المحكم والمتشابه في الكون..:
المحكم والمتشابه في الكون..

ابراهيم ايت ابورك في الأحد 16 ديسمبر 2012


 

الذين في قلوبهم زيغ دائما ما نجدهم يتحاكمون إلى المتشابه في أمور حياتهم وما يرتبط بوجودهم سواء تعلق الأمر بمصالحهم الشخصية داخل الدولة والمجتمع, أو تعلق الأمر بعلاقاتهم الإيمانية الخاصة بخالقهم..

وسبب كتابة هذه الأسطر هو عن سؤال أحد الملاحدة حيث قال أن الكون غير مؤلف بدقة كما يعتقد البعض, وبالتالي اله الكون هو اله الفجوات ( الثغرات) وستدل بوجود عناصر غير دقيقة والتي واكبت اللحظات الأولى للانفجار الكبير والذي كانت نتيجته موجودات تفتقر إلى الدقة كالمعاقين أو الأشخاص الذين يولدون ملتصقين وقس على ذلك المصابون بالعمى الوراثي وكثرة الأمراض والأوبئة والموت بأتفه الأسباب كتسوس الأسنان أو الموت بسبب الخوف من الهزات الأرضية .. والتسونامي ...

وكان جوابنا عليه:

فعندما تقول أن الكون غير مصمم بدقة فذلك يعني أن عقلك المجرد رآى كونناً آخر بدقة أكبر من هذا الكون الذي يعيش فيه, و إلا فمن أين لك وجود مفهوم الدقة والعبث أصلاً ؟ طبعا ستقول استنتجت أن الإله كان سيصمم الكون كله بدقة متناهية جداً كما فعل مع بعض أجزاءه الأخرى.. بمعنى أو بآخر نستنتج أن عقلك يحمل قانونين متناقضين في نفس الوقت ( الدقة والعشوائية كما تسميها) والتساؤل الذي يطرح نفسه هو لماذا أخذت بقانون " العشوائية " ولم تأخذ بقانون " الدقة " في إثبات أو نفي وجود الإله ؟ والساقطون في مثل هذا الموقف كما تعلم يسمون بأصحاب الهوى.. أي يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض وذلك على حسب مقاساتهم وأهواءهم الشخصية..

وفي نفس الوقت هذا الإله كي يبرهن لك عن دقته, فهل يجب أن يكون الكون كله دقيقاً ..؟ إذاً فكيف ستعرف عقولنا أصلا أن الكون دقيق إن لم تكن هناك مناطق نراها ولو بعد حين على أنها غير دقيقة والتي يتم عليها القياس للاستنتاج على أن هناك دقة أبلغ من الأولى, تبرهن على دقة الإله العظيم في الوجود ؟

إن لم يكن المرض فكيف سنعرف بوجود الصحة أصلاً ؟ وكيف سنشكر الإله عليها ؟ إن لم يكن الحرب فكيف سنعرف بوجود السلام ؟ فإن لم تكن حاسة السمع فكيف سنعرف بوجود الأصوات .. ؟ فإن لم يكن الوجود, فكيف سنعلم بالواجد؟

إن لم تسقط التفاحة فكيف سنعلم بوجود الجاذبية؟ أن ننتظر نداءً من السماء يخبرنا عن ذلك عبر مكبر صوت (خوارق) ؟

فعدم وجود الجزء الأول لن تستنتج أبداً وجود الجزء الآخر, وهذا القانون العظيم مهم جداً للإجابة عن السؤال "لماذا" الذي عجز عنه العلم التجريبي والذي ستنطرق إليه لاحقاً..

وبالتالي فوجود قوانين غير دقيقة كما تسميها في بعض أجزاء الكون أمر ضروري لاستنتاج أن هناك قوانين دقيقة جدا في باقي أجزاءه الأخرى والقوة التي أوجدت هذه القوانين غير عاجزة إلى إيجاد قوانين أبلغ وأدق وأشمل من الأولى..

فعندما تحدثت عن الفوضى العارمة التي واكبت اللحظات الأولى للانفجار الكبير, إلا يفترض لهذه الفوضى أن تبقى مستمرة إلى نهاية إخراج هذا الكون إلى الوجود وتشمل جميع عناصره بدون أي استثناء ..؟

ألا يفترض على الأساس المعوج للبناء أن ينتج عنه بناية معوجة بالكامل من سافلها إلى أعلاها دون استثناء وتكون غير صالحة للسكن ولا للعيش ؟ ولكن هل لا ترى معي أننا موجودون في هذه البناية وفي أحسن الظروف؟ فلو كان الكون معوج وفوضوي وغير دقيق ألا يجب على كائناته أن تكون بنفس اعوجاجه بدون أي استثناء أيضاً ..؟

عذراً صديقي لم أجد الإنسان رأسه أكبر من بطنه أو عينيه في قدميه أو قضيبه في رأسه مع وجود إمكانية لذلك فهو نتيجة للطبيعة ( والتي تعني الصخور والحرارة,
.. ), عذراً صديقي فلو لا وجود حواسك الخمسة ما استنتجت أي شيء عن وجودك من عدمك .. هل يمكن لعقلك أن يضيف حاسة سادسة أو سابعة أو ثامنة .. ؟ لا بل أقل من ذلك بكثير هل يستطيع عقلك أن يصنع العين (الموجودة سلفاً ) بقوانين أخرى غير هذه المستعملة في العين البشرية نظريا لا حتى تجريبياً.. ؟ إن كان الجواب بالنفي, فالطبيعة والتي أفهمها أنها مجموعة أشياء و التي تضم الصخور والحرارة والرطوبة.. أذكى بكثير من العقل البشري العاجز وفي نفس الوقت الذي استطاع نفي الإله !!

 فعذرا صديقي الزهرة المتفتحة في حديقتي تنفي ذلك وتصرخ بشدة, ويديك التي تضرب لوحة المفاتيح بنعومة فائقة ترفض ذلك بشدة و القمر المشع في ظلمات الليل يبقى شاهداً على العبقرية الإلهية حتى يتبادل الدور مع رفيقتها الشمس.

وحتى نكون متجردين للحق غير متبعين للهوى يجب أن يكون تساؤلنا على هذا النحو: لماذا نجد الكون كله مؤلف من الزوجية, فكما نجد الإنسان المعاق نجد بجانبه إنسان سوي, وكما نجد الظلم نجد بجانبه العدل, وكما نجد الحرب نجد بجانبه السلام, وكما نجد الموت, نجد بجانبه الحياة, وكما نجد الحزن نجد بجانبه الفرح, وكما نجد الذكر نجد بجانبه الأنثى ونجد الشمس ونجد بجانبها القمر, نجد الماء ونجد النار, نجد المر ونجد الحلو, نجد الظل ونجد بجانبه الحرور, ونجد المادة الوراثية مكونة من خيطيين زوجيين وداخل الخيط الواحد نجد قواعد أزوتية زوجية مرتبط بعضها ببعض, داخل القلب الواحد نجده مكون من بطين أيمن وبطين أيسر, نجد مكروبات ضارة وميكروبات نافع, نجد الفم لإدخال الطعام, ونجد المخرج لإخراج الفضلات, نجد الإيمان ونجد بجانبه الكفر... نجد ونجد ونجد ..

لدى فهل يمكن لحضرتك أن تخبرنا عن سر هذه الزوجية التي لا يفلت منها أي شيء في الوجود ؟

طبعا هذا السؤال لن يجيبك عليه العلم التجريبي المجرد لأنه ببساطة يهتم بدراسة الكيف ( الطريقة) أما عن " هل " و " لماذا " و "من" فذلك متروك لقناعات الناس الشخصية وفلسفاتهم المرتبطة بالواقعية والبعيدة عن الوهم وسوء الفهم, لذلك كان الإيمان ولا يزال مشيئة حرة ( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ..) وهذا هو جوهر وجودنا في الوجود.

عزيزي الملحد المؤمن المتجرد للحق لا يبني إيمانه من الفراغ, آمن بالله تعالى واليوم الآخر فقط لأنه وجد أجداده يؤمنون وسار على ملتهم ونهجهم دون فكر ولا منطق ولا كتاب منير .. المؤمن المتعقل يدرك جيدا أن هناك زوجاً آخر للدنيا وهي الآخرة مادامت الأشياء في الكون بدون استثناء تحمل هذه البصمة كإشارة يعقلها العالمون والمتفكرون والمتدبرون في آيات كتاب الله المنشور ( الكون) في آيات كتاب الله المسطور (القرآن), فالذي خلق هذا الزوج الدنوي الذي لا يساوي شيئا لا شك أنه خلق أيضا زوجا آخر غير هذه الدنيا بقوانين أعظم وأشمل و أدق من الأولى [وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (49) فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ] الذاريات-50.. فعندما يدرك المتجرد للحق سر هذه الزوجية في الوجود سيفر مباشرة إلى الله تعالى الذي ليس له زوج ولا صاحبة ولا ولد,[ وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ] لأنه الله تعالى عن ذلك علوا كبيرا ليس بشيء ولا تنطبق عليه قوانين عالم الشيء التي من بينها الزوجية والخلق ثم الهلاك.. فالذي أوجد هذا الكون من اللاشيء فلا شك أنه أزلي سرمدي باق لا اله إلا هو عما يصفون.. والذي خلق الحياة من اللاحياة فلا شك أنه حي صامد لا يموت وليس كمثله شيء في الأرض ولا في السماء..

لذلك فالقرآن الكريم أشار إلى هذه المسألة عن الذين يتبعون المتشابه في آيات الله تعالى ويدرون المحكم وقال عز وجل [هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (6) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ] آل عمران-6

في بداية الآية يتحدث المولى عز وجل عن كتاب الله المنشور ( الكون) وبالضبط مسألة تصوير الخلق في الأرحام كيف يشاء, ( فإن يشأ جعله ذكرا وإن شاء جعله أنثى وإن شاء جعله مكتمل الأعضاء وإن شاء جعله ناقص...) ثم بعد ذلك جاءت الآية مقترنة بكتاب الله المسطور ( القرآن) وأخبر الله تعالى أن هناك آيات محكمات بينات سهلة الفهم والتدبر و أخر متشابهات يتبعها أصحاب النيات السيئة أو بالتعبير القرآني الجميل الذين في قلوبهم زيغ, أما المتعقلون فيؤمنون بها جميعها كلها من عند الله سواء المحكم منها و المتشابه وهؤلاء هم أصحاب العقول النيرة.

مع العلم أن الكتاب ليس هو القرآن فحسب, فالكتاب في القرآن الكريم يعني مجموعة قوانين باجتماعها يتحقق الشيء, ومنه نقول كتاب الصلاة أي مجموعة القوانين التي تحقق فريضة الصلاة وكتاب الموت أي مجموعة القوانين باجتماعها يتحقق شرط الموت, ويمكن تأجيلها إلى أجل مسمى بفهم هذه القوانين كالرفع من مستوى الصحة والنظافة لذلك جاء في القرآن الكريم أن الموت هو كتاب مؤجل [وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا] آل عمران-145, ومنه هذا الكتاب الذي يضم آيات محكمات ليس هو القرآن فقط بل حتى الكون وهو كتاب يضم مجموعة قوانين باجتماعها يتحقق شرط الحياة والاعمار وهذا الكتاب يضم كغيره من الكتب ( النظم) آيات متشابهات كالتي استشهدت بها على عدم الدقة, و آيات محكمات التي كانت معيارا لك في تحديد القوانين الدقيقة من عدمها, مع العلم أن الآيات في القرآن الكريم لها ثلاث معاني, الأولى آيات القرآن الكريم التي تتلى على الناس, وآيات الله في الأفاق والتي تضم الوجود الحسي وآيات الله بمعنى المعجزات الخارقة لنظم المادة, وبما أن هذه الأخيرة منعها المولى عز وجل وذلك نتيجة تكذيب السابقين لها (وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون), وأصبحت آيتين فقط آيات الله في الآفاق ( الكون) وآيات الله في القرآن الكريم وباجتماعها معا تحقق هي الأخرى قانون الزوجية في الوجود الذي لا يفلت منه أي شيء...

بمعنى أو بآخر تكذيبك وكفرك نعتبره زوجاً مكملا للإيمان و دليلا حسياً على وجود زوج آخر للدنيا وهي الآخرة, والقوانين التي تنظر إليها بعين السخط نحن ننظر إليها بعين الرضا والسرور..

فحتى داخل القوانين السلبية التي لا يرضاها أحد نجد أنها رحمة مهدآت من عند الله تعالى, فخد على سبيل المثال الألم, من منا يحب الألم ؟ لا أضن أن أحد يعشقه لكن للألم منافع شتى لا تعد ولا تحصى فبالألم نحس بحرارة النار وننجو بأبداننا قبل أن نحترق, وبالألم نحس بالبرودة الشديدة فلولها لانشقت أيدينا نتيجة تجمدها بالجليد.. فكل شيء يخلقه الله تعالى إلا لحكمة بالغة نحن مطالبون كمستخلفين في الأرض بمعرفة الحكمة من وراء صنعها وإبداعها وإخراجها إلى الوجود..

وخلاصة القول نقول أن الإلحاد ليس بمنهج تفكير بقدر ما هو ردود أفعال نفسية فقط (الذين في قلوبهم زيغ) متخفية في رداء العلم والمعرفة.. 
 

بقلم: ابراهيم ايت ابورك

اجمالي القراءات 6754

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2011-06-02
مقالات منشورة : 13
اجمالي القراءات : 237,367
تعليقات له : 155
تعليقات عليه : 54
بلد الميلاد : المغرب الكبير
بلد الاقامة : تامزغا