البلوغ والتكليف:
( ولمّا بلغ أشدّه ) حول البلوغ والتكليف

أحمد صبحى منصور   في السبت 20 اغسطس 2011


أولا : البلوغ هو مرحلة من مراحل  حياة الانسان.
يقول جل وعلا :( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ  )( الحج 5 ) ، فهنا الحديث عن مراحل خلق الجنين ، فمن التراب كان خلق آدم . وبعد آدم يبدأ التناسل بالتغذية من الطعام  وهو من تراب الأرض ، ويتحول الطعام الى اجهزة الجسد ومنها اجهزته التناسلية عند البلوغ ، ومنها تكوين الحيوانات المنوية فى الخصيتين و تكوين البويضات فى الرحم . وباللقاء الجنسى يتكون الزيجوت اول خلية للجنين وتتكاثر لتصبح نطفة تتكاثر خلاياها وتتعلق بجدار الرحم فتكون علقة ثم تتكاثر لتصبح قطعة لحم قدر ما يمضغه الانسان أى مضغة ، ثم تنقسم الى مشيمة وجنين تمده المشيمة بالطعام . و من اللحم تتكون العظام والغضاريف الى أن يخرج الجنين طفلا ، لتبدأ مراحل حياته من الطفولة الى البلوغ حيث يبلغ أشده. ويقول جل وعلا أيضا : (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى مِن قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ )( غافر 67 ) فهنا ذكر لمراحل الانسان بعد البلوغ الى مرحلة الخريف فى الشيخوخة ، وهناك من يموت قبلها .


ثانيا : مرحلة البلوغ .
و(أبلغ ) تعبير عن مرحلة (البلوغ ) هو التعبير القرآنى ( بَلَغَ أَشُدَّهُ ). أى يتحول الطفل الضعيف الى إنسان قوى ، وتحدث تغييرات فسيولوجية ونفسية وعقلية يتفتح فيها العقل والاحساس بالتوازى مع نمو الجسد وعضلاته ووظائفه الجنسية فى الذكر وتهيئة جسد الانثى لتكون صالحة للانجاب  ، مع انفتاح الرغبة و الطاقة الجنسية بحيث تبدأ عمليا القدرة على الانجاب لدى الذكر والانثى . هنا يكون قد بلغ أشده ، وأصبح مؤهلا لتحمل تكاليف الحياة و تكاليف الدين من عبادات واخلاقيات ، ويكون مسئولا عن أعماله أمام القانون البشرى فى الدنيا وفى يوم الحساب أمام الله جل وعلا يوم القيامة . يقول جل وعلا عن يوسف عليه السلام بعد ان قصّ ملامح من طفولته : ( وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ )( يوسف 22 )، ويقول أيضا عن موسى عليه السلام :( وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ )(القصص 14 ). فهنا أوتى أولئك النبيان المرسلان من الله جل وعلا ما يؤهلهما لمهمة النبوة والرسالة ، وهذا قدر زائد يمتاز به النبى المرسل عند البلوغ عن بقية البشر. ويقول جل وعلا : ( وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ  )( الكهف 82 ). فهنا يتيمان فى مرحلة الطفولة ، وبعد انتهائها سيكونان قادران على استخراج الكنز المخبأ لهما ، وقادران أيضا على تحمل مسئولية التصرف فيه .
ثالثا : تشريعات خاصة بمرحلة البلوغ 
 وفى مرحلة الطفولة يكون اليتيم صاحب المال محتاجا لوصى من البالغين الأمناء ليرعى ثروة اليتيم فى طفولته . وقد تكرر التحذير من أكل مال اليتيم الطفل بالباطل ،: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ) ( النساء  10)  ، والمفهوم أن هناك من يأكل مال اليتيم بالعدل وليس بالظلم ، أى حين يكون الوصى فقيرا فله أن يأخذ أجرا مقابل رعايته لمال اليتيم ، يقول جل وعلا : (وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا )(النساء 6 )
تشريعات موجهة لأولى الأمر
يقول جل وعلا ( وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ) (الاسراء  34 )(وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ )(الانعام 152 )، فإذا بلغ أشده لم يصبح يتيما بل رجلا بالغا يمكنه تحمل مسئوليته. ولكن قد تنتفى عنه صفة اليتيم بالبلوغ ولكن يكون غير مؤهل لادارة ماله ، أى قد يكتسب صفة اخرى ماكان صفة الليتم وهى الحمق والسفاهة ، لذلك يوجب شرع الله جل وعلا اختبار ذلك البلغ الذى كان يتيما لنتبين صلاحيته لادارة ماله ، فإن تبين رشده تسلم تركته ، وإن نبين سفهه فالوصاية تعود للاشراف عليه ورعايته . وهذا معنى قوله جل وعلا "(وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا )(النساء 6 ). ويلاحظ هنا أن التشريع ليس موجها للطفل اليتيم بل للبالغين وأولى الأمر . وهذا يعنى أن الطفل ليس عليه تكليف لأن التكليف أو المسئولية مرتبطة بالبلوغ . وحتى فيما يخص الطفل من تشريعات فإن  هذه التشريعات لا يتم توجيهها للطفل ولكن للبالغين من أولياء أمره ، ينطبق هذا على الطفل اليتيم كما سبق ، كما ينطبق على كل طفل فى قوله جل وعلا فى آداب الاستئذان فى البيوت : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِن قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاء ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) .
تشريعات لمن يصل مرحلة البلوغ
بعدها حين يصل الطفل الى مرحلة البلوغ يتوجه اليه التشريع مباشرة ، تقول الآية التالية : ( وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ )(النور 58 : 59 )
اخيرا
ومن الآيات الكريمة السابقة يتضح ارتباط البلوغ فى الانسان بمسئوليته أو بالتكليف وتأهله لتطبيق القانون والتشريعات الالهية عليه . كما يتضح أن ملامح البلوغ هى الوصول لما يعرف بمرحلة المراهقة ، أى ببلوغ الأشد أى بلوغ الحلم والقدرة على النكاح أو الصلاحية للزواج :  (وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ ) (وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ  ) (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ )..

هذه المقالة تمت قرائتها 288 مرة

 


التعليقات (4)
[59643]   تعليق بواسطة  ابراهيم ايت ابورك     - 2011-08-19
تراب وأتراب الجنة ..1

 

 


شكرا دكتورنا أحمد صبحي منصور على هذا المقال الجميل حول تفاصيل مرحلة البلوغ وما على الانسان من تكاليف المسؤلية الدينية والدنيوية , وعندي تعقيب على مقدمة المقالة..

قلت:

" فهنا الحديث عن مراحل خلق الجنين ، فمن التراب كان خلق آدم . وبعد آدم يبدأ التناسل بالتغذية من الطعام وهو من تراب الأرض ، ويتحول الطعام الى اجهزة الجسد ومنها اجهزته التناسلية عند البلوغ ، ومنها تكوين الحيوانات المنوية فى الخصيتين و تكوين البويضات فى الرحم . وباللقاء الجنسى يتكون الزيجوت اول خلية للجنين وتتكاثر لتصبح نطفة تتكاثر خلاياها وتتعلق بجدار الرحم فتكون علقة ثم تتكاثر لتصبح قطعة لحم قدر ما يمضغه الانسان أى مضغة ، ثم تنقسم الى مشيمة وجنين تمده المشيمة بالطعام . و من اللحم تتكون العظام والغضاريف الى أن يخرج الجنين طفلا ، لتبدأ مراحل حياته من الطفولة الى البلوغ حيث يبلغ أشده ".

 


الآية الكريمة تخاطب الناس جميعا وليس الحالة الخاصة لخلقة آدم عليه السلام فقط, فالله تعالى يقول: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ )( الحج 5 )

يعني المراحل التي يمر بها الخلق البشري بصفة عامة هي من مرحلة تراب ثم نطفة ثم علقة ثم مضغة ... طفل ... شاب ... شيخ ... موت...

وعند التدقيق في الآية السالفة الذكر فهي تخاطب جميع الناس بصفة عامة ومنكري البعث بصفة خاصة , وسر بدأ الله تعالى مراحل خلق الانسان بمرحلة تراب كون الآية الكريمة تخاطب منكري البعث , حيث نجد في كتاب الله تعالى جميع الآيات التي تخاطب هذه الفئة وعلى مساحة النص القرآني بروز كلمة تراب في جميع الآيات وبدون أي استثناء و الامثلة كثيرة :
 


- وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ -]الرعد-[5

- وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (34) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (35) هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (36) إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (37) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ -]المؤمنون-[34-38

- قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (82) لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآَبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ -]المؤمنون-[82

- وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآَبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (67) لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآَبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ )-]النمل-[67

- أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (16) أَوَآَبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ -]الصافات-[16

 

 

[59644]   تعليق بواسطة  ابراهيم ايت ابورك     - 2011-08-19
تراب وأتراب الجنة ..2

- وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ -]الواقعة-[47

- أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ )-]ق-[3

- إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا-]النبأ-[40


من الآيات أعلاه يتضح أن آخر مرحلة من مراحل الانسان هي مرحلة التراب التي تأتي بعد الموت, وعند جمع هذه الآيات مع الآية السابقة : : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ )( الحج 5 )


يتضح أننا أمام حلقة دائرية حول مراحل خلق الانسان تمتد من مرحلة تراب وتنتهي الى مرحلة تراب, بمعنى الله تعالى يقول لمنكري البعث أنا خلقتكم من تراب (اللاشيء) كقيمة أولية ثم من نطفة ثم من علقة و مضغة ثم تخرجون خلقا آخر وتصيرون شبابا ثم شيوخا وتتوفاكم المنية وتتحول أجسادكم الى تراب (لاشيء) وهي نفسها القيمة التي خلقتكم عليها من قبل فلما الجحود بالبعث وقدرة الله تعالى أصلا ؟؟؟


بينما في الآيات التي تخاطب الناس جميعا وبدون استثناء نجدها تبدأ بمرحلة النطفة كأولى مرحلة من مراحل خلق الانسان والدليل :

- خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ -]النحل-[4

- أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ -]يس-[77

- وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (45) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى -]النجم-[46

- أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى -]القيامة-[37

- إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا -]الانسان-[2

 مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ -]عبس-[19

 

[59645]   تعليق بواسطة  ابراهيم ايت ابورك     - 2011-08-19
تراب وأتراب الجنة ..3

 والإنسان على هذا الكون المادي نفسه (الروح) تمتحن عن طريق الجسد المادي فعند الموت ' تنتقل' نفسه الى البرزخ ويبقى جسده 'سوءته' لا معنى لها ولا قيمة وسماها القرآن الكريم ب تراب .

وأيضا المولى عز وجل سمى المرحلة 0 (قبل النطفة) لخلق الانسان داخل الرحم بتراب , لان الروح لم تنفخ فيه بعد (العناصر المكونة للإنسان من حيوان منوي وبويضة لم تلتقي بعد) ولدى كل من الحيوان المنوي والبويضة (قبل الاخصاب) لا ترتقي بعد الى تسميته بالانسان فشأنها شأن الجسد عند خروج الروح منه !! وهذه القيمة الدونية (للمادة) تتضح عند عدم حدوث الاخصاب حيث كل من الحيوانات المنوية والبويضة تخرج وتغتسل وتدهب في مجاري الصرف الصحي ويسمى عندها الانسان بالجنب ولا تصح له الصلاة الا عند الاغتسال والتطهر ...

وهذا المعنى الدنوي لكلمة تراب تضح جيدا في هذه الآية الكريمة:

هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (1) إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً ' -الانسان-1

يعني قبل مرحلة النطفة الانسان لم يكن شيئا مذكورا وتراب تأتي في كتاب الله تعالى قبل مرحلة النطفة , يقول تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ " مما يدل على أنها (تراب) تعني القيمة اللاشيء المذكور بالنسبة للانسان..

ملاحظة: لا ننكر خلق الانسان من عناصر الارض ( الطين) – ( طين لازب) – (صلصال) – (حمأ مسنون) . ولنا بحث قيد الانشاء عن خلقة الانسان من طين , سينشر على موقع اهل القرآن في القريب العاجل..

 

[59656]   تعليق بواسطة  ابراهيم ايت ابورك     - 2011-08-20
تراب وأتراب الجنة ..4

 وهذه القيمة الدنوية نجد عكسها في كلمة أتراب , والفارق هو همزة التعدي حيث تعدى المعنى من القيمة الدنوية الى قيما عليا , وذلك مايفسر بروز كلمة أتراب في وصف نساء الجنة دون استثناء .. والدليل:


يقول تعالى:

- إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (35) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (36) عُرُبًا أَتْرَابًا -]الواقعة-[35-37

- حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (32) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا(33) وَكَأْسًا دِهَاقًا (34) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا -]النبأ-[32-35

- جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (50) مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ (51) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ-]ص-[50-52

 


اجمالي القراءات 18883
التعليقات (2)
1   تعليق بواسطة   رضا عبد الرحمن على     في   الأحد 28 اغسطس 2011
[59826]

سن التكليف كما وضحه القرآن هو سن البلوغ

من خلال هذا العرض القرآني الرائع يتضح أن سن التكليف أي المسئولية الدينية للإنسان ترتبط ببلوغه سن البلوغ أو حين يبلغ أشده أو حين يبلغ سن النكاح أو يصلح لأن يكون زوجا سواء كان ذكرا أو أنثى ، وجدير بالذكر هنا ارتباط سن صلاحية الإنسان للنكاح أو تحمل مسئوليته كإنسان في هذه الدنيا وتحمله مسئولية إدارة شئون حياته الخاصة ماليا واجتماعيا ، وقدرته على تحمل أعباء الحياة بأن يكون مستعدا وقادرا ومؤهلا للزواج والنكاح وتحمل مسئولية أسرة ، والعظمة هنا في التشريع القرآني هو ارتابط هذا التأهيل وهذه المسئولية بمسئولية أكبر وأخطر وأهم وهي مسئولية تحمل الإنسان اختيار دينه ومعتقده ومذهبه ، إذن هي مرحلة فراقة في حياة الإنسان أو يمكن أن نسميها أول مرحلة فارقة في حياة الإنسان وهي بداية التكليف الفعلي له وبداية محاسبته على أعماله السيئة والحسنة ، وجدير بالذكر أيضا هنا أن نذكر أنه في نفس السن يكون الإنسان أصبح مسئولا مسئولية قانونية على أفعاله وأقواله في المجحتمع الذي يعيش فيه ، ويحاسب على أنه رجل كامل النضج ويحاسب أمام القضاء ، لأنه قبل هذا السن يحاسب كحدث صغير ويحول إلى الإصلاحية لتأهيله مرة أخرى ، ولا يدخل السجون من في هذه السن ، بالطبع لا ننسي أن هناك مرحلة أخرى هي مرحلة الرشد ويجب التفريق بينهما لأن مرحلة البلوغ هي بداية التكليف فإن مرحلة الرشد وهي في سن الأربعين هي مرحلة أخرى من حياة الإنسان تتم فيها مراجعة النفس والوقوف مع النفس وقفة حاسمة والتوبة من كل عمل في معصية وكفر بالله جل وعلا وتكون مرحلة الرشد هذه الفرصة الذهبية لكل إنسان أن يصحح وضعه مع الله جل وعلا ويتوب توبة مبكرة مضمونة القبول بأن يقر ويعترف بالذنب ويقر ويؤكد على الندم وعدم العودة للمعصية ، الإنسان حياته عبارة عن مراحل ، وكل مرحلة لها صفاتها ومميزاتها ولها علاقتها بالتكليف والعبادة والإيمان بالله وعلاقة الإنسان بالله جل وعلا ...


2   تعليق بواسطة   نورا الحسيني     في   السبت 08 اكتوبر 2011
[60662]

عمل الصالحات والتوبة قبل فوات الأوان

أكبر نعمة منَّ الله بها علينا هى معرفة الحق والطريق المستقيم طريق القرآن الكريم والعمل بما فيه  والعمل على عدم الحياد عن كل  هذا نعمة لا تعادلها نعمة .


 والثواب يختلف حسب التوقيت فمن أدرك وعرف هذا في فترة بلوغه وشبابه وعمل قدر استطاعة وجاهد نفسه وبعٌد عن طريق الشيطان وجاهد ضد شح النفس بالإنفاق وإعطاء كل ذي حق حقه  فهو في طريقه للفوز برضا الله  تبارك وتعالى عليه .


أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق