الزواج أولوية مؤجلة نتيجة التحولات الاجتماعية في العراق

اضيف الخبر في يوم الجمعة ٠٦ - نوفمبر - ٢٠٢٦ ١٢:٠٠ صباحاً. نقلا عن: العربى الجديد


الزواج أولوية مؤجلة نتيجة التحولات الاجتماعية في العراق

ليس الزواج أولوية مبكرة في حياة كثير من الشباب في العراق، ما يشير إلى تحوّل اجتماعي يتجاوز صعوبات وتكاليف المعيشة الى الخوف من المسؤولية، وتراجع الثقة بإمكانية نجاح العلاقات الزوجية في ظل ما يكشفه المجتمع من تجارب فاشلة وارتفاع كبير في نسب الطلاق، إضافة إلى اختلاف معايير اختيار الشريك. ومع وصول بعض الرجال والنساء إلى أعمار متقدمة من دون التفكير جدياً في الزواج تبرز تساؤلات حول تأثيرات الظاهرة على مستقبل بناء العائلات والعلاقات الاجتماعية.
مقالات متعلقة :

ترتبط قناعات تأخر الزواج بمجموعة تحوّلات في القيم داخل المجتمع العراقي، والأجيال الجديدة لم تعد تتبنى بالضرورة التصورات نفسها التي حكمت قرارات الزواج لدى الأجيال السابقة، خصوصاً أن تجارب زواج عدة فشلت، وهناك مشاكل كثيرة بين الأزواج أمام المحاكم، كما أن نسب الطلاق مرتفعة جداً. وتؤثر هذه العوامل في نفسيات الشباب، وهاجس الخوف المسبق من تجربة فاشلة يجعل الشباب يتمهلون في تنفيذ أي خطوة نحو المشروع.
ولا توجد نسب واضحة لعدد المتأخرين عن الزواج، لكن المحاكم العراقية تشير الى تراجع واضح في عدد الشباب الذين يقدمون على الزواج مقابل زواج أول بأعمار الأربعين والخمسين. ويشمل التراجع ذلك كل المحافظات، حتى في الجنوب والمناطق الريفية التي كان الزواج فيها يحصل في سن مبكرة دون العشرين أحياناً.
من بغداد، يقول غيث جواد (40 سنة)، لـ"العربي الجديد": "لم أفكر حتى الآن جدياً في الزواج رغم أنني بلغت مرحلة عمرية متقدمة كانت تشهد سابقاً تأسيس عائلة وإنجاب أطفال. والأمر لا يتعلق برفض فكرة الزواج ذاتها، بل بتغير أولوياتي ونظرتي إلى الحياة خلال السنوات الأخيرة. لم يعد الزواج بالنسبة لي خطوة مهمة يجب اتخاذها لأنني بلغت سناً معينة، بل قراراً يتطلب استعداداً نفسياً ومؤهلات أخرى، وقناعة باختيار شريك مناسب، إضافة إلى القدرة على تحمّل مسؤوليات الحياة وضغوطها. وأنا أفضل الاستمرار في نمط حياتي الحالي بدلاً من الدخول في علاقة زوجية لا أشعر أنني مستعد لها".واللافت أن دوافع التأخر في مشروع الزواج لم تعد تنحصر في الرجال، إذ تواجه النساء أيضاً تغيرات في معايير الاختيار وتوقعات الحياة الزوجية، مع النظرة الى أهمية الاستقلال الشخصي والتعليم والسعي إلى الحصول على فرص عمل قبل البدء بالمشروع، وأيضاً الخوف من الارتباط خشية الدخول في علاقات غير مستقرة أو تجارب تنتهي بالطلاق.
ويرى الباحث الاجتماعي، يوسف عماد، عوامل عدة مثل ارتفاع سقف التوقعات في شأن الشريك والمخاوف من الفشل، والتأثر بتجارب الطلاق والنزاعات العائلية المتفشية داخل المجتمع، ويؤكد لـ"العربي الجديد": "ساهمت تلك الأمور في تعقيد قرار الزواج، وبات بعض الشباب يفضلون التأجيل على خوض تجربة لا يضمنون نجاحها. استمرار هذه التحولات وانعكاساتها الخطرة على نفسيات الشباب والفتيات داخل المجتمع يؤدي إلى اتساع الفجوة في فهم الزواج وحدود مسؤولياته، فضلاً عن احتمال تراجع فرص بناء الروابط العائلية التقليدية التي ظلت تشكل جزءاً أساسياً من النسيج الاجتماعي العراقي".
من جهتها تؤكد الناشطة المدنية هدى الياسري لـ"العربي الجديد"، أن "التعامل مع تأخر الزواج لا يجب أن ينطلق من تحميل الشباب مسؤولية الظاهرة أو ممارسة ضغوط عليهم، فمن حق الفرد أن يختار توقيت الارتباط وفق قناعاته واستعداده، لكن من الضروري أيضاً معالجة الظروف الاجتماعية والثقافية التي تجعل الزواج يبدو لدى البعض تجربة محفوفة بالمخاطر".
وتشدد على أن "المجتمع يحتاج إلى تعزيز ثقافة الحوار والتفاهم بين المقبلين على الزواج، والتخلي عن بعض المعايير الاجتماعية المتشددة التي تفرض توقعات غير واقعية على الزوجين، كما من المهم نشر الوعي بشأن الحقوق والواجبات الزوجية وآليات حل الخلافات، ما يساعد على بناء علاقات أكثر استقراراً".ولم يكن الزواج في المجتمع العراقي مجرد ارتباط بين شخصين، بل مناسبة اجتماعية ترتبط بتكوين العائلات وتوسيع الروابط، وفي الغالب لم يكن قرار الارتباط يتأثر برأي الوالدين والأقارب، لكن التغيرات الثقافية واتساع التعليم والعمل والتواصل مع أنماط حياة مختلفة ساهمت في منح الأفراد مساحة أكبر لاتخاذ قراراتهم الشخصية، بما فيها اختيار الشريك وتوقيت الزواج.
وتتجاوز آثار هذه التحولات الأفراد إلى المجتمع لتؤثر في أنماط تكوين الأسر، ومعدلات الإنجاب، والعلاقات بين الأجيال، كما أنها تضع المؤسسات المعنية أمام ضرورة فهم التغيرات بدلاً من الاكتفاء بتكرار الدعوات التقليدية إلى الزواج المبكر. وتضع الظاهرة التي تتسّع داخل المجتمع العراقي، بناء العائلات أمام تحوّل في مفهوم الارتباط والاستقرار قد لا يمكن التعامل معه بالضغط الاجتماعي لأنه يتطلب وضع معالجات تعزز ثقافة الزواج القائم على الاختيار والتوافق والمسؤولية المشتركة.
اجمالي القراءات 82
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق