رسالة إلى الشعب الأمريكي

سامر إسلامبولي في الثلاثاء 16 يناير 2007


ذائه ..... الخ وهذه الثقافة الاستهلاكية تقوم الدولة الأمريكية بتصديرها إلى شعوب العالم كله لتوسع من دائرة تصريف منتجاتها وسيطرتها الاقتصادية على العالم من خلال استعباد عقول الشعوب والسيطرة عليها وتوجيهها حسب ما يريدون ( العولمة ) . فلذا الشعب الأمريكي مثله مثل أي شعب آخر لا يملك قراراً ، ولا يعلم الحق من الباطل لأن القرار للحزبين فقط ، والحق ماتنشره وسائل الإعلام التابعة بشكل أو بآخر إلى الحزبين ومرتبطين معهم عضوياً لا تفاقهم على استعباد الشعب وامتصاص دمائهم وتقاسم المكاسب بينهم بشكل تداولي .

   والشعب الأمريكي يتململ الآن من استبداد الحزبين للحكم بينهما بشكل تداولي ، لأن غياب تعدد الأحزاب ، وعدم ميلاد أحزاب شابة جديدة ، هو إغلاق لباب التطور ، وإغلاق لباب مشاركة الشعب في السلطة وصنع القرار ، وهذا بحد ذاته طعنة في صميم الديمقراطية التي صنعها الاستبداد لتناسب التطور وتتلون ألف لون حسب ما تقتضي المصلحة . وحسب الشعب الأمريكي دليلاً أنه لا يصل إلى السلطة إلاَّ جهات مشبوهة ملوثة الماضي دفعوا ملايين الدولارات ليصلوا إلى منصبهم ثمناً لحملة الدعاية ، ورشاوي للمسؤولين الذين سبقوهم في طريق الإجرام ، وثمناً لأصوات الناخبين ، وثمناً ضخماً جداً لشراء سكوت من يعرف ماضيهم ، وثمناً لحرب المعارضين ..... الخ فاتورة طويلة جداً من المصاريف التي تدفع للوصول إلى المنصب ، فهل تظنون أن كل ذلك التعب لمصلحة الشعب ولخدمته ؟ كلاَّ إنه سرعان ما يقوم بضرب المصروف بعشرة أضعافه ، ويبدأ همه الشاغل في تحصيل ذلك المال بأقرب وقت قبل انتهاء الوقت المحدد له في منصبه ، وهكذا يتداولون المناصب ويستمر الصراع بكل أشكال العنف واللا أخلاقي سوى اجتناب العنف المسلح الجماعي مع السماح باستخدامه بشكل فردي ، إن استطاع ذلك مع إبعاد الشبهة عنه تماماً حتى لا يطوله القانون ويسيء إلى سمعته ، فالعمل في الخفاء مسموح على كافة الأصعدة .

    فالقسط الأكبر من الميزانية الأمريكية يستخدم في عملية السباق بالسلاح ومصاريف في خارج البلاد لاستمرار الاستبداد في حكم العالم ،واستعباد الشعوب ، بينما الشعب الأمريكي مهمل لا وزن له ولا قيمة ، ينتشر في جسم المجتمع التصدع والتخلف والجهل والأمراض الاجتماعية ، يمارس عليه التعتيم الإعلامي ، وإخفاء الحقيقة عنه ، وخداعه بإقناعه أن ما يجري من استعباد للشعوب الأخرى إنما هو لمصلحته ، والحقيقة إنه لمصلحة الدولة الممثلة بالحزبين فقط ، والذي يدفع الثمن هو الشعب ، فلذا ليس هو بأكثر حظاً من الشعوب الأخرى ، فالفرق بينهم نسبي كما ذكرنا ذلك آنفاً . فالوضع بين الحزبين قائم دائما على الصراع بينهما على السلطة ، فإذا وصل أحدهما ، يستمر الآخر في عملية التحفز والاستعداد والحشد للدورة الثانية ، فهما في الأصل مؤسسة استبدادية واحدة بوجهين مختلفين مثل الدولار تماماً . فعلى الحالتين الاستقرار مفقود لا وجود له للشعب . والذي يدفع ثمن الصراع بين الحزبين هو الشعب ذاته من شبابه وماله وكرامته وإنسانيته وسعادته .  

   ومن آخر ما ظهر من عملية التعتيم والتدليس وإخفاء الحقيقة عن الشعب الأمريكي خاصة ، وشعوب العالم عامة ، هو ظهور كتاب ( نهاية التاريخ ) الذي كتبه ( فوكوياما ) بتوجيه من الحزبين وتمثيلاً لوجهة نظرهما وحلمهما للمستقبل ، قام هذا المفكر المأجور القلم بالتبشير بإنتهاء الصراع الإيديولوجي وانتصار الإديولوجية  الأمريكية الممثلة بالحزبين فقط ، واعتبر أن ذلك أفضل ما تمخض به عقل البشرية الممثل بالحزبين المستبدين بالسلطة . وبالتالي فيجب أن يذعن العالم بشعوبه لهذين الحزبين والاعتراف بتفوقهما على المجتمعات الأخرى . والصواب أن أسوء ما تمخض به العقل البشري عبر تاريخه هو فكرة الديمقراطية التي تقوم على الاستبداد والاستعباد للشعوب بشكل تداولي بين قوى الاستبداد ، وتتطور مع تقدم الزمن بما يناسب الوعي الثقافي للشعبوب ، ومن هذا الوجه ظهر ما يسمى بخصوصية تطبيق الديمقراطية في المجتمعات المختلفة ، وهذا شيء طبيعي لأن لكل مجتمع طريقة خاصة تناسبه في عملية الاستبداد والاستعباد . فالديمقراطية حقيقتها هي استبداد في السلطة بين القوى المتصارعة بشكل تداولي ، واستعباد للشعوب من خلال استعباد العقول والثقافة . ومن خلال ذلك يقومون بالسيطرة على سلوك الشعب وتوجيهه حسب ما يريدون .

    وهذه المحاولة من الحزبين اليتيمين عن طريق المفكر ( فوكو ياما ) الياباني الأصل لإنهاء الصراع بين الإديولوجيات ، ليست هي الأولى في تاريخ البشرية ولن تكون الأخيرة ، لأن هذه الفكرة يقوم بنشرها كل طاغية مستبد ليعطي لنفسه صفة الثبات والاستمرار في عملية الاستعباد للشعوب ، ويطفئ كل نور يريد أن يكشف الحقيقة للشعوب ، ويحارب الحق ويغطيه بإعلامه الباطل ، ويكافئ الأقلام المأجورة التي تقوم بتمجيده وترسيخ سلطته ، وهذا ما جرى في الاتحاد السوفييتي ، وما جرى سابقاً في التاريخ عندما أعلن فرعون انتهاء الإديولوجيات كلها في زمانه ، وأعلن إديولوجيته فقال : [ أنا ربكم الأعلى ] فاستبد بالسلطة ، واستعبد الشعب ، وعندما سكت الشعب على إدعائه الباطل تجبر وطغى وازداد غروراً وانتفخت أوداجه وتجرأ وادعى مقام الألوهية فقال : [ ما علمت لكم من إله غيري ] أعلن بشكل صريح أنه يملك الأرض والثروات التي فيها والأنهار التي تجري فيها وبالتالي فهو يملك الشعب بكونه يعيش على أرضه ويأكل من خيراته ، إذاً هو إله الشعب يملك عقولهم وأنفسهم وأجسادهم وأولادهم فالحق ما يقوله ، وبالباطل ما يبطله ، والحرام ما يحرمه ، والمباح ما يبيحه .

   وليس على الشعب الذليل إلآَّ التصفيق ، وإقامة الاحتفال تلو الاحتفال بمناسبة وصول فرعون لمقام الإله !! .

   إن إعلان انتهاء الصراع بين الاديولوجيات هو ناقوس الخطر على المجتمع الذي يعلن فيه ذلك ، لأن الصراع بين الأشياء المتناقضة كما هو معلوم قانون من القوانين التي تقوم عليها الحياة الاجتماعية ، فالحق والباطل ، والعدل والظلم ، والخير والشر ...... الخ صفات لازمة لا ستمرار الحياة الدنيا ، فإذا غاب أحد الزوجين غاب الآخر معه بشكل لازم لا محالة فيستحيل وجود الحق دون الباطل ، والخير دون الشر ، والغنى دون الفقر ، والصحة دون المرض ، والعلم دون الجهل ...... الخ لأن ذلك لوحصل لانتفى عن المفاهيم محتواها ، لأن كل مفهوم يستمد وجوده من نقيضه ، وإنتفاء أحدهما هو انتفاء لكلاهما كون الحياة قائمة على قانون الثنائية للأشياء .

 فالحياة الدنيا قائمة على قانون الثنائية وقانون الصراع التناقضي بين الأشياء كصفة لازمة لها ، وذلك سوف يستمر إلى آخر الحياة الدنيا ، وبهذا الصراع التناقضي يحصل التطور والتداول للحضارات بين المجتمعات ، ويحصل التداول للقيادات بين الحق والباطل ، وذلك حسب مفاهيم المجتمع [ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ] والدوام والعاقبة للحق بكونه الأنفع والأحسن للناس ، ولو كان الباطل الآن في سدة القيادة ، فللباطل جولة وللحق جولات ، ولا بد أن يأتي يوم ينتصر فيه الحق على الباطل ويقود المجتمع ويدع الباطل قابعاً في أسفل الأرض هو وأهله منكمشا على نفسه إلى الحد الأدنى . فإعلان نهاية التاريخ ونهاية الصراع من قبل جهة ما ، هو في الحقيقة نعوة لهذه الجهة بقرب زوالها عاجلاً أو آجلاً ، لأن هذا الاعلان هو لسان حالها ومقالها . وعملية الصراع التناقضي الموجودة في الحياة الدنيا لهي البرهان المنطقي على أنه لا بد من وقت يأتي لينتهي هذا الصراع ويحل محله السلام ، وليس ذلك إلا اليوم الآخر ، فمن هذا المنطلق كان الإيمان بوجود اليوم الآخر والبعث والنشور للناس حقيقة كحقيقة وجود السماء والأرض ، فضلاً عن أنه ضرورة اجتماعية ، وضرورة نفسية ، وضرورة أخلاقية ، لأن الإيمان باليوم الآخر هو الذي أوجد مفهوم الخير والشر ، وهو الذي أوجد الضمير الحي عند الإنسان ، وأوجد الآخلاق عند المجتمع ، وأوجد التوازن النفسي عند الفرد . ووجود هذه المفاهيم الثنائية التناقضية في الواقع برهان كاف على وجود اليوم الآخر كضرورة لازمة ، ويستحيل عقلاً وواقعاً استمرار الصراع التناقضي إلى الأبد دون نهاية له لأن ذلك لو تم لانتفى عن المفاهيم الثنائية التناقضية محتواها وأصبح الخير مثل الشر ، والحق مثل الباطل ، والظلم مثل العدل ..... الخ وأصبح الإنسان في هذه الحياة الدنيا مجرماً ، وأصبحت المجتمعات مجتمعات بهيمية تسفك دماء بعضها بعضاً دون رادع ودون ضمير حي يحاسب الناس ، واختفى مفهوم الحرام والحلال وذهب الناس ينكحون أصولهم وفروعهم وجنسهم ..... الخ

   فلذا لا بد من الإيمان باليوم الآخر ، وجعله قاعدة فكرية ينبثق منها مقومات أنظمة المجتمع وعلاقاته مع بعضه بعضاً ، لأن الإيمان باليوم الآخر ينشر العدل والأمن والسلام وينصر الحق ضد الباطل ، ويعيش المجتمعات ضمن أجواء التعارف والتعاون على مصاعب الحياة الدنيا ليجتازها بسلام وآمان إلى الآخرة جنة الخلد والسعادة الأبدية .

  فطرية الخلاص من الظلم العالمي والاستعباد للشعوب هو ارجاع الحياة إلى مفهوم الإيمان باليوم الآخر ، وجعله مفهوماً حيوياً بكونه حقيقة لا شك فيه ، وبالتالي بناء حركة الشعوب على موجب هذا المفهوم بكون الدنيا دار ابتلاء وليس دار هزل ولعب ، ودار فناء وليس دار بقاء ، والآخرة خير وأبقى . فلذا من الخطأ جعل الأساس في علاقة الشعوب مع بعضها بعضاً هو الصراع على هذه الحياة الدنيا الفانية . فالإنسان في دار الابتلاء والامتحان يقوم بالتعاون والتعارف والتعايش بسلام مع الآخرين وينشر الحق ويطبق العدل ، ليجعل من الحياة الدنيا جنة نسبية صالحة كطريق وبداية للحياة الأبدية ، لأن الدنيا مزرعة الآخرة . فمن يعمل خيراً خيراً يره ، ومن يعمل شراً شراً يره . ومن يرزع الشوك لن يحصد إلا الشوك . فيا شعوب العالم تعالوا النقوم بعمارة الأرض والاستخلاف فيها كما أمر الرب الأعلى ، ونحارب الفساد الاجتماعي والبيئي ، ونحق الحق ونطبق العدل وننشر الأمن والسلام والتعايش بين الناس متعاونين على مصاعب الحياة ، متآزرين في محاربة الاستعباد بكل صوره المتطورة .

[ قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أر باباً من دون الله ] .

 

اجمالي القراءات 5796
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2007-01-08
مقالات منشورة : 143
اجمالي القراءات : 1,834,470
تعليقات له : 354
تعليقات عليه : 809
بلد الميلاد : Syria
بلد الاقامة : Syria