تأملات صباحية .. :
أعلِّلُ النفس بالآمالِ أرقُبُها ما أضيقَ العيشَ لولا فسحةُ الأمَلِ

سعيد علي في السبت 28 اكتوبر 2017


 

في عالم بائس – عن عالمنا العربي أتحدث – يبدأ الصباح بآذان الفجر .. نسمة هواء نقية صافية تدخل رئتيك و أنت تتنفس بعمق مغمض عينيك .. لا ترى سوى الظلام .. سوى السواد .. أتفتحها أم تستمر في إغماضها !! ماذا لو لم تفتحها !! استمرار الغمض يجعل التفكير أنقى و أشد .. تذهب بعيدا .. بعيدا .. أكاد أرى و أنا مغمض العينين !!
تتلاطم الأفكار مشوشة !! هذا يوم جديد .. يوم يفتح ذراعيه ليحتضنك .. ليضمك .. يهمس فيك .. إني ضيف عليك .. فماذا أنت فاعل !!
تبدأ بتدبر آيات من الذكر الحكيم .. تتخيل المشهد العظيم .. رسول الله عليه السلام يتلو آيات ربه جل و علا .. بسم الله الرحمن الرحيم : ق و القران المجيد بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ!!


و يأتي جواب الحق جل و علا مفصلا مبينا غاية في الإعجاز إذ يقول جل و علا رداً على سؤالهم : (هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ) ؟ فيقول سبحانه :
(قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (4) بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (5) أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (6) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (8) وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (9) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (10) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (11) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (12) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (13) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (14) أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (15) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18) وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (19) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (20) وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (21) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) .
تعود فتغمض عينيك .. تخرج خارج غرفتك .. لعل نسائم البكر مازالت بكرا!! لعلها لم تتلوث بعد بأدخنة المخابز و المطابخ و عوادم السيارات و الشاحنات !!
تغمض عينك .. تغمضها بقوة .. تعيد قراءة الآية الأخيرة : ( لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ) !! بصرك اليوم حديد يا ولدي .. حديد ..
سترى كتاب أعمالك ... أعمالك كلها ..
أعود للغرفة أراجع جدول أعمالي .. ماذا لدي اليوم .. أعمال لا تنتهي !! روتين لا يتغير .. يمر اليوم ببطء و معاناة تتكرر منذ خروجي من البيت و حتى العودة .. شتان بين يوم هنا و يوم أقضيه في مدينة هادئة بعيدة عن هنا حيث نسمات الريح أكثر نقاء و منظر أشجار الراتنيج و التنوب تتراقص و هي تصفق لجريان مياه الراين !! مع مساحات خضراء شاسعة و نظافة تكاد لا ترى حفنة تراب و ناس تمشي على عجل و آخرون على مهل و هناك تحت ظل شجرة صنوبر جلست عجوز تأخذ أنفاسها أملا في المواصلة ... هنا لا شئ من ذاك ! ليس للهدوء ثقافة !! و لا للخصوصية قانون !!
هو وحدة موقع أهل القران يأخذك بعيدا عن حياة بائسة .. إلى أمل .. أمل يعيش في مخيلتي .. تذكرت أفلاطون و مدينته الفاضلة .. عدت إلى آيات ربي جل و علا : و جاءت سكرة الموت بالحق .... هل تريد أن تحيا حياة طيبة ؟ أعمل صالحا و أنت مؤمن !! بكل بساطة هذه هي معادلة الحياة الطيبة يقول جل و علا : ( من عمل صالحا من ذكر او انثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم اجرهم باحسن ما كانوا يعملون) .
يقول الشاعر الطغرائي في لامية العجم :
أعلِّلُ النفس بالآمالِ أرقُبُها
ما أضيقَ العيشَ لولا فسحةُ الأمَلِ

اجمالي القراءات 2828

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (5)
1   تعليق بواسطة   أسامة قفيشة     في   السبت 28 اكتوبر 2017
[87354]

قتل الإنسان ما أكفره


انه الإنسان .. و ما أكفره , يظن بأنه قادرٌ عليها فحول كل جمالها و راحتها كبشاعته و عجزه , فأهلك الحرث و النسل ( وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ ) ,



هذا الإنسان هو فاسدٌ و عدوٌ لدود حتى لنفسه فقد دمر كل شيء كفراً و عدوانا , عكر صفو الحياة و نقائها و لوثها فتراه يقطع الغابات و يستبدلها بحدائق عامة كئيبةٌ ككآبته ,



فهل سيجد أي سعادة بمدنه المكتظة و المزدحمة و الملوثة !



حتى ابتسامته لم تعد صالحه بل يحاول جاهدا رسمها .... قتل كل شيء ! 



2   تعليق بواسطة   لطفية سعيد     في   السبت 28 اكتوبر 2017
[87362]

كَذَلِكَ الْخُرُوجُ


الأستاذ سعيد علي تغلبنا شقوتنا أحيانا .. وأحيانا نغلبها ...فاستمرار الصراع بين العبد  وما حوله ، سنة الحياة .. بل تكون الحياة روتينية باردة لا حياة فيها بدونه .. ما أجمل البداية مع كتاب الله والآيات  المختارة نتعلم منها كيف يكون اقناع المختلف( الكافر المنكر للبعث )  بحوار  بالغ الدقة  من خلال مشهد كوسيلة تعليمية بارعة تبدأ بالطلب الاستفهامي(أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا) بالنظر إلى السماء وما فيها من آيات ترشد إلى خطوات  متتالية كمقدمات .. تنتهي بـ (كَذَلِكَ الْخُرُوجُ ) كنتائج..



لا تخلو أي حياة في أي بيئة من أشياء جميلة تحيط بنا ، واتذكرقول الشاعر إيليا :  



والذي نفسه بغير جمال لا يرى في الوجود شيئاً جميلا ليس أشقى ممن يرى العيش مراً ويظن اللذات فيها فضولا أحكم الناس في الحياة أناس عللوها فأحسنوا التعليلا .. شكرا لكم، ودمتم بكل الخير 


3   تعليق بواسطة   سعيد علي     في   السبت 28 اكتوبر 2017
[87364]

الأستاذ أسامة و الأستاذة لطفية شكرا لكما


سعدت بمروركما و إضافتكما الرائعتين .. حفظكما الله جل و علا و جمّل أوقاتكما بدقائق من التأمل و التفكر و نسعد بمقالاتكما و روائع تدبركما .. دمت بخير و بصحة و عافية .



4   تعليق بواسطة   نهاد حداد     في   السبت 28 اكتوبر 2017
[87367]

Cast a way


جميل ان تأخذ فسحة لنفسك في موقع اهل القرآن ! اخلق السعادة لنفسك وابتسم ! تألم لهذا العالم البائس دون ان تؤذي نفسك ، لاشيء يستحق ان تأسى عليه ان لم يكن في استطاعتك تغييره ! غير نفسك، احبها، احب ابناءك واهلك وزوجتك ، لست مسؤولا عن تغيير العالم ، غير ما استطعت ، وانس وابتعد عما لا تستطيع فعله ! تدبر ايات الله وان اخطأت في التدبر فان الله لايحاسب على الخطإ الغير متعمد ولا على السهو ! ربنا لا تحاسبنا ان نسينا او اخطأنا، ربنا لا تحملنا ما لا طاقة لنا به ! الله رحمان رحيم رؤوف بخلقه ومخلوقاته ، ولا يمكن ان يحاسبنا عى خطإنا في فهم ما او تدبر ما ! اليوم واكثر من اي وقت مضى ، اصبحت مقتنعة بان الدين مسألة شخصية ، وان الله اعطانا فرصة  الجذال يوم القيامة ، ولن يحاسبنا إلا على أفهامنا نحن  وصدق نوايانا نحن ! لم أعد أريد أخذ آراء أحد في الدين ، لن أطيع أبا أو كبيرا أو مضلا للسبيل فيوم القيامة لن احاسب على افهامهم بل على فهمي أنا  ! عش سعيدا ما استطعت واصنع في خيالاتك حين تغمض عينيك أصدقاء طيبين كما تحب ان يكون لك اصدقاء! جاذلهم ، اخرج كل ماتحس به من حزن والم وضغوطات كي لا تؤذي او تؤلم اصدقاءك الحقيقيين خصوصا حين لا يكون لديهم مايستطيعون فعله من اجلك ! اما انا، فسأفعل كما فعل طوم هانكس في كاست اوي حين جعل من الكرة صديق دربه الى ان عاد الى وطنه ! تحية لك ! استمر في الكتابة ،ففيها ايضا علاج لمآسينا! 



5   تعليق بواسطة   سعيد علي     في   السبت 28 اكتوبر 2017
[87372]

cast a way و أمل النجاة .


رائع أستاذة نهاد حفظك الله جل و علا .. فعلا لست مسؤولا عن تغير العالم .. إبدا بنفسك .. هي أوقات نقضيها في شكل مواقف و أسوأ هذه المواقف - من وجه نظري - هي تلك الجدلية في الدين !! لا سيما السنية فالسنيون تحديدا هم أكثر جدلية في الدين لدرجة الإستخفاف بك ! هذا مع أنك ترى الإنهزام في عيونهم و عدم القدرة على الحجة و أقصى ما يصلون إليه ( من أنت ؟ ) و ( هل كل العالم هذا على خطا و أنت فقط على صواب !! ) النقاش في الدين يستلزم ثقافة النقاش في الدين و هي من أسف معدومة !! .



كم تبقى من العمر ؟ فلم نضيعه في أمور لا طائل منها إلا المرض !! تدبر قران ربك - بموضوعية باردة - و شارك إخوانك في موقع أهل القران و منصات التواصل الإجتماعي فأمل النجاة موجود .. و من كان يتوقع لتوم هانكس النجاة في cast a way .



حفظكم الله جل و علا .



أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2008-10-03
مقالات منشورة : 52
اجمالي القراءات : 150,440
تعليقات له : 559
تعليقات عليه : 87
بلد الميلاد : حيث الأمن والسلام
بلد الاقامة : حيث الأمن والسلام