اطلالة أخاذة فى قضية حساسة:
الحداثة أقوى من السياسية

signature   في الخميس 23 نوفمبر 2006


طالما أثارت الأبحاث الاجتماعية والنفسية الميدانية الكثير من التعقيدات والمفاجآت نظرا لديناميتها و نسبيتها وثبات النزعة الفطرية للكثيرين نحو تجنب التجديد وتلوين الحقائق وتزييفها ، خاصة فى مجتمعاتنا المتخلفة التى ترى وراء كل محاولة بحثية جادة دعوة هدامة ، ووراء كل ابداع بدعة فى النار ، فى مجتمع كذلك تجد دلال البرزي صعوبة فى اقناع عشرين شخصا فى الاشتراك فى تجربة علمية ، فى الوقت الذى لا زلنا نتذكر منذ سنوات قليلة ما تداولته وكالات الأنباء عن تجربة علمية بريطانية قام خلالها أكثر من خمسة ملايين بريطاني فى المدارس والمصالح الحكومية والبيوت والنوادى بالقفز فى أماكنهم فى نفس الوقت ولمدة دقيقتين كاملتين ليشاركوا في بحث يهدف الى قياس مدى تأثير ذلك على احداث هذة أرضية .. وقد تم تسجيل الهزة فعلا .. ولكن أظن أن خبر كهذا لم يهزنا بعد.

وفى هذا الكتاب تحاول الكاتبة ازالة الألوان ورفع التزييف عن مكوناتنا النفسية باستخدام الأسلوب العلمي لدراسة أفكار الناس حول صراع الحديث والقديم عن طريق السرد والتداعي الحر فى التعبير عن الأفكار. حيث يقوم الباحث بتحليل ودراسة رواية أحد الأشخاص لتجربة حياته وما مر به من أحداث للوصول الى نتائج مشتركة مقارنة يستطيع من خلالها الوصول الى قواعد عامة حول موضوع البحث . والكاتبة تثبت فى البداية أول صعوبات البحث وهى المتعلقة بالموضوعية فى ظل هذا النوع من التجارب ، حيث تتعاظم صعوبة التحقق من الصدق ، لأن الرواي هو الحكم الوحيد لاثباتها، كما يؤثر التوجيه على مسار وصدق الراوي ، ومن هنا فقد تتسلل الى البحث الكثير من الذاتية ، بالاضافة الى اختلاف الزمن والظروف المارة لكل رواي مما يجعل كل منهم ينظر لنفس الحادثة من منظاره الخاص.ولكنها تصل فى النهاية الا أن عامل الموضوعية بصورة أو بأخرى يصبح أكثر نسبية مما يتوقع الكثيرين  ومن هنا لا تتحرج الى اعتماد نتيجة بحثها الأكثر دهشة وهى أن الأفكار الأكثر ديناميكية فى حياتنا تدور فى معظمها حول "السياسة" لا حول "الحداثة".

وأبطال القصص هم :  

1) محمد زيني (90 سنة) وهو رجل أعمال مفلس رغم أنه كان ناجحا ، حيث عاش بمنطق كل عصر عاش فيه ، فتعامل مع الإنجليز وباع لهم واشترى منهم أثناء الاحتلال الانجليزي ، ثم اغتني من الحرب العالمية الثانية ، وأصبح ثري حرب ، ثم أخفى أمواله عندما قامت الثورة ، وأخرجها مرة أخرى عند قدوم السادات للحكم واعتماده سياسة الانفتاح ، ثم أخيرا  وقف له أبناءه عندما أكثر من الزواج ، وحجروا عليه ، فخسر أمواله ، واتجه للقراءة والفكر ، وأهم أفكاره ايمانه بفكرة "تناسخ الأرواح" الذى اعتنقها عن طريق زواجه من فارسية.

2) صالح حسنين (80 سنة ):  وهو سفرجي سودانى أسود البشرة ، كان يعمل عند باشا قبل الثورة، وليس له أى نشاط سياسى ، وغير مشترك فى أى جمعية أو مجلس ، الا مجلس أولياء الأمور لأولاده ، وحتى ذلك مستعد للخروج منه ، اذا أحس فيه بشبهة سياسية؟!.

3) عبد العزيز عمار (69 سنة):   وهو فلاح نال قسطا من التعليم ،  واقترب من الإخوان ، ثم ابتعد عنهم وكعادة من هم في جيله هتف لعبد الناصر ومارس السياسة أثناء عهد السادات ، ثم اهتم بالثقافة فى عهد مبارك ؟!.

4) عبد الرحيم عمران (65 سنة):  وهو ريفي جامعى التعليم ، اعتنق الماركسية فى الجامعة ، وناشط سياسى فى حزب العمل ، يحمل كرها شديدا للأفكار الدينية المتخلفة والمتعصبة وللعولمة الاستهلاكية.

5) عبد الستار فايز (65 سنة): وهو مدرس بخيل ، يعلى من قيمة النقود ، خاصة بعد احساسه بانهيار كافة القيم الأخرى عندما تخلى عنده أقرب أقربائه عندما سجن ظلما( كما يروي) ويشعر أن كل الناس تستغله للحصول منه على المال .. وقد اضطر للسفر للسعودية حتى يستطيع العمل بعد الخروج من السجن .

6) صابرين عبد المسيح (65سنة ) : مسيحية متدينة ، أحبت رجلا مسلما ، ولكنها تزوجت رجلا آخرا مسيحيا مثلها ، عملت هى وعائلتها على تربية أخوها الكبير حتى يتعلم فى ظل ظروف معيشية صعبة ، ثم بعد ذلك تركهم وهاجر الى أمريكا .

7) زاهر اسماعيل ( 62 سنة ) : وهو رجل ريفي وهو ناشط سياسي فى حزب الوفد ، وله تجربة واضحة فى الترشيح لإنتخابات مجلس الشعب ، لا يكف عن الدعاية لنفسه أثناء الحديث ، كما لو كان فى سرادق انتخابي ..

8) عبد السميع رمضان (60 سنة) : وهو عامل تصليح بوابير قضى عليه ظهور البوتجاز ، وأخرج ابنه من التعليم مع نبوغه فيه ، ولكن ابنه تحداه بعد أن كبر و استطاع أن يحوز على درجة الماجستير فى بعد أن أنهى دراسته الجامعية من خلال مكسبه كسائق ميكروباس .

9) سيد العفيفي ( 52 سنة) : وهو فلاح ناصري التوجه وناشط اجتماعي ، وكوّن جمعية أهلية لخدمة قريته ومعارفه .

10) محمد أبو سويلم ( 48 سنة) : صعيدي هاجر للسويس ، ثم خج منها بعد حرب 67 وبدأ مشواره مخياط ، ثم ما لبث أن سافر الى ليبيا ، وعاد ليفتح محلا لبيع الملابس .

11) عبد الوهاب حسنين (40 سنة) : وهو محاسب ريفي الأصل أيضا ،تولد عنه مشاعر متناقضة تجاه الآله ، حيث يفرض عمله عليه استخدام التكنولوجيا ، التى يرى أنها تحوله لآله .

12) زينب محروس 38 سنة : مدرسة جامعية ، عندها أزمة عاطفية ، حيث تظل بدون زواج ويهرب منها الخطاب ، بدون سبب ، هذا بالاضافة الى أزمة أكثر استفحالا ، وهى أزمة ثقافية ، حيث يظهر جهلها وتخلفها أثناء حديثها عن أهم شئ لابد وأن تكون متخصصة فيه وهو مجال البحث الذى حصلت عليه على درجة الماجستير (محمد عبده).

13) محمود حسين ( 38 سنة): وهو صاحب ورشة ، وملتزم دينيا ، بدون أن يشجع على التزمت ، وهو يؤمن بضرورة الإحياء الديني ، فى الوقت الذى ابتعد فيه عن الإخوان  لانغماسهم فى السياسة ،ويخاف أن يقتنع من منطق صاحبه "الماركسي".

14) حسن محمود (36 سنة) : وهو مهندس ناجح متكيف مع العصر مستخدما أدواته ، عاش نصف عمره بالصعيد والنصف الآخر فى القاهرة ويتمسك بأصوله الصعيدية ، ويكثر من الاشادة بقيمه وتراثه الصعيدي .

15) ايمان كمال (31 سنة ) : وهي زوجة حسن ، عانت من متاعب أسرية نتيجة الخلاف الدائم بين أبويها ، تحاول أن تكون ناجحة مثل زوجها ، لكنها تعيب عليه اهتمامه الزائد بأهله فى الصعيد.

16) أيمن سامي (30 سنة ) : وهو شاعر وأديب ، وعاش حياة صعبة حتى تمكن من اكمال تعليمه الجامعى وحصل على بكالوريوس اعلام ، وهو ناصري ، ولكنه لا يؤمن بالوحدة العربية ؟‍!.

17) أحمد عبد الرحمن (30 سنة )  : وهو مريض نفسي ، عقد نفسيا من كثرة تزوج والده ، ويبرر جنونه بالصراحه وأن كل الناس من حوله منافقين ، وهو حاصل على ليانس آداب؟!!..

18) بهاء عبد الخالق (29 سنة) : وهو صاحب أحمد وهو ماجن ، لا يهتم بغير الجنس ، يبرر اهتمامه الزائد به ببرود زوجته ، وبأنه وراثة من والده ، يداوم على شرب المخدرات ، ومثله الأعلى "الشيطان"  ( لأنه قال لا ، ولمين ... لربنا ؟!!) .

هذا وبالرغم من أن حكايات كل من أبطال القصة لها طابعها الخاص ، الا أن دلالاتها السياسية والفلسفية والاجتماعية تشابهت كثيرا، فكل منهم بدأ قصة حياته بالحديث عن انتمائاته الخاصة بأشكالها التقليدية ( انتمائه لعائلته ، وزوجته ، وأصدقائه ، وجيرانه ، وقريته) ثم الى أشكال الأكثر حداثه (انتمائه المهنى أو السياسي أو التعليمي) . وبعيدا عن التوافق العام في الشعور بالكراهية المبررة تجاه الحداثة ، فإنهم أظهروا وجوها عديدة لحداثتهم الخاصة قسمتها المؤلفة الى ثمانية أنواع :

1)   حداثة موروثة وقديمة ومتجذرة نوعا ما ، وهى مرتبطة بعاملين أساسيين ، وهما : الهجرة من الريف الى المدينة (حيث ارتبط بمخيلة الناس مفهوم المدنية كمفهوم مقابل للتحديث ، وهم بذلك لا يعودون للريف الا فى الحالات القصوي ، مثل حالة صابرين عبد المسيح التى عادت للريف مرتين بعد وفاة أبيها وافلاس زوجها) ، والتعليم حيث كان التعليم يمثل طريقا للإرتقاء الطبقي ووسيلة لتحسين الوضع الاجتماعي .

2)      حداثة انقلابية : وهى تطال الأفراد والجماعات بصورة مفاجأة ، مثل حالة انقلاب حياة عبد السميع رمضان عامل تصليح البوابير عندما تم ادخال البوتجازات .

3)   حداثة تقليدية :  وهى التى تنتج من التقليد ، حيث دخل الأسمنت والبوتجاز الى القرى عن طريق العائدين من السفر من البلاد العربية ، مما سبب فى ظهور أنماطا معيشية وسلوكية جديدة.

4)   حداثة متحيرة :  وهى واضحة فى حالة بهاء عبد الخالق ، الشقى الماجن الذى يرى المرأى العصرية فى خطيبته السابقة الداسة للفرنسية والمثقفة جنسيا فى نفس الوقت الذى يراها فى النساء الليبيات فقط لأنهم يبخرون أزواجهم قبل الجماع. ويظهر هذا الموقف أكثر تجليا فى حالة عبد الوهاب حسنين الذى نجح مهنيا عن طريق اجادته للكمبيوتر فى نفس الوقت الذى ينظر اليه كأداة لتكسير العلاقات بين الناس .

5)     حداثة جزئية : وهو أخذ وجه من وجوه الحداثة دون غيرها ، فمثلا لا يري زاهر اسماعيل فى الحداثة سوى العولمة والخصخصة والبطالة .

6)   حداثة شكلية التقليد: وهى حالة عبد الستار فايز مع ابنه الكبير الذى رجع الى مصر قبله ، وفسد ، وهو يعتقد أن السبب أنه كان فى بيئة مغلقة ، ثم جاء الى مصر والبيئة المتفتجة ، فى مقابل ابنته التى عادت أيضا من السعودية بنفس التطرف الموجود هناك فى العلاقة بين الرجل والمراة ، حتى مع زوجها ، مما جعلهم غير قادرين على المعيشة ببساطة التقاليد المصرية ، وبتخلف التقاليد السعودية.

7)     حداثة يخدمها التقليد :  وهى حالة صالح حسنين الذى تعلم فى جو مشابه للعبودية عند الباشا اللغة الفرنسية واحترام الزوجة ورفض تعدد الزوجات .

8)   حداثة كملاذ للأزمات أو تفسير لها : وهذه حالة عبد العزيز عمارة الذى انكب على القراءة للفلاسفة بعد افلاسه واغتيال السادات وفقدانه لمعنى السياسة ، ومثله التفسير الذى يتبناه احمد عبد الرحمن لمرضه النفسي من أنه "عائد لمفهومه عن الفردية الأوروبي".

ثم تلتفت الكاتبة لمناقشة أكثر عملية لمضمون هذه الشهادات لتعترف بصراحة عن خطأ تصورها من أن فكرة الحداثة والتقليد تمثل محورا أساسيا من تفكير الناس ، حيث أظهر التحليل المتأنى لهذه الشهادات تغليبا ملحوظا للعوامل السياسية بصورة تصرف النظر عن ما عداها .. وقد تركزت هذه العوامل السياسية قى : المناقشة الدائمة لدور الدين ، وجماعة الأخوان المسلمين ، وظهر هذا جليا فى شهادة كل من له صلة بالعمل الاجتماعى أو الثقافى حتى وبدون مناسبة ( ويظهر ذلك جليا فى قصة عبد العزيز عمار الذى يهاجم الإخوان ، ولكن لا يمنعه ذلك من الترويج لفكرة "الاحياء الديني بشكل عام" كما ظهر أيضا هاجس دور الآلات فى البطالة وتأثير سياسات العولمة الاقتصادية على اتجاهاتنا السلوكية وهويتنا الذاتية.  وكان الحديث عن الاهتمام بالعرب وحرب الخليج الثانية واسرائيل ، وحرب 1967، والتلميح الدائم بالمقارنة المفتعلة بين عبد الناصر والسادات قاسما مشتركا بين معظم المتحدثين .

اجمالي القراءات 6571
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق