رقم ( 3 )
الفصل الثانى : النصيحة مع الأمل

 

الفصل الثانى : النصيحة مع الأمل

 

بلاغ الى ضمير الرئيس عبد الفتاح السيسى ( 1 من 2 )

 

الإرادة السياسية اساس فى التخلص من شيوخ داعش فى الأزهر   

مقالات متعلقة :

 

  الأربعاء 13 اغسطس 2014

المقال السابق ( برنامج تليفزيزنى لمواجهة شيوخ داعش .. لوجه الله تعالى ) أثار تعليقات وصل بعضها على أيميلى الخاص . وسأعلق عليها فى عدة مقالات . إثنان منها عن الارادة السياسية ،  وهى أساس فى (الاصلاح )، وأساس أيضا فى ( الإفساد ). وأبدأ بهذا المقال الذى أوجهه بلاغا الى ضمير الرئيس المصرى عبد الفتاح السيسى . :

أولا : قواعد أساس فى موضع الارادة السياسية ( المصرية )

 1 ـ إن مصر هى محور العرب وبلاد المسلمين . إن قامت بدورها الاصلاحى وإرتفعت به إرتفع بها ومعها العرب والمسلمون . وإن ضاعت منها الريادة وتدهورت ضاع معها العرب وتدهوروا . لأن الذى ليس مؤهلا للريادة سيقود بدلا من مصر ، وسيضيع ويضيع معه العرب والمسلمون .:

2 ـ إن مصر تكتسب ملامح الحاكم فيها . إذا كان قائدا مؤهلا للقيادة عارفا بالريادة المصرية عزيزا كريم النفس صارت مصر تحمل نفس ملامحه ، وتؤدى به ومعه ريادتها، ويرتفع بها ومعها العرب والمسلمون . هذا ما حدث مع مصر محمد على وعبد الناصر فى العصر الحديث ، وحدث من قبل مع مؤسسى الدول كصلاح الدين الأيوبى واحمد بن طولون والمعز لدين الله الفاطمى . بدون هذه العظمة فى الحاكم المصرى والتى يجب أن تتناسب مع دور ومكانة مصر فإن مصر تهبط بهذا الحاكم الذى لا يليق بمصر . والأمثلة كثيرة ومريرة فى عصرنا الراهن . ومن قبل فى عصر الخليفة العاضد الفاطمى وأبناء وذرية السلطان العادل ألأيوبى والسلطان الكامل الأيوبى وخلفاء احمد بن طولون وخلفاء محمد بن طغج الإخشيد .

3 ـ وجود ( الأزهر ) فى مصر وبقاؤه فيها منذ تأسيس القاهرة لأكثر من ألف عام ، أضاف معادلة جديدة فى الحياة الدينية فى مصر وخارجها . الأزهر الشيعى الذى أقامه الفاطميون أسهم فى نشر التشيع فى مصر وخارجها . وحين قضى صلاح الدين الأيوبى على الدولة الفاطمية عطّل الأزهر ، وأنشأ بدلا منه مؤسسات صوفية سنية ( خانقاه سعيد السعداء ) . وعاد الأزهر لدوره فى الدولة المملوكية ( 1250 ـ 1517 ) ضمن مؤسسات أخرى ينشر التصوف السُّنى . واستمر فى العصر العثمانى بعد إندثار المؤسسات  التعليمية الدينية الأخرى . وفى كل الأحوال كان الأزهر مأوى للمصريين وغيرهم ، ومؤثرا فى مصر وخارجها . وفى العصر الراهن وفى أزمة العرب والمسلمين اليوم ( الوهابية / الارهاب / داعش / الاخوان ) وفى جدل الاصلاح من داخل الاسلام نقول :إن إصلاح المسلمين ( بليون ونصف البليون نسمة ) يستلزم إصلاح العرب ( 300 مليون ) واصلاح العرب يستلزم إصلاح المصريين ( 80 مليونا ) . وإصلاح المصريين يستلزم إصلاح الأزهر . وإصلاح الأزهر يستلزم إصلاح مناهجه . وإصلاح مناهج  الأزهر يستلزم  التخلص من شيوخ داعش المتحكمين فى الأزهر . والتخلص من شيوخ داعش فى الأزهر يستلزم إرادة سياسية من الرئيس عبد الفتاح السيسى .

ثانيا :  وهذا يطرح بعض تساؤلات  :

  1 :هل شيوخ داعش الأزهريين ( بجهلهم وعجزهم عن تأدية دورهم فى تجلية حقائق الاسلام ومخالفتهم لقانون الأزهر وصدّهم عن سبيل الله جل وعلا ) أهم من إصلاح المسلمين / والعرب / والمصريين ؟ أترك هذا لضمير الرئيس السيسى . وأنا واثق فى ضميره الوطنى وضميره الاسلامى .

   2 : هل التخلص من شيوخ داعش الأزهريين يعتبر مهمة صعبة يتعذر القيام بها ؟ أقول لا . وفقا لقانون الأزهر نفسه يمكن بكل سهولة عزلهم بتهمة تنطبق عليهم ، وهى إنكار حقائق الاسلام . وهذا يستلزم بعض التوضيح .

ثالثا : لمحة عن قانون الأزهر 103 الذى أصدره عبد الناصر عام 1961

1 ـ عبد الناصر ـ بإرادته السياسية ـ هو الذى قام بتحديث الأزهر بضمه الى الحكومة وتأميم الأوقاف ، وتم إنشاء الكليات العملية من طب وهندسة وصيدلة وزراعة ..الخ ، ثم تم وضع قانون الأزهر رقم 103 عام 1960 ليوجب على شيوخ الأزهر تجلية حقائق الاسلام ، وتجنب القانون تماما ذكر كلمة ( السّنة ) وأحل محلها  القرآن وعلوم الإسلام والثقافة الإسلامية ،أي التراث الإسلامي أو الفكر البشري ،وطالب بتجريده من الشوائب والتعصب .  ولعل أروع ما في هذا القانون هو مذكرته التوضيحية، والتي تؤكد بعبارات ديبلوماسية تخلف الأزهر وتخلف خريجيه عن نبض العصر وإحساسهم بالدونية واعتقادهم انهم رجال دين ،مع أن المسلم يجب أن يكون رجل دين ورجل دنيا معا، لأن الله تعالى في عقيدة المسلم اقرب إليه من حبل الوريد ، ولأن المسلم يؤمن بأن الله تعالى يجيب الداعي إذا دعاه فليس في حاجه إلى وسيط أو شفيع يقربه إلى الله.. أي أن المذكرة التوضيحية التي كتبها وزير الأزهر في ذلك الوقت سنة 1961 تنفى عن الأزهر صفة الكهنوتية، حيث لا كهنوت في الإسلام، أي انه مؤسسة مدنية تتبع السلطة التنفيذية ، بل إن المذكرة التوضيحية تصف شيخ الأزهر بأنه (الأستاذ الأكبر) وليس الإمام الأكبر, فتقول المذكرة عن المجلس الأعلى للأزهر إنه الهيئة التي (يرأسها الأستاذ الأكبر شيخ الأزهر ) .فالمذكرة تصف شيخ الأزهر بأنه الأستاذ الأكبر وتؤكد على أنه لا كهنوت فى الإسلام حيث لا توجد واسطة بين العبد وربه ، وتنفى الشفاعة والولاية .

2 ـ والعبارات المستنيرة فى قانون الأزهر جاءت في المادة 2 عن دور الأزهر فى حفظ التراث الإسلامي "ودراسته وتجليته ونشره " وتعنى الاجتهاد العلمي . وتقول عن هيئة الأزهر "وتعمل على إظهار حقيقة الإسلام وأثره فى تقدم البشر ورقى الحضارة ..وتعمل على رقى الآداب وتقدم العلوم والفنون.."وكل ذلك يدفع الى الاجتهاد في إظهار حقائق الإسلام وكونه مما يدفع إلى التقدم.وفى المادة 15 تجعل مهمة مجمع البحوث مجرد الدراسة وتجديد الثقافة الإسلامية وتجريدها من الفضول والشوائب وإثارة التعصب السياسي والمذهبي وتجليتها في جوهرها الأصيل الخالص ..وحمل تبعة الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة ..وكل ذلك يعنى الاجتهاد.وفى المادة 33 تجعل مهمة جامعة الأزهر "حفظ التراث الإسلامي وتجليته ونشره،وتؤدى رسالة الإسلام إلى الناس وتعمل على إظهار حقيقته .."وكل ذلك يعنى الاجتهاد.أي أن واجب الأزهري فى مجمع البحوث أو في جامعة الأزهر هو الإجتهاد في تجلية حقائق الإسلام من خلال القرآن الكريم والتراث . وهذا يعنى أن من حقائق الإسلام ما يحتاج الى تجلية وتوضيح وان في الثقافة الإسلامية شوائب وفضول وتعصب يحتاج إلى تنقيه وتجليه ليعود للإسلام فكره وجوهره الخالص الأصيل ...هذا هو الاجتهاد الذي يفرضه قانون الأزهر.. فماذا يعنى الاجتهاد؟ يعنى الخروج عن المألوف والإتيان برأي جديد من خلال المصادر الإسلامية ذاتها يخالف ما وجدنا عليه آباءنا. هذا ما يفرضه قانون الأزهر ،أو بالأدق هذا ما تفرضه العبارات المستنيرة في قانون الأزهر.

3 ـ فما هو جزاء العاملين بالأزهر إذا تقاعسوا عن واجبهم الوظيفى الذى يفرضه عليهم قانون قانون الأزهر ؟ بل كيف إذا قام شيوخ الأزهر بمحاربة الاجتهاد الذى يوجبه قانون الأزهر ؟ بل كيف إذا أنكر شيوخ الأزهر حقائق الاسلام البينات الواضحات فى القرآن الكريم ؟ هنا ينطبق عليهم ما جاء فى قانون الأزهر نفسه .  تقول المادة 30 من القانون أن عضوية مجمع البحوث الإسلامية تسقط إذا ما وقع من العضو ما يلائم صفة العضوية كالطعن في الإسلام أو إنكار ما علم منه بالضرورة أو سلك سلوكا ينقص من قدره كعالم مسلم ،وتقول المادة 72" كل فعل يزري بشرف عضو هيئة التدريس (في جامعة الأزهر ) أو لا يلائم صفته كعالم مسلم ،أو يتعارض مع حقائق الإسلام أو يمس دينه أو نزاهته يكون جزاؤه العزل.."شيوخ داعش فى الأزهر يطعنون فى القرآن الكريم بطريق غير مباشر ، حين يدافعون عن أكاذيب البخارى التى تخالف القرآن الكريم والتى تطعن فى شخص النبى عليه السلام ، وحين يستخدمون نفوذهم لمعاقبة وإرهاب المجتهدين . هم بما يفعلون يطعنون فى الاسلام ويرتكبون ما يُزرى بشرفهم كأعضاء فى هيئة التدريس فى جامعة الأزهر .

4 ـ أكثر من هذا . القانون الجنائى يجعل المُحرّض على القتل شريكا للقاتل . لو قام فرد بقتل شخص واحد بتحريض من شخص آخر ، فإن القائم بالتحريض يكون مشاركا أصيلا فى جريمة القتل . هذا عن جريمة قتل شخص واحد . فماذا إذا كان القتلى بالآلاف ؟ ماذا إذا كان التحريض يجعل جريمة القتل للأبرياء جهادا دينيا يعنى دخول الجنة والتمتع بالحور العين ؟ ماذا إذا نجح هذا التحريض فى قتل آلاف  الأبرياء فى مصر وخارجها ؟ ماذا إذا نجح هذا التحريض فى دفع المصريين ليكونوا داعشيين يقطعون رءوس الغلابة ؟ ماذا إذا أنتج هذا التحريض منظمات ارهابية تقتل الجنود المصريين غدرا وهم آمنون لا يتصورون أن يأتيهم الطعن من ظهورهم ؟ ماذا إذا أثمر هذا التحريض تأسيس منظمات ارهابية فى قاع المجتمع المصرى تقتل المصريين عشوائيا ؟ ثم ماذا إذا تم إستغلال إسم الاسلام العظيم ـ وهو دين السلام ـ فى التحريض على القتل العام للمصريين وغيرهم ؟ ماذا إذا تم إستغلال إسم خاتم المرسلين ـ وهو الذى أرسله الله جل وعلا رحمة للعالمين ، فى التحريض على ارهاب وقتل آلاف المصريين وغير المصريين ؟

5 ـ ثم هناك قانون أصبح سيىء السّمعة بسبب أن شيوخ داعش فى الأزهر يسيئون إستخدامه ، وهو قانون إزدراء الدين . المقصود رسميا الدين الالهى ، اى الاسلام . نحن لا نوافق على هذا القانون لأنه ضمن المتاريس التى تعوق حرية الفكر والدين . ولكن حتى مع وجوده وتطبيقه وفقا لنصوصه فهو ينطبق على شيوخ داعش فى الأزهر والأوقاف ويمسك بخناقهم . فهم بما يرتكبون يقعون تحت طائلة إزدراء الدين . أكبر إزدراء لدين الاسلام أن يكون الاسلام دينا للسلام وأن يكون رسول الاسلام رحمة للعالمين ثم يجعله شيوخ داعش المتحكمين فى الأزهر ـ دينا سىء السمعة يُرهب العالمين ، وليس ذلك فقط ، بل تتأسّس بما يفعلون تنظيمات ارهابية تتخصص فى قطع الرءوس وإغتصاب النساء ودفن الأطفال أحياء و إخراج الناس من بيوتهم وأموالهم ، وسلب البنوك . هذه جرائم يتقاصر عنها وصف ( إزدراء الدين )

6 ـ أسهل كثيرا مما سبق . هو قانون الخروج الى المعاش . يتمتع الأزهريون الذين أمضوا فى الأزهر ( 4 سنوات فى الاعدادى و 5 سنوات فى الثانوى ) بميزة هى خروجهم على المعاش عند بلوغ الخامسة والستين ، خلافا للسائد فى كل الدولة المصرية ( 60 عاما للمعاش ) . الدفعة الأخيرة من الأزهريين الذين أمضوا 4 سنوات فى الاعدادى و 5 سنوات فى الثانوى ـ هى دُفعتى . وما بعدها لا ينطبق عليها هذا القانون . وبالتالى يجب إن يُحال الى المعاش كل من بلغ الستين عاما من موظفى الأزهر بلا إستثناء ، طالما لم يمضوا تسع سنوات فى المرحلتين الاعدادية الثانوية . هذا هو العدل ، وايضا للإصلاح .

أخيرا

1 ـ كل المطلوب من الرئيس عبد الفتاح السيسى هو تنفيذ القانون وتطبيق ما وعد به ، وهو إصلاح التعليم وإصلاح الخطاب الدينى . وهذا الاصلاح يعنى التخلص من دواعش الأزهر والأوقاف لتنجو مصر والعرب والمسلمون من كوارث قادمة .  فى هذا الوضع الخطير الذى تتوالى فيه سقوط الدول فالطريق واضح ، وهو بمنتهى البساطة : تنفيذ قانون الأزهر نفسه ، وهناك قابلية مجتمعية لهذا الاصلاح ، وهناك ملل من سماع نفس الاكليشيهات ونفس الجمود ونفس الوجوه، ولا تحتمل مصر تأجيل مشاكلها للغد تهربا من مواجهتها . وليس هذا التأجيل من سياسة الرئيس السيسى ، فهو الذى بادر بإجراءات إقتصادية كان يتهيب منها الجميع الكرة الآن فى ملعب السيسى وهو بطريقته المستقيمة فى المواجهة ومصارحة الناس أقدر على إنقاذ مصر من سقوطها فى قبضة الدواعش . الدواعش ليسوا جماعات أو تنظيمات فقط ، هم فكر ارهابى يتستر بالاسلام ظلما وزورا ، ومن السهل أن يعتنقه الكثيرون حتى فى داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية ـ لا قدّر الله جل وعلا . فهل ننتظر حتى ينجح شيوخ الأزهر الداعشيون فى تدمير مصر ؟  

2 ـ لا يكلف الله جل وعلا نفسا الا وسعها . وهذا فى وسع الرئيس السيسى ، وهذا هو واجبه الاسلامى وواجبه الوطنى  .وسيسأله رب العزة يوم الحساب عن هذا .

3 ـ أحسن الحديث :

(يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (111) النحل ) .

ودائما : صدق الله العظيم .!

 

بلاغ الى ضمير الرئيس عبد الفتاح السيسى ( 2 من 2 )

أملا فى التخلص من شيوخ داعش فى الأزهر

 

 الجمعة 15 اغسطس 2014

 

لا زلنا نوجه هذا البلاغ الى ضمير الرئيس السياسى أملا فى إنقاذ مصر والعرب والمسلمين من خطر دواعش الأزهر . وهنا نعطى لمحة تاريخية سريعة للإرادة السياسية بالايجاب أو السلب ، وكيف تمخضت عن سيطرة دواعش الأزهر على الحياة الدينية للمصريين والعرب والمسلمين :

 1 ــ حين لاح فى الأفق خطر داعش بادرت بنشر كتاب ( المعارضة الوهابية فى الدولة السعودية ) للتنبيه مقدما على أن المذابح التى كان يقترفها جنود عبد العزيز آل سعود فى الشام والعراق يقوم وهابيو اليوم بتكرارها فى الشام والعراق وغيرهما . جرى هذا فى قيام عبد العزيز آل سعود بتأسيس الدولة السعودية الثالثة ( الراهنة ) . الارادة السياسية لعبد العزيز آل سعود خلقت ( الاخوان النجديين ) الذين قامت على سيوفهم الدولة السعودية الراهنة ، وعندما عارضوا عبد العزيز وثاروا عليه إختارت الارادة السياسية لعبد العزيز آل سعود التخلص من هؤلاء الاخوان النجديين ، وتأسيس ( إخوان ) آخرين فى مصر باسم ( الاخوان المسلمين) . وشرحنا هذا بالتفصيل فى القسم الأول من كتابنا ( المعارضة  الوهابية فى الدولة السعودية فى القرن العشرين ) والذى لا زلنا نواصل نشره على حلقات هنا .

2 ـ وانتشر تنظيم الاخوان المسلمين فى مصر وتسلل الى الضباط الأحرار فى الجيش المصرى ، وانضم للاخوان المسلمين كثير منهم ، ونجح انقلاب الثوار فى يولية 1952 ، وكان الاخوان المسلمون هم الظهير الشعبى لهذا الانقلاب . وحدث الخلاف بين الاخوان والقائد الفعلى للانقلاب (جمال عبد الناصر) وأطاح عبد الناصر بالاخوان ففرّ معظمهم الى وطنهم الروحى (السعودية ) . وكان عبد الناصر عارفا بمنهج الاخوان الدينى وكان ينتقده علنا وساخرا فى خُطبه . وواجه عبد الناصر الوهابية السعودية بايدلوجية القومية العربية وباصلاح الأزهر مستمدا العون من التدين المصرى القريب للاعتدال والبعيد عن التزمت والتطرف . وبتأثير مصر الناصرية أصبحت السعودية فى خطر محيق ، إذ وصلت أصداء الثورة الى تكوين ( الأمراء الأحرار ) فى البيت السعودى نفسه يتزعمهم الأمير طلال بن عبد العزيز . وكان لابد من القضاء على عبد الناصر لتستمر السعودية ، فإغتالو عبد الناصر فى قمة نشاطه وحيويته وهو فى الثانية والخمسين من عمره. لو عاش عبد الناصر الى الثمانين مثلا ( حسنى مبارك تجاوز 85 عاما ، ومحمد حسنين هيكل فى التسعينات ) لانتهت الدولة السعودية وما رأينا داعش والقاعدة والنصرة والجهاد وحماس ..الخ .. لا ننسى أن مصر هى التى دمرت الدولة السعودية الأولى عام 1818 ، وهى التى سمحت بقيام الدولة السعودية الثانية وبسقوطها ، وبالتالى فإن إستمرار الدولة السعودية الثالثة مرهون بالرضى المصرى ، وتألق الدولة السعودية الراهنة يستلزم سيطرة السعودية على مصر . وإلّا فإنّ مصر الناصرية تعنى سقوط السعودية .

3 ــ التخلص من عبد الناصر كان إرادة سياسية وهدفا أمريكيا اسرائيليا سعوديا ، واستلزم الايقاع به خطوات محسوبة وعلى مهل ، خصوصا بعد تزعمه حركة الحياد الايجابى وعدم الانحياز عام 1964 ، ونجاح الثورات ضد الاستعمار فى الوطن العربى وأفريقيا ، والتحالف المعلن بين عبد الناصر والاتحاد السوفيتى فى مواجهة أمريكا . بدأت الخطة بالانفصال ( انفصال سوريا عن مصر عام 1961) ثم استدراج عبد الناصر الى حرب اليمن ، وبمجرد خروجه منها تم إيقاعه فى كمين حرب 67 ، وبها انتهت اسطورته ، وسقطت هامة مصر وهامة عبد الناصر لتعلو هامة فيصل آل سعود فى مؤتمر الخرطوم فى 29 أعسطس عام 1967 والمشهور بثلاثة ( لاءات ) : لا صلح ، لا إعتراف لا تفاوض مع اسرائيل قبل عودة الحق لأصحابه . من وقتها تولت السعودية القيادة تاركة عبد الناصر يضمد جراح الهزيمة ، ثم كانت الضربة القاضية باغتيال عبد الناصر ،والتى تم لاعداد لها على مهل عن طريق السادات .

4 ــ من عام 1955  توثقت الصلة بين السادات وكمال أدهم الذى أصبح رأس المخابرات السعودية و المنسق الإقليمي لنشاطات وكالة المخابرات المركزية الأمريكية فى الشرق الاوسط ، وهو زوج اخت الملك فيصل . فى عام 1955 كان كمال أدهم ممثل السعودية فى منظمة المؤتمر الاسلامى الذى كان يرأسه أنور السادات، فأصبح من وقتها السادات أملا للسعودية تتسلل به لمصر . بتقرير الصلح بين عبد الناصر والملك فيصل أصبحت السعودية تقدم دعما لمصر مقداره 41 مليون جنيه استرلينى ضمن علاقات أخرى تم إستحداثها ، وكان هذا الوضع الجديد مبررا للملك فيصل أن يُلحّ فى تعيين السادات نائبا للرئيس عبد الناصر بحجة أن السادات هو الذى يستطيع إنجاح التواصل المصرى السعودى بعيدا عن حاشية عبد الناصر من اليساريين مثل ( على صبرى ورفاقه ) . وتم تعيين السادات نائبا للرئيس عام 1969 . كانت الخطوة التالية إعتيال عبد  الناصر ليحل السادات محله . فى العام التالى مباشرة نشب الصراع بين المقاومة الفلسطينية والاردن بعد أحداث ( ايلول الأسود )، واستغاثت المقاومة الفلسطينية بعبد الناصر فتم عقد مؤتمر القمة فى القاهرة فى 21 سبتمبر عام 1970 ، وكان عبد الناصر فى أوج تألقه من بداية المؤتمر الى نهايته ، وبعد أن قام بتوديع الرؤساء والملوك العرب كلهم ـ كان آخرهم أمير الكويت حسبما أتذكر ـ ذهب الى الاستراحة وشرب عصيرا مسموما مات بعده فورا . وتولى السادات . وتغير تاريخ مصر وتاريخ المنطقة وساد عصر السعودية ..ولا يزال .. وضاعت مصر ووصلت الى الحضيض ..ولا تزال ..

5 ـ الذى يهمنا هنا هو تأثير هذا على الأزهر الذى كان ذراع عبد الناصر داخل وخارج مصر .عبد الناصر هو الذى قام من البداية بالغاء القضاء الشرعى الأهلى الفاسد ، وضمه الى القضاء المدنى الحكومى ، ثم إلتفت الى الأزهر الذى كان فى الحضيض وقتها تابعا للأوقاف فقام بتحديث الأزهر بضمه الى الحكومة وتأميم الأوقاف ، وتم إنشاء الكليات العملية من طب وهندسة وصيدلة وزراعة ..الخ ، ثم وضع قانون الأزهر رقم 103 عام 1960 ليوجب على شيوخ الأزهر تجلية حقائق الاسلام ، وتجنب القانون تماما ذكر كلمة ( السّنة )  فتحدث عن القرآن وعلوم الإسلام والثقافة الإسلامية ،أي التراث الإسلامي أو الفكر البشري ،وطالب بتجريده من الشوائب والتعصب. واحتوى القانون على سطور ( رجعية ) بالمفهوم الناصرى ، فكلف عبد الناصر وزير الأزهر بوضع  المذكرة التوضيحية التي كتبها وزير الأزهر في ذلك الوقت سنة 1961 تنفى عن الأزهر صفة الكهنوتية، حيث لا كهنوت في الإسلام، أي انه مؤسسة مدنية تتبع السلطة التنفيذية ،بل إن المذكرة التوضيحية تصف شيخ الأزهر بأنه (الأستاذ الأكبر)وليس الإمام الأكبر, فتقول المذكرة عن المجلس الأعلى للأزهر إنه الهيئة التي (يرأسها الأستاذ الأكبر شيخ الأزهر)  .فالمذكرة تصف شيخ الأزهر بأنه الأستاذ الأكبر وتؤكد على أنه لا كهنوت فى الإسلام حيث لا توجد واسطة بين العبد وربه ،وتنفى الشفاعة والولاية .

6 ـ عبد الناصر هو الذى أنشا المجلس الأعلى للشئون الاسلامية عام 1960 ليكون ذراعه فى الريادة الاسلامية خارج مصر ، وأنشا مدينة البعوث الاسلامية لاستضافة الطلبة من العالم الاسلامى ، وأنشأ وإذاعة القرآن الكريم جنبا الى جنب مع إذاعة صوت العرب ، وفتح التعليم والترقى أمام الفتاة المصرية و المرأة المصرية فصارت وزيرة ( د حكمت أبو زيد ) ومديرة ومساوية للرجل فى الوظائف والأجر ، وترتدى أحدث الموضات . وفتح ابواب التعليم للجميع على قاعدتى العدالة والكفاءة ، فأصبح من حق ابن الفلاح والعامل أن يدخل أعلى كلية وفق مجموع درجاته ، وأن يدخل فى سلك القضاء والنيابة والشرطة والجيش بكفاءته، وتفاصيل أخرى تخرج عن موضوعنا ، ويكفى أن ترى أفلام الستينيات وحفلات أم كلثوم لترى الرقى المصرى فى عهد عبد الناصر ، ويكفى أن تقرأ تراث مصر وقتها لتعرف قيمة المصرى فى الخارج بفضل عبد الناصر . كان لزاما التخلص من عبد الناصر الذى كان الزعيم المناسب فى الدولة المؤهلة للريادة ، وبهذا فقط تستطيع السعودية ( التى تكونت رسميا عام 1932 بعد 77 سنة من تأسيس جريدة الأهرام المصرية )أن تكون ( الشقيقة الكبرى) لمصر ( أقدم دولة مستقرة فى التاريخ الانسانى ) .  

7 ـ جاء السادات فأعلن أنه سيسير على خُطى عبد الناصر ، ولكنه فعل النقيض تماما ، فانتشرت نُكتة مصرية تقول إنه سيسير على طريق عبد الناصر بأستيكة ، وهذا ما حدث . تطوع السادات بتحقيق أقصى ما تحلم به أمريكا وقدمه لها مجانا ، وهو طرد الخبراء السوفيت وربط مصر بالقاطرة الأمريكية ووضع 99% من أوراق اللعبة السياسية فى الشرق الأوسط فى يد أمريكا . هذا مع تبعية مصر للسعودية وفتح الأبواب للإخوان المسلمين وسائر تنظيماتهم ما ظهر منها وما بطن . وبعد أن إستنفد السادات كل ما لديه وأصبح حملا ثقيلا مزعجا استجابت أمريكا للطلب السعودى، فكانت نهاية السادات المروعة على يد الوهابيين .

8 ـ فيما يخص الأزهر فقد قضى السادات على قانون 103 ومذكرته التوضيحية بإصدار ( اللائحة التنفيذية ) عام 1975. وهذا فى حد ذاته أمر عجيب ومريب ، أن يكون لقانون واحد مذكرة توضيحية ويتم تطبيقه بها 14 عاما .  ثم بعدها يصدر السادات تلك اللائحة التنفيذية بقرار جمهوري رقم 250 لسنة1975 . وقضت هذه اللائحة التنفيذية على مزايا القانون الذى وضعه عبد الناصر ، والتفاصيل فى بحثنا المنشور هنا ( حريات لا يحميها القانون المصرى ) .  أكثر من هذا ، فإن هذه اللائحة التنفيذية أتاحت للشيوخ العاجزين عن الاجتهاد فى تجلية حقائق الاسلام أن يعاقبوا من يجتهد فى تأدية دوره الوظيفى طبقا لقانون الأزهر نفسه  . تقول المادة 72 " كل فعل يزري بشرف عضو هيئة التدريس (في جامعة الأزهر )أو لا يلائم صفته كعالم مسلم ،أو يتعارض مع حقائق الإسلام أو يمس دينه أو نزاهته يكون جزاؤه العزل .  " وحين قمت بالاجتهاد في تجلية حقائق الإسلام اتهموني بإنكار حقائق الإسلام مع ان كل كتاباتي التي حاكموني بسببها فى الفترة من 1985 :1987 كانت إما آية قرآنية أو تعليقا على آية قرآنية بآية قرآنية أخرى، ولكن اللائحة أعطت سلاحا للشيوخ القاعدين عن الاجتهاد لكي يستخدموا نفوذهم ومناصبهم في معاقبة المجتهد الذى يطبق  قانون الأزهر.

9 ــ وهكذا فإن الارادة السياسية لعبد الناصر أعطت لمصر حقها فى الريادة وأعطت للأزهر دوره ، فجاءت الارادة السياسية للسادات بعكس ذلك ، فقد زرع السادات ألغاما أمام العقل المصرى ، حجبت دور العقل المصرى صاحب المكانة الكبرى فى التجديد والاجتهاد ( من رفاعة الطهطاوى ، محمد عبده ، طه حسين ، أحمد أمين ، محمد حسين هيكل ،الى الشيخ شلتوت وابو زهرة وامين الخولى ..) ، وأخضعته للتحكم الوهابى . الارادة السياسية للسادات ( رئيس دولة العلم والايمان / الرئيس المؤمن / المتشبه بعمر بن الخطاب ) أدخل مصر فى نفق الخطاب الدينى السلفى الوهابى بحيث أصبح كل أمر مُباح فى شريعة الاسلام يستلزم فتوى سلفية متزمتة . وبالتالى وضع السادات إطارا دينيا للتيار السلفي السياسى الطامح للحكم كي يتهم خصومة السياسيين بالكفر بحجة إنكار تطبيق الشريعة . وقُدر لهذه الألغام أن تنفجر .. وانفجر أولها في وجه السادات نفسه حين أتهمه التيار السلفي بالكفر , ثم انفجرت باقي الألغام في عصر حسنى مبارك .. ولازالت تنفجر فى مصر وخارجها ..

أخيرا

نأمل خيرا فى ضمير الرئيس عبد الفتاح السيسى أن تكون إرادته السياسية إيجابية بما يكفى لتخليص مصر والعرب والمسلمين من خطر الدواعش .. دواعش الأزهر والأوقاف .

 

 

 

السيسى ودواعش الأزهر

 

 السبت 23 اغسطس 2014

 

أولا : هناك حقائق ملموسة فى الجدل الدائر الآن فى مصر  :

1 ـ أنه لأول مرة يجرى علنا وفى الاعلام المصرى  نقد لمناهج الأزهر .بعد اصدار عبد الناصر لقانون الأزهر عام 1961 تم السكوت عن تنقية وتطوير وتحديث مناهج الأزهر ، وتم تماما فى الاعلام المصرى قفل الأبواب  أمام أى نقد لمناهج الأزهر . أذكر أننى أرسلت ببعض الكتب المقررة فى الأزهر الى الدكتور رفعت السعيد وطلبت منه أن يكتب نقدا لها . فلم يفعل . أرسلت نفس الكتب الى الراحل فرج فودة فكتب مقالا تمهيديا فى ( الأحرار ) وسرعان ما جاءه تحذير من الرئاسة لأن شيخ الأزهر وقتها ( جاد الحق ) ثار واتصل بمبارك . وكفّ الراحل فرج فودة عن متابعة الموضوع وكتب ما يفيد ذلك ، وقال ساخرا انه سيكتب بعدها فى الرياضة ..او شىء من هذا القبيل . 

 2 ـ وأنه لأول مرة ينطق فى الاعلام المصرى شيخ أزهرى شاب جرىء  ( الشيخ  محمد نصر ) يقول ( البخارى مسخرة ) ويستشهد ببعض أحاديث البخارى فيُفاجىء الشيخ الآخر الذى كان يناظره بما يُقال عن البخارى ، الشيخ السّنى المسكين عابد البخارى لم يكن يتصور فى أشد الكوابيس رُعبا أن يسمع نقدا كهذا للبخارى . الشيخ السنى المسكين عابد البخارى كان يستشهد بالبخارى  فى إثبات عذاب القبر والثعبان الأقرع ليُرهب الشيخ نصر ، ففوجىء بالشيخ نصر يقول عى ( إله السنيين ) وقدس أقداسهم إنه ( مسخرة ). كيف يقال هذا عن البخارى الذى يمتنع أن يقترب منه أحد إلا بالتمجيد والتقديس . إعتاد الملحدون سب رب العزة وسبّ الاسلام والطعن فى خاتم النبيين عليه السلام ، وكل ذلك لم يكن ليُحرك ساكنا لدى شيوخ داعش المتحكمين فى الأزهر ، فلما قام ( عبد الله ) يتعرض لالههم البخارى بكلمة واحدة هبوا جميعا على قلب رجل واحد يهاجمون الشيخ نصر لأنه ( سب آلهتهم وسفّه أحلامهم ) كما كانت تقول قريش.  

3 ـ وإنه لأول مرة يُعلن رئيس مصرى ــ  وفى بداية عهده ـ عن أهمية اصلاح التعليم واصلاح الخطاب الدينى ، ويبدأ مبكرا فى تنفيذ بعض البنود مثل وضع مادة مشتركة لمادة التربية الدينية فى التعليم العام ، والسيطرة ـ نوعا ما ـ على الخطابة فى الزوايا والمساجد .

ثانيا : هذه الحقائق الملموسة ، والتى نسعد بها ونعتبرها نجاحا جُزئيا لما نكافح فى سبيله ، إلّا أنها لا تزال تجرى فى مناخ كئيب ، فهناك حقيقة أخرى كئيبة ، منها :

1 ـ هى إننا نسعى من أكثر من ثلاثين عاما للوصول الى أى قناة تليفزيونية مصرية لنقول فيها بعض ما نكتبه وننشره فى إصلاح المسلمين بالقرآن وفى فضح عداء البخارى وبقية أئمة السنة للاسلام ورسول الاسلام ، وهو مما يدخل فى ( إصلاح التعليم وإصلاح الخطاب الدينى ). ولكن الأبواب موصدة فى وجوهنا حتى هذا الوقت . نشرنا آلاف المقالات والفتاوى والأبحاث والكتب ـ ووصل العلم بها الى من يهمه الأمر ، ولكن سياسة الباب الحديدى لا تزال هى السائدة فى التعامل معنا ، وهى باختصار : قل ما تشاء بعيدا عنا ولكنك ممنوع من الاقتراب منا . ومن يسير على طريقتك ينتظره قانون إزدراء الأديان .

2 ـ لقد جرى التعرض ( إعلاميا ) لما سبق أن نشرناه فى التسعينيات ( عذاب القبر والثعبان الأقرع ) وموضوعات أخرى ، وردد المهاجمون لهذه الخرافات بعض ما قلناه بالحرف ، ولكن مع التجاهل التام لذكر إسم الشيخ الأزهرى ( احمد صبحى منصور) الذى بدأ دعوة الاصلاح من داخل الأزهر من ثلاثين عاما واستمر يواصل طريقه حتى الآن فأسس تيار ( اهل القرآن ) فى العالم كله  . بل إن باحثا فى مركز الاهرام للدراسات كتب فى إصلاح الأزهر وتجاهل تماما الإشارة الى إسم ( أحمد صبحى منصور ) ، مع أنه كانت تربطنا علاقة ثقافية فى التسعينيات . هذا الاصرار على تجاهل ( الإسم ) وإنكار ( الجهد ) و( المعاناة ) للشيخ الأزهرى وهو أكبر مجدد فى التفكير الدينى للمسلمين يرفع ألف علامة إستفهام وأضعافها من علامات التعجب . هذا الخوف من (إسم أحمد صبحى منصور ) الذى إرتبط إسمه بألقاب منها ( إنكار السّنة ) و ( القرآنيون ) فى الثلاثين عاما الأخيرة ، قد يكون مرجعه الى ( الخوف ) من جرأته فى إعلان ما يعتقده سياسيا ودينيا ، دون أى محاذير ، وقد يكون مرجعه تصديق تلك الاتهامات التى دأب الشيوخ ( الدواعش ) على ترديدها ومعهم الاعلام الرسمى ، والتى رسمت شخصية شيطانية للشيخ الأزهرى (أحمد صبحى منصور ) تُخيف الناس من الاقتراب منه ومن تدول إسمه . وأسهم تعرض أهل القرآن فى أربع موجات إعتقال فى ترسيخ الخوف منهم ، خصوصا وأن العرب والمصريين لا يزالون أسرى لمرحلة ( الثقافة السمعية ) والتى تجعل المُصابين بها يسارعون الى تصديق ما يقال دون تمحيص ، ودون إلتزام بقوله الله جل وعلا : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6) الحجرات ). وأديان المسلمين الأرضية من ( سُنّة وتصوف و تشيع ) مؤسّسة على هذه الثقافة السمعية ، وعلى الأخص منها ( دين السّنة ) وما يسمى ( بعلم الحديث ) القائم على أن فلانا فى العصر العباسى الثانى ( البخارى مثلا ) (سمع ) من فلان ( فى العصر العباسى الأول )  الذى (سمع ) بدوره من فلان ( فى العصر الأموى )الذى ( أخبره ) فلان ، الذى (روى) عن فلان الذى ( سمع ) من فلان الذى (قال ) له فلان أن الصحابى فلان قال إن النبى قال كيت وكيت . دين مبنى على ( قال الراوى ياسادة يا كرام ) . أكاد ألمح رُعبا من قراءة هذا الكلام . هذا يفسّر الخوف الذى يُحسّه من يقرأ لأول مرة للشيخ الأزهرى ( أحمد صبحى منصور ) .   

3 ـ هل  يعنى هذا أن هناك توجها مُعاديا لنا داخل دوائر الحكم ؟ ربما . وهذا لا نرضاه ولا نحبه . فلسنا نطمع فى ثروة أو سلطة ، ولا نزاحم أحدا على أى حُطام دنيوى . نحن كما قال النبى شعيب عليه السلام لقومه : ( إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88)  هود )، ونحن ـ ومنذ البداية ـ نعلن أربعة مبادىء نلتزم بها فى الدعوة السلمية للإصلاح : أننا لا نفرض أنفسنا على أحد ، ولا نفرض ما نقول على أحد ، ولا نطلب أجرا من أحد ، ونعفو ونصفح بقدر إستطاعتنا . ربما تكون هذه المثالية المُفرطة عائقا أساسا فى قبولنا لأن دوائر الحكم فى بلاد المسلمين لا ترتاح الى هذا الصنف من البشر لأنه بقدر مثاليته يكون حُرا لا يخضع إلا لله جل وعلا ، وأهل الحكم يريدون من يسمع لهم ويطيع .

4 ـ هل يعنى هذا أن دوائر الحكم تبدأ بملاعبة الشيوخ الدواعش بهجمات متفرقة تدعوهم الى الاصلاح فإن لم ينهضوا الى الاصلاح فسيلجأ أهل الحكم الى الاستعانة بالأسلحة الثقيلة : ( اهل القرآن ) ؟ ربما .

ثالثا : ربما يُفيد فى تحديد الاجابة حقائق أخرى ، منها :

1 ـ إن الدولة العميقة فى مصر تستريح الى العاملين فى أجهزتها العريقة والذين تتمكن من السيطرة عليهم بالرهبة والرغبة . وشيوخ داعش يمكنهم الانصياع .  يعيب هذا أن شيوخ داعش ليسوا مثل بقية الخبراء العاملين فى الدولة العميقة . شيوخ داعش آية فى الجهل ومعدومو الخبرة فى مجال تخصصهم ، وقد أمضوا عمرهم الوظيفى فى الدفاع عن الباطل وفى الصّد عن الحق ، ومن الصعب عليهم التنكر فى نهاية ( الخدمة ) لما جاهدوا فى سبيله من قبل . وحتى لو هاجموا ما كانوا يدافعون عنه فلن يكونوا مُقنعين للناس . سيحصلون على سخرية مريرة تضيع بها صُدقيتهم وتضيع معها حُجتهم . إذن لا يبقى أمام القائمين على أجهزة الدولة العميقة سوى الاستعانة بالصف الثاتى من دواعش الأزهر ، أى الذين لم يتصدروا ـ بعدُ ـ الصفوف ، ولم يظهروا فى الاعلام ، ولم يسبق لهم الدفاع عن الخرافات والأوهام . وتقوم بتلميعهم ودفعهم الى الأمام . صحيح أن هذا الجيل التالى من الدواعش يتمتع بنفس جهل الشيوخ الأكابر، ولكن ستكون له الشجاعة فى مواجهة أولئك الشيوخ . وسيقتبس بعضا من كتاباتنا ، وسيجادل به الشيوخ الدواعش ، فيصيبهم بالضربة القاضية . ولعل بعض هذا هو ما يحدث الآن .

2 ـ إن الدولة العميقة فى مصر مؤسسة على الاستقرار والتوازن ، ولا تستريح للحلول الجذرية الحادة . وفى موضوعنا لا تستريح الى الإلغاء الكامل للسّنة ( البشرية ) البخارية وغير البخارية . وتفضل الحل الوسط ، وهو الحذف والانتقاء والتعديل والتنقية ، اى حذف ما تعتبره ضارا وإبقاء ما يكون مفيدا لها إلغاؤه . صحيح أننا كتبنا ضد ذلك التوجّه ؛ كتبنا فى تأكيد عداء البخارى لله جل وعلا ورسوله الفصل الثالث من كتابنا ( القرآن وكفى ) مصدرا للتشريع ) وكتبنا ( منهج البخارى فى الطعن فى النبى عليه السلام ) وكتبنا ( السُّم الهارى فى تنقية البخارى ) ، كما كتبنا فى نفى الصلة بين الرسول عليه السلام وتلك الأحاديث بحث ( الاسناد فى الحديث ) وكتبنا فى التناقض بين الاسلام وأديان المسلمين الأرضية بحث ( التأويل ) ، وصحيح أن هذه الأبحاث سبق نشرها فى التسعينيات وأُعيد نشرها فى موقعنا . هذه كله صحيح . ولكنه لا يعنى الدولة العميقة فى شىء . يعنيها فقط أن تهدد به كبار الدواعش فى الأزهر . إما أن تنصاعوا وإما فالقنبلة الذرية الفكرية تنتظر الاشارة لتنفجر فيكم .   

رابعا : يعزز هذا ما جاء فى أنباء الشهور الماضية :

1 ـ بدأ د جابر عصفور وزير الثقافة بمباردرة الى الاصلاح باقتراح التعاون مع وزارة الأوقاف فى تثقيف الدعاة ، فوجد نفسه فى خضم معركة مع دواعش الأزهر ، وتطايرت بيانات ودعوات لارهابه .

2 ـ سكت مؤقتا د عصفور ، فظهر فجأة ابراهيم عيسى ـ بلا سابق إنذار ـ يهاجم بعض خرافات السّنة وتقاعس ( دواعش ) الأزهر عن دورهم ، ثم إذا هوجم ثعبانهم الأقرع هبوا من الكهف ثائرين . ثارت عليه حملة فسكت ـ مؤقتا ـ ابراهيم عيسى و ظهر الشيخ نصر فأشعل مصر بعبارة ( البخارى مسخرة ) ، واستضافت بعض القنوات الفضائية المستشار أحمد عبده ماهر وهو يفنّد مناهج الأزهر مثبتا خطورتها .

3 ـ أضطر بعض دواعش الأزهر الى الانحناء للعاصفة بعد أن أدركوا أن التهديد بالنائب العام وبقانون إزدراء الدين لا يُجدى ، وأن هناك ( شُبهة ) فى أن الدولة العميقة ترضى بذلك . رأينا وزير الأوقاف يتراجع ويأتى خبر عن بروتوكول تعاون بين ( دولتى ) الثقافة ( العلمانية ) والأوقاف الداعشية . ولم يتم تحريك دعوى جنائية ضد من وقف ضد الدواعش .

أخيرا : الحقيقة الكبرى

1 ـ ( داعش ) هو المولود الشيطانى الذى أنجبته أخيرا الوهابية التيمية الحنبلية السّنية . سبقته ( إخوان عبد العزيز آل سعود مؤسس الدولة السعودية الراهنة ) وداعش تكرر مذابحهم بصورة علنية مصورة الآن ، وبعدهم ( الاخوان المسلمون ) وسائر تنظيماتهم ما ظهر منها وما بطن ، ثم ( القاعدة ) وسائر ما تمخّض عنها . موجز هذا كله فى  ( فكر ) ينتسب زروا الى الاسلام يقوم على نشره والدفاع عنه شيوخ رسميون أو شيوخ ثائرون ، ويعتنق هذا الفكر شباب يٌضحون بأنفسهم أملا فى الجنة ونكاح الحور العين ، فنجد نوعين من الضحايا : ذلك الشباب الارهابى المخدوع ، وضحاياهم من الناس المسالمين الغلابة ، أما القتلة الارهابيون الحقيقيون فهم شيوخ داعش .  

2 ـ تتعدد الأسماء والألقاب من الاخوان الى القاعدة الى جبهة النصرة وبيت المقدس وداعش ، وستظهر مسميات أخرى ، ولكنه نفس الفكر الدينى الارهابى ، ونفس شيوخه ، لافارق بين السعودية ومصر وتونس ..الخ ..وهذه موجة تنتشر الآن بسبب فشل ثورات الربيع العربى ، والعجز عن إصلاح فساد تجذر عقودا من الزمن ( مصر ، ليبيا ، تونس مثلا ) ، فلا يجد الشاب اليائس سوى تفجير نفسه والآخرين فى داعش وأخواتها . وبقدر غضبه وإحباطاته تكون رغبته فى الانتقام من كل شىء .

3 ـ مصر مرشحة لنشاط داعش وأمثالها . بلا شك هناك تنظيمات دواعشية فى العمق المصرى. إن لم يحدث إصلاح دينى سريع ستتسع  داعش وتنتشر وسنرى رؤوسا يتم قطعها ، ورقابا يتم ذبحها ، وآلاف الغلابة يتم قتلهم غدرا وغيلة وعشوائيا . السبب فى الانتشار المُنتظر لداعش فى مصر يرجع الى :

3 / 1  قيام شيوخ داعش المتحكمين فى الأزهر والأوقاف والافتاء بحفظ ( دين داعش الوهابى الحنبلى السنى ) ودفاعهم عنه وحمايته ،وارهاب من يجرؤ على نقده ومناقشته  .

3 / 2 : تمسك السلفيين بنشر نفس الدين الداعشى فى المساجد والزوايا وغسيل مخ الأطفال والشباب واعدادهم ليكونوا دواعش المستقبل تحت بصر الأوقاف .

3 / 3 :   معاناة المصريين من فاتورة الاصلاح الاقتصادى ، والتى يواجهها الرئيس السيسى بجرأة ، ومعاناة المصريين من انهيار الأمن والمرافق ، ومن غابة القوانين المتلاطمة والتى تستلزم إصلاحا عاجلا ، وهو إصلاح مؤجل الى قيام مجلس الأمة واستكمال خارطة الطريق . ومن يدرى طبيعة هذا المجلس ، هل سيكون إصلاحيا حقوقيا ، أم نفس التركيبة الفاسدة ( سلفيون وفلول )

3 / 4 : تربص الاخوان والمتحالفين معهم من السلفيين فى الداخل و القوى الاقليمية فى الخارج على حدود مصر ( ليبيا / السودان / حماس ) وتركيا وقطر . ومن المّخزى أن تتهاوى قامة مصر وتنهار حتى تكون مسرحا لتلاعب قطر والسودان وحماس وليبيا ..وتركيا .!!وتستجلب العون من السعودية ( الشقيقة الكبرى ) ومن الامارات .!! ( فينك يا عبد الناصر ). من السهل أن يستثمر المتربصون بمصر وضعها الراهن فى تجييش دواعش مصريين من الشباب اليائس الساخط ، فالسلاح متوافر ويجرى تهريبه عبر الحدود ، وآلاف السلفيين والاخوان الموتورين يتوقون الى تفجير مصر . على الأقل إنتقاما لزعمائهم المسجونين من أمثال الشاطر وحازم ابو اسماعيل .

أخيرا : الحل

1 ـ ما لا يُدرك كله لا يُترك كله . هناك فارق بين ما يقوله مفكر مثلى فى الاصلاح ، عليه أن يقول الحق كاملا ولا يخشى فى الله جل وعلا لومة لائم . ولكن لا بأس بتطبيق الدولة العميقة للاصلاح على مراحل ، خصوصا وأنها تقوم بمواجهة فساد فكرى فى التعليم والأزهر والاعلام والأوقاف استمر عقودا بل قرونا .

2 ـ ولكن هذا الاصلاح المرحلى يستلزم حزمة من الاصلاح التشريعى فى قانون العقوبات لإزالة المتاريس التى تمنع حرية الفكر وحرية الدين ، واصلاح قانون الأزهر ومناهج الأزهر ، وإصلاح الدُّعاة ، وفتح الأبواب امام الاعلام لمناقشة المسكوت عنه فى التراث والتاريخ بسماع وجهات نظر مختلفة .

3 ـ سمعنا عن لجنة تختص بمراجعة القوانين الاقتصادية لتشجيع الاستثمار و تحريك عجلة الاقتصاد لتنقية التشريع المصرى ، نريد تكوين لجنة مماثلة لتفعيل ما أعلنه الرئيس السيسى فى اصلاح التعليم وتجديد الخطاب الدينى . تتكون من المفكرين المستنيرين وفقهاء القانون والعاملين فى حقوق الانسان ، ولا يكون فيها عضو من دواعش الأزهر لأن الله جل وعلا لا يصلح عمل المفسدين .

اللهم بلغت ... اللهم فاشهد .!!

شاهد على بضعة أشهر من حُكم السيسى
بدأ مقالا أستبشر فيه بالسيسى أملا فى إصلاح شامل يوفر على مصر تكلفة باهظة فى تحولها الديمقراطية فى وقت تشتعل فيه حروب أهلية فى دول الجوار . لكن السيسى خيّب الأمال ، فكتبت أنقده على أمل موضحا أُسُس الاصلاح المطلوب التى يتجاهلها مع قدرته عليها . ثم كتبت أنقده بعد فقدان الأمل ، أكتب بأساليب مختلفة أصولية وتاريخية واستراتيجية وفكاهية ساخرة فى تحليل الاستبداد المصرى الفرعونى ، أكتب للعظة ولإبراء الذمة ولتنوير جيل الشباب المصرى ليكون مختلفا عن هذا الجيل الذى أرهق معظمه الدين الوهابى السلفى الحنبلى السُّنى .
أهدى هذا الكتاب للجيل المصرى الواعد الذى سيقوم بالتغيير الى الأفضل ، داعيا الله جل وعلا أن يتم التحول الديمقراطى فى مصر وغيرها بأقل قدر ممكن من التضحيات .
أحمد صبحى منصور
سبرنج فيلد ـ فيرجينيا ـ الولايات المتحدة
29 ابريل 2015
more




مقالات من الارشيف
more