خواطر في فهم السنة

عبد الله   في السبت 28 اغسطس 2010


خواطر في فهم السنة

د.سيد دسوقي حسن

مقدمة:

كنت قد اتخذت مكاناً بعيداً عن صخب القاهرة وضجيجها في هذا الصيف، أحاول أن أستجمع فيه شتات عقلي في موضوع "هندسة الفضاء" وماذا نفعل فيه بعد أن كلفتني أكاديمية البحث العلمي في مصر برئاسة شعبة تكنولوجيا المركبات الفضائية.

ولكن صخب القاهرة وضجيجها ظل يلاحقني، فكلما التقيت بصديق أو شاهدت الصحف المصرية على الحاسوب رأيت وسمعت أن هناك معركة دائرة حول السنة في الجرائد والمساجد وكل ساحات القتال. وفي صباي كنت أتابع مقالات الدكتور مصطفى السباعي عن السنة في مجلة "المسلمون" القاهرية، ثم تابعت معركة الغزالي واشتباكه مع بعض شباب العلماء وقرأت كتاب "السنة بين أهل الفقه وأهل الحديث" وكذلك تابعت عمل المرحوم عبد الحليم أبو شقة في كتابه عن المرأة وكذلك قرأت كتاب الشيخ يوسف القرضاوي "كيف نتعامل مع السنة. وفي هذا الصيف قرأت أيضاً كتاب الشيخ سليمان العودة "رد هادئ على محمد الغزالي" وكتاب "المنار المنيف في الصحيح من الضعيف" لابن قيم الجوزية وكتاب " البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث الشريف" للحنفي الدمشقي وكتاب "تهذيب الآثار" للطبري وكتاب "أبي شهبه في الرد على أبي ريه"

على كل حال وزعت نفسي هذا الصيف في مراجعة شاملة "لقضية السنة" و"هندسة الفضاء" ورأيت أن أكتب مقالاً "رباطياً" يحاول  ربط التوجهات المختلفة بشبكة واضحة من الأفكار، فكثير من المتحاربين يمكن أن يلتقوا إذا استمع بعضهم إلي بعض من غير هوى جامح وغرض مطاع.

الناس تتحدث عن الغيب وعن أنباء الغيب. والقرآن يحتوى على ثلاثة محاور:

البينات والكتاب والميزان. ولقد كتبت مرة أن القرآن الكريم كتاب هداية في آفاق النفس والمجتمع ومهمة كل الرسل أن يعلموا الناس الكتاب والميزان. والكتاب هو جماع الحقائق الثابتة سواء تعلقت بعالم الغيب أو بعالم الشهادة، وسواء وصفت لنا عالماً لم نره بعد أو وصفت لنا النفس البشرية في تقلباتها المختلفة، أو وصفت لنا ظواهر في الاجتماع الإنساني، أو وصفت لنا مشاهد من الكون المحيط بنا أو الكون البعيد عنا، أو وصفت لنا كيف بدأ الله الخلق وكيف يعيده، أو حدثتنا عن أنباء الغيب من أخبار الرسل والأمم والحضارات التي خلت من قبل. أما الميزان فهو جماع القيم الأخلاقية التي يدعو إليها الدين لتسود في داخل النفس وفي المجتمع وفي الكون المحيط والتي بها نضبط كل أعمالنا ونزن كل تصرفاتنا حتى نقوم بالقسط.. هذا هو الميزان والله أعلم. والبينات تهدي إلى الكتاب والكتاب يهدي إلى الميزان والميزان يهدي إلى القسط، فكأن الكتاب وما يمثله من غيب هو الجدوى الربانية للميزان. فلكل ميزان أخلاقي وسلوكي جدوى مصلحية.

وأنباء الغيب، وبعضها جاء ذكره في القرآن أحداثاً حدثت في الماضي، وبعضها جاء في السنة متحدثة عن الماضي وعن المستقبل، وأنباء الغيب أمور لا يحيلها العقل (أي ليست مستحيلة بالنسبة له، ولكنها وقعت بعيداً عنا لم تشهدها أعيننا، وإنما أنبأنا بها رب العباد، فمثلاً من أنباء الغيب المستقبلية والتي تحدثت عنها السنة ولم يتحدث عنها القرآن ظهور المسيخ الدجال وظهور المسيح عليه السلام. ولمحمد أسد - عليه رحمة الله - رأي جميل في تأويل ظهور المسيخ الدجال، فلقد تصوره ممثلاً للحضارة الغربية، فهي حضارة عوراء تؤكد على الجانب المادي للحياة وتهمل الجانب الروحي، وتكاد ينطبق عليها كثير من الأوصاف الكفرية التي جاءت في وصف المسيخ الدجال. ولكن هذا التأويل الأسدي غير مقبول من الكثيرين، حيث تؤكد الأحاديث المروية عن كون المسيخ رجلاً وليس حضارة. ولو أضفنا إلى رأي أسد أن مثل هذا الوضع الحضاري المتدني القائم على أصول كفرية ربما كان على قمته رجل  يستغل كل ما لديه من الإمكانيات الكفرية ليعيث في الأرض فساداً، إذا أضفنا هذا فمن حق المؤمن الذي لا يدرك عقله  المعني النصي لأحاديث الدجال ويحملها على المجاز أن يفعل هذا بلا حرج.

ومن تفصيلات الغيب الذي ظنها البعض تخالف القسط القرآني عذاب القبر رغم أن هذا يكاد أن يكون من عالم الشهادة. فنحن نموت حين ننام، فالنوم نوع من الوفاة لا عمل فيها ورغم ذلك يمكن أن نعذب أثناءها عذاباً شديداً. فهذا ليس العذاب النهائي أو العفو النهائي، وإنما هو الإنسان يحمل تركته من الخير والشر في كينونته الإنسانية، وهذا الحمل يغلظ بالسيئات ويخف بالحسنات، وانتظار الحساب أمام المحكمة الإلهية عذاب للفاجر وقلق للمؤمن.

وأحاديث الشفاعة تتعلق بشفاعة في الأعمال وليس بشفاعة في الرجال، كما نفعل عندما تجتمع لجان الممتحنين للنظر في نتائج الطلبة، نحن لا نتكلم عن طالب بعينه وإنما نضع قواعد رأفة يستفيد منها الجميع. وأمة محمد هي التي تستفيد من شفاعة محمد، وأمة محمد ليست هؤلاء الجاحدين لرسالته رغم أسمائهم، وإنما أمة محمد هي كل المسلمين من هذه البشرية جمعاء من لدن آدم حتى الآن)وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون(، حتى الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر ويعملون صالحاً حسب دين ارتضوه ولم تصلهم رسالة محمد إلا في صورة منفرة أبعدتهم عنها ونأت بهم عن ظلالها الوارفة. فهي إذن شفاعة أعمال وليست شفاعة أشخاص والله أعلم.

أحاديث تتعلق بما كان عليه المسلمون الأوائل من ضيق في الحياة الدنيا وشظف في العيش مثل لعق الإناء وحديث الذبابة، ومثلي قد عاش في القرية أياماً شبيهة. فربما كنا خمسة رجال وبين أيدينا طبقاً فيه عسل وطحينة وبضعة أرغفة.. وهذا كل غذائنا ليوم كامل.. وربما وقعت ذبابة في عسلنا هذا، فكنا نخرج الذبابة ونأكل، حتى لو كانت صرصاراً سنفعل، وبالطبع هذا في الأيام الخاليات من الأمراض المعدية، أما في الأيام التي يعترينا فيه مرض كالكوليرا كما حدث في أواخر الأربعينيات فكنا نحرق ثمر النخيل والأعناب والفواكه عموماً وكنا نتحرى أن نحول بين الحشرات وأطعمتنا. وحياتنا في القرية أو حياة إخواننا في الصحارى شبيهة بما كانت عليه الحياة في مدينة رسول الله. أما حياتنا في المدن فهي مختلفة تماماً، فنحن لا نلعق الأصحن ولكننا نمسحها بالعيش الطازج، والذباب لا يدخل بيوتنا إلا قليلاً، وإذا دخل أعلنا عليه حرب المبيدات الحشرية.

ويصبح من الخبل أن يذهب داعية إلى أمريكا يحدثهم عن حديث الذبابة ويجعل ذلك حديثاً عقيدياً وهو حديث يتعلق بوضع مادي لا يعيشه الغربي الأمريكي وإنما هو حديث يصف الحالة المادية البيئية التي كان الناس عليها في المدينة.

إن حكاية الجناح الأيمن والجناح الأيسر تبدو أنها تشير إلي معني مجازي، لأنك لن تخرج الذبابة من طعامك بملقاط، ستغمس يدك في الطعام لتخرجها وستنغمس معك ذبابتك. وأنا لا أعرف طيراً يطير بجناحيه يهبط على سطح بجناح مائل، وعلى كل حال إذا صح الحديث فهو من أحاديث الحالة المادية البائسة التي كان يعيشها المؤمنون، والدرس المستفاد منه هو أن هؤلاء الذين قدموا للإنسانية أعظم الرسالات كانوا في حالة من العوز المادي. بحيث إذا وقع الذباب في إناء أحدهم واصل الطعام ولم يلقي به في القمامة كما يفعل كل الناس هذه الأيام. وكذلك هو درس في الاقتصاد الشخصي، فلا يترك الناس نصف الطبق طعاماً ويلقوه في القمامة، وإنما يضعون في أطباقهم ما يقدرون على أكله ويأكلوه كاملاً غير منقوص. لقد رأيت بعض المترفين في بلادنا يأكلون قطعة صغيرة من صدر دجاجة ويلقون بالبقية في صناديق القمامة، وكان أهلهم بالأمس القريب جداً يسمعون عن الدجاج في كتب التراث.. لم يروه ولا تخيلوه رؤية.

وقد يظن بعض المسلمين في الغرب أن عملية لعق الآنية عملية دينية مثل الطواف حول الكعبة ولقد عجبت لبعض هؤلاء عندما رأيت مسلماً إنجليزياً ومعه ولديه وكنا في مؤتمر إسلامي هناك وكنا نشرب شربة عدس، فرأيته هو وولديه يلعقان أطباقهم بطريقة سريعة وبمهارة فائقة، ولم يكونوا في حاجة إلى هذا اللعق بالأصابع فكان يمكنهم أن يستخدموا لقمة من عيش يمسحون بها صحونهم.

فاللعق ليس من شعائر الإسلام كما يتقدم به كثير من جهلة الدعاة وكأنهم يقدمون للبشرية إكسير الحياة. وعندما أقرأ الحديث الشريف عندما قال رسول الله لابن أم سلمة: "يا غلام سَمِّ الله وكل بيمينك وكل مما يليك" فيتبادر إلى ذهني آداب الأكل من قصعة واحدة. والمسلم يستخدم يساره للاستنجاء، فإذا أكل اثنان أو أكثر من قصعة واحدة وجب عليهم أن يتخذوا اليمين وأن لا يهيموا في القصعة يتنافسون على أطايبها.

فماذا لو أكل رجل واحد؟ يُسَمِّ الله ثم يأكل. ولقد قرأت للشيخ يوسف القرضاوي أنه يرى أن الأكل باليمين من "الإيتيكيت" الإسلامي، والإيتيكيت هو "الحركات الذوقية" التي تميز قوماً عن قوم. ولا مانع عندي أن يكون الأمر كذلك ولكن لا يصبح الأمر ديناً يسخر بعضنا من بعض إذا لم نفعله، وخاصة أننا نستخدم الآن أدوات تشترك اليدان في توصيل الطعام إلى الفم بهم.. تقطع بسكين وتوصل بشوكة. أقول هذا لأنني أحياناً أشرب الشاي مع صديق، وأنا أستخدم يميني عادة، ولكن ربما انتقل الكوب لا شعورياً من اليمنى إلى اليسرى، فيظل صاحبي يذكرني أن أنقل الكوب إلى اليمين، حتى أنني مرة من كثرة ما أصابني التوتر من هذه التذكرة أن قلت لصديق: أنا ظاهري، والحديث يقول كل ولم يقل اشرب.

وحديث رسول الله المعبر عن فهمه للوحي وتطبيقه له مرتبط ارتباطاً وثيقاً بأحوال المجتمع العربي في ذلك الوقت، والعبرة فيه هو في عبقرية التطبيق المحمدي للوحي الإلهي، فإن تطابقت أحوال مجتمع مع أحوال المجتمع العربي في ذلك الوقت وجب الأخذ كاملاً بالتطبيق النبوى الشريف، أما إذا اختلفت الأحوال فلابد من أخذ ذلك في الاعتبار. خذ مثلاً الحديث النبوى الصحيح: "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا.. يعني مرة تسعة وعشرين، ومرة ثلاثين". وفي رواية أخرى "الشهر تسعة وعشرون، فلا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فأقدرو له"، "فأقدروا له" معناه قدروه بحسب المنازل.

هذا مثال على ما نقول. فالمجتمع العربي في ذلك الزمان لم يكن يعرف علوم الفلك ولا يستطيع حساب ذلك. بل إن القدرة الدقيقة على حساب منازل القمر لم تظهر إلا بظهور الحاسبات العملاقة، ومن ثم كانت الرؤية البصرية هي البديل الوحيدة المطروح في ذلك الزمان، وكانت الصياغة العبقرية للأمر كله في كلام سيدنا رسول الله "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب" فإن كتبتم وحسبتم فيمكننا أن نضيف الرؤية إلى الحساب أو لو وفقنا في حلولنا الرياضية وتبين لنا صدقها عاماً من بعد عام فلا مانع أن يكون الأمر كله بالحساب. والعجيب أن عالماً جليلاً من علماء السعودية فهم من هذا الحديث نفي الحساب، وعلق عليه شيخنا القرضاوي، إنه إن صح رأي هذا العالم بنفي الحساب فسيكون نفس الحديث دالاً على نفي الكتابة ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ونؤكد مرة أخرى أنه إذا صح الحديث وجب التطبيق إن تطابقت أحوال المواقف. وإن جَدَّ للناس من الأقضية ما لم يكن في المجتمع العربي في زمن النبوة فعلماء الأمة هم ورثة الأنبياء، يستنبطون من القرآن والسنة اليقينية الثبوت. وأنا هنا أتحدث عن علماء درسوا الواقع العربي ورأوا عبقرية التطبيق المحمدي للوحي الإلهي وتدربوا علي كيفية إنزال النصوص على الواقع. ولذلك فإن الإمام أبو حنيفة رغم قلة روايته للحديث إلا أنه كان شديد الفهم للتطبيق المحمدي للوحي الإلهي.

ونحن في الهندسة نحرص أن ندرب طلابنا على النظر حتى يصبح سليقة فيهم، والطالب الصمام الذي يحفظ القوانين والمعادلات وبعض الأمثلة لا يستطيع أن يتقدم عندما تواجهه بمسألة هندسية جديدة.. فهو طالب ليست عنده روح هندسية. وإنك لتجد معظم الذين يسمونهم علماء دين في هذه الأيام إذا أعطيته واقعاً جديداً وطلبت منه حكماً بحث في أضابير الكتب التي حملها فوق ظهره يبحث عن حل جاهز.. هؤلاء ليسوا علماء ولكنهم مثل هؤلاء الأحبار اليهود، )مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل اسفاراً.. (وما آل إليه حال الجماعة اليهودية حتى زمن النبوة كان مثالاً لما يمكن أن تؤول إليه أحوال أي جماعة حملت تراثها المتراكم عبر العصور فوق ظهورها فأهلكت نفسها وقتلت دينها فقست قلوبهم فهي كالحجارة أو أشد قسوة.

يعجبني دائماً أن أردد هذا المثل. كانت علوم الفلك قبل العالم كبلر تملأ آلاف الكتب وتحمل توصيفاً دقيقاً لحركة النجوم في السماء حتى جاء هذا العالم الجليل فوجد أن هذا التراث المتراكم يحمل في طياته ثلاثة قوانين يمكن كتابتها في ثلاثة أسطر فاستنبطها وأصبحت تذكر باسمه. وهذا العالم هو الذي مَهَّدَ لعالم عظيم آخر هو إسحاق نيوتن ليلخص قوانين الحركة في جملة واحدة يمكن استنباط قوانين كبلر الثلاثة منها. هؤلاء العباقرة أغنوا البشرية أن تحمل فوق رأسها هذا الركام الثقيل حتى تمشي خفيفة إلى غاياتها.

وكثير ممن يسيحون في الأرض باسم علماء الدين يخفون ضعف قدراتهم بإثارة مجموعة من المسائل يعيشون فيها ليس نهار.: اللحية – مصافحة النساء – الرؤية القمرية  – الغناء – النقاب – لحوم أهل الكتاب – زيارة القبور – الحيض والنفاس – وقف العبادات على مذهبهم - عدم عمل المرأة وبقائها في بيتها - إلى غير ذلك من المسائل البسيطة التي اختلفت فيها أقوال الأقدمين والمسلم في حل أن يتعلمها في أقل من يوم. وكما قلت هناك مرويات تعبر عن البيئة المدنية للمجتمع المسلم في وقت النبى فتجدهم يحملونها للناس على أنها الصورة المطلوبة للمجتمع المسلم. في وادي السليكون - كاليفورنيا - أعظم وادي صناعي في العالم، رأيت أحد الإخوة ينهى المسلمين أن يتخذوا الساعات لقياس وقت الصلاة وأمرهم أن يقفوا بعصا في الشمس ليقيسوا طول الظل كما يفعل البدو الطيبون حتى اليوم في بعض الصحاري العربية. وفي قصر أحد أصدقائي في هذه المنطقة، وما أدراك ما قصر هناك، استقبلني ذات يوم في هذا الصيف مبتهجاً بأنه قد بدأ يدرس على يد شيخ مالكي كتاباً في الطهارة وبالطبع هو يدرس هذا ولا يعرف كيف كان يعيش الناس في عهد النبوة مقارناً بالعيشة الرغدة التي يعيشها، وكيف كان الناس يقضون حوائجهم مقارنة بالحمام الأوتوماتيكي ذي الماء الساخن والبارد المندفع بقوة من فوهات الصنابير، ولا الفرش الجميلة التي يمتلئ بها مثل هذا الحمام، ولا الورق المجفِّف، أو الهواء المجفِّف. قلت له لقد كنا نفعل ذلك في قريتنا حيث كانت حياتنا شبيهة بما كان عليه العهد في أيام رسول الله، كنا لا نتخذ الكنف كما كانوا لا يتخذونها وكنا نقضي حوائجنا في الخارج كما كانوا يقضون ولم يكن هناك وابور يدفع الماء في المواسير فكنا حينئذ نقرأ في كتب الطهارة ونستفيد منها، أما أنت ما حاجتك إلى ما احتجنا إليه، لو سألتني يا صاحبي فهناك مئات المسائل الأخرى التي تحتاج وقتك وجهدك، فلا تتولى من الزحف وتأوى إلى غير ذات الشوكة وتقول لنفسك: هذا كله من الدين. نعم إنه التولى من الزحف والانضمام إلى العدو عن طريق تحويل الدين إلى مجموعة من المسائل البسيطة وإدعاء العلم والمخالفة فيها وتضييع وقت الأمة فيما ليست في حاجة إليه. إننا في حاجة ماسة أن نفرغ وبسرعة من تحويل تراثنا الفقهي إلى قوانين بسيطة مثلما فعل أجدادنا في علوم أصول الفقه، ووضع قواعد أكثر حداثة في علوم الحديث، ثم بذل جل الجهد في التدريب على فهم القرآن وتطبيقه على حياتنا المعاصرة. وفي ختام هذه الورقة حاولت أن أضع هيكلاً جديداً للنظر في علوم الحديث ولقد استفدت كثيراً من كتابين هامين: كتاب الشيخ محمد الغزالي: "السنة بين أهل الحديث وأهل الفقه" وكتاب الشيخ يوسف القرضاوي: "كيف نتعامل مع السنة النبوية".

وقبل أن أضع بين يدي القارئ ما اقترحته من غربال متكامل للأحاديث ، رأيت أن أطلعه على محاولة للإمام ابن القيم الجوزية من وضع غربال للأحاديث في عصره (منذ 700 سنة).

مرشح ابن القيم الجوزية

هل يمكن معرفة الحديث الموضوع بضابط ، من غير أن ينظر في سنده ؟

هذا السؤال وُجِّه إلى الإمام ابن القيم الجوزية فأجاب إجابة وافية في كتابه القيم "المنار المنيف في الصحيح من الضعيف"

قال الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله "فهذا سؤال عظيم القدر وإنما يَعْلَمُ من تضلع في معرفة السنن الصحيحة ، واختلطت بلحمه ودمه، وصار له فيها مَلكَه ، وصار له اختصاص شديد بمعرفة السنن والآثار، ومعرفة سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وهديه ، فيما يأمر به وينهى عنه، ويخبر عنه ويدعو إليه، ويحبه ويكرهه ويشرعه للأمة كأنه مخالط للرسول كواحد من أصحابه.

ثم يضرب الإمام ابن القيم الأمثال. فيقول : فمن ذلك ما روى جعفر بن جسر عن أبيه عن ثابت عن أنس يرفعه- "من قال سبحان الله وبحمده ، غرس الله له ألفَ ألفَ نخلة في الجنة أصلها من ذهب"

ويستمر ابن القيم في سرد أحاديث شبيهة بهذا الحديث أحاديث تكافئ الناس على جملة يقولوها أو على بضع ركعات نافلة، تكافئهم بغرائب المكافآت التي لا يعلمها إلا علام الغيوب. ثم يقول "وهذا باب واسع جداً.

وإنما ذكرنا منه جزءاً يسيراً لتعرف به أن هذه الأحاديث وأمثالها ، مما فيه هذه المجازفات القبيحة الباردة، كلها كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد اعتنى بها كثير من الجهال بالحديث من المنتسبين إلى الزهد والفقر، وكثير من المنتسبين إلى الفقه.

ويستطرد ابن القيم فيقول: والأحاديث الموضوعة عليها ظلمة وركاكة، ومجازفات باردة تنادى على وضعها واختلاقها مثل حديث : "من صلى الضحى كذا وكذا ركعة أعطى ثواب سبعين نبياً"

أو مثل حديث "من اغتسل يوم الجمعة بنية وحسبة ، كتب الله له بكل شعرة نوراً يوم القيامة، ورفع له بكل قطرة درجة في الجنة من الدر والياقوت والزبرجد، بين كل درجتين مسيرة ألف عام " وهذا من حديث طويل قبح الله واضعه.

ويستطرد ابن القيم فيقول : ونحن ننبه على أمور كلية ، يُعرَفُ بها كون الحديث موضوعاً.

  1. فمنه اشتماله على أمثال هذه المجازفات التي لا يقول مثلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والتي سبق الحديث عنها ومن أمثالها كذلك الحديث المكذوب "من قال لا إله إلا الله، خلق الله من تلك الكلمة طائراً له سبعون ألف لسان ، لكل لسان سبعون ألف لغة يستغفرون الله له.
  2. تكذيب الحس لها، كحديث "الباذنجان لما أكل له"، وكذلك حديث "إذا عطس الرجل عند الحديث فهو دليل صدقه" وهذا وإن صحح بعض الناس سنده، فالحس يشهد بوضعه.
  3. ومنها سماجة الحديث، وكونه مما يسخر منه كحديث "لو كان الأرز رجلاً لكان حليماً ، ما أكله جائع إلا أشبعه" فهذا من السمج البارد الذي يصان عنه كلام العقلاء فضلاً عن كلام سيد الأنبياء.
  4. ومنها الأحاديث المناقضة لما جاءت به السنة الصريحة مناقضة بينة.. مثل أحاديث من اسمه محمد أو أحمد ، وأن كل من يسمى بهذه الأسماء لا يدخل النار.
  5. ومنها أن يُدَّعى على النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعل أمراً ظاهراً بمحضر من الصحابة كلهم ، وأنهم اتفقوا على كتمانه ولم ينقلوه، كما تزعم بعض الطوائف، أنه صلى الله عليه وسلم أخذ بيد علي ابن أبي طالب رضي الله عنه بمحضر من الصحابة كلهم وهم راجعون من حجة الوداع، فأقامه بينهم حتى عرفه الجميع، ثم قال "هذا وصيِّ وأخي، والخليفة من بعدي ، فاسمعوا له وأطيعوا "، ثم اتفق الكل على كتمان ذلك وتغييره ومخالفته فلعنة الله على الكاذبين.
  6. ومنها أن يكون الحديث باطلاً في نفسه، فيدل بطلانه على أنه ليس من كلام  الرسول  صلى الله عليه وسلم كحديث "المجرة التي في السماء من عَرق الأفعى التي تحت العرش" وحديث إذا غضب الله تعالى أنزل الوحي بالفارسية ، وإذا رضى أنزله بالعربية" وحديث "ياحميراء لا تغتسلي بالماء المشمس، فإنه يورث البرص"، وكل حديث فيه "ياحميراء" أو ذكر "الحميراء" فهذا كذب مختلق.
  7. ومنها أن يكون كلامه لا يشبه كلام الأنبياء فضلاً عن كلام رسول الله. مثل حديث "ثلاثة تزيد في البصر : النظر إلى الخضرة، والماء، والوجه الحسن" ومثل حديث "إن الله طَهَّرَ قوما من الذنوب بالصلعة في رؤوسهم ، وإن علياً لأولهم"
  8. ومنها أن يكون في الحديث تاريخ كذا وكذا مثل قوله "إذا كان سنة كذا وكذا وقع كيت وكيت"
  9. ومنها أن يكون الحديث يوصف الأطباء والطرقية أشبه وأليق، مثل حديث "الهريسة تشد الظهر" وكحديث "أكل السمك يوهن الجسد" وحديث "أتاني جبريل بهريسة من الجنة فأكلتها فأعطيت قوة أربعين رجلاً في الجماع"
  10. ومنها أحاديث العقل ، كله كذب، كقوله :"لما خلق الله العقل قال له: أقْبِل فأقبل ، ثم قال له أَدْبِر فأدبر، فقال ما خلقت خلقاً أكرم علي منك ، بك آخذ وبك أعطي
  11. ومنها الأحاديث التي يُذْكر فيها الخضر وحياته ، كلها كذب، ولا يصح في حياته حديث واحد.
  12. ومنها أن يكون الحديث مما تقوم الشواهد الصحيحة على بطلانه مثل "خلق الله آدم وطوله في السماء ستون ذراعاً، فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن" ومثل الحديث "إن الأرض على صخرة، والصخرة على قرن ثور، فإذا حرك الثور قرنه تحركت الصخرة، فتحركت الأرض، وهي الزلزلة" والعجب من مُسَوِّد كتبه بهذه الهذيانات.
  13. ومنها مخالفة الحديث صريح القرآن كحديث مقدار الدنيا "وأنها سبعة آلاف سنة ونحن في الألف السابعة" وهذا من أبين الكذب.
  14. ومنها أحاديث صلوات الأيام والليالي كصلاة يوم الأحد وليلة الأحد ويوم الاثنين وليلة الاثنين، إلى آخر الأسبوع كل أحاديثها كذب. وكذلك أحاديث صلاة الغائب ليلة أول جمعة في رجب .. كلها كذب مختلق على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
  15. ومنها ركاكة ألفاظ الحديث وسماجتها، بحيث يمجها السمع، ويدفعها الطبع، ويسمج لمعناها الفطن. كحديث: "أربع لا تشبع من أربع: أنثى من ذكر، وأرض من مطر، وعين من نظر، وأذن من خبر"

 ومن ذلك حديث "من فارق الدنيا وهو سكران، دخل القبر سكران، وبعث من قبره وهو سكران، وأمر به إلى النار وهو سكران، إلى جبل يقال له السكران" وحديث "إن لله ملكاً من حجارة، يقال له عمارة ينزل على حمار من حجارة كل يوم، فَيُسَّعِرُ الأسعار ثم يعرج"

  1. ومنها أحاديث ذَمِّ الحبشة و السودان،كلها كذب.
  2. ومنها أحاديث ذَمِّ الترك ،وأحاديث ذَمِّ الخصيان، و أحاديث ذَمِّ المماليك..كلها كذب.
  3. ومنها أحاديث المناقب للأشخاص أو البلدان وكلها كذب،مثل أحاديث المناقب لأبى بكر وعمر وعلى ولا يصح في هذا الأمر إلا ما صح في مناقب الصحابة على العموم، ومناقب قريش. كما لا يصح أيضاً كل ما ورد في ذم الصحابة رضوان الله عليهم.
  4. و منها أحاديث ذم الصناعات المباحة مثل الحاكة والأساكفة والصواغين .. كل ما ورد فيها من أحاديث كذب.
  5. ومنها ذكر فضائل السور وثواب من قرأ سورة كذا فله أجر كذا، من أول القرآن إلى آخره، كما ذكر ذلك الثعلبي والواحدي في أول كل سورة، والزمخشري في آخرها، قال عبد الله بن المبارك: أظن الزنادقة وضعوها.
  6. ويستطرد ابن القيم الجوزية في ذكر أحاديث عجيبة مثل "حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلساً للفقراء،  ورقص حتى شق قميصه" ويقول : لعن الله واضعه ما أجرأه على الكذب السمج. ومثل حديث "لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه" ويقول وهو من وضع المشركين عباد الأوثان.
  7. ثم يورد ابن القيم الجوزية جملة من الأحاديث تتعلق بالمهدي المنتظر، ولأن عشرات قد ظهروا من قبل وكلهم ادعى أنه المهدي المنتظر، وسبك له الكذابون أحاديث تؤيد زعمهم، كما أن هناك أحاديث تتعلق بأن المهدي المنتظر هو عيسى عليه السلام، كل ذلك وضعنا أمام كَمٍّ من الأحاديث ذكرها ابن القيم الجوزية وقال:  هذه الأحاديث أربعة أقسام: صحاح ، وحسان، وغرائب، وموضوعة.

ثم قال : وقد اختلف الناس في المهدي على أربعة أقوال:

  1. أنه المسيح عيسى ابن مريم ، وهو المهدي على الحقيقة
  2. أنه المهدي الذي ولِيَ من بني العباس، وقد انتهى زمانه
  3. أنه رجل من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، من ولَدِ الحسن بن علي، يخرج في آخر الزمان، وقد امتلأت الأرض جوراً وظلماً، فيملأها قسطاً وعدلاً.
  4. والقول الرابع هو قول الشيعة الإمامية وهو أن المهدي هو محمد بن الحسن العسكري المنتظر، من ولَدِ الحسين بن علي، لا من ولد الحسن، الحاضرُ في الأمصار، الغائب عن الأبصار، الذي يورث العصا،  ويختم الفضا ،  دخل سرداب سامراء طفلاً صغيراً من أكثر من خمس مائة عام (زمن ابن القيم الجوزية) فلم تره بعد ذلك عين، ولم يحس فيه بخبر ولا أثر، وهم ينتظرونه كل يوم، يقفون بالخيل على باب السرداب، ويصيحون به أن يخرج إليهم: أخرج يا مولانا ، ثم يرجعون بالخيبة والحرمان، وهذا دأبهم ودأبه.

ويستطرد ابن القيم الجوزية فيقول: وهناك مهدي المغاربة : محمد بن تُوقَرت ..رجل كذاب ظالم

وهناك المهدي الملحد عبيد الله بن ميمون القداح.

وبعد أن يلخص حال هؤلاء المهديين والأحاديث التي تخصهم لا يصل إلى أمر قاطع في الأمر كله، وحسبه أنه جمع ولخص، ووضع بين أيدينا الأمر.

وابن القيم الجوزية عاش في الفترة 691-751 هجرية أي هو في منتصف المسافة بيننا وبين القرن الهجري الأول، فنحن وهو في نفس الموقف الزمني من جيل الصحابة، وكما حاول هو أن يضع مرشحاً للأحاديث ينبغي على الأمة أن لا تهمل هذا الأمر وأن تحاول أن تجدد هذا المرشح وتحسنه، وتُذْهَب بعض حِدَّته ما وسعها الجهد. وأنا هنا أضع مرشحاً للأحاديث يجمع شتات مواصفات المرشحات السابقة التي صممها علماء عظام في تاريخ أمتنا، وأضيف بعض المواصفات الجديدة،  وبالطبع ما نحن بصدده أمر علمي بحت. وعلماء الحديث الفقهاء هم الجديرون أن ينظروا في أمر هذا المرشح وأن يعرضوا عليه ما بين أيدينا من تراث حديثي، وليس هذا بعمل هين، والله يوفقهم ويرعاهم.

  

والآن نمضي في عرض هيكل غربال  للأحاديث يخدم علماء الأمة في تصنيف هذه الأحاديث حتى تمضي الأمة خفيفة إلى ربها، غير مثقلة بنصوصية قاتلة وإنما تحمل فهماً جميلاً للقرآن الكريم وما ثبت من الأحاديث يقيناً. هذا المرشح أو الغربال يحتاج من علماء الأمة إلى عملية ترقيم لعناصره، أي تحويله إلى عناصر وإعطاء كل عنصر رقماً، ثم جمع الأرقام وتصنيف الأحاديث، بحيث نضع كل الأحاديث يقينية الثبوت يقينية المعنى في كتاب صغير ونخلص من هذا الكم الهائل الذي ينوء بحمله المسلم منذ قرون.

هيكل النظر في الأحاديث المروية عن رسول الله  r:

1 – السند:

ما هو اسم آخر الرواه، وكيف التقى الرواة بمن قبلهم. ومن الذي قام بعملية التقويم للرجال وكيف عرفهم، ومن أي زاوية قيمهم؟.. وهل يمكن أن نقبل عدلاً أو جرحاً لأحد الرواة من عالم لم يعايشه ومعرفته به سمعية فقط.

لقد اطمأنت قلوبنا للقرآن لتواتره.. آلاف تأخذ عنهم آلاف أكثر تأخذ عنهم ملايين إلى مئات الملايين ثم في النهاية عمليات النسخ الجماعية ثم الطباعة. وفي عصرنا ومع كل عمليات التوثيق الكتابية والإذاعية والتلفازية مازلنا لم نصل إلى يقين في شأن الثورة المصرية عام 52 وما قبلها وما بعدها، فالأهواء تلعب دوراً خطيراً في هذا الأمر. كذلك الموثق لعصر لابد أن يفهم هذا العصر وبيئته السياسية والاجتماعية والحياتية والثقافية والاقتصادية والعمرانية.. يفهمها حتى يستوعب ما يسمع.

إن مرور الزمن يزيد من الضباب حول المعلومة، وكل جيل يحاول أن يعالج معلومات قرون قبله لابد أن يبذل جهداً فائقاً في فهم الواقع في ذلك الزمان. وحظنا أن القرآن يهيمن على السنة وهي كما يقولون مبينة له "وليست قاضية عليه كما يقول بعض الحمقى"، فالقرآن يعطينا صورة للمجتمع المسلم في زمن الرسول نستطيع بها أن نصلح بعض العوج في المعلومات المروية، فلسنا إذاً في فلاة. ولكن ذلك يستدعى تركيزاً هائلاً على القرآن وليس هجراً له كما هو حادث واقعاً في معظم الحركات المتصدية للإصلاح الإسلامي. ونحن نبدأ أي جهد مستقبلي بالسند المشترك، أي السند الذي قبله كل علماء السنة في الماضي المعروفين برواية الأحاديث وأنقل هنا ما قاله العلاقة ابن خلدون في مقدمته في فصل علوم الحديث:

[وأعلم أيضاً أن الأئمة المجتهدين تفاوتوا في الإكثار من هذه البضاعة والإقلال، فأبو حنيفة - رضي الله عنه - قيل: أنه إنما بلغت روايته إلى سبعة عشر حديثاً او نحوها (إلى خمسين) ومالك - رحمه الله - إنما صح عنده ما في كتاب "الموطأ" وغايتها ثلاثمائة حديث أو نحوها، وأحمد بن حنبل - رحمه الله - في مسنده ثلاثون ألف حديث.

وقد يقول بعض المتعصبين المتعسفين: إن منهم من كان قليل البضاعة في الحديث، ولهذا قلت روايته. ولا سبيل إلى هذا المعتقد في كبار الأئمة، لأن الشريعة إنما تؤخذ من الكتاب والسنة، ومن كان قليل البضاعة من الحديث، فيتعين عليه طلبه وروايته، والجد والتشمير في ذلك، ليأخذ الدين عن أصوله صحيحة ويتلقى الأحكام عن صاحبها المبلغ لها عن الله. وإنما أقل منهم من أقل الرواية، لأجل المطاعن التي تعترضه فيها، والعلل التي تعرض في طريقها سيما والجرح مقدم عند الأكثر، فيؤديه الاجتهاد إلى ترك الأخذ بما يعرض مثل ذلك فيه من الأحاديث وطرق الأسانيد، ويكثر ذلك، فتقل روايته لضعف الطرق. هذا مع أن أهل الحجاز أكثر رواية للحديث من أهل العراق، لأن المدينة دار الهجرة ومأوى الصحابة، ومن انتقل منهم إلى العراق كان شغلهم بالجهاد أكثر.

والإمام أبو حنيفة، إنما قلت روايته لما شدد في شروط الرواية والتحمل وضعف الحديث إذا عارضه العقلي القطعي فاستصعب، وقلت من أجلها روايته، فقل حديثه أما أنه ترك رواية الحديث متعمداً، فحاشاه من ذلك.] وبالمناسبة نبهني بعض الإخوة أن لأبي حنيفة مسند مطبوع في الهند في سبعة عشر جزءاً ، وذكر ذلك أيضاً أبو شهبة في رده على أبي رية، والأمر يحتاج إلى تحقيق للتوفيق بين ما ذكره العلامة ابن خلدون وبين هذا المسند.

فإذا أراد العلماء أن يعتمدوا فقط على ما اعتمد عليه الإمام أبو حنيفة من الأحاديث فلا تثريب عليهم، وإذا ما أرادوا أن نبدأ بما صح في موطأ مالك (الثلاثمائة حديث) فلا تثريب علينا. والأحوط أن نقف في الوسط بين تشديد أبي حنيفة وإفراط ابن حنبل عليهما رحمة الله، ونعتبر الثلاثمائة حديث التي صحت في موطأ مالك هي التي نبدأ عملية إعادة النظر فيها. وعلى العلماء الموثوقين في العلوم الإسلامية أن يفرغوا لهذه المهمة وينظروا في كل كتب الصحاح التي بين أيدينا ويتشددوا في تطبيق الغربال الكامل الذي قدمناه إن استقروا عليه.

2 - المتن:

ينبغي أن يكون المتن مفهوماً لغة مقبولاً منطقاً.

فحديث في صحيح مسلم يقول: "الكلب الأسود شيطان" ينكره الشيخ محمد الغزالي ويقول "والذي رفضته أن يتصدى أحد أولئك المبطلين لعلم الأحياء ويهاجم مقرراته ليقول أن الكلب الأسود شيطان وليس كلباً كبقية بنى جنسه" ويعلق صاحبنا سليمان العودة مستهزئاً من رأي الغزالي قائلاً:

"فالشيخ يذكر ذلك ولا شكأن الذي قال الكلب الأسود شيطان هو الرسول  r، وذلك المتحدث الذي أشار إليه الشيخ إنما يردد ما قاله النبي، وقدثبتذلك بالإسناد الصحيح عنه".

سامح الله أخانا العودة، وهل لو كان (ولاشك-وثبت) يقينيتان عند الشيخ الغزالي ، هل كان يجرأ على رد الحديث ؟ وإنما رَدَّه لأن الشك خالج صدره، ولأنه لم يثبت عنده يقيناً أن رسول الله قال هذا الكلام . ومن أين أتتك ياشيخ هذه اللاشكية وهذا الإثبات اليقيني؟ وماذا تقول فيما قدمنا من قبل من غربال الإمام ابن القيم الجوزية الذي رفض أحاديث لسماجتها ومخالفتها للحس ولكونها لا تليق أن تكون من أقوال سيد المرسلين؟وبماذا تتهم إذن الإمام الحنبلي ابن قيم الجوزية؟.

 

أما وقد ذكرنا شيخنا الغزالي وشانئه ننظر إلى الأمر من منطلق آخر وهو المتن. ما هو البناء المنطقي لهذه الجملة "الكلب الأسود شيطان". القرآن يحدثنا عن شياطين الإنس والجن ولم يحدثنا عن شياطين الحيوانات. فإن كان الحديث يعني أن شيطاناً اتخذ صورة كلب أسود فيصبح المتن مقبولاً بعد هذا التعديل، ولكن الشياطين تستطيع أن تتخذ أشكالاً أخرى، منها صورة شيخ مصري أو هندي أو نجدي كما جاء في بعض الأحاديث.

حتى بعد هذا التعديل ما الخبر الذي يقوله الحديث؟.. لا أدري!.. إذاً يصبح هذا الحديث مبتوراً نسى الراوي بقيته.

أما إذا أصر بعض إخواننا (الذين يريدوننا أن نقفو ما ليس لنا به علم)  علي أن هذا المتن معقول منطقياً دخلنا في مصيبة أكبر، فهل الكلب الأسود شيطان من أجل لونه؟، وماذا يترتب علي هذا الحديث؟.. فرصة لقتل الشياطين الذين نراهم حولنا ليلاً ونهاراً وهم الكلاب السود. وهل اللون الأسود مستنكر في الإسلام أم الكلاب أم الجمع بينهما. هذا مثال لحديث متنه معلول غير مفهوم ورفضه عن طريق المتن يصبح فرض عين على علماء الحديث وإلا فتحنا باباً للشك والريبة في الحديث كله.

3 – الاتفاق مع القرآن في ظل الظروف المتطابقة:

وهذا شرط جوهري. فننظر في الحديث وهل يتعرض لشأن تعرض له القرآن؟

وهل تطابقت الظروف فيما قيل فيه الحديث وفيما نزلت فيه الآية؟

فإن تطابقات الظروف، وتعارض القرآن مع الحديث فالقرآن مقدم على الحديث. ولكن في معظم الأحيان فإن "الظرف؟ أصبح تاريخاً، والتاريخ له رواة، والرواة ينطبق عليهم ما أسلفنا، فيصبح هناك سعة من حيث وضع احتمالات عدة لما يسمى "ظروف المناسبة"، فإن كانت إحدى هذه الاحتمالات الظرفية تحقق شرطنا فيقبل الحديث مقروناً بظرفه الاحتمالي الذي توافق فيه مع القرآن.

ونحن نعلم أن أسباب النزول القرآنية يعتريها أيضاً ضباب الرواية والراوي، تماماً كما يعترى الأحاديث، لأنها جزء من عالم الحديث.

ولكن القرآن يتميز بالإعجاز الداخلي )قل لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً..(وهو نظام منطقي متكامل، مازال كل جيل يبحث فيه فيجد من كنوز الإعجاز كنوزاً جديدة.

وأنا لا أومن بالنسخ في القرآن، فلا ناسخ ولا منسوخ فيه، وما ظنه البعض نسخاً لم يكن نسخاً، وإنما اختلفت المناسبة فاختلف الحكم، وفي مسار أي مجتمع من واقع غير إسلامي إلى غاية مأمولة إسلامياً، فإن الأحكام التي وردت والمجتمع المدني في حالات متشابهة يمكن تطبيقها على الواقع الجديد.

وبهذا رأي كثير من العقلاء أن النساء اللاتي يسلمن في المجتمعات غير الإسلامية وعندهن أسر فيها زوج وأولاد لا يسرعن بتطليق أزواجهن بل يصبرن زمناً يبلغن فيه دعوة الله لهؤلاء الأزواج، فإن استيقن أن لا أمل فيمكنهن تطليق أنفسهن. وهذا ما حدث في ا لمجتمع المدني على زمن الرسول عليه الصلاة والسلام.

ولقد عقد الشيخ القرضاوي فصلاً في كتابه "كيف نتعامل مع السنة" اسماه "فهم السنة في ضوء القرآن الكريم" أنصح القارئ بالعودة له. ومن أهم الأمثلة التي ضربها "حديث الغرانيق" وهو حديث شَدَّدَ عليه النكير والوعيد. الشيخ محمد صادق عرجون في كتابه في السيرة كما أنكره الشيخ القرضاوي لأنه يتعارض مع القرآن. فالقرآن يقول: )أفرأيتم اللات والعزَّى، ومناة الثالثة الأخرى، ألكم الذكر وله الأنثى. تلك إذا قسمة طيزى، إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وأباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان، إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس، ولقد جاءهم من ربهم الهدى( [النجم: 19- 23].

فكيف يعقل - كما يقول القرضاوي أن يدخل في سياق هذا الإنكار والتنديد بالأصنام كلمات تمتدحهم ونقول "تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهم لترتجي" ويستطرد الشيخ القرضاوي فيقول: وكان حديث "وشاورهن وخالفوهن" في شأن النساء باطلاً مكذوباًلأنه منافٍ لقوله تعالى في شأن الوالدين مع رضيعيهما: )فإن أرادا فصالاً عن تراضٍ منهما وتشاورٍفلا جناح عليهما( [البقرة: 233]. ويقول: وإذا اختلفت أفهام الفقهاء أو الشراح في الاستنباط من السنن فأولاهما وأسعدها بالصواب ما أيده القرآن.

ويورد الشيخ القرضاوي مجموعة من الأحاديث الأخرى فيها تعارض مع آي الذكر الحكيم ولا يجد الرجل حرجاً في رفض الحديث الموهوم رغم أن هناك من نص على صحته مثل حديث "الوائدة والموءودة في النار". كذلك الأحاديث التي وردت عن أبوى الرسول عليه السلام وأنهما في النار. وأبوى الرسول عاشا قبل ظهور رسالته والله يقول )..لتنذر قوماً ما أنذر أباؤهم فهم غافلون( [يس: 6]، أو)لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون( [السجدة: 3]، أو )وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير..([سبأ: 14]

أما شيخنا سلمان العودة فلا يلتفت إلى هذا كله وإنما يذكرنا بامرأة نوح وامرأة لوط وابن نوح وأبي إبراهيم. ونحن نذكرهم ولكننا نعرف أن هؤلاء بلغتهم رسالة رسلهم فأنكروها وجحدوها. أما أبوى رسولنا الكريم فما بلغتهما رسالة ابنهما الحبيب وهم من قوم لم ينذروا من قبل والله يقول: )وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً(، ولكني أضيف أن أهل الفترة لن يحاسبوا بالشرع الإسلامي لأنهم لم يبلغهم ولكنهم يحاسبون بمكارم الأخلاق السائدة بينهم و"المعروف" الذي استقر يقيناً بينهم و"المنكر" الذي استقر يقيناً بينهم، والله لا يكلف نفساً إلا وسعها. ولقد بلغتهم نصرانية مشوهة ويهودية أكثر تشوهاً وبقايا من دين إبراهيم، و"معروف" و"منكر" مستقران في وعائهم الاجتماعي. وحتى في زماننا هذا، إذا وجد مجتمع منغلق على ذاته، لم تبلغه دعوة الإسلام أو بلغته بصورة منفرة كريهة، فإن هذا المجتمع لن يعذب إلا بما استقر فيه من نذير: معروفاً ومنكراً، والله أعلم.

والأصل أننا سنلقى الله أفراداً  )وكلهم أتيه يوم القيامة فرداً( ولن نحاسب جماعياً وإنما نحاسب أفراداً. وكل فرد يحاسب بما بلغه من رسالة الإسلام وبمدى فهمه لها. وفي الجاهلية كانت هناك قيم نبيلة يمكن أن يتمسك بها فرد ويمكن أن يهملها فرد آخر. ورسول الله عندما أكرم بنت حاتم الطائي قال إن أباها كان يحب مكارم الأخلاق. وحلف الفضول كان تمثيلاً جماعياً لمكارم الأخلاق. ومن هنا فإن دخول كل الذين لم يدركوا رسالة محمد rمن أهله النار أمر نظنه مخالف لكتاب الله الذي يأمر الناس بالقسط وهو الذي خلق الميزان.

 

ولكن البعض يدافع عن هذه الآثار بأنها من أنباء من الغيب. أي أن الرسول عليه الصلاة والسلام أطلعه ربه على الغيب فعلم أن أباه وأمه في النار. وأنا أقرأ أيضاً في الآثار المروية ما يناقض هذا. "أمية بن أبي الصلت كان من المتعبدين في الجاهلية ، لبَس المسوح وطمع في النبوة وأدرك الإسلام ولم يسلم ، صدق شعره في دلالته على التوحيد وكفر قلبه لأنه جحد ولم يذعن للحق الذي حاء به الرسول صلى الله عليه وسلم " (2) هذا الأمية ورد حديث عن رسول الله يقول  "آمن شعر أمية وكفر قلبه"

وفي حديث آخر أخرجه مسلم والطبراني في الكبير عن الشريد بن سويد رضي الله عنه أنه قال: "أردفت الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: هل معك شيء من شعر أمية، قلت نعم، فأنشدته مائة قافية كلما أنشدته قافية قال هيه، ثم قال صلى الله عليه وسلم "عند الله علم أمية بن الصلت"

أي أن أمية بن الصلت الذي كفر قلبه عِلمُ حاله في الآخرة عند ربه جنة أو ناراً. أما أبواه واللذان أدركا ربهما وهو طفل صغير ولا نعرف عنهما تاريخاً ولا أحوالاً تنبأ بشأنهما في الدنيا ، فما المعلومة الخاصة التي تنبئنا بها هذه المرويات. الحقيقة أن رد هذه المرويات أولى في ضوء ما ذكرناه  من عدالة السماء بالنسبة لأهل الفترة، او ما قاله الرسول عن أمية بن الصلت الكافر قلبه بأن عِلمَ مآله في الآخرة عند علام الغيوب.

ونعود إلى قضية القرآن والسنة فتتبين لنا قضية خطيرة. ففي كتاب "حوار هادئ مع محمد الغزالي" وبعد أن يستعرض موقف الشيخ الغزالي من مجموعة من الأحاديث (البكاء على الميت - قصة موسى وملك الموت - قصة المجبوب - نعي الموتى) حيث يقول الشيخ الغزالي: "وما أكثر الأحاديث المنتشرة اليوم بين الشباب يستنتجون منها أحكاماً سيئة إن قبلنا سندها على إغماض فإن متنها لا يصح قبوله"، فيعلق ابن العودة بعد أن يبذل كل قواه في جدل خائر فيقول: "ولو سلكنا مسلك الرد بمثل هذا لما بقى من السنة شيء، بل إن في القرآن الكريم من هذا الكثير والكثير" حسبك ياشيخ سليمان وقف حيث أنت... أتضع القرآن في منزلة حديث المجبوب وحديث موسى وملك الموت وغيرها.. ولا حول ولا قوة إلا بالله.

 

القرآن والسنة

السنة هي التطبيق المحمدي للقرآن في مجتمع المدينة ، وهو تطبيق إن جهلنا بعض تفاصيله فإننا ندرك مدى عبقريته فب النتائج المبهرة لهذا التطبيق هذه الثريات البشرية التي أضاءت العالم في ومضة عين تاريخية خير أمة أخرجت للناس انسابت في ربوع المعمورة تخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله ومن ضيق الأديان إلى سعة الإسلام. وهذا التطبيق المحمدي سيظل هادياً لنا كلما حاولنا أن نقيم حياتنا على شرع الله. وحتى نستظل بهذا التطبيق لابد أن نحرره من الخلط والنسيان والكذب ونعمل فيه عقولنا بكل قوة حتى يخلص لنا هذا التطبيق صافياً من كل غبش. فنحن من أمة تقرأ في كتاب ربها "ولا تقف ما ليس لك به علم، إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولاً"

وهذا المقال كله كتبناه للحث على إعادة إعمال العقل فيما بيننا من آثار مروية عن سيد الخلق، فما استيقنا بنسبته إلى رسول الله تلمسنا الهدى فيه ومنه وما استيقنا ببعده عن هدي رسول الله رددناه، وما كان بين هاتين المنزليتين أوَّلناه في ضوء القرآن والمستيقن من حديث رسول الله. وعلماء الحديث والفقهاء اختلفوا فيما بين أيديهم من مرويات كما يختلف دائماً أصحاب العلم، ولم يُكَفَّر أحدهم الآخر  ولم يرمه بتهمة رفض ما جاءنا به رسول الله. كنت أجادل البعض في المرويات حول دخول أبوي رسولنا الكريم النار، فقال متعجل صالح: أنت إذن ترد حديث رسول الله. قلت لا ولكني أرد حديث الراوي، والراوي لا عصمة له عندنا إلا بعقولنا، وعقولنا التي سنحاسب عليها يوم القيامة  أبت أن تقفوا أثراً ليس لها به علم.

 

4 – المناسبة والخصوصية والعمومية:

في كتابه القيم عقد شيخنا القرضاوي فصلاً في "فهم الأحاديث في ضوء أسبابها وملابساتها ومقاصدها" قال فيه: "فإذا كانت أسباب نزول القرآن مطلوبة لمن يفهمه أو يفسره، كانت أسباب ورود الحديث أشد طلباً. ذلك أن القرآن بطبيعته عام وخالد، وليس من شأنه أن يعرض للجزئيات والتفصيلات والآنيات، إلا لتؤخذ منها المبادئ والعبر. أما السنة فهي تعالج كثيراً من المشكلات الموضعية والجزئية والآنية، وفيها من الخصوص والتفاصيل ما ليس في القرآن.

فلابد من التفرقة بين ما هو خاص وما هو عام، وما هو مؤقت وما هو خالد وما هو جزئي، وما هو كلي، فلكل منها حكمة، والنظر إلى السياق والملابسات والأسباب تساعد على سداد الفهم، واستقامته لمن وفقه الله." (كيف نتعامل مع السنة 126).

ثم يعلق الشيخ القرضاوي على مجموعة من الأحاديث ليبين ما يقول، ونختصر تعليقاته فيما يلي:

  • حديث "أنتم أعلم بأمر دنياكم" حيث نبه إلى أن كل عمل فيه جزء فني يعرفه أهل الخبرة الفنية وجزء فلسفي وأخلاقي وعقيدي هو من صميم عمل الدين في الحياة. وخصوصية هذا الحديث تتعلق بالجزء الفني المكتسب بالخبرة الدنيوية، فلا يتخذ ذريعة لعزل الدين عن الحياة.
  • حديث "أنا برئ من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين" أي برئ من دمه إذا قتل، لأنه عرض نفسه لذلك بإقامته بين هؤلاء المحاربين لدولة الإسلام. ومن ثم لا يؤخذ هذا الحديث كمانع للسفر والإقامة في بلاد العالم بغية العلم والدعوة والسياحة في الأرض ما دامت بيننا وبينهم عهود ومواثيق.
  • سفر المرأة مع محرم "لا تسافر امرأة إلا ومعها محرم" فسفر الأمس كان خطراً وشاقاً ولا علاقة له بسفر اليوم مع وجود الأمن المتصل في المطارات والموانئ وشوارع المدن.

وأنصح القارئ أن يراجع الفصل كله في كتاب الشيخ القرضاوي.

ولكن السؤال المهم: ماذا لو لم نجد للحديث مناسبة مروية ولا ندري لماذا قيل، وهل هو في خطبة عامة، أم في حديث خاص مع صحابي بعينه.. ماذا نفعل؟. حديث مثل "الكلب الأسود شيطان".. ما مناسبته؟ والحديث الذي يروى أن موسى عليه السلام فقأ عين ملك الموت عندما جاء لقبض روحه بعدما استوفى أجله.. ما مناسبته؟ إن الشيخ الغزالي يقول عنه: "إن الحديث صحيح السند لكن متنه يثير الريبة حيث يفيد أن موسى يكره الموت ولا يحب لقاء الله بعدما انتهى أجله. ومن العجيب أن العودة يجعل هذا الحديث من "ابتلاء الإنسان بالإيمان بالغيب"، تماماً كالإيمان بالله والملائكة والبعث والنشور والجنة والنار. وكأن الشيخ العودة لا يعرف الفرق بين الغيب وأنباء الغيب. وهو دفاع خفيف الوزن لا يستساغ، ويبقى السؤال هل هناك روايات عن مناسبة هذا الحديث وفي أي ظرف قيل؟

أنظر إلى حديث آخر هو حديث أم حميد امرأة أبي حميد الساعدي "صلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك" ما هي المناسبة؟، وهل كانت أم حميد كثيرة الأعمال في منزلها فطمأنها الرسول الكريم إلى أن صلاتها في بيتها خير من صلاتها في المسجد؟ ولماذا كان هذا التوجيه لأم حميد وحدها؟

مرة أخرى ضرورة التأكد من المناسبة، فإذا لم نجد في الآثار المروية ما يدلنا على المناسبة، وصح الحديث وصح المتن ووجدنا تأويلاً في ظل التوجيهات القرآنية والأحاديث اليقينية قبلناه وإلا فتركه أولى. وأذكر أن الأخ المرحوم عبد الحليم أبو شقة كان يهديني نسخاً من أجزاء كتابه عن المرأة كلما صدر منها جزء، وأذكر أنني كنت أقلب في إحداها فوجدت حديثاً يقول أن سيدنا عمر وجد جارية محجبة فضربها وقال لها "أتتشبهين بالحرائر يا لكاع". فهاتفت المرحوم عبد الحليم وقلت له إن روايتك لهذا الحديث بهذه ا لصورة ومن غير توضيح لمناسبته سوف يفتح باباً للفتنة، وماذا على جارية طيبة أن تقلد الحرائر فتتحجب؟ إذا صح الحديث سنداً، فربما نستطيع تأويله بأن هذه الجارية كانت امرأة سيئة وأنها كانت تلبس الحجاب لتتفلت من العقاب، كما تفعل بعض النسوة الآن في بلادنا ليتفلتن من شرطة الآداب. ثم قلت إذا لم تكن المناسبة مؤكدة فما حاجتك لهذا الحديث تضعه في كتابك، ولقد وعدني – رحمة الله عليه – أن ينظر في الأمر ليجد المناسبة الشارحة أو يصحح الأمر في الطبعة القادمة.

5 - الموضوع:

هل الحديث يتعلق بالعادات السائدة في المجتمع أم هو من أعمال القضاء أم أعمال الرئاسة أم هو ذكر لعلم من العلوم الحياتية السائدة أم هو غيب أم من أنباء الغيب.

فمثلاً كل ما ورد في أمور التداوي بما كان يتداوي به الناس مسلمهم وكافرهم هو من العادات السائدة في المجتمع.. تطبيقها الآن يعتمد على رأي الطب والأطباء. وكذلك ما ورد في أمور اللباس، لا يبقى منها في التطبيق إلا ما يتعلق بالدين لا بالعادة، وبعض الذي كان من العادة في إظهار نقص أخلاقي كالكبر والعجب بالنفس والخيلاء مثل تطويل الثوب، ثم تغيرت العادة أو لم يكن ذلك من عادات شعوب أخرى، فإن العلة من النهي عن تطويل الثياب تكون قد انتفت. ولذلك أجد منكراً عندما أزور بعض البلاد الأوروبية أن أرى الزي الحجازي أو النجدي يلبسه بعض الذين أسلموا وكأنه زي إسلامي. أو أجد بعض طلاب جامعة القاهرة يقصرون البنطلون بطريقة تغرى الآخرين بالهزء منهم، كما أن طول البنطلون لا علاقة له بالخيلاء في أي مكان في العالم الآن. والسواك مثلاً سنة نبوية مؤكدة "السواك مطهرة للفم مرضاة للرب" أي أن الأصل في السواك هو التسوك لتطهير الفم، فلا تثريب على أي مسلم أن يتخذ الوسيلة المتاحة له للتسوك.

كذلك كانت هناك عادات سائدة في الطعام والشراب مما كان موجوداً في المجتمع اليثربي آنذاك، وكل هذا لا يبقى كدين ولكن ربما بقى كوصف لهذا المجتمع وكيف أن مجتمعاً بهذه الظروف الحياتية البالغة الصعوبة استطاع في برهة تاريخية شديدة القصر أن يصبح خير أمة أخرجت للناس. وفي رأيي أن علماء التاريخ الإنسان (الأنثروبولوجي) هم خير من يدرسون المجتمع اليثربي قبل وبعد الإسلام من حيث العادات والتقاليد وطرائق العمران حتى نستطيع الفصل بين ما هو دين وما هو تطور حياتي بشرى.

كما أن رسول الله rكان  قاضياً يقضي بين الناس، فأمثلة القضايا التي كان يقضي فيها الرسول والتي وصلتنا رواياتها لابد أن تكون كل ملابساتها معروفة ومروية بيقين حتى يستطيع القاضي المسلم اليوم وغداً أن يستفيد من عبقرية تنزيل النص القرآني على الواقع، وبالطبع العاملون بالقانون والقضاء هم وحدهم القادرون على فهم هذا التنزيل والاستفادة منه.

والرسول rكان رئيساً في أمته قادهم في السلم والحرب وقام على شئونهم واستطاع برحمة الله ونعمته أن يجمعهم حوله.. أمة متعلقة بقائدها بقوى عبقرية لا تعرف لها مثيلاً في تاريخنا الحديث ولا ما رواه المؤرخون.

ولذلك فالأحاديث التي تتعلق بالرئاسة ينبغي أن يدرسها علماء السياسة وينظروا في ملابساتها قدر الإمكان، وخاصة أن الأحداث الكبرى مروية في القرآن الكريم. أقول هذا لأن كثيراً من الشباب المتدين يمارسون خطيئة كبرى عندما يحاول من غير تأهيل ولا فهم أن يطبق أحداثاً حدثت في زمن الرسول على واقع مغاير، ولا يفعل ذلك لنفسه فحسب وإنما يورط معه آلاف من الشباب. فالربط بين حياة الرسول السياسية وواقع الأمة المعاصرة ينبغي أن يقوم عليه علماء يتعمقون في السياسة وفي الدراسات الإسلامية، أما أن يقوم عليها من لا يجيد هذا ولا ذلك فإن هذا هو البلاء المبين.

رسول الله rكان يعيش في عصره وهذا العصر له سمات علمية سائدة، وهناك أحاديث كثيرة عن الخلق والسماوات والأرضين، وكل ما جاء فيها هو انعكاس لعلوم العصر، سواء صحت نسبتها إلى الرسول الكريم أو كانت مما توهمه البعض مروياً عنه. وفي كتابه عن القرآن والكتب المقدسة والعلم الحديث لاحظ العالم الفرنسي المسلم موريس بوكيه أن القرآن معجز ومحكم عندما يذكر ظاهرة علمية ولكنه لاحظ أيضاً أن ما جاء في كثير من الأحاديث إنما يعكس علوم عصر النبوة أو ما بعدها بقليل، وقال أن المستوى العلمي للكتب المقدسة أو ما تعرضت إليه الكتب المقدسة من علوم تكاد تتساوى مع المرويات من الأحاديث المنسوبة لرسولنا الكريم - أما شهادته للقرآن من الإعجاز المعجز فهي شهادة نشهدها كل يوم وتتفتق عنها العقول باكتشافات معجزة في القرآن الكريم.

ومرة أخرى لا يتحدث في هذا الأمر إلا العلماء كل في مجاله، ونحن نعلم عندما تعرض بعض علماء الدين لبعض الظواهر الثابتة يقيناً حول علوم الأرض والسماء كادوا يضلوا المسلمين. فماذا يفعل شاب نابه عندما يطالبه عالم حديث مرموق أن يؤمن بثبوت الأرض ودوران الشمس حولها أو غيرها من المرويات المتوهمة. قلت لصديق لي من علماء الفيزياء يعتبر نفسه تلميذا لهذا الشيخ ألم تحاول أن تشرح للشيخ شيئاً من الحركة الفلكية؛ فقال إن هناك حديثاً يراه الشيخ صحيحاً معناه أن العرش في السماوات العلا فوق الكعبة تماماً، فإذا كانت الكعبة في حركة دوارة فيعنى ذلك دوران العرش مع الكعبة. قلت شيخك هذا من أجل حديث يراه صحيحاً سيزيغ قلوب ملايين من المؤمنين، ألا تنصحه أن لا يفتى في الفلك، ويحاول رد الحديث أو تأويله.

وأخيراً هل الحديث يتعلق بالغيب أو أنباء الغيب. أما الغيب فقد حدده القرآن تحديداً مبيناً، فإن دار الحديث في دائرة القرآن فنقبله ونؤمن به، أما إذا أضاف غيباً جديداً إلى الغيب القرآني فينبغي التوقف وعدم القبول.

أما أنباء الغيبب فهي الأحداث الحياتية التي حدثت بعيداً عن أعيننا ولم نرها ولكن الله أنبأنا بها، ومنها قصص القرآن عن الأمم الخاليات وعن رسل الله قبل محمد r. وأنباء الغيب منها ما هو في الماضي ومنها ما جاء بخصوص المسيخ الدجال والمهدي المنتظر. ولقد حاولت في المقدمة أن أقدم تأويلاً للمسيخ الدجال يجمع بين رؤية العلامة محمد أسد - عليه رحمة الله - وبين تأكيد المرويات على أنه فرد. وعلى كل حال فإن هذه الأحاديث المتعلقة بأنباء الغيب المستقبلي لم يَجْنِ منها المسلمون حتى اليوم إلا مجموعة من الأفاقين الذين يزعمون أنهم هم المهدى المنتظر. وفي عقائد ملل أخرى أشياء مشابهة وخير للمسلم أن لا يشغل نفسه بانتظار حدث غامض وأن يعيش حياته في ظل قرآن ربه يصنع الحياة الطيبة.

ونحن ندرك من قرآن ربنا حقائق هامة تتعلق بعمليات البعث والإحياء. فنتعلم قوله تعالى (وإن من أمة إلا خلا فيها نذير) ، ونتعلم أيضاً قوله تعالى (فلولا كان من القرون من قبلكم أولي بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلاً ممن أنجينا منهم وأتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين، وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون).  والتاريخ شاهد على أن الأمم عندما يطول عليها الأمد تتحلل عقائدها وتنقلب قيمها ثم يرسل الله لها نذراً تترى توجهها للخير وتشير إليه.

فكل أمة من الناس يأتيها نذير. والعالم اليوم رزقه الله بمنذرين في كل مكان ينذرونه عاقبة المضي في هذا السبيل الذي يسلكه ويشير إلى الإسلام كمنقذ. هؤلاء المنذرون هم ثريات في تاريخ البشرية وهم "المهديون المنتظرون" في كل وقت وحين. وأنا أعتبر أمثال الإمام محمد بن عبد الوهاب لمجتمع الجزيرة العربية ومحمد عبده للمجتمع المصري كانوا يمثلون ما يمكن تسميته برجل الوقت أو المهدي المنتظر للوقت الذي ظهروا فيه والمكان الذي ظهروا فيه. والله سبحانه وتعالى ينظر في أحوال الأمم و الجماعات ويهيئ لها الرجال الصالحين الذين ينذرونهم بالخلل الذي استبد بهم ويرشدونهم إلى أول الطريق الخيري. ما قلناه هو سنة من سنن التغيير الإلهي في الأمم والجماعات. أما أحداثاً بعينها وأوصافاً بعينها لرجال بأعينهم سيظهرون في آخر الزمان، فإنني أقف أمام المرويات في هذا الباب بحذر شديد، وخاصة أنها متضاربة. ولقد أفلح الفقهاء من قبل عندما قالوا عن أحاديث المهدي "صريحها غير صحيح وصحيحها غير صريح". أي أن أي حديث يصرح بأسماءٍِ وأزمنةٍ وأوصافٍ غير صحيح والصحيح منها هو الذي يتحدث عن السنن الكلية كما أسلفنا.

وإنني أشعر أحياناً أن الأمم التي تأخذ نفسها بالجد الصارم في تطبيق العدالة التي بين يديها والتي هي خليط مما تراكم في وعائها الحضاري من الدين والعادات والأهواء هذه الأمم لا يحرمها ربها من نذر تترى بينهم. وعندما كتبت رسالة عن التجديد الحضاري من وجهة نظر قرآنية "دراسة قرآنية في فقه التجدد الحضاري" لم أجد خيراً من صرخات برجنسكي مستشار الأمن القومي للرئيس كارترتلك الصرخات المنذرة للمجتمع الأمريكيلم أجد خيراً منها لأعلق عليها في فاتحة الكتاب. بل إنني أكاد أجزم أن أعظم نذير في القرن العشرين للحضارة الغربية هو جيمي رفكن في كتابه الخطير "الإنتروبيا   Entropy" وأرجو أن يعود القارئ إلي كتابي حول التجديد الحضاري ليعرف أن الأمر أكبر وأعمق من انتظار غامض لحدث غامض.

 أنظر إلى هذا الحديث الذي يضيف إلى الغيب القرآني غيباً آخر: "يبعث الشمس والقمر يوم القيامة كثورين أقرنين ويعذبان في النار"، ورحم الله الإمام الحسن البصري عندما سمع هذا الحديث قال "وما ذنبهما؟" ونحن نقول معه "وما ذنبهما؟". الغيب القرآني مرتبط بفلاح الدنيا وفلاح الآخرة.

ولولا الغيب القرآني ما آمنا بنظام القيم القرآني ولا بالأخلاق القرآنية. ولقد كتبت مرة أن الغيب القرآني يمثل الجدوى الربانية للميزان القرآني أو قل لنظام القيم الإسلامي. ومن ثم فإضافة أجزاء غيبية لا تضيف شيئاً لهذا الجدوى الربانية أمر نقف أمامه رافضين وخير للأمة أن تعض على "الغيب القرآني" بالنواجذ فإنه يمثل مجموعة متسقة داخلياً فاعلة خارجياً في الإنسان المؤمن، والله أعلم.

6 – الشطرية والسعة:

قال تعالى: )قد نعلم تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها، فول وجهك شطر المسجد الحرام، وأينما كنتم فولوا وجوهكم شطره...(.

هذه الآية العظيمة تضع لنا منهاجاً ينبغي أن نتبعه في كل حياتنا. فنحن ونحن نتحرى التوجه إلى القبلة لا يمكن بأي وسيلة في الزمن القديم والزمن الحديث أن ينضبط اتجاهنا تماماً كما نريد. فاستخدام البوصلة معرض للمغناطيسية الأرضية ولو ضبطناها في وقت سيأتي وقت لاحق يتغير فيه مجال المغناطيسية الأرضية ومن ثم ستتأثر البوصلة بذلك. ولذلك أوصتنا الآية أن نولى وجوهنا شطر المسجد الحرام.. اعطتنا سعة الشطر بعيداً عن ضيق الخط الحاد، ففي الشطر سعة لنا نتحرى في سعته قبلتنا.

هذه الشطرية هي سمة مميزة لكل العبادات والمعاملات في الإسلام، وكان رسول الله يُسأَلُ في الحج عن شعائره فيجيب السائل: أفعل ولا حرج. ولقد نقل صحابة رسول الله عن صلاته أيضاً شطرية واضحة تعددت بها المذاهب في الوقوف والركوع والسجود وحركاتها وما يقال فيها. ولكن هذه الشطرية شطرية منضبطة بأركان أساسية محددة. ومن هنا ينبغى ونحن نبحث في حديث رسول الله أن نثبت هذه الشطرية في العبادات والمعاملات وأن لا نجبر أهل القبلة على خطوط حادة.. إن لم يتحروها فإنهم آثمون. ولذلك تجمع الأحاديث في الموضوع الواحد ونبحث عن الشطرية في الأمر ونثبتها ونعطى المؤمن الحرية أن يستخدمها. إنني أحياناً أجد ضيق بعض العلماء أن يطلع الناس على هذه الشطرية التي قد تعطيهم رخصاً في أوقاتهم الحرجة. هؤلاء العلماء يحملون الناس على سنة حدية قد تحفيهم وتخرج أضغانهم.

والذي يخفون عن الناس هذه الشطرية يقعون في إثم بالغ سيسألون عنه يوم القيامة. وفي الإسلام يُطْلبُ من الدعاة الأصحاء أن يقوموا الليل لرب العالمين، ولكن القرآن يقول )..علم أن سيكون منكم مرضى وآخرين يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله..(هؤلاء يقرأون ما تيسر منه. فالشطرية إذاً سعة يتفيأ في ظلالها المؤمن على قدر طاقته، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.

ولننظر الآن إلى شطرية العبادات وشطرية بعض الأحكام المتعلقة بحوادث نادرة. شطرية العبادات نقلتها إلينا أحاديث كثيرة تعتبر تواتراً عملياً. وانظر رحمك الله إلى كتاب تهذيب الآثار لأبي جعفر الطبري، والآثار هنا هي مسند عبد الله بن عباس رضي الله عنه. وخذ مثلاً موضوع السجود بالجبهة والأنف معها، وستجد هناك آثاراً متعددة فمثلاً حديث عن ابن عباس " أن رسول الله رأى رجلاً يصلي، يسجد ولا يضع أنفه على الأرض فقال: ضع أنفك يسجد معك".

وهناك أثر آخر يرى أن السجود على الجبهة، ولا يراه على الأنف، مثل حديث ابن عمر "إن أنفي من حر وجهي، وأكره أن أشين وجهي"، فقد اختلف السلف فيمن صلى وترك إمساس أنفه الأرض أتجزئه صلاته أم هي غير مجزئة. وكما ترى فإن الأمر فيه شطرية وسعة يستطيع الفقهاء أن يحددوها تحديداً مبيناً.

وفي موضوع الصوم في السفر هناك آثار في هذا المسند تجعل من البر الصيام في السفر، وهناك آثار تعطي الحرية في الاختيار. وواضح أن هذه الآثار ارتبطت بظروف متباينة كما ألمح الطبري إلى ذلك.

وهناك حديث عن ابن عباس "كان رسول الله يُسأل أيام منى فيقول: لا حرج، سأل رجل: حلقت قبل أن أذبح؟ قال لا حرج. وقال رجل : رميت بعد أن أمسيت؟ قال: لا حرج". و هناك من الآثار من قال أن من قدم شيئاً قبل شيءِ من مناسك حجه فعليه دم، وهناك من خالف هذا وقال: ليس عليه شيء.

ما وددت قوله هو أن كثيراً من الآثار المروية في شكل العبادات جاءتنا بشطرية طيبة تتيح للناس قدراً من السعة. هذا النوع من الشطرية شطرية واضحة ذات فائدة واضحة ألا وهي السعة. ولكن هناك نوع من الآثار المروية لا يتعلق بعبادة تواتر الناس في نقلها، وإنما تتعلق بأمر نادر الحدوث.

أنظر في نفس المسند إلى الحديث: روى عباد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اقتلوا مُواقع البهيمة والبهيمة، والفاعل والمفعول به في اللوطية، واقتلوا كل مُواقع ذات محرم". فهناك آثار أخرى عن ابن عباس أنه كان لا يرى على آتي البهيمة حداً، وهناك آثار أن الذي يغشى البهيمة عليه حد الزاني، وهناك آثار تقول عليه التعزير وليس عليه حد، وهناك آثار تقول يرجم، أحصن أو لم يحصن، وهناك آثار تقول يحرق بالنار، وهناك من قال عقوبته إلى السلطان، أو من قال يجلد أدنى الحدين، أو من قال لا حد عليه. فهذه شطرية واسعة جداً: من الإعدام إلى لا حد عليه. فماذا يفعل الفقهاء بهذا النوع من الآثار؟

أفهم الشطرية في العبادات، وخاصة أنها متواترة بفعل الصحابة والتابعين وتابعي التابعين. ولكن الآثار المتعلقة بجريمة افتراضية يمكن حدوثها مثل اتيان البهائم آثار تتعلق بسنة قولية وليست بسنة فعلية، ومن ثم ينبغي أن يقف العلماء عندها بحذر شديد مخافة أن يكون قد غشيها شيء من الخلط عند الرواة أو التحريف أو الكذب. وأنا أرى أن الجهد الذي بذله الإمام الطبري في تهذيب الآثار جهد فائق ، ولكنه يحتاج إلى حلقة جهدية جديدة يقوم بها فقهاء كل في مجاله للخروج بالعبرة الواضحة من هذه الآثار وتلخيصها وتخليصها من كل الشوائب التي تغشى عقولنا ونحن نقرأ وندرك مدى التباين في هذه الآثار.

 

7 – القاموس وتغير عالم الأشياء والمجاز والأحاديث المختصرة:

مضى الزمن وتغيرت الدنيا وأصبح العمران غير العمران، وما زال الناس يستخدمون كلمات لتصف أشياء جديدة. ولذلك وجب تجديد القاموس من وقت لآخر. كلمة السفر القديمة ليست هي حقيقة السفر الحديثة. كلمة مصور القديمة لا تنطبق على كلمة مصور الحديثة. حتى أنني وأنا أقرأ هذا الحديث من أحاديث البخاري الذي رواه في كتاب المزارعة من صحيحه عن أبي أمامة الباهلي حين نظر إلى آلة حرث (محراث) فقال: سمعت رسول الله rيقول: "لا يدخل هذا بيت قوم إلا أدخله الله الذل" داخلتني عدة أمور.

فإذا أخذنا أن المحراث الذي رآه أبو أمامة هو المحراث الحديث لوقعنا في فتنة أن الإسلام يكره الزراعة وهذا مستحيل والمخرج ربما أن كلمة محراث ربما عنت شيئاً في القديم ليس هو نفس الشيء في الحديث. فإذا كان ذلك كذلك ونحن لا نعرف ما هو الشيء القديم الذي عناه الحديث لا تثريب علينا أن نخرج هذا الحديث من زمرة الأحاديث الصحيحة التي تفيد علماً يقينياً .. ذلك إن لم نجد له تأويلاً.

وكما أن القاموس يتغير فإن المجاز يتغير أيضاً، ولذلك وجب تحديد المجاز على زمن النبوة تحديداً دقيقاً، ولقد عقد القرضاوي فصلاً في كتابه كيف نتعامل مع السنة حول التفريق بين الحقيقة والمحاز في فهم الحديث، واعتبر أن حمل الحديث على المجاز في بعض الأحيان يكون متعيناً، وإلا زلت القدم، وسقط المرء في الغلط.

ويقول أيضاً: إن إغفال التفريق بين المجاز والحقيقة يوقع في كثير من الخطأ، كما رأينا ذلك بجلاء عند الذين يسارعون إلى الفتوى في عصرنا، فيحرمون ويوجبون، ويُبَدَّعون ويفسَّقون، وربما يكفَّرون بنصوص إن سُلم لها بصحة الثبوت، لم يسلم لها بصراحة الدلالة. خذ مثلاً الحديث الذي استدل به بعض المعاصرين على تحريم مصافحة الرجل المرأة، بإطلاق، وهو ما رواه الطبراني: "لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له".

فالذي يظهر أن الحديث ليس نصاً في تحريم المصافحة، لأنالمسفي لغة القرآن والسنة لا يعني مجرد اتصال البشرة بالبشرة، إنما معني المس واللمس هنا ما دل عليه قول ترجمان القرآن كناية عن الجماع. (القرضاوي: كيف نتعامل مع السنة).

ومن الإعجاز القرأني قوله تعالى:  )وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دينهم..( [الأنفال: 60].

فالخيل لم تعد من أدوات الحرب، ولكن من أدواتها الطائرات والدبابات والسيارات والصورايخ وكلها مرابطة للخيلحيث أن تعريف قوتها يعتمد على القوة الخيلية لها (Horse power)فنقول هذه السيارة تبلغ 100 حصان وهكذا.

فرغم أن المعنى تغير من الحقيقة إلى المجاز إلا أن الصياغة القرآنية جعلته حقيقة هناك وحقيقة هنا. ذلك كلام الله المعجز. أما في المرويات من حديث رسول الله فإن كثيراً منها جاء بالمعني وبصياغة الراوى ومن ثم لا ننتظر هذا الإعجاز، وإنما نجتهد في التأويل. فإذا لم نصل إلى تأويل في رحاب القرآن والأحاديث الصحيحة تركنا الحديث ورددناه.

وأنت تقرأ هذه الأحاديث "الجنة تحت ظلال السيوف" أو "الجنة تحت أقدام الأمهات" فتعرف أن هذا مجازاً يدعوك للجهاد وللبر بالأمهات.

ولكن أحادث أخرى مثل "النيل والفرات وسيحون وجيحون من أنهار الجنة" ما معنى الحديث؟. هل هو إخبار؟ .. وهل الجنة إذن في الأرض؟ أم ماذا؟ ربما نؤول الحديث بمعنى أن الاهتمام بصيانة الأنهار التي تجرى في أرضنا هو عمل من أعمال أهل الجنة، ويكون هذا الحديث هو عنوان لموضوع بيئي عظيم هو الإهتمام بالأنهار، ليس ما ذكر في الحديث فقط وإنما كل أنهار العالم. ولذلك إذاً ذكر الحديث ذكرنا معه هذا التأويل إن اتفقت عليه العقول. أنظر إلى حديث آخر "العجوة من الجنة"، ربما نؤوله أن الاهتمام بزراعة النخيل وصناعة العجوة هو عمل يوصلنا إلى الجنة.. أي أنه من الأعمال الصالحة. فيذكر الحديث كعنوان لقضية الاهتمام بزراعة النخيل والصناعات القائمة عليها. وهذا الذي رأيناه قد أرتآه من قبل أبو داود.

فعندما ذكر القرضاوي الحديث "من قطع سدرة صوب الله رأسه في النار" فربط ذلك بقضية المحافظة على الخضرة وعلى البيئة، ولكن الحديث بصيغته يحرم قطع أية سدرة ويشدد الوعيد، فيقول القرضاوي "وقد رجعت إلى سنن أبي داود، فوجدت فيه: سئل أبو داود عن هذا الحديث فقال: هذا الحديث: مختصر، يعني من قطع سدرة في فلاة يستظل بها ابن السبيل والبهائم عبثاً وظلماً بغير حق يكون له فيها، صوب الله رأسه في النار". ولذلك يصلح أن يكون الحديث بنصه عنوان لموضوع "الحفاظ على البيئة" والعنوان عموماً لا يفهم إلا إذا قرئ البيان. والحديث الذي ذكرناه في هذا الباب "لا يدخل هذا بيت قوم إلا أدخله الله الذل" مشيراً إلى المحراث، وهو أداة الزراعة الأساسية، وقلنا فيه أن الإسلام حث الناس على الزراعة فكيف يتوعدهم إذا تملكوا أدواتها، فربما غُمَّ على أبي أمامة راوى الحديث، وكان رسول الله يشير إلى شيء آخر، أو ربما كلمة محراث مما تغيرت مقاصدها مع الزمن أو كان هذا الحديث حديثاً مختصراً عن أن ركون الناس إلى الدنيا وأعتقادهم أن الزراعة أو الصناعة ستغنيهم عن ربهم وستجلب لهم العز سوف يكون طريق الخسار لهم، فالله يقول  )من كان يريد العزة فلله العزة جميعاً( فكل أعمال الدنيا لا بد أن ترتبط بمقاصد الشرع. لقد فتحت لنا ملاحظة أبي داود باباً جيداً لمراجعة الأحاديث التي كثر حولها اللغط يضاف إلى الأبواب الأخرى التي نتحقق بها ما استطعنا من معاني هذه الأحاديث ومقاصدها.

وبعد فهذه خواطر حول السنة، أدعو الله أن أكون قد هديت بها صراطاً مستقيماً..

وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين


المراجع الأساسية

  •  
  • تهذيب الآثار لأبي جعفر الطبري. مسند عبد الله بن عباس السفر الأول. تحقيق محمود شاكر.
  • البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث الشريف. الحنفي الدمشقي. تحقيق د/حسين عبد المجيد هاشم (ثلاثة أجزاء).
  • مقدمة ابن خلدون.
  • المنار المنيف في الصحيح من الضعيف لابن قيم الجوزية. تحقيق عبد الفتاح أبو غده.
  • رد هادئ على محمد الغزالي. سلمان فهد العوده.
  • كيف نتعامل مع السنة. يوسف القرضاوي.
  • السنة بين أهل الفقه وأهل الحديث. محمد الغزالي.
  • دفاع عن السنة. محمد محمد أبو شهبة.
  • دراسة قرآنية في فقه التجدد الحضاري. سيد دسوقي حسن.
اجمالي القراءات 12723
التعليقات (1)
1   تعليق بواسطة   أيمن عباس     في   الأحد 10 اكتوبر 2010
[51894]

شفاعة أعمال وليست شفاعة أشخاص !!

يدعي الكاتب حسب تعبيرة أن  الشفاعة عبارة عن شفاعة  أعمال وليست شفاعة أشخاص !!.


وكل هذ من قبيل  اللف والدوران لكي لا ينفي عذاب القبر الذي حلله بطريقة تمت للواقع القرآني بصلة .


 ولا ينفي الشفاعة ويصبح بذلك من منكري السنة التي  هى من أهم مصادر التشريع عند من يعتنقون المذهب السني فإيمانهم بالأحاديث التي تؤكد على عذاب القبر وشفاعة النبي محمد عليه السلام ووو .. وهلم جرا إيمان راسخ ولا يمكن زحزحته تحت أي شرط أو سبب .


فالحق الذي أمرنا الله عز وجل باتباعه  واضح في القرآن أما هذه التحليلات لا دخل لها بشرع الله فهى من قبيل اتباع السبل التي تؤدي بدورها إلى التفرقة عن سبيل الله وهذا ماحذرنا منه الله سبحانه وتعلى  {وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }الأنعام153


أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق


فيديو مختار