو القاسم علي بن الحسن التنوخي قال‏:‏ حدثنا محمد بن عبد الرحيم المازني قال‏:‏ حدثنا أبو علي الحسين بن القاسم الكوكبي قال‏:‏ حدثنا أبو العباس الكديمي قال‏:‏ أخبرنا السلمي عن محمد بن نافع مولاهم عن أبي ريحانة أحد حجاب عبد الملك بن مروان قال‏:‏

كان عبد الملك ( يعنى الخليفة عبد الملك بن مروان ـ وهو الذى أعاد إقامة الدولة الموية وأكّد سلطانها ) يجلس في كل أسبوع يومين جلوسًا عامًا ( أى للنظر فى شكاوى الناس ) فبينا هو جالس في مستشرف له ( يعنى بلكونة ) وقد أدخلت عليه القصص ( أى الشكاوى ) إذ وقعت في يده قصة غير مترجمة ( يعنى  شكوى لم يكتب صاحبها اسمه فيها )فيها‏:‏ إن رأى أمير المؤمنين أن يأمرجاريته تغنينى  ثلاثة أصوات ( يعنى ثلاثة ألحان ) ثم ينفذ فىّ ما يشاء من حكمه,  فاستشاط ( عبد الملك ) من ذلك غضبًا وقال‏:‏ يا رباح ( صاحب الشرطة ) عليّ  بصاحب هذه القصة.  فخرج الناس جميعًا وأدخل عليه غلام كما أعذر ( يعنى حديث العمر ـ مراهق ) كأهنأ الصبيان وأحسنهم ، فقال له عبد الملك‏:‏ يا غلام هذه قصتك ؟ قال‏:‏ نعم يا أمير المؤمنين . قال‏:‏ وما الذي غرك مني ؟ ( أى جعلك جريئا على سلطانى ) والله لأمثلن بك ( أى لأجعلنك أمثولة يرتدع بها الاخرون ) ولأردعن بك نظرائك من أهل الجسارة، عليّ بالجارية.  فجيء بجارية كأنها فلقة قمر وبيدها عود.  فطرح ( أى وضعوا  ) لها كرسي وجلست، فقال عبد الملك‏:‏ مرها يا غلام ، فقال‏:‏ غني لي يا جارية بشعر قيس بن ذريح‏:‏

لقد كنت حسب النفس لو دام أو دنا          ولكنما الدنيا متاع غرور

وكنا جميعًا قبل أن يظهر الهوى            بأنعم حالي غبطة وسرور

فما برح الواشون حتى بدت لنا             بطون الهوى مقلوبة بظهور

فغنته وأجادت ،  فخرج الغلام من جميع ما كان عليه من الثياب تخريقًا ( أآ قام بتقطيع ثيابه من شدة النشوة ) ، ثم قال له عبد الملك‏:‏ مرها تغنيك الصوت الثاني ، فقال‏:‏ غني بشعر جميل‏ ( وهو جميل بن معمر بن الحارث بن ظبيان ، الذى اشتهر بحب بثينة ، وقد كان شاعرا وهب شعره فى حب بثينة ، ومات سنة 65 ):‏

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة                  بوادي القرى إني إذًا لسعيد

إذا قلت ما بي يا بثينة قاتلي                   من الحب قالت ثابت ويزيد

وإن قلت ردي بعض عقلي أعش به         مع الناس قالت ذاك منك بعيد

فلا أنا مردود بما جئت طالبًا                ولا حبها فيما     يبيد      يبيد

يموت الهوى منى إذا ما  لقيتها            ويحيا إذا فارقتها         فيعود

فغنته الجارية وسقط مغشيًا عليه ساعة ثم أفاق ،  فقال له عبد الملك‏:‏ مرها فلتغنك الصوت الثالث‏.‏

فقال‏:‏ يا جارية غني بشعر قيس بن الملوح‏:‏

وفي الجيرة الغادين من بطن وجزة              غزال غضيض المقلتين ربيب

فلا تحسبي أن الغريب الذب نأى                  ولكن من تنأين عنه غريب

فغنته الجارية فطرح ( أى ألقى ) الغلام نفسه من المستشرف فلم يصل إلى الأرض حتى تقطع‏.‏

فقال عبد الملك‏:‏ ويحه لقد عجل على نفسه ولقد كان تقديري فيه غير الذي فعل.  وأمر فأخرجت الجارية من قصره . ثم سأل عن الغلام فقالوا‏:‏ غريب لا يعرف إلا أنه منذ ثلاث ينادي في السوق ويده على رأسه‏:‏

غدًا يكثر الباكون منا ومنكم     وتزداد داري من دياركم بعدا

   

التعليق

هذه القصة الرائعة فى رومانسيتها لا أعتقد فى حدوثها تاريخيا. لقد كان ابن الجوزى من كبار الوعاظ ومن كبار القصّاصين الذين يخترعون الحكايات. ومفردات هذه القصة من الطرب المجنون أو (الوجد ) والموت عند سماع الأغانى  و تقطيع الثياب عند الغناء لم يكن معروفا فى العصر الأموى ، ولكنه انتشر فى القصص اللاحقة فى كتب الصوفية وخصوصا احياء علوم الدين للغزالى.  وأصبح تقطيع الثياب بحجة الطرب الشديد ـ أى الوجد الصوفى ـ عادة فى أواخر العصر العباسى منذ حياة ابن الجوزى فى القرن السادس الهجرى الى أن استشرت فى العصر المملوكى فى القرن السابع وما بعده. ابن الجوزى فى كتابه ( تلبيس ابليس ) عاب على الصوفية فى عهده اختراعهم لتقطيع الثياب عند سماعهم للأغانى, أى لم يكن ذلك معروفا من قبل.

المهم أنه اخترع اسنادا لهذه الحكاية الخيالية ، أى قال : حدثنى فلان عن فلان عن فلان.. وأتى بهذه القصة الخيالية التى لم يذكرها المؤرخون السابقون لابن الجوزى. لم يذكرها ابن سعد فى الطبقات الكبرى ولا  الطبرى مما يدل على أنه اخترعها ونسبها كذبا لرواة موتى ماتوا دون ان يعرفوا ما اسنده اليهم ابن الجوزى فيما بعد . وكما كان ابن الجوزى يكذب فى الأحاديث فهو يكذب فى التاريخ. وكله عند العرب صابون!!

 

اجمالي القراءات 7934
التعليقات (4)
1   تعليق بواسطة   عبداللطيف سعيد     في   السبت 16 ديسمبر 2006
[996]

تذكرة المرور

إذا كنت تريد ان تصدق فى ما تقول عن السابقين فعليك بالعنعنةفهى الوصفة السحرية وهى الطريقة المضمونة ..
والطريقة سهلة جدا وسينخدع فيها المعاصرون لك ومن سيأتى بعدك سيكون أكثر انخداعا
ما عليك إلا أن تذكر سلسلة من الرواة الموتى وتختار طبعا من هم بعيدين عن التجريح بقدر الامكان ..
بهذه الطريقة الفريدة والى ليس لها مثيل تم إضافة الاحاديث إلى رسول الله وهو منها برئ وأضاعوا على المسلمين التدبر فى آيات الله ..
وأصبحت هذه الروايات حاجزا منيعا يسد الطريق عن العودة إلى كتاب الله ..
طيب هناك تساؤل مهم هم قالوا عن ان الرسول لم يأمر بتدوين الاحاديث فى عهده لكى لا تختلط بالقرآن ..
فهل هذا المنع يسرى ايضا على مثل هذه القصص حتى لا تختلط بالقرآن أيضا، فتم منع تدوينها ولكنها حفظت عن طريق العنعنة.. أفيقوا يا مسلمين ليس لكم إلا كتاب الله وما ترك رسول الله غير القرآن الكريم
أيها المسلمون المعاصرون لا تنخدعوا فى هذه الروايات فهى مزيفة ويلحقها الشك والزيف بمقياس أصحابها أنفسهم ..
إنا مساواتها بالقرآن أو وضعها حتى فى الدرجة الثانية أو وضعها أصلا فى مقارنة مع القرآن يعد ظلما لله ورسوله الذى لم يبلغنا إلا القرآن رسالة ربه
وهذه رسالة موقع أهل القرآن..هى العودة إلى القرآن
أفيقوا من غفلتكم يرحمكم الله..

2   تعليق بواسطة   نجلاء محمد     في   السبت 16 ديسمبر 2006
[1010]

ذاكرة حديدية

يا أستاذ عبد اللطيف متغلطشى فى هؤلاء الذين يقدسهم معظم الناس سوف تكون بذلك عند الغالبية العظمى قد ارتكبت ذنب عظيم لأنهم يعدونهم من أولياء الله الصالحين وما عداهم لايمكن أن يرتقوا إلى هذه المكانة إلا بالدروشة وتقطيع الملابس في بعض الأحيان
ولكن لا نجد في هذا المقام إلا أن نقول لابن الجوزى سوف يجازيك الله بما تستحقه على هذه الأحايث والروايات التى لا فائدة منها غير أنها كذب على الرسول الكريم علية السلام.

3   تعليق بواسطة   AMAL ( HOPE )     في   الثلاثاء 19 ديسمبر 2006
[1054]

poetry

Dear Dr. Ahmad Mansour
I like the poetry
thank u
Amal

4   تعليق بواسطة   محمد شعلان     في   السبت 23 ديسمبر 2006
[1162]

ابن الجوزى لايجوز عليه الرحمة

لاتجوز الرحمة على ابن الجوزي لأنه لم يرحم عقول البسطاء والعامة من العنعنات وعمل عسيل مخ هم حتى أصبحوا بدون مخ "عقل" يتعقل الأمور ويستطيع الحكم المنطقي على مثل هذه العنعنات فليجازيه اللله بقدر ما فعله بعقول العامة المستضعفين .

أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
باب دراسات تاريخية
بقدمها و يعلق عليها :د. أحمد صبحى منصور

( المنتظم فى تاريخ الأمم والملوك ) من أهم ما كتب المؤرخ الفقيه المحدث الحنبلى أبو الفرج عبد الرحمن ( ابن الجوزى ) المتوفى سنة 597 . وقد كتبه على مثال تاريخ الطبرى فى التأريخ لكل عام وباستعمال العنعنات بطريقة أهل الحديث ،أى روى فلان عن فلان. إلا إن ابن الجوزى كان يبدأ بأحداث العام ثم يختم الاحداث بالترجمة او التاريخ لمن مات فى نفس العام.
وننقل من تاريخ المنتظم بعض النوادر ونضع لكل منها عنوانا وتعليقا:
more