تيغراي.. الإقليم الذي بنى إثيوبيا ويحارب أديس أبابا

اضيف الخبر في يوم الأحد ١٨ - أكتوبر - ٢٠٢٦ ١٢:٠٠ صباحاً. نقلا عن: الجزيرة


تيغراي.. الإقليم الذي بنى إثيوبيا ويحارب أديس أبابا

في مثل هذا التوقيت قبل نحو 6 سنوات، في نوفمبر/تشرين الثاني 2020، كان العالم يحبس أنفاسه في مواجهة أخطر أزمة صحية معاصرة، وباء عالمي شلَّ الحركة الاقتصادية والاجتماعية، فلم يعلُ صوت فوق إجراءات الإغلاق واللقاح المنتظر. وتركزت الأنظار آنذاك على واشنطن، حيث كانت الولايات المتحدة على موعد مع انتخابات رئاسية ساخنة، أعقبها في 6 يناير/كانون الثاني 2021 اقتحام مبنى الكونغرس في سابقة هزَّت صورة الديمقراطية الأميركية، وتركت آثارا ما زالت ماثلة حتى اليوم.
مقالات متعلقة :


وسط هذا المشهد العالمي المضطرب، كانت حرب دموية تدور رحاها بعيدا عن الأضواء في شمال ذلك النتوء الجغرافي الذي يتخذ شكل قرن في أقصى شرق القارة الأفريقية، والمعروف بالقرن الأفريقي، وتحديدا في إقليم تيغراي شمال إثيوبيا، المتاخم لإريتريا بحدود طويلة وللسودان بحدود أقصر. وتيغراي إقليم عريق في تاريخ البلاد ورمزيتها السياسية، وقد وجد نفسه في حرب طاحنة استمرت عاميْن بين الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، صاحبة الإرث الأثقل في السياسة الإثيوبية المعاصرة، وبين الحكومة الفيدرالية بقيادة رئيس الوزراء الشاب آبي أحمد، الحائز حديثا آنذاك على جائزة نوبل للسلام، والذي لم يكن قد أكمل في السلطة سوى عامين ونصف العام.لم يلتفت العالم إلى حجم ما جرى في تيغراي إلا بعد عاميْن كامليْن، حين انحسر تهديد كوفيد وانقضى النصف الأول من ولاية الرئيس الأميركي جو بايدن، وبدأ يظهر أن الحرب خلَّفت مأساة إنسانية مُروعة قُدر قتلاها بما يصل إلى 600 ألف بحسب وسيط الاتحاد الأفريقي أولوسيغون أوباسانجو، وشرَّدت أكثر من مليوني شخص، إلى جانب تداعيات جيوسياسية عميقة ما زال الإقليم يختبر ارتداداتها حتى اليوم مع تجدُّد الصراع، بل نُذُر اشتعاله على نطاق أوسع من ذي قبل، بعد إعلان التحالف السُّباعي لإسقاط حكومة آبي أحمد بزعامة ميليشيات فانو الأمهرية والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي وجيش تحرير أورومو. فبعد الاتفاق الهش في بريتوريا قبل 4 أعوام، الذي امتثل له الطرفان بعد إنهاك القتال، في نموذج مألوف للمقاربات الدولية التي توقف النار دون أن تبني سلاما حقيقيا، يبدو أن التصدُّعات الإقليمية والدولية حفَّزت عودة الصراع سريعا إلى تيغراي، بل إلى التراب الإثيوبي كله بصورة غير مسبوقة منذ تشكَّل تحالف مشابه لإسقاط نظام الديرغ عام 1991.

تصميم خاص – خريطة إثيوبيا تظهر موقع إقليم تيغراي
تصميم خاص – خريطة إثيوبيا تظهر موقع إقليم تيغراي (الجزيرة)
تيغراي.. رقم صعب في المعادلة الإثيوبية
قبل تفكيك أبعاد تجدد القتال في إقليم تيغراي، من الضروري التوقف عند خلفية تاريخية تساعد في فهم الصراع الحالي، لا سيَّما أن حكاية الدولة الإثيوبية كما نعرفها تبدأ من تيغراي وتعود إليها، فهي ليست مجرد إقليم هامشي، بل طرف مؤسس في بنية الدولة والسلطة والجيش حتى صعود آبي أحمد. ويحمل الإقليم رمزية حضارية ودينية عميقة أيضا في القرن الأفريقي، إذ احتضن مملكة أكسوم التي قامت في القرن الأول الميلادي ودام ملكها نحو تسعة قرون، وكانت مهدا للمسيحية الإثيوبية وكنيستها الأرثوذكسية حين تبنَّى ملكها عيزانا المسيحية في منتصف القرن الرابع الميلادي، وارتبطت كنيسته بكرسي الإسكندرية القبطي قرونا طويلة.

في العصور الوسطى المتأخرة، وبعد هيمنة الإمبراطورية العثمانية على سواحل البحر الأحمر القريبة من مركز الهضبة الحبشية، وإبَّان إرهاصات تأسيس الإمبراطورية الإثيوبية الحديثة في القرن التاسع عشر؛ عاد الحضور التيغراوي وتصدَّر المشهد، كما يناقش محمد عبد الكريم. فبعد محاولة تيودروس الثاني توحيد الدولة منذ تتويجه عام 1855، منطلقا من شمال غرب الهضبة الإثيوبية في نواحي غوندر، ثم انتحاره بعد 13 عاما إثر حملة عسكرية بريطانية، صعد يوهانس الرابع الإمبراطور التيغراوي عام 1871 وتُوِّج في أكسوم مطلع العام التالي، ومن ثمَّ عاد مركز الثقل السياسي مؤقتا إلى مرتفعات أكسوم الشمالية.

وقد تجلَّت القوة العسكرية لإقليم تيغراي في عهد يوهانس الرابع بهزيمة الحملات العسكرية للخديوي إسماعيل في غوندت عام 1875 وغورا عام 1876، غير أن يوهانس قُتل لاحقا، للمفارقة، في معركة المتمة (القلابات) عام 1889 أمام قوات الثورة المهدية السودانية، وفتح ذلك الباب أمام التشرذم السياسي داخل الإقليم. وبعدئذ استقرت السلطة لنخبة الأمهرة في شوا بقيادة منليك الثاني، الذي أقام حكمه على الأساطير الدينية باستعادة مُلك "الأسرة السليمانية" المنسوبة إلى سليمان بن داود. وقد شهد عهد منليك انتصاره على القوات الإيطالية في معركة عدوة عام 1896، في أول انتصار حاسم لشعب أفريقي على قوة استعمارية أوروبية، وهو انتصار دشَّن مرحلة "تكوين الدولة الإمبراطورية الحديثة" عبر التوسُّع في الغرب والجنوب، وضم أقاليم لم تكن تاريخيا ضمن سلطان الممالك الحبشية.

الإمبراطور منليك الثاني في زيه الرسمي
الإمبراطور منليك الثاني في زيه الرسمي (ملكية عامة)
ففي عام 1902، وُقِّعت معاهدة أديس أبابا مع بريطانيا، وبموجبها احتفظ منليك بإقليم بني شنقول الذي كانت الدولة المهدية في السودان تطالب به، مقابل التعهُّد بعدم إقامة أي منشآت على النيل الأزرق أو بحيرة تانا أو نهر السوباط تعترض تدفق المياه إلى مصر والسودان، وهو الإقليم ذاته الذي بُني عليه سد النهضة للمفارقة. كما عَمَد منليك إلى تثبيت عاصمة مركزية في أديس أبابا، وأعاد صياغة بنية الدولة وموازين القوة داخلها، ومهَّد في الوقت ذاته لتحول مركز السلطة بعيدا عن تيغراي، ومن ثمَّ ترسَّخت دولة ربطت الهوية الوطنية بالدين الأرثوذكسي واللغة الأمهرية وهمَّشت التعدد العرقي والثقافي.

بعد وفاة منليك عام 1913، تولى الحكم حفيده ليج إياسو، لكنه واجه اتهامات باعتناق الإسلام أضعفت سلطته، فبادر تافاري ماكونن، أحد أبرز نبلاء بلاط شوا، إلى تزعم القوى المسيحية المعارضة له، ونجح في خلعه سنة 1916، ونُصِّبت زوديتو ابنة منليك مكانه، وأصبح تافاري وصيا على العرش ووريثا له. وتمكَّن تافاري من تعزيز السلطة المركزية للدولة منذ وصايته، وجمع السلطات تدريجيا في يديه على مدار العشرينيات، حتى تُوِّج إمبراطورا رسميا عقب وفاة زوديتو عام 1930، متخذا اسم "هيلا سيلاسي"، أي قوة الثالوث.

اعتنق هيلا سيلاسي عقيدة منليك الفكرية والجيوسياسية، فاستعاد إقليم "أوغادين" الصومالي عام 1948 بالتوافق مع الاستعمار البريطاني، وضم إريتريا بالقوة عام 1962 بعد إلغاء الاتحاد الفيدرالي معها، مُكرِّسا الهوية الوطنية بالدين الأرثوذكسي واللغة الأمهرية والاستحقاق السليماني، مما فجر ثورات قومية أبرزها حرب استقلال إريتريا مطلع ستينيات القرن الماضي، التي تصدرتها جبهة تحرير إريتريا ذات الميول القومية العربية والإسلامية، والتي تأسست في القاهرة وتلقت دعما مبكرا من مصر في عهد جمال عبد الناصر.
منغستو هيلا مريام عام 1987 في أديس أبابا إثيوبيا (غيتي)
انتهى الحكم الإمبراطوري بخلع هيلا سيلاسي، الذي قضى في الحكم ما يقارب ستة عقود، بعد انقلاب منغستو هيلا مريام عام 1974، ثم وفاته في محبسه بعد عام في ظروف غامضة حمَّل القضاء الإثيوبي لاحقا نظام "الديرغ" مسؤوليتها، وهو النظام الذي تبنَّى الاشتراكية وأمَّم الأراضي وأعلن المساواة العرقية. غير أن عهد الديرغ شهد قمعا عسكريا عنيفا، واندلعت فيه حرب "أوغادين" (1977-1978) مع الصومال، الذي كان يسعى لاستعادة أراضيه، واستمر النزاع عبر دعم الجبهات المتمردة حتى سقوط نظامي سياد بري ومنغستو معا عام 1991.

سرَّع سقوط نظام منغستو نشأة تحالف إستراتيجي باتحاد الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي بقيادة ملس زيناوي مع الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا بقيادة أسياس أفورقي، وكان الملمح الأبرز، غير الهوى الماركسي، هو وحدة الجذور العرقية واللغوية للقيادات، إذ تنتمي قيادات الجبهتين إلى مرتفعات الناطقين بالتغرينية على جانبي الحدود، وهو ما مكَّنهما من إسقاط نظام منغستو عام 1991، ومن ثمَّ حكم أفورقي في أسمرا وزيناوي في أديس أبابا لسنوات طويلة منذ مطلع التسعينيات، وقد أعلنت إريتريا استقلالها عام 1993 بعد استفتاء. غير أن رفقة السلاح المشتركة لم تمنع لاحقا انفجار التناقضات، فتحوَّل التحالف إلى حرب مفتوحة بين إثيوبيا وإريتريا بين عامي 1998 و2000.

زيناوي (يمين) يصافح أفورقي عقب توقيع اتفاق السلام في الجزائر الذي أنهى الحرب الإثيوبية الإريترية عام 2000
زيناوي (يمين) يصافح أفورقي عقب توقيع اتفاق السلام في الجزائر الذي أنهى الحرب الإثيوبية الإريترية عام 2000 (رويترز)
إثيوبيا.. من الفيدرالية الإثنية إلى مركزية "التآزر"
مع وصول الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي بقيادة زيناوي إلى السلطة عام 1991، ورثت الجبهة دولة مثقلة بأزمة اندماج وطني عميقة. فقد خلَّفت عقود الضم القسري بلدا يضم نحو 90 قومية وعرقية، أكبرها الأورومو بنسبة 34.4%، ثم الأمهرة بنسبة 27%، فالصوماليون بنسبة 6.2%، والتيغراي بنسبة 6.1%، بحسب آخر تعداد سكاني أُجري عام 2007. ومن موقع هذه الأقلية العددية حكمت الجبهة البلاد نحو ثلاثة عقود، عبر ائتلاف أنشأته باسم الجبهة الديمقراطية الثورية للشعب الإثيوبي، ضم إلى جانبها حركة أمهرة الوطنية الديمقراطية، وحركة شعوب جنوب إثيوبيا الديمقراطية الممثلة لإقليم يضم أكثر من 45 قومية، ومنظمة شعب أورومو الديمقراطية التي خرج منها آبي أحمد.

ويوضح الباحث صهيب محمود أن الجبهة سَعَت إلى حل المعضلة العرقية عبر "المبادئ الستالينية" التي تمنح القوميات حق تقرير المصير، فقد كرَّس دستور 1994 تقسيم البلاد إلى 9 ولايات على أساس عرقي. غير أن النموذج حمل مأزقا في داخله؛ إذ شهدت هذه المرحلة، كما ينقل محمود عن الباحث الإثيوبي أسناكي كفالي، "انزياحا في الصراع" من التنافس على المركز إلى مستوى الأقاليم. فتسيَّست العرقيات على نحو غير مسبوق، واشتعلت النزاعات الحدودية بين الأقاليم المتجاورة، ومنها النزاع على غرب تيغراي مع إقليم أمهرة، الذي سيصبح لاحقا أحد مفاتيح الحرب.

بدأ هذا البناء يتصدع بعد وفاة ملس زيناوي عام 2012، وانفجر التنافس الثلاثي بين التيغراي والأمهرة والأورومو على السلطة. وفي عام 2015 قادت حركة "قيرو" الشبابية الأورومية احتجاجات واسعة ضد التهميش قوبلت بقمع دموي، فاضطر الائتلاف الحاكم عام 2018 إلى تعيين آبي أحمد رئيسا للوزراء، بوصفه من أبرز شبابه المخلصين لأفكاره، وبأصوله الأورومية والأمهرية المشتركة التي بَدَت قادرة على احتواء الغضب. ولكن آبي لم يكتفِ بالإصلاحات السياسية والانفتاح على إريتريا، بل شرع في تفكيك قبضة التيغراي على مفاصل الدولة، واستبدل بالائتلاف الحاكم "حزب الازدهار". فتراجعت قيادات الجبهة إلى إقليمها الشمالي، معتبرة خطواته استهدافا وجوديا.

دبرصيون جبرميكائيل رئيس إقليم تيغراي يتحدث في مدينة مقلي بعد استعادة قوات تيغراي عاصمة الإقليم عام 2021 (أسوشيتد برس)
في جوهر الصدام كانت فجوة أيديولوجية بين تصورين للدولة. فقد تمسَّك التيغراي بالفيدرالية الإثنية ضمانة لبقائهم، بينما طرح آبي في كتابه "التآزر" (Medemer) رؤية لاندماج وطني يمنح المركز صلاحيات واسعة. ورأت الجبهة في ذلك إحياء عصريا للإمبراطورية الحبشية، مستشهدة بما رواه في لقاء متلفز مع مسؤولين حكوميين في مايو/أيار 2018 عن نبوءة والدته بأنه سيكون "الملك السابع" لإثيوبيا. وهكذا تحولت العلاقة بين مقلي وأديس أبابا، التي صاغت الدولة الإثيوبية الحديثة منذ عام 1991، من شراكة في الحكم إلى صراع على تعريف الدولة نفسها.

بلغ الصدام نقطة اللاعودة في سبتمبر/أيلول 2020، حين رفض التيغراي تأجيل الانتخابات الوطنية بسبب الجائحة، وأجروا انتخابات إقليمية منفردة انتهت بتثبيت رئيس الجبهة دبرصيون جبرميكائيل رئيسا للإقليم. وفي نوفمبر/تشرين الثاني ردَّت الحكومة الفيدرالية بعملية "إنفاذ القانون"، التي ستصبح نقطة انطلاق حرب استمرت عامين. وسعى آبي إلى إخضاع الجبهة التي رفضت حل نفسها والاندماج في حزبه الجديد، في حين كان الرئيس الإريتري أسياس أفورقي يحمل ضغينة قديمة ضدها، ويريد إنهاك قواتها حتى لا تتحدى إريتريا مجددا. وانضمت إليهما ميليشيات أمهرة الساعية إلى ضم أجزاء من تيغراي تعدُّها أراضي أمهرية تاريخيا. لم يكن هذا التحالف الثلاثي الذي اجتاح مقلي مجرد رد على مهاجمة قاعدة عسكرية، بل محاولة لحسم "صراع النماذج" بالسلاح، غير أن هذا التحالف لم يدم طويلا.


مرتفعات مُشتعلة
في العام الأول للحرب بدت الكفة مائلة نحو سقوط حكومة آبي أحمد. ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2021 تقدَّمت قوات الجبهة سريعا في مواجهة الجيش الفيدرالي وحلفائه من ميليشيات فانو الأمهرية والجيش الإريتري، حتى بلغت دبر سينا شمال دبر برهان، على بعد نحو 190 كيلومترا من العاصمة بالطريق البري. وبدا ذلك خطة لتطويق أديس أبابا بالتنسيق مع جيش تحرير أورومو، ومن ثمَّ أجْلَت الأمم المتحدة ودول غربية موظفيها ورعاياها، وأعلن آبي أنه سيلتحق بجبهة القتال ويُفوِّض صلاحياته لنائبه، ثم ظهر بالزي العسكري على الجبهة بعد أيام.

غير أن الميزان انقلب في أواخر عام 2021، حين انتقل الحسم من الأرض إلى السماء. إذ حصلت أديس أبابا على مُسيَّرات متطورة استهدفت خطوط إمداد قوات تيغراي، وتحدثت تقارير مدعومة بصور الأقمار الصناعية عن مُسيَّرات بيرقدار التركية وأخرى إيرانية وثالثة صينية الصنع يُعتقد أن الإمارات وفَّرتها. ولذا تراجعت الجبهة إلى داخل حدود الإقليم، ووجدت نفسها بين الاستنزاف والتفاوض. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2022، بعد حرب خلَّفت مئات آلاف القتلى، أُعلن في بريتوريا اتفاق لوقف الأعمال العدائية برعاية أفريقية ودعم أميركي وأوروبي، أنهى القتال رسميا.

حمل الاتفاق بذور هشاشته. فبحسب تحليل في "فورين أفيرز" لأليكس دي فال ومولوغيتا جبرهيويت، صيغ الاتفاق على عجل، وافتقر إلى آليات رصد وتنفيذ ملزمة، ولم يتحول حضور رعاة الاتفاق الدوليين إلى ضغط فعلي لترسيخ وقف القتال، علاوة على تعثُّر إعادة الخدمات وتأخر المساعدات. ولذا فإن نزع السلاح، وتبعية غرب تيغراي المتنازع عليه مع الأمهرة، وانسحاب القوات الإريترية؛ كل تلك الملفات بقيت مُعلَّقة، فظل الاتفاق في منطقة رمادية بين الهدنة والسلام.

الأخطر أن بريتوريا استبعدت طرفيْن رئيسيَّيْن في الحرب، هما إريتريا وقيادات الأمهرة، على افتراض أنهما سيتبعان آبي بحكم التحالف السابق. ولكن هذا الافتراض انهار سريعا؛ ففي أبريل/نيسان 2023 قرَّر آبي دمج القوات الخاصة الإقليمية في الجيش والشرطة ونزع سلاح ميليشيات فانو، سعيا لاستعادة احتكار المركز للعنف. وقرأت أمهرة القرار بوصفه تخليًّا عن مكاسب الحرب، فتحوَّلت فانو في غضون أسابيع من حليف إلى خصم مسلح، في تمرد ما يزال مستمرا، ضاربا بجذوره هو الآخر في طبيعة الحُكم والبنية الفيدرالية للدولة الإثيوبية. ثم بنت فانو في يناير/كانون الثاني الماضي إطارا أوسع باسم حركة أمهرة فانو الوطنية (AFNM) قبل أن تُعلِن قبل أسابيع التحالف السُباعي الأضخم من نوعه في مواجهة المركز منذ عام 1991.

وقد امتدت التداعيات إلى أسمرا، التي شعرت بأنها أُقصيت من تسوية شاركت في حربها. وكان أفورقي يُفضِّل مواصلة الضغط حتى تفكيك الجبهة لإعادة دمجها، وارتاب في تنامي الاتصالات بين أديس أبابا وواشنطن. ثم صار التوتر علنيا في أكتوبر/تشرين الأول 2023، حين تحدث آبي في خطاب متلفز عن الضرورة الوجودية لوصول إثيوبيا الحبيسة إلى البحر الأحمر عبر منفذ سيادي. وتلت ذلك مذكرة التفاهم مع أرض الصومال مطلع 2024 للوصول إلى ميناء بربرة، التي وُضعت على الرف عمليا بوساطة تركية بعد رفض إقليمي واسع قادته الصومال بدعم مصر. ولم يتراجع الخطاب، بل عاد آبي في مطلع سبتمبر/أيلول 2025، قبل أيام من الاحتفال باكتمال سد النهضة، مُتحدِّثا في مقابلة متلفزة عن "تصحيح خطأ تاريخي" بفقدان ميناء عصب الواقع في إريتريا. وفي ذروة هذا المناخ اتهمت الخارجية الإثيوبية، في رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة في أكتوبر/تشرين الأول 2025، أسمرا و"فصيلا متشددا" داخل الجبهة بالاستعداد لشن حرب.


انشقاق داخل البيت التيغراوي
كانت الجبهة تنفجر من الداخل طيلة السنوات الأربع الماضية، فلم تحسم التسوية هوية من يدير تيغراي في مرحلة ما بعد الحرب، واتخذ الخلاف بين دبرصيون جبرميكائيل ورئيس الإدارة المؤقتة غيتاتشو ريدا، المفاوض الرئيسي في بريتوريا، طابعا وجوديا يتصل بشرعية القيادة ومسار العلاقة مع المركز. واتسع الشرخ في أغسطس/آب 2024، حين وافق مجلس الانتخابات على تسجيل الجبهة حزبا جديدا بوضع "خاص"، رافضا إعادة وضعها القانوني السابق للحرب، بما يعنيه ذلك من خسارة مقدرات راكمتها عبر عقود في السلطة. فعقدت قيادة دبرصيون المؤتمر الرابع عشر في مقلي متحدية القرار، في غياب غيتاتشو وعدد من أعضاء اللجنة المركزية.

انقسمت الجبهة منذئذ إلى جناحين، تيار دبرصيون المتمسك باستعادة الشرعية الحزبية بشروطه، وتيار غيتاتشو الميال إلى إدارة واقعية للعلاقة مع المركز. واتهم كثيرون فريق غيتاتشو بتجاوز تفويضه في بريتوريا من وقف إطلاق النار إلى نزع السلاح والأراضي المتنازع عليها والإدارة المؤقتة. ثم تحوَّل الخلاف إلى صراع على المؤسسات، ففي يناير/كانون الثاني 2025 دعا كبار قادة قوات تيغراي إلى حل الإدارة المؤقتة وإعادة هيكلتها، فوصفت الإدارة الخطوة بأنها "إعلان انقلاب"، ثم استولى أنصار الجبهة على مكاتب الإدارة في مقلي وأديغرات في مارس/آذار. وفي أبريل/نيسان وافق آبي على تعيين اللواء تادسي وردي، المرشح الذي فضلته الجبهة، رئيسا للإدارة خلفا لغيتاتشو، في انحناءة تكتيكية لتجنُّب انفجار جديد في الشمال.

غيتاتشو ريدا (يسار) ودبرصيون جبرميكائيل خلال مراسم إطلاق تقرير بشأن اتفاق بريتوريا عام 2025 (رويترز)
المفارقة أن غيتاتشو، أحد أشد منتقدي آبي خلال الحرب، انتقل إلى المنظومة الفيدرالية مستشارا لرئيس الوزراء لشؤون شرق أفريقيا، مبررا ذلك بأنه "ضرورة سياسية لحماية مصالح شعب تيغراي"، وأسس حزبا جديدا باسم "سيمريت". وتحدثت تقارير عن قوة مسلحة جديدة باسم "قوات سلام تيغراي" (TPF) أقرب إلى خط آبي، في مقابل قوات دفاع تيغراي (TDF) الموالية للجبهة. لم يعد الصراع إذن بين الإقليم والمركز فحسب، بل داخل الإقليم نفسه.

وفي تطوُّر يعكس سيولة التحالفات، وردا من أسمرا على ما تعدُّه دعما من أديس أبابا لمعارضة إريترية راديكالية في الخارج تُعرف بـ"بريغيد نحميدو"، أي الثورة الزرقاء، فتحت مكتبا في أديس أبابا مطلع عام 2025، برز تقارب غير متوقع بين قيادة الجبهة وأسمرا. ففي يونيو/حزيران 2025 استؤنف العبور عبر معبري زالامبيسا وراما بين تيغراي وإريتريا لأول مرة منذ نحو 5 سنوات، في مبادرة مجتمعية باسم "تسيمدو" حظيت بدعم ضمني من مسؤولين في أسمرا ومقلي. ووصف دبرصيون الخطوة بأنها "تعزيز للروابط الاجتماعية"، لكن أديس أبابا قرأتها اصطفافا سياسيا بين أفورقي وتيغراي. لم تعد إريتريا خصما مطلقا لتيغراي كما كان الحال عام 2020، ولا حليفا ثابتا لأديس أبابا مثل 2018، بل صارت فاعلا يوازن بين الطرفين.

ومع إعلان التحالف الآن بين دبرصيون وميليشيا فانو المتمردة ودوائر أورومية معارضة، بدا خصوم آبي يلتقون، ولو مرحليا، عند هدف مشترك هو إضعاف المركز. وردت أديس أبابا بتكثيف تواصلها مع قوى من إقليم عَفَر معارضة داخل إريتريا، على الساحل العفري حول ميناء عصب، بينما نظرت أسمرا بريبة إلى ما يتردَّد عن علاقات إثيوبية بقوات الدعم السريع، وانحازت إلى الجيش السوداني. لم تكن هذه المحاور مُعلَنة، لكنها انعكست في لغة البيانات وحركة الوفود وإيقاع الحشد، حتى باتت الحرب نتاج تشابك مسارات محلية وإقليمية، لا قرارا يصدر من مقلي أو أديس أبابا وحدهما.


في عين العاصفة
في الأشهر الأخيرة انتقل التوتر إلى الأرض بعد اندلاع القتال من جديد في يناير/كانون الثاني. فوفق بيانات مشروع بيانات مواقع النزاع المسلح وأحداثها (ACLED)، اشتبكت قوات دفاع تيغراي في 26 يناير/كانون الثاني في تسيلمت، ثم سيطرت على ألاماتا وكوريم بعد 3 أيام مع انسحاب وحدات فيدرالية، فردَّت القوات الفيدرالية بضربات بالمُسيَّرات في وسط الإقليم. وبالتوازي اشتبكت قوات دفاع تيغراي مع قوات سلام تيغراي في منطقة واجيرات جنوب شرق الإقليم، وامتدت المواجهات إلى محلية ميغالي في عفر. وألغت الخطوط الجوية الإثيوبية رحلاتها إلى تيغراي حينها، وهَرَع السكان لسحب مدخراتهم من المصارف. وكانت تلك أوسع مواجهة بين الجيش الفيدرالي وقوات تيغراي منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2022، بعد ثلاث سنوات لم تُسجَّل فيها سوى مناوشات محدودة.

بدا الطرفان حريصين على ألا يُحمَّلا مسؤولية انتهاك بريتوريا أمام العالم. وظهر آبي، بالتزامن مع أنباء القتال، في افتتاح منتجع قرب جيجيغا في الإقليم الصومالي برفقة الرئيسين الجيبوتي والصومالي، في إشارة إلى أن كل شيء على ما يرام. وجاء أول رد من الاتحاد الأفريقي بعد أربعة أيام من اشتباك تسيلمت، تبعه في اليوم التالي بيانان للاتحاد الأوروبي والأمين العام للأمم المتحدة يدعوان إلى التهدئة. ثم خفَّ التوتر جزئيا؛ إذ أعلن تادسي انسحاب قواته من تسيلمت "لبناء الثقة"، واستؤنفت الرحلات الجوية في 3 فبراير/شباط.

وفي اليوم نفسه حمل خطاب آبي أمام البرلمان نبرة تصعيدية؛ فاتهم الجبهة بالسعي إلى "تفكيك إثيوبيا"، وربط التوتر مع إريتريا بفظائع الحرب الأولى لا بقضية البحر، في رواية شكك فيها لاحقا وزير خارجيته السابق جيدو أندارجاتشو. وفي 7 فبراير/شباط طالبت أديس أبابا إريتريا بسحب قواتها فورا من الأراضي الإثيوبية، ووصف وزير الخارجية جيديون تيموثيوس تحركاتها بأنها "عدوان صريح"، فردت أسمرا بعد يومين بأنها "ادعاءات كاذبة".

وفي 9 فبراير/شباط أعلنت الجبهة أن القوات الفيدرالية تتقدم في أجزاء من الإقليم وأن المركز يُعدُّ لحرب جديدة، ثم قال دبرصيون بعد ثلاثة أيام إن الجبهة "لن تبقى سلبية" إذا هاجمتها القوات الفيدرالية. وعززت روايتها أنباء عن سحب وحدات فيدرالية من جبهات القتال مع جيش تحرير أورومو، وهو ما ذهب إليه المعارض الأورومي جوهر محمد الذي قال إن الحشد شمل أكثر من ثلثي الجيش، ومقاطع تُظهر حشودا من عشرات آلاف الجنود نحو حدود تيغراي. وأضيفت إلى ذلك اشتباكات في متكل ببني شنقول، حيث يقع سد النهضة، شرَّدت أكثر من 11 ألف شخص في فبراير/شباط بحسب مجموعة الحماية التابعة للأمم المتحدة، وأنباء عن حشد متبادل بين الجيشين الإريتري والإثيوبي. ثم تدحرجت الأزمة من الميدان إلى المؤسسات. ففي 19 أبريل/نيسان أعادت الجبهة تشكيل مجلس الإقليم المعلق منذ ثلاث سنوات، وانتخب المجلس دبرصيون جبرميكائيل رئيسا للإقليم في 5 مايو/أيار، في حين وُضع تادسي وردي رهن إقامة جبرية فعلية في مقلي، وحلّقت مقاتلات الجيش فوق المدينة. لم تُجرَ انتخابات 1 يونيو/حزيران العامة في تيغراي أصلا، وفاز حزب الازدهار بـ438 مقعدا من 486 جرى التنافس عليها. وجاء أوباسانجو إلى مقلي مرتين في يونيو/حزيران وأغسطس/آب بوصفه مبعوثا للاتحاد الأفريقي، فخرج بخمسة شروط من إدارة الإقليم وبلا اتفاق، وأعلنت الجبهة في منتصف يوليو/تموز أن اتفاق بريتوريا "مات فعليا".

ثم جاءت الحرب في سبتمبر/أيلول بلا إعلان مسبق. فبعد أيام من إعلان التحالف السباعي، نفذت المسيَّرات الفيدرالية في 22 سبتمبر/أيلول أكبر موجة ضربات على بلدة ألاماتا، أصابت مدرستين ومستشفى وقتلت 14 مدنيا. وفي اليوم التالي أعلنت حكومة الإقليم "حربا دفاعية"، وسيطرت قوات تيغراي دون قتال على مطارات مقلي وأكسوم وشيري، وهاجمت مع فانو محور كوبو في شمال وولو، ومع الجبهة الثورية الديمقراطية الموحدة لعفر (أوغوغومو) بلدتي أبعلا وإربتي. فردّت أديس أبابا بقطع الاتصالات والمصارف عن الإقليم كله، واستعاد الجيش مع "قوات سلام تيغراي" ألاماتا في 28 سبتمبر/أيلول، وبلغ مشارف مقلي بعد يومين، فغادرتها قيادة الجبهة في 3 أكتوبر/تشرين الأول قائلة إن الخروج "مؤقت"، ودخلها الجيش في اليوم التالي بعد نهب شمل الدوائر الحكومية ومستشفى عسكريا. وخلال أسبوع واحد سقطت وقرو وشيري وأديغرات وعدوة وأكسوم، ووصلت دبابات إثيوبية في 13 أكتوبر/تشرين الأول إلى زالامبيسا، البلدة الحدودية نفسها التي احتفل أهلها بفتح معبرها قبل عام ونصف العام.

ولم تبقَ إريتريا على الضفة متفرجة. ففي 1 أكتوبر/تشرين الأول أغلقت إثيوبيا سفارتها في أسمرا وطردت عشرة دبلوماسيين إريتريين، فقطعت إريتريا علاقاتها كلها ووصفت خطاب أديس أبابا بأنه "إعلان حرب". وبعد ستة أيام رأى شهود عيان عشرات الجنود الإريتريين في شاحنات وسط أديغرات بعد عبورهم من زالامبيسا، وضربت مسيَّرات إثيوبية أرتالهم قرب المدينة قبل أن ينسحبوا شمال الحدود. وتبادل البلدان الرسائل إلى مجلس الأمن، فتحدثت إثيوبيا عن "غزو شامل" بعمق 60 كيلومترا وتمسكت بحق الدفاع عن النفس، وطلبت إريتريا تدابير تحت الفصل السابع، في حين اجتمع المجلس مرتين في مشاورات مغلقة بلا مخرجات. وفي 4 أكتوبر/تشرين الأول وقّع رؤساء مصر وإريتريا والصومال وقائد الجيش السوداني "إعلان العلمين" الذي يحصر أمن البحر الأحمر بدوله المشاطئة، أي بغير إثيوبيا، فيما أدى آبي في اليوم التالي اليمين لولاية جديدة مكررا أمام البرلمان أن إثيوبيا ستحصل على منفذ بحري "على أساس الأخذ والعطاء".

وفي 16 أكتوبر/تشرين الأول، بدل أن يعود تادسي وردي إلى مكتبه بعد أن احتجزته الجبهة مع ثلاثة من قادتها القدامى منذ 23 سبتمبر/أيلول بحسب رويترز، أعلن مكتب رئيس الوزراء "إدارة انتقالية فيدرالية" لتيغراي مدتها ستة أشهر، مهمتها الأمن وعودة النازحين ونزع السلاح وتنظيم انتخابات، ومن بين أعضائها الخمسة العميد جبرئجزابهير بيني، قائد "قوات سلام تيغراي" التي كانت الجبهة تصفها قبل أشهر بأنها ميليشيا يمولها المركز. وهكذا لم يتآكل اتفاق بريتوريا، بل دُفن، والسؤال لم يعد هل تندلع الحرب، بل إلى أين تذهب بعد أن تجاوزت تيغراي إلى عفر ووولو وحدود إريتريا وسماء أديس أبابا نفسها.

أفراد من الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي في أحد شوارع مقلي بعد سيطرة قوات الإقليم على مطاراته، 23 سبتمبر/أيلول 2026 (الفرنسية)
لماذا تجددت المعارك؟
لم يكن تجدد المواجهات مفاجئا؛ فقد ظل احتمالا قائما منذ اتفاق بريتوريا، ولم يمنعه سوى توازن ضعف هش. ويمكن فهم لحظة الانفجار من خلال أربعة عوامل تفاعلت حتى كسرت سقف الهدنة. أولها قصور اتفاق بريتوريا، فقد أوقف الاتفاق القتال لكنه لم يعالج جذور الأزمة، وولَّد سخطا داخل تيغراي على فريق التفاوض المتهم بتقديم تنازلات تتجاوز تفويضه. ولم يمارس الاتحاد الأفريقي، الراعي الرسمي للاتفاق، ولا الشهود عليه من الأمم المتحدة وإيغاد والولايات المتحدة، ضغطا كافيا لضمان التنفيذ. ثانيها غياب العدالة الانتقالية، فلم يعُد ملايين النازحين إلى بيوتهم، ولم تعُد الخدمات المدنية، واستمرت الانتهاكات، لا سيَّما الجنسية، دونما مساءلة. ومع تصاعد السخط الشعبي على النخب المحلية بسبب الفساد والانقسام، برز منطق "التوحُّد أمام التهديد الخارجي" أداة لاستعادة الشرعية في أديس أبابا، وهو منطق حاضر في خطاب أجنحة من الجبهة بعد انشقاق دبرصيون وغيتاتشو.

ثالث هذه الأسباب سياسة الضغط المتدرج. فقد تعامل آبي مع تيغراي بمنطق "الحرب الباردة" لا المصالحة؛ فسحب الترخيص القانوني للجبهة، وجمَّد التحويلات الفيدرالية لميزانية الإقليم أواخر عام 2025 حتى عجزت الإدارة المؤقتة عن دفع رواتب نحو 140 ألف موظف، واستثمر انشقاق غيتاتشو لإعادة تشكيل الخريطة داخل الإقليم. وبالتوازي تبنّى سياسة حافة الهاوية إقليميا، في محاولة للقفز فوق أزماته الداخلية بتصدير التوتر إلى الخارج، بينما البيئة الدولية منشغلة من غزة واليمن إلى أوكرانيا وإيران، مما أضعف فرص الوساطة المبكرة، وربما أغرى أطرافا في تيغراي بالتصعيد.

غير أن ما يميز اللحظة الحالية ليس تعدُّد الأسباب، بل تغيُّر بنية ميزان القوة. ففي عام 2020 كان تحالف أديس أبابا وأسمرا وميليشيات أمهرة مُتماسكا، وامتلك الجيش الفيدرالي تفوُّقا جويا حاسما. أما اليوم فميليشيا فانو في تمرد مفتوح، وإريتريا على الضفة الأخرى من المواجهة، في حين تكاتف معارضو آبي في تحالف سُباعي غير مسبوق. ولذا فإن أي مواجهة جديدة ستجري في بيئة تُقلِّص قدرة أي طرف على الحسم الكامل. وهذا ما أظهرته الأسابيع الثلاثة الأخيرة، فقد استعاد الجيش مدن الإقليم كلها في عشرة أيام، لكنه لم يُنهِ قوات الجبهة التي تراجعت إلى الجبال والحدود، ولم يُنهِ تمرد فانو في أمهرة، وفتح على نفسه جبهة إريترية لم تكن مفتوحة عام 2020.





صراع مفتوح
وضعت مجموعة الأزمات الدولية الخلاف الإثيوبي الإريتري في المرتبة الرابعة بين أولوياتها السبع للسلم والأمن في أفريقيا لعام 2026، وفي المرتبة الثالثة بين النزاعات العشرة التي حذرت منها في العالم كله، وفي هذا الإطار يتجاوز ما يحدث في تيغراي كونه نزاعا داخليا. فثمَّة شعور متنامٍ لدى الجبهة والحكومة معا بأن الحرب قد تكون ضرورة لحسم صراع سياسي تاريخي استعصى على التسويات، بيد أن القدرة على إشعال الحرب قائمة، في حين يظل التحكُّم في مآلاتها موضع شك عميق.

بالنسبة إلى آبي أحمد تبدو المعضلة أعمق. فقد استند مشروعه إلى ترجيح منطق "الدولة الوطنية المتماسكة" في مواجهة الفيدرالية الإثنية التي بناها التيغراي، لكنه انزلق في الممارسة إلى تحشيد دائم وإعادة إنتاج العدو، الداخلي أو الخارجي، للقفز فوق استحقاقات الاقتصاد والعدالة والاندماج. وبعد 8 سنوات لم يستطع "التآزر" أن يبني بديلا لدولة الجبهة؛ فالمركز الذي انتزعه آبي من مقلي بات محاصرا بتمردات من أمهرة وعَفَر إلى أوروميا وبني شنقول، وصار حلفاء حرب 2020 خصوما لأديس أبابا.

في المقابل تواجه الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي أزمة استحقاق تاريخي. فقد تآكلت شرعيتها بفعل الانقسامات واتهامات سوء الإدارة، وقد يغريها منطق "التوحد في مواجهة التهديد الوجودي" لإعادة بناء اللحمة، لا سيَّما تحت مظلة تحالف متعدد الإثنيات يستهدف إسقاط حكومة آبي أحمد. غير أن حربا ثانية في ظرف إنساني منهك قد تُوسِّع الفجوة بينها وبين مجتمع لم تندمل جراحه بعد، وقد يُغري المركز باستغلال أزمة الإقليم لإحداث مزيد من الانقسامات والتوغُّلات. وهكذا لم يعد أي من النموذجين اللذين حكما إثيوبيا منذ عام 1991 قادرا على الاستمرار، لا الفيدرالية الإثنية بقيادة تيغراوية، ولا المركزية التي أرادها آبي بديلا عنها.

ومن هنا يبدو التحالف السباعي الذي أعلنته فانو والجبهة وجيش تحرير أورومو لإسقاط حكومة آبي أكثر من مناورة عسكرية؛ إنه يستعيد مشهد 1991، حين التقت حركات الأطراف على إسقاط الديرغ ثم أعادت تأسيس الدولة على صيغة جديدة. فتاريخ إثيوبيا الحديث هو، في جانب كبير منه، تاريخ التجاذب بين مقلي وأديس أبابا، وكل انتقال للثقل بينهما كان إيذانا بنظام جديد. لذلك لن تكون الحرب المقبلة، إن اندلعت، إعادة إنتاج لصراع 2020-2022، بل اختبارا لبنية الدولة نفسها، وربما بداية البحث عن عقد سياسي جديد لم تتضح ملامحه بعد.
اجمالي القراءات 11
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق