ضربات الحوثيين للسفن تطاول قناة السويس

اضيف الخبر في يوم الثلاثاء ٢٨ - يوليو - ٢٠٢٦ ١٢:٠٠ صباحاً. نقلا عن: الجزيرة


ضربات الحوثيين للسفن تطاول قناة السويس

بعد انفراجة جزئية استمرت بضعة أسابيع، عادت المخاوف على إيرادات مصر من قناة السويس بسبب هجمات الحوثيين في البحر الأحمر على السفن السعودية، لتشكل جزءاً من مشهد جيوسياسي أكثر تعقيداً، بعد انتقال حالة الحرب بين الولايات المتحدة وإيران إلى الممرات البحرية الممتدة من مضيق هرمز حتى باب المندب، بما يغير رسم خريطة تجارة الطاقة العالمية، ويفرض تحديات غير مسبوقة على أحد أهم مصادر النقد الأجنبي في مصر.
مقالات متعلقة :

ورغم تعليق الهجمات المتبادلة بين أميركا وإيران إلا أن المخاوف ما زالت مستمرة في البحر الأحمر حيث إن الحظر الذي أعلنه الحوثيون على السفن السعودية ما زال مستمرا.
وخلال الأيام الأخيرة الماضية، أعاد الحوثيون تنشيط عملياتهم في البحر الأحمر، معلنين توسيع نطاق استهداف السفن والمنشآت النفطية السعودية، وفرض ما وصفوه بـ"الحصار البحري" على السعودية، بالتزامن مع هجمات استهدفت منشآت في جازان وينبع، الأمر الذي دفع شركات الشحن العالمية إلى إعادة تقييم مساراتها، بينما فضلت ناقلات عديدة الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، رغم ارتفاع التكلفة وطول زمن الرحلة.
وحسب تصريحات سابقة للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عن التداعيات الاقتصادية والأمنية العميقة التي تواجهها بلاده جراء تصاعد التوترات الإقليمية، تكبدت مصر خسائر تقدر بنحو 10 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس.

باب المندب نقطة اختناق
يؤكد خبراء أن التطورات العسكرية أعادت باب المندب إلى صدارة نقاط الاختناق البحرية عالمياً، وأبقت شركات الملاحة أمام معادلة صعبة للعمل بين المخاطر الأمنية وتكاليف التشغيل، ما انعكس مباشرة على قناة السويس التي لم تستعد حتى الآن معدلات العبور التي كانت تحققها قبل اندلاع أزمة البحر الأحمر.
يرى أستاذ النقل واللوجستيات بالأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، حمدي برغوت، أن ما يحدث اليوم لا يمكن قراءته باعتباره أزمة ملاحية فقط، بل هو انعكاس مباشر لتحولات جيوسياسية عميقة تعيد تشكيل خريطة التجارة العالمية لسنوات قادمة.وقال برغوت لـ"العربي الجديد" إن مستقبل قناة السويس لم يعد يتوقف على كفاءة إدارتها أو جودة خدماتها، وإنما أصبح مرهوناً بالتطورات السياسية والعسكرية في المنطقة، موضحاً أن القناة تعرضت منذ عام 2020 لسلسلة من الضربات المتلاحقة بدأت بجائحة كورونا، ثم حادث جنوح السفينة "إيفر غيفن"، ثم الحرب الروسية الأوكرانية، وأخيراً أزمة البحر الأحمر، وهي أحداث دفعت شركات الشحن العالمية إلى إعادة النظر في طرق التجارة التقليدية.
ويضيف خبير النقل البحري واللوجستيات أن هيئة قناة السويس نجحت في الحفاظ على انتظام الملاحة داخل القناة، لكن ذلك لم يكن كافياً لإعادة السفن؛ لأن القرار النهائي لشركات الملاحة تحكمه اعتبارات الأمن والتأمين أكثر من أي اعتبارات تشغيلية، مؤكداً أن أي تحليل لمستقبل قناة السويس يتجاهل الجغرافيا السياسية سيكون تحليلاً ناقصاً، لأن الممرات البحرية أصبحت جزءاً من الصراعات الدولية، وليست مجرد خطوط للنقل.
ووجه برغوت انتقاداً لأداء المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، معتبراً أن الهدف منها يجب أن يكون زيادة عدد السفن المارة عبر القناة، وليس مجرد إقامة مناطق صناعية لا ترتبط بحركة التجارة العالمية، قائلاً إن مفهوم "اللوجستيات" أصبح يتردد كثيراً، مؤكداً أنها ليست مجرد مخازن أو مناطق صناعية، وإنما صناعة وتصدير وخدمات بحرية وصيانة وإعادة توزيع للبضائع، وليست مجرد مشروعات تُقاس بحجم الأموال التي ضختها دول مثل الصين وروسيا حالياً، وإنما بمدى قدرتها على خلق صناعات تصديرية تزيد من حركة السفن عبر القناة، مشدداً على أن كثيراً من المشروعات القائمة لم تحقق حتى الآن هذا الهدف، ولذلك لم تضف زيادة ملموسة إلى حركة الملاحة.
ويحذر برغوت من الاعتقاد السائد لدى المسؤولين بأن الموقع الجغرافي وحده كفيل بالحفاظ على مكانة قناة السويس، قائلاً إن إسرائيل تعمل منذ سنوات على ترسيخ موقعها مركزاً بديلاً للتجارة العالمية ضمن مشروعات وممرات إقليمية ودولية، مثل مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والإمارات والشرق الأوسط وأوروبا، معتبراً أن جميع هذه البدائل ستؤثر بدرجات مختلفة على قناة السويس إذا دخلت مرحلة التنفيذ الكامل.

عزوف شركات الملاحة
يفسر برغوت استمرار عزوف عدد كبير من شركات الملاحة عن العودة إلى البحر الأحمر في فترة الهدوء ما قبل العاصفة العسكرية الأخيرة، بأن المشكلة ليست في القناة نفسها، وإنما في البيئة الأمنية المحيطة بها.ويشير برغوت إلى أن امتلاك الدول العربية لنسبة كبيرة من احتياطيات النفط العالمية، وسيطرتها على أهم الممرات البحرية، يمنحها أوراق قوة كبيرة إذا أحسنت استخدامها ضمن مشروع اقتصادي وسياسي متكامل، موجهاً تحذيراً من اكتفاء المسؤولين بإدارة الأزمات دون بناء مشروع استراتيجي طويل الأجل.
وسط هذه التحديات، يرى برغوت أن الأزمة نفسها أوجدت فرصة لمصر تتمثل في تعظيم الاستفادة من خط أنابيب "سوميد" والبنية التحتية المصرية لنقل النفط، خاصة مع اتجاه السعودية إلى توسيع الاعتماد على المسار المصري لتصدير جزء من خامها إلى أوروبا، مبيناً أن التطورات الأخيرة تؤكد هذا الاتجاه، بعدما بدأت شركة "أرامكو" السعودية طرح شحنات إضافية من النفط الخام من ميناء سيدي كرير على البحر المتوسط، مستفيدة من شبكة النقل المصرية لتجاوز المخاطر المتزايدة في باب المندب.
ويعتمد المسار على نقل الخام السعودي عبر خط أنابيب "شرق – غرب" المملكة إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، ثم شحنه إلى العين السخنة، ومنها عبر خط "سوميد" إلى ميناء سيدي كرير؛ حيث يُعاد تحميله على ناقلات متجهة إلى أوروبا.
وتشير بيانات سعودية إلى أن نحو 80% من صادرات الخام السعودي جرى تصديرها عبر البحر الأحمر، بينما 48% من صادرات المنتجات البترولية المكررة مرت عبر باب المندب منذ مارس/آذار الماضي، وهو ما يجعل أي اضطراب في المضيق تهديداً مباشراً لتدفقات النفط السعودية.
ورغم أن خط "شرق – غرب" السعودي يستطيع نقل نحو 5 ملايين برميل يومياً، فإن الطاقة القصوى لخط "سوميد" تبلغ 2.5 مليون برميل يومياً، بينما يبلغ متوسط الإمدادات السعودية إلى العين السخنة نحو 755 ألف برميل يومياً، مع امتلاك مصر سعات تخزينية تصل إلى 18.4 مليون برميل في العين السخنة و19.5 مليون برميل في سيدي كرير. يرى برغوت أن هذه الأرقام تؤكد امتلاك مصر بنية تحتية مهمة، لكنها ليست كافية وحدها، إذ ينبغي تطويرها باستمرار إذا أرادت القاهرة التحول إلى مركز دائم لتجارة الطاقة.
وعلى صعيد متصل، يؤكد خبراء بغرفة النقل البحري بالإسكندرية أنه رغم توقف العمليات العسكرية خلال الساعات الماضية، لا تزال منطقة باب المندب مصنفة لدى شركات التأمين البحري "منطقة حرب"، مع بقاء أقساط التأمين على السفن العابرة أعلى بنحو 200% إلى 300% مقارنة بما قبل أكتوبر/تشرين الأول 2023، بينما تتريث شركات الشحن العالمية في استئناف رحلاتها الكاملة عبر البحر الأحمر.
وقال الأمين العام لشعبة المصدرين بالاتحاد العام للغرف التجارية، أحمد زكي، في تصريحات صحافية، إن استعادة مستويات أسعار الشحن البحري لما قبل الحرب تتطلب استمرار الهدوء الأمني وعودة الثقة إلى الملاحة الدولية.
اجمالي القراءات 14
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق