أزمات السكن والغلاء والفساد ترسم خريطة الغضب في مصر

اضيف الخبر في يوم السبت ٠٨ - أغسطس - ٢٠٢٦ ١٢:٠٠ صباحاً. نقلا عن: العربى الجديد


أزمات السكن والغلاء والفساد ترسم خريطة الغضب في مصر

كشفت منظومة الشكاوى الحكومية الموحدة بمجلس الوزراء المصري، اليوم السبت، عن تصاعد شكاوى المصريين خلال الأشهر الأربعة الأخيرة معلنة تعاملها مع نحو 229 ألف شكوى وطلب واستفسار خلال يوليو/تموز الماضي وحده. وتصدرت شكاوى الإسكان والمرافق القائمة بنحو 36 ألف حالة، تلتها شكاوى الداخلية والأمن بنحو 17.6 ألف، التموين والأسواق بنحو 17 ألفاً، والتعليم بنحو 15.8 ألفاً، والصحة بنحو 15.7 ألفاً، في مؤشر على اتّساع نطاق المشكلات التي يلجأ المواطنون إلى الحكومة لحلها.
مقالات متعلقة :


وأظهر الإحصاء الحكومي أنّ المواطن المصري لم يعد يشتكي من مشكلة واحدة أو قطاع بعينه، كما لم تعد الشكوى حكراً على الفئات الأكثر احتياجاً، مشيراً إلى تلقي مجلس الوزراء شكاوى تتعلق بأزمات الإسكان والمرافق والتموين والداخلية والتعليم والصحة والكهرباء، ضمن خريطة واسعة تمتد من تفاصيل الحياة اليومية إلى قضايا العلاج والدعم والحقوق القانونية والخدمات العامة.

ويعتبر الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي، أنّ الرقم المعلن من مجلس الوزراء لا ينبغي قراءته باعتباره مجرد حجم للعمل الإداري الذي تقوم به منظومة الشكاوى، وإنما بوصفه مؤشراً اجتماعياً على اتساع نطاق المشكلات التي تدفع المواطنين إلى اللجوء إلى الدولة طلباً للتدخل.

وأضاف، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن "ظاهرة الشكوى قديمة في المجتمع المصري، وتعود إلى عهد الفراعنة، وقد عبّر عنها كبار الكتّاب والمؤرخين في رواياتهم وسردياتهم التاريخية". غير أن الجديد، بحسب صادق، هو "انتقال الشكوى من الورق والروايات إلى الوسائل الإلكترونية، فيما تظل المشكلة الأساسية قائمة: ماذا يحدث بعد أن يشتكي المواطن؟"
ويجيب صادق بأن الشكوى تُعد إحدى أدوات مكافحة الفساد والبحث عن حلول للمشكلات، لكنها إذا لم تفضِ إلى إجراء فعلي تتحول إلى مجرد "تنفيس"، إذ يعبّر المواطن عن غضبه، ويقدم شكواه وينتظر، ثم يكتشف أن المشكلة لا تزال قائمة، فيعود إلى الشكوى من جديد.

الشكوى تُعد إحدى أدوات مكافحة الفساد والبحث عن حلول للمشكلات لكنها إذا لم تفضِ إلى إجراء فعلي تتحول إلى مجرد تنفيس

وتكشف بيانات مجلس الوزراء عن حجم الاحتكاك اليومي بين المواطنين وأجهزة الدولة؛ إذ استقبلت منظومة الشكاوى الحكومية الموحدة خلال يوليو/تموز نحو 229 ألف شكوى وطلب واستفسار. وبعد المراجعة والفحص المبدئي، أُحيل نحو 192 ألفاً منها إلى جهات الاختصاص، بما يمثل 84% من إجمالي الحالات، فيما جرى حفظ نحو 32 ألف شكوى، بنسبة 14%، بينما لا تزال مراجعة واستيفاء بيانات نحو 5 آلاف حالة قيد الاستكمال.

وتفيد البيانات بأن "خريطة الشكاوى" ترسم، في الوقت نفسه، ملامح أكثر الملفات التصاقاً بحياة المصريين؛ إذ تصدّر قطاع الإسكان والمرافق قائمة القطاعات التي لجأ المواطنون عبرها إلى منظومة الشكاوى، بنحو 36 ألف شكوى وطلب، توزعت بين جهات وملفات مرتبطة بوزارة الإسكان، وهيئة المجتمعات العمرانية، وصندوق الإسكان الاجتماعي ودعم التمويل العقاري، وصندوق التنمية الحضرية، والمحافظات، كما سجل قطاع المرافق نحو 12.7 ألف شكوى، تركزت في خدمات مياه الشرب والصرف الصحي والخدمات المرتبطة بهما.

توزيع الشكاوى حسب القطاعات في مصر خلال يوليو
أُنشئ هذا الرسم البياني بواسطة الذكاء الاصطناعي
وتشير الأرقام إلى أن جزءاً كبيراً من شكاوى المصريين لا يتعلق بقضايا بعيدة أو استثنائية، بل بمشكلات تمسّ حياتهم اليومية، من السكن والشارع إلى مياه الشرب والصرف الصحي والخدمات المحلية. وفي السياق ذاته، سجلت شكاوى البيئة نحو 9129 شكوى وبلاغاً، شملت تراكم القمامة وانتشار الحيوانات الضالة، إلى جانب 3215 شكوى وبلاغاً تتعلق بالسلامة العامة.

وفي هذا السياق، تقول سعاد نصر الدين، مديرة عامة في إحدى الشركات الخليجية، إن المواطنين باتوا يلجأون إلى رفع الشكاوى إلى قيادات الدولة لمواجهة المخالفات والمشكلات التي تقع في مناطقهم، لكنها تنتقد ما تعتبره ضعفاً في الاستجابة على المستوى المحلي.

ولا تقف المشكلة عند حدود الأحياء والمرافق، إذ امتدت الشكاوى إلى الخدمات المرتبطة بالإنفاق اليومي للأسر. فقد تعاملت وزارة التموين والتجارة الداخلية مع نحو 17 ألف شكوى وطلب واستفسار خلال يوليو/تموز، تناولت ضبط الأسواق وتوفير السلع الأساسية وبطاقات التموين. وتزامن ذلك مع استبعاد ملايين المصريين من منظومة الدعم التمويني.

وفي قطاع الصحة، تلقت ورصدت المنظومة نحو 15.7 ألف شكوى واستغاثة خلال يوليو، كان من بينها 4038 شكوى واستغاثة طبية احتاجت إلى تدخل عاجل للحصول على العلاج أو الرعاية الطبية العاجلة ولمواطنين مدرجين ضمن مبادرة إنهاء قوائم الانتظار بالعلاج على نفقة الدولة أو الاستفادة من خدمات التأمين الصحي.
كما تعاملت المنظومة مع نحو 13.6 ألف شكوى وطلب، لوزارة الكهرباء، حول انقطاع التيار والأعطال والصيانة وزيادة الأسعار. بينما تلقت وزارة التضامن الاجتماعي نحو 12.5 ألف شكوى وطلب وبلاغ، تضمنت طلب دمجهم ببرامج الدعم والحماية الاجتماعية، وإعادة تفعيل بطاقة "تكافل وكرامة"، التي تقدم دعماً مالياً للأسرة التي في فقر مدقع.وفقاً للرصد الذي أجراه "العربي الجديد" استناداً للبيانات الشهرية التي أوردتها تقارير المنظومة، سجلت الشكاوى والطلبات والاستفسارات منذ بداية العام الجاري، نحو 186 ألف حالة في يناير/كانون الثاني، و196 ألفاً في فبراير/شباط، ثم قفزت إلى 238 ألفاً في مارس/آذار، وبعد هذه القفزة، تراجعت الأعداد إلى نحو 205 آلاف في إبريل/نيسان، قبل أن تعود إلى الصعود إلى 206 آلاف في مايو/أيار، ثم 217 ألفاً في يونيو/حزيران، وصولاً إلى 229 ألفاً في يوليو/تموز، لتزداد عدد الحالات بنحو 23% مقارنة بشهر يناير، كما ارتفع للشهر الثالث على التوالي.

ويبلغ متوسط ما تعاملت معه المنظومة خلال الأشهر السبعة الأولى من العام، نحو 211 ألف حالة شهرياً، أي ما يقارب 1.5 مليون شكوى وطلب واستفسار خلال هذه الفترة، مع ملاحظة أن هذه الأرقام تضم أنواعاً مختلفة من الطلبات والاستفسارات والاستغاثات، ولا تعني بالضرورة العدد نفسه من المشكلات المستقلة، لكن ارتفاع الرقم لثلاثة أشهر متتالية أثار مخاوف من عدم قدرة الحكومة على استقبال الشكاوى وتقديم الحلول التي تدفع المواطن إلى البحث عن الدولة لحسم أمور مصيرية بحياته اليومية.

تطور الشكاوى والطلبات والاستفسارات خلال 7 أشهر
أُنشئ هذا الرسم البياني بواسطة الذكاء الاصطناعي
ويرى أستاذ علم الاجتماع السياسي سعيد صادق أن المواطن قد يظل يرسل الشكاوى ويتابعها ويتواصل مع المسؤولين، وأحياناً يصل به الأمر إلى رفعها إلى رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء، بعدما يشعر بأن الجهات الأدنى لم تتعامل مع مشكلته. وقال إن المواطن قد يُطلب منه أحياناً تحرير محضر أو التوجه إلى جهة أخرى، فتنتقل المشكلة من مؤسسة إلى أخرى، بينما يظل أصلها قائماً. وهنا تتحول الشكوى، بحسب وصفه، إلى وسيلة لإراحة الضمير: "أنا قدمت شكوى، وعملت محضراً، وحاولت"، من دون أن يتغير الواقع.

ولا يحصر صادق تفسير ظاهرة الشكاوى على الفئات الأكثر فقراً، بل يرى أن أحد أبرز التطورات الاجتماعية خلال الفترة الأخيرة يتمثل في اتساع دائرة الشكوى لتشمل الطبقتَين الوسطى والعليا. ويؤكد أن الشكاوى باتت تتعلق بقضايا تمس الحياة اليومية، من الإنارة والمرافق وسوء الخدمات والتنظيم إلى فرض الإتاوات، إلى حد أن "كل الطبقات التي تعتمد عليها السلطات أصبحت تشتكي من السلطة ومسؤوليها"، وأشار إلى أن كلتا الفئتَين غالباً ما تكتفيان بالصمت أو بتقديم شكاوى مكتوبة إلى المسؤولين، في حين تتمتع الطبقة العليا بقدرة أكبر على التواصل والوصول إلى المسؤولين، لكنها أصبحت هي الأخرى تلجأ إلى تقديم الشكاوى.

وتتطابق مخاوف صادق مع تعليقات مواطنين تزامنت مع نشر التقرير الحكومي. وقال أحمد علي، الطالب بكلية الحقوق في جامعة الإسكندرية: "منظومة الشكاوى بطيئة جداً وتدور في حلقة مفرغة، كما أنها تستغرق وقتاً طويلاً جداً، ويأتي الرد في النهاية: جارٍ بحث الشكوى". أما أمير بشارة، فذهب إلى انتقاد أكثر حدة، قائلاً إنّ "منظومة الشكاوى الحكومية فاشلة لا تحل أي مشكلة"، معتبراً أن مآل الشكوى ينتهي إلى حفظها من دون تقديم حل للمواطن. ومن الكويت، دعا أحمد نوارة، وهو موظف مصري، المسؤولين إلى النزول إلى الشوارع بدلاً من الاعتماد على التقارير المكتبية، مطالباً إياهم بـ"الابتعاد عن المكاتب والنزول إلى المواطن والشوارع".من جهته، قال المحامي بمحكمة النقض وعضو اتحاد المحامين العرب، عز الدين عيسى، إنه تقدم بشكوى بشأن عدم تنفيذ حكم قضائي منذ "سنة وأكثر"، من دون أن يتلقى أي تواصل، رغم متابعته للشكوى هاتفياً وكتابياً عبر الموقع الرسمي لمجلس الوزراء.

وانتقد المواطن بدر الغالي آلية إحالة بعض الشكاوى، قائلاً إنّ المواطن قد يتقدم بشكوى ضد المسؤول "س"، ثم تُحال إلى المسؤول نفسه لبحثها والرد عليها. وسخر من ذلك. وجاء رد منظومة الشكاوى الحكومية على الغالي عبر موقعها الرسمي بصيغة آلية، متضمناً طلب رقم الشكوى، والتأكيد أن الشكاوى "يجري فحصها بالتنسيق مع الجهة المختصة لما تملكه من معايير فنية وإجرائية تخول اتخاذ ما يلزم وفقاً لطبيعة كل شكوى على حدة"، مع إتاحة إمكانية المتابعة عبر الخط الساخن 16528 والموقع الإلكتروني للمنظومة. وبحسب آلية العمل التي يعرضها تقرير مجلس الوزراء، تبدأ المنظومة باستقبال الشكاوى والطلبات والاستفسارات، ثم مراجعة البيانات وفحصها مبدئياً، قبل توجيهها إلى جهة الاختصاص.
اجمالي القراءات 16
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق