الإفلات من العقاب" يُجدد عنف الشرطة العراقية
كل مرة تنتشر فيها مقاطع مصورة لاعتداء قوات الأمن العراقية على مواطنين تصدر بيانات رسمية تتعهد بالتحقيق ومحاسبة المقصرين، لكن لا تظهر أي نتائج، ما يرسخ الشعور العام بالإفلات من العقاب.
أثارت حادثة ضرب عناصر أمنية مواطناً وإهانته في منطقة المنصور بالعاصمة العراقية بغداد موجة غضب شعبي، بعدما أعادت إلى الواجهة ملفاً قديماً يتعلق بتكرار تجاوزات منتسبي الأجهزة الأمنية في استخدام العنف مع مواطنين في الشوارع ونقاط التفتيش وأماكن الاحتكاك اليومي، ولا سيما عناصر الشرطة والمرور.
ليست اعتداءات أفراد من أجهزة الأمن العراقية على مواطنين، والتي تتكرر بين فترة وأخرى، مجرد تصرفات فردية معزولة، بل تعكس بحسب مراقبين خللاً أعمق في آليات الانضباط المؤسسي، ومستوى التدريب المهني، وثقافة التعامل مع المدنيين، وأيضاً ضعف إجراءات المساءلة القانونية في حق المتجاوزين.
ويتحدث متابعون عن أن انتشار الهواتف الخليوية ومنصات التواصل الاجتماعي أصبح عاملاً حاسماً في كشف الانتهاكات، فالتوثيق المصور يوصل عدداً كبيراً من الحوادث إلى الرأي العام، ما يدفع السلطات إلى التحرك تحت ضغط الشارع. في المقابل، تمر حوادث أخرى مشابهة من دون مساءلة أو اهتمام بسبب غياب الأدلة أو خوف الضحايا من تقديم شكاوى أو عدم ثقتهم في جدوى الإجراءات الرسمية.
وتكتسب القضية حساسية خاصة في ظل حاجة الدولة إلى تعزيز ثقة المواطن بالمؤسسات الأمنية، باعتبارها الجهة المكلفة حماية القانون وصون كرامة الناس وليس انتهاكها، فاستمرار مشاهد الضرب والإهانة في الأماكن العامة ينعكس سلباً على صورة الأجهزة الأمنية، ويطرح تساؤلات جدية عن الرقابة الداخلية وفعّالية برامج التأهيل، ومدى التزام بعض العناصر بقواعد استخدام السلطة وحدودها القانونية.ومع تجدد الجدل عقب حادثة منطقة المنصور تتصاعد المطالب الشعبية والحقوقية بفتح تحقيقات شفافة، وإعلان نتائجها للرأي العام، وإنزال عقوبات واضحة في حق المتورطين، إلى جانب تبني إصلاحات مؤسسية تمنع تكرار هذه الانتهاكات وتؤسس لعلاقة قائمة على الاحترام المتبادل بين رجل الأمن والمواطن.
يقول الخبير في الشؤون الأمنية اللواء جواد الدهلكي لـ"العربي الجديد": "تكرار اعتداءات عناصر الأجهزة الأمنية على المواطنين مؤشر خطير إلى وجود خلل في منظومة الانضباط والرقابة الداخلية، وهذه التصرفات تسيء إلى سمعة المؤسسات الأمنية وتضعف ثقة الشارع بها". يتابع: "يفترض أن يكون رجل الأمن نموذجاً في احترام القانون وحماية المواطن، وأي استخدام للعنف خارج الأطر القانونية يعد تجاوزاً يستوجب المساءلة الفورية، والحوادث التي توثق وتنشر ليست سوى جزء من وقائع أخرى قد لا تصل إلى الرأي العام".
ويشدد على أن "تكرار هذه الحالات يكشف الحاجة إلى مراجعة برامج التدريب والتأهيل النفسي والمهني لعناصر الشرطة والمرور، مع تعزيز ثقافة التعامل الحضاري مع المواطنين، ولا سيما في مواقع الاحتكاك المباشر مثل الشوارع ونقاط التنظيم المروري". ويؤكد أن "فتح التحقيقات بعد كل حادثة خطوة ضرورية، لكنها لن تكون كافية إذا لم تقترن بإعلان النتائج للرأي العام وفرض عقوبات واضحة ورادعة في حق المتجاوزين لضمان عدم تكرار الانتهاكات مستقبلاً".
ويختم الدهلكي بأن "بناء علاقة صحية بين المواطن والمؤسسة الأمنية يبدأ من احترام الكرامة الإنسانية وتطبيق القانون على الجميع من دون استثناء، وهيبة الدولة تتحقق بالعدالة والانضباط وليس بالعنف والتجاوز".
يعكس عنف رجال الأمن خللاً في آليات الانضباط المؤسساتي، نوفمبر 2025 (أحمد الربيعي/ فرانس برس)
يعكس عنف رجال الأمن خللاً في آليات الانضباط المؤسساتي، نوفمبر 2025 (أحمد الربيعي/ فرانس برس)
من جهته، يقول الناشط والحقوقي علي الحبيب لـ"العربي الجديد": "تكرار اعتداءات عناصر الأجهزة الأمنية على المواطنين يندرج ضمن أفعال يُعاقب عليها القانون، سواء ارتكبت أثناء الواجب الرسمي أو من خلال استغلال الصفة الوظيفية، وتختلف العقوبات بحسب طبيعة الفعل وحجم الضرر والنتائج المترتبة عليه. والقانون لا يمنح أي موظف أو منتسب أمني حق الاعتداء الجسدي أو الإهانة، وأي تجاوز على المواطن يمكن أن يشكل جريمة جزائية ومخالفة انضباطية في الوقت نفسه. وحالات الضرب البسيط قد تقود إلى عقوبات تشمل الحبس أو الغرامة، في حين ترتفع العقوبات إذا تسبب الاعتداء في إصابات أو عاهة أو حصل باستخدام السلطة الوظيفية".
يضيف: "بعض الجرائم المرتبطة بإساءة استعمال المنصب أو الإكراه خارج القانون قد تصل عقوباتها إلى الحبس لمدد متفاوتة، وقد تتشدد إذا كان الفاعل موظفاً عاماً أو ارتكب الفعل أثناء أداء الواجب، كما يمكن اتخاذ إجراءات إدارية تشمل الإنذار وقطع الراتب وتنزيل الدرجة والفصل أو الإحالة إلى القضاء. وقد تراوح العقوبات في بعض الحالات بين أشهر عدة وعدة سنوات من السجن، بحسب وصف المحكمة للفعل والأدلة المتوفرة والتقارير الطبية والشهادات، والاعتداء الموثق بالصوت والصورة يكون غالباً أكثر حسماً في مسار التحقيق وإثبات المسؤولية. والإعلان عن نتائج التحقيقات وتنفيذ العقوبات علناً يساهم في الردع العام ويعزز ثقة المواطنين بالمؤسسات، أما عدم المحاسبة أو تأخيرها فيُشجع على تكرار الانتهاكات".في المقابل، يتحدث عضو لجنة الأمن والدفاع في البرلمان العراقي النائب أحمد الجربا عن أنه تابع مقاطع الفيديو التي وثّقت الاعتداء على مواطن في منطقة المنصور بأسلوب اتّسم بالعنف خالف القانون والأصول المهنية، ويقول: "نستغرب إصدار قيادة شرطة الكرخ بياناً حمّل المواطن مسؤولية الاعتداء من دون إجراء تحقيق والاستماع إلى جميع الأطراف. ولولا نشر الفيديو لكان المواطن أُدرج فعلياً باعتباره المعتدي استناداً إلى رواية أحادية".
يتابع: "تكرار هذه التجاوزات يُضعف الثقة بالإجراءات ويستدعي وقفة جدية، لذا نُطالب وزير الداخلية بالتدخل العاجل لوقف هذه التجاوزات وإجراء تحقيقات شفافة، ومحاسبة كل من يَثبت تجاوزه لضمان حماية المواطنين وصون هيبة القانون ومنع تكرار مثل هذه الممارسات التي تضر بسمعة المؤسسة الأمنية التي قدمت الكثير من التضحيات لخدمة الوطن والمواطن".
اجمالي القراءات
19