رحلة بحث شاقة عن الدواء في مصر... شح وغلاء

اضيف الخبر في يوم السبت ٢٦ - سبتمبر - ٢٠٢٦ ١٢:٠٠ صباحاً. نقلا عن: العربى الجديد


رحلة بحث شاقة عن الدواء في مصر... شح وغلاء

في صباح أحد الأيام، يقف الحاج متولي (64 عاماً) أمام عتبة إحدى الصيدليات الكبرى في الإسكندرية، ممسكاً بورقة مجعدة كُتبت بخط طبيب غير واضح. يتطلع بجمود إلى وجه الصيدلي الشاب الذي يهز رأسه بنفاد صبر كرره عشرات المرات منذ الصباح: "غير متوفر يا حاج، ولا حتى البديل".
مقالات متعلقة :

لم تكن هذه المرة الأولى التي يعود فيها الرجل المتقاعد خالي الوفاض؛ فرحلة البحث عن جرعة "إل-تروكسين" لعلاج الغدة الدرقية، أو حقنة إنسولين لزوجته، أصبحت طقساً أسبوعياً شاقاً يستنزف ما تبقى من صحته ومن معاشه الشهري الذي لم يعد يكفي لشراء نصف المستلزمات الأساسية.
قصة متولي ليست سوى تفصيلة صغيرة في لوحة أوسع تضم ملايين الأسر المصرية التي باتت تكتوي بنار أزمة دوائية مركبة؛ فبينما تتهاوى القدرة الشرائية للطبقات المتوسطة والفقيرة تحت ضغط التضخم المتصاعد، تجد الأسر نفسها محاصرة بين فكي قفزات متتالية في الأسعار وشبح "النواقص" الذي يحرمهم من أدوية منقذة للحياة.

تمدد الأزمة
الأزمة لم تعد تقتصر على العقاقير المستوردة أو المعقدة كأدوية الأورام وزراعة الأعضاء، بل تمددت لتطاول أدوية السعال، والمسكنات البسيطة، ومحاليل الجفاف، وأدوية الضغط والسكر، مما يحول أي وعكة صحية عابرة إلى كابوس اقتصادي ونفسي يهدد استقرار الأسرة.
وحسب تقرير صادر عن "المركز المصري للحق في الدواء"، فقد بدأت شكاوى المواطنين والصيادلة بشأن نقص عدد من الأصناف في الظهور منذ يوليو/ تموز الماضي، قبل أن تمتد إلى أدوية تُستخدم لعلاج أمراض الدم والأورام، وبعض أنواع أدوية القلب والعظام والأمراض المناعية، إلى جانب أدوية الهرمونات والأمراض النفسية والعصبية، والمستحضرات المرتبطة بعمليات زراعة الأعضاء.وأشار التقرير إلى أن النقص امتد كذلك إلى الأدوية المستخدمة خلال جلسات العلاج الكيميائي لمرضى الأورام، ثم إلى أصناف أكثر شيوعاً تُستخدم لعلاج نزلات البرد والسعال وأمراض الجهازين الهضمي والتنفسي، معتبراً أن استمرار الأوضاع الحالية قد يقود إلى أزمة أكبر تهدد حق المرضى في العلاج.
وأكد المركز أن أزمة توافر الدواء لم تعد تقتصر على سوق الصيدليات، بل امتدت إلى منظومة التوريد للمستشفيات الحكومية، مرجعاً جانباً من المشكلة إلى أوضاع هيئة الشراء الموحد والالتزامات المالية المستحقة للشركات الموردة.

بين المطرقة والسندان
يقول صيدلي يمتلك صيدلية شرق محافظة الإسكندرية، مر بهنس: "نحن في الصيدليات الصغيرة نقع بين المطرقة والسندان؛ فالمواطن يظن أننا نحتكر الدواء أو نرفع أسعاره من تلقاء أنفسنا، بينما الحقيقة أن الموزعين والشركات يوردون لنا كميات شحيحة جداً من الأصناف الحيوية، وأحياناً يفرضون علينا شراء أدوية غير مطلوبة للحصول على (كوتا) محدودة من الأدوية الناقصة".
وتابع: "ارتفعت أسعار بعض الأصناف بنسب تجاوزت 50% خلال العامين الأخيرين، ومع ذلك فالأدوية غير متوفرة بشكل مستمر، وهو ما يضعنا في مواجهة يومية مع غضب الناس الذين ينفقون جزءاً كبيراً من دخلهم على الدواء".
على الجانب الآخر من المشهد، تبرز أزمة التمويل التي تضرب المنظومة الصحية الحكومية؛ حيث امتدت الاختناقات إلى المستشفيات العامة ومراكز التأمين الصحي التي كانت تشكل ملاذاً أخيراً لمحدودي الدخل. ورغم ضخامة حجم سوق الدواء المصري -الذي تشير التقارير الرسمية إلى تجاوزه مبيعات بمليارات الدولارات، وامتلاكه مئات المصانع وخطوط الإنتاج التي تغطي معظم الاحتياجات المحلية نظرياً- إلا أن الواقع يكشف عن اختلالات هيكلية عميقة.
وتوضح ربة منزل وأم لثلاثة أطفال في محافظة الجيزة، أمل عبد المجيد: "عندما يمرض أحد أبنائي، يصبح الاختيار بين شراء العلاج أو توفير الطعام للأسبوع المقبل. الشهر الماضي اضطررت لشراء بديل لدواء تنفس ابني بسعر يعادل ضعف السعر الرسمي من أحد التجار عبر منصات التواصل الاجتماعي، لأنني لم أجده في أي صيدلية. التسعير الحكومي يرتفع باستمرار، لكن حين نذهب للصيدلية لا نجد السلعة، فما الفائدة من تحريك السعر إذا كان الدواء يختفي ليظهر في السوق السوداء بأسعار مضاعفة؟".

مديونيات متراكمة
الأزمة المالية لم تتوقف عند حدود الصيدليات الخاصة، بل ارتبطت أيضاً بأزمة مديونيات متراكمة داخل المنظومة الحكومية ذاتها. وتشير بيانات وتقارير محلية إلى أن تراكم الالتزامات المالية والمديونيات الضخمة على الجهات المسؤولة عن الشراء والتوريد لمصلحة مستشفيات الدولة والتأمين الصحي أدى إلى تباطؤ بعض شركات الأدوية في توريد الشحنات المحددة، وهو ما تسبب في طول قوائم الانتظار للعمليات الجراحية الحرجة، وتراجع المخزون الاستراتيجي لأدوية الفشل الكلوي والأورام في المستشفيات الجامعية.
وفي محاولة لتخفيف حدة الأزمة، اعتمدت المنظومة الرسمية على منافذ مركزية مثل "صيدليات الإسعاف" لتوفير الأدوية الحيوية والنادرة. غير أن هذا الحل يفقد فاعليته خارج حدود العاصمة، إذ يتحول إلى عبء إضافي على مرضى المحافظات البعيدة والأقاليم.

متعاملون في فرع للبنك الأهلي في القاهرة، 3 أبريل 2023. (محمود الخواص/Getty)
اقتصاد عربي
صفقة "الأهلي المصري" وبنك مصر: مخرج من الأزمة أم ورطة؟

يقول موظف بهيئة حكومية، محمود عمران: "لكي أحصل على جرعة علاج لوالدي المريض، أضطر للسفر لساعات إلى القاهرة والانتظار في طوابير طويلة أمام صيدلية الإسعاف، وقد أعود في النهاية بعلبة واحدة بدلاً من ثلاث. التكلفة لا تقتصر على سعر الدواء فقط، بل تضاف إليها مصاريف السفر والمبيت وفقدان يوم عمل كامل. الدواء يجب أن يتوفر في مراكز المحافظات وليس في العاصمة فقط".

ارتهان للعملة الصعبة
من جانبهم، يرى خبراء أن الحلول الجزئية القائمة على استمرار الاستجابة لضغوط مصنعي الدواء عبر الرفع المتكرر للأسعار لم تعد صالحة لمعالجة جذر المشكلة. فالصناعة الدوائية، ورغم التوسع في مشروعات التوطين وتدشين مدن دوائية حديثة، تظل مرتهنة لتوافر العملة الصعبة لتأمين المواد الخام الفعالة واستيراد المستلزمات التكنولوجية المعقدة من الخارج.
بدوره، أكد المدير التنفيذي للمركز المصري لحماية الحق في الدواء، محمود فؤاد، أن هناك إشكالية حقيقية تتمثل في أن 90% من المواد الخام يتم استيرادها من الخارج، بينما الدواء سلعة تُسعر جبرياً، موضحاً أن الأمر متوقف على توافر العملة الصعبة، ومشدداً على أن الأزمة الاقتصادية أثرت على العديد من القطاعات في الدولة.
وانتقد فؤاد ما وصفه بـ "غياب الشفافية والوضوح" بشأن الأدوية غير المتوافرة في الأسواق، مطالباً هيئة الدواء المصرية بإصدار نشرات دورية توضح الأصناف التي تعاني نقصاً، أسوة بما تقوم به جهات تنظيمية دوائية في دول أخرى. وأضاف أن استمرار الاعتماد على تحريك الأسعار باعتباره حلاً رئيسياً لمشكلات النقص لا يعالج جذور الأزمة، مشيراً إلى أنه رغم مواجهة الشركات ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل والطاقة، فإنه من الضروري تحقيق التوازن بين استدامة الصناعة وقدرة المواطنين على تحمل تكاليف العلاج.
وأكد أن تكرار أزمات نقص الأدوية يعكس الحاجة إلى سياسات دوائية طويلة المدى تراعي الزيادة السكانية وخريطة الأمراض واحتياجات منظومة التأمين الصحي، خصوصاً مع التوسع في تطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل.
من جهته، قال نقيب الصيادلة بالإسكندرية محمد أنسي، لـ "العربي الجديد": "مع كل موجة تضخمية جديدة أو ارتفاع في أسعار مدخلات الإنتاج المحلية من كهرباء وشحن ومحروقات، تلوح الشركات بتقليل الإنتاج أو توقيف خطوط تصنيع الأصناف رخيصة الثمن التي لا تحقق أرباحاً مجزية، مما يلقي بتبعات الأزمة مجدداً على كاهل المريض".
وأضاف أن المشكلة تزداد تعقيداً مع غياب الشفافية بشأن الخريطة الحقيقية للنواقص؛ حيث يجد المواطن العادي نفسه تائهاً بين المصطلحات الطبية والصيدلانية، عاجزاً عن التمييز بين الدواء الأصلي ومثيلاته المتاحة. وطالب أنسي بضرورة إعلان نشرات دورية رسمية توضح الأصناف التي تشهد نقصاً حقيقياً وتوفر بدائلها المعتمدة بأسعار مناسبة، مع تفعيل رقابة صارمة على سلاسل التوزيع لمنع التلاعب وحجب الأدوية.

اجمالي القراءات 38
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق