لا تتخلص من البلاستيك.. ابتكار مدهش يحول الـ"بي في سي" إلى زيوت محركات ثمينة

اضيف الخبر في يوم الأربعاء ٠٩ - سبتمبر - ٢٠٢٦ ١٢:٠٠ صباحاً. نقلا عن: الجزيرة


لا تتخلص من البلاستيك.. ابتكار مدهش يحول الـ"بي في سي" إلى زيوت محركات ثمينة

يُعد البلاستيك، وتحديدا نوع الكلوريد متعدد الفاينيل المعروف اختصارا باسم "بي في سي "، واحدا من أكثر المواد البلاستيكية استخداما في العالم بطاقة إنتاجية تبلغ نحو 60 مليون طن سنويا، أي ما يعادل الإنتاج العالمي السنوي للحوم الأبقار.

ولكنْ خلف الاستخدامات المتعددة لهذا النوع من البلاستيك، تكمن مشكلة بيئية معقدة للغاية، فالطرق التقليدية للتخلص منه أو إعادة تدويره تواجه صعوبات بالغة بسبب طبيعته الكيميائية واحتوائه على كميات هائلة من الكلور السام، الذي يتسبب في تآكل الآلات وانبعاث غازات حمضية ضارة عند تسخينه أو حرقه في المكبات.

قصص مقترحة
مؤخرا، نجح فريق بحثي دولي في فتح مسار جديد للاستفادة من هذه النفايات وتحويلها إلى منتج صناعي ذي قيمة عالية. وفي دراسة حديثة نُشرت في دورية "نيتشر" العلمية المرموقة، طور العلماء طريقة كيميائية مبتكرة لتحويل بلاستيك "البي في سي" المستعمل إلى زيوت تشحيم صناعية عالية الجودة.

يشرح جوليانج ليو، الباحث الرئيسي والمؤلف المراسل للدراسة من جامعة فرجينيا تك الأمريكية، في تصريحات حصرية للجزيرة نت: "لتحقيق إعادة التدوير، عادة ما يلزم محفز ميتالوسين باهظ الثمن، لكنْ باستخدام البي في سي كقالب، حققنا زيتا عالي الجودة بمحفز رخيص".

هذه الزيوت الاصطناعية تُستخدم في محركات السيارات ومختلف الآلات الصناعية لتقليل الاحتكاك وتوفير الطاقة وإطالة عمر الأجزاء الميكانيكية المتحركة.
)
الحبل والمسامير
تبدأ عملية التحويل بتجميع النفايات البلاستيكية ميدانيا، حيث جمع الباحثون خليطا من النفايات المنزلية والصناعية شملت أنابيب مياه تالفة، وبطاقات بلاستيكية قديمة، وقفازات مستعملة، وألعاب أطفال تالفة. بعد ذلك، تخضع هذه المواد لعملية تنقية دقيقة لإذابة البلاستيك وتخليصه من الشوائب والمواد المضافة، مثل الملدنات الكيميائية ومثبتات الألوان.

لتبسيط الفكرة الكيميائية، يمكننا تشبيه جزيء البلاستيك القديم بحبل طويل وثقيل تبرز منه مسامير حادة تمثل ذرات الكلور. إن محاولة إعادة تدوير هذا الحبل بالطرق التقليدية تنتج غازات حمضية حارقة تدمر المعدات وتلوث الهواء.

يوضح جوليانج: "المفهوم الأساسي هو استبدال ذرات الكلور المدمجة من الأصل في بلاستيك البي في سي بسلاسل ألكيل ذات طول سلسلة متحكَم فيه باستخدام حمض لويس وسلاسل ألفا أوليفين. يعمل حمض لويس أيضا على تفكيك سلسلة البي في سي الطويلة إلى أجزاء قصيرة لإنتاج زيوت التشحيم الاصطناعية".

تستخدم الطريقة الجديدة سائلا كيميائيا شائعا يُسمى "الهكسان" كمذيب تفاعل، ويتميز هذا المذيب بإمكانية استعادته وإعادة استخدامه بالكامل داخل نظام مغلق لضمان السلامة البيئية والحد من الهدر.

وتضاف إلى هذا السائل مادة كيميائية مساعدة رخيصة ومتاحة تسمى "كلوريد الألمنيوم" لتسهيل التفاعل الكيميائي عند درجة حرارة معتدلة تبلغ 70 درجة مئوية فقط، وهي درجة حرارة منخفضة جدا مقارنة بالطرق التقليدية للتدوير الكيميائي التي تتطلب عادة مئات من الدرجات المئوية، أي استهلاكا هائلا للطاقة.

من اليسار إلى اليمين طالب الدكتوراه جو-جيونج سونج، والباحث ما بعد الدكتوراه سونج-جو لي، والأستاذ علي إرديمير يقفون أمام المجهر الإلكتروني في المختبر الذي أجروا فيه أبحاثا حول أداء مقاومة التآكل لمواد التشحيم المُنتجة من نفايات بلاستيك البي في سي. حقوق الصورة: تايلور نورثكات
من اليسار إلى اليمين طالب الدكتوراه جو-جيونج سونج، والباحث ما بعد الدكتوراه سونج-جو لي، والأستاذ علي إرديمير يقفون أمام المجهر الإلكتروني في المختبر الذي أجروا فيه الأبحاث (تايلور نورثكات)
الكماشة والمقص
يقول جوليانج "تُطلَق ذرات الكلور في السائل وجزئيا في المساحة العلوية للمفاعل كغاز كلوريد الهيدروجين عند درجات حرارة معتدلة. أما المواد المضافة والملدنات الكيميائية فتُذاب وتُكثَّف داخل سائل التفاعل بحيث لا تُطلَق أو تتسرب إلى البيئة المحيطة".

تعمل المادة المساعدة بمثابة كماشة ذكية ومقص كيميائي في آن واحد. فهي تنزع المسامير الحادة التي تمثل ذرات الكلور بأمان، وتحتجزها كيميائيا داخل سائل التفاعل على شكل أملاح غير ضارة لمنع تسربها كغازات حمضية ضارة ومسببة للتآكل. بعد ذلك، تقطع المادة المساعدة الحبل البلاستيكي الطويل إلى قطع صغيرة متساوية الطول.

هنا يأتي دور إضافة جزيئات بترولية بسيطة تسمى "الأوليفينات" إلى هذه القطع المكشوفة. والهدف من إضافة هذه الجزيئات هو تعويض النقص الكيميائي في السلاسل المقطوعة وجعل الزيت متماسكا ومستقرا.

تعمل هذه الجزيئات المضافة كأحجار بناء مرنة ترتبط بالقطع البلاستيكية لتمنحها بنية جزيئية تشبه المشط، حيث يمثل الحبل البلاستيكي القديم جسم المشط، بينما تمثل الجزيئات المضافة أسنانه الناعمة.

تمنع هذه البنية الفريدة جزيئات الزيت من التشابك وتسمح لها بالانزلاق بعضها فوق بعض بسهولة فائقة، مما يمنح الزيت لزوجة ممتازة وثباتا عاليا لحماية المحركات في درجات الحرارة المختلفة. وقد أظهرت الاختبارات العملية أن الزيوت الناتجة تتمتع بأداء متميز للغاية يقلل الاحتكاك والتآكل بشكل يتفوق على العديد من الزيوت التجارية الحالية المتوفرة في الأسواق.

وحول النمذجة الحاسوبية التي كشفت عن تلك البنية الهيكلية الفريدة للزيت، يوضح ويليام جودارد، أستاذ الكيمياء وعلم المواد بجامعة كالتيك والمشارك بالدراسة، في تصريحات حصرية للجزيرة نت: "استخدمت الحسابات الحالية ميكانيكا الكم، مما يحدد المحاكاة بين 200 و300 ذرة و50 بيكوثانية فقط. أما الحسابات المستقبلية فستقوم بتدريب مجال قوة تفاعلي ليلائم ميكانيكا الكم، مما يتيح إثبات البنية عبر محاكاة أنظمة تصل إلى مليون ذرة ولمدد تصل إلى 100 نانوثانية".

تحديات التصنيع
ورغم النجاح الكبير الذي حققه الابتكار في المختبر، فإن نقله إلى النطاق الصناعي الواسع يواجه عقبات تقنية تتطلب بعض التوازن والبحث المعمق. فعلى سبيل المثال، تتميز المادة الكيميائية المساعدة بحساسية شديدة تجاه الرطوبة والماء، مما يفرض توفير بيئة تفاعل جافة تماما وتصميم مفاعلات هندسية معزولة بدقة لحماية كفاءة التفاعل وضمان استمراريته.

يضيف جوليانج: "على الرغم من أن عمليتنا أظهرت حساسية عالية لأسعار سوائل الألفا أوليفين (المذيبات)، إلا أنه يقل استخدامها بالاستبدال الجزئي لبعض كربون البلاستيك، فضلا عن إلغاء المحفزات الباهظة. كما نعمل حاليا على تطوير عمليات لتخليق هذه الزيوت دون الحاجة إطلاقا لمصادر بترولية للألفا أوليفينات". هذا يعني أن نجاح العملية تجاريا يعتمد بشكل حاسم على كفاءة استعادة هذه المذيبات وتدويرها بالكامل لتقليل التكاليف وضمان السلامة البيئية.

من الناحية الاقتصادية، يقدم هذا البحث رؤية واعدة للغاية لمشروع تجاري مستقبلي مجدٍ. فالزيوت الاصطناعية عالية الجودة تُباع في الأسواق العالمية بأسعار مرتفعة تتراوح بين 3 و6 آلاف دولار للطن الواحد، في حين أن طن النفايات البلاستيكية لا تتجاوز قيمته بضع مئات من الدولارات.

وقد أجرى الفريق البحثي دراسة جدوى افتراضية لمحاكاة إنشاء مصنع بقدرة إنتاجية تبلغ 50 ألف طن سنويا، وانتهت إلى إمكانية تحقيق أرباح سنوية ممتازة تتيح استرداد التكاليف التأسيسية للمصنع في أقل من 5 سنوات.

ويرى الباحثون أن هذه المؤشرات تعكس عائدا استثماريا مجزيا قد يجذب المستثمرين إلى قطاع التدوير والاستثمار الأخضر، حتى دون الاعتماد على الدعم المالي الحكومي أو الحوافز الضريبية.
اجمالي القراءات 33
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق