من وحى الموقع:
وحى واحد أم وحيان

مصطفى اسماعيل حماد Ýí 2026-10-31


وحى واحد أم وحيان؟

الحكمة في القرآن الكريم وعلاقتها بالسنة والحديث

قراءة في الدلالة والسياق

هل تدل كلمة «الحكمة» الواردة في القرآن الكريم على السنة النبوية؟ وهل يمكن اعتبار السنة، بهذا المعنى، وحيًا إلهيًا متميزًا عن القرآن؟ وإذا قيل إن السنة وحى من حيث المعنى دون اللفظ، فما العلاقة بين هذا التصور وبين الروايات المنسوبة إلى النبى محمد عليه السلام؟

هذه أسئلة تتعلق بطبيعة الوحى، ودلالة الألفاظ القرآنية، ومكانة السنة في الاستدلال الدينى، وطرق نقل الأخبار النبوية وتقييمها.

 والإجابة عنها تستلزم التمييز بين النص القرآنى، وما يستنبطه المفسرون والعلماء من آياته، وما تقرره المصطلحات التي تطورت لاحقا على يد علماء الحديث وأصول الفقه.

وبداية أؤكد أن هذا البحث لا يستهدف المساس بمكانة النبى عليه السلام، أو الانتقاص من قدره، ولا التقليل من أهمية تعاليمه ودورها المحورى في تشكيل البناء الدينى،وإنما يسعى إلى دراسة العلاقة بين مفاهيم الوحى والكتاب والحكمة والسنة والحديث والرواية، انطلاقًا بالأساس من النص القرآنى، مع الاستعانة بالتحليل اللغوى والسياقى لمعرفة دلالات آياته، ومراعاة الأدلة والحجج التي يستند إليها كل فريق،والإلتزام بالموضوعية والتجرد من أى انحياز مسبق لاتجاه معين.

وأستهل البحث بملاحظة لغوية مهمة، تتمثل في ورود لفظ «الحكمة» في الآيات القرآنية محلّ الدراسة معرّفًا بـ«ال» العهد الذهنى، وهو ما قد يشير إلى وحدة المفهوم الذى يعنيه اللفظ في هذه السياقات، لا إلى تعدّد معانيه وتباينها من موضع إلى آخر.

والآن إلى البحث:

أولًا: هل عطف الحكمة على الكتاب يثبت أنها وحى مستقل؟

يستدل بعض العلماء بقوله تعالى:

﴿وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾

على أن عطف الحكمة على الكتاب يثبت أن الحكمة شيء آخر متميز عن القرآن، ويذهب بعضهم إلى أن هذا التمايز دليل على وجود وحى آخر غير القرآن، هو السنة النبوية.

ويستند هذا الاستدلال إلى أن العطف بالواو يفيد المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه. غير أن هذه القاعدة لا يصح تطبيقها على إطلاقها؛ فالواو تفيد مطلق الجمع بين المعطوفين، ولا تستلزم بالضرورة أن يكون كل منهما مستقلًا عن الآخر استقلالًا تامًا.

وقد يختلف المعطوفان من جهة، مع قيام علاقة أخرى بينهما من جهة ثانية؛ فقد يكون أحدهما أعمَّ من الآخر، أو يأتي الثاني بيانًا لوظيفة الأول، أو تربط بينهما صلة تتحدد دلالتها بحسب السياق.

ومن أمثلة ذلك قوله تعالى:

﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾

فهل يلزم من عطف الميزان على الكتاب أن يكون الميزان كتابًا آخر مستقلًا؟ ليس بالضرورة؛ إذ يمكن أن يفيد العطف معنى آخر، كبيان الوظيفة أو الغاية (قيام الناس بالقسط).

وكذلك قوله تعالى:

﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾

فلا يلزم من عطف الفرقان على الكتاب أن موسى أوتى كتابين مستقلين؛ قد يكون الفرقان وصفًا للكتاب، أو بيانًا لأحكامه أو إشارة إلى ما يتضمنه من هدى ونور.

وعليه، فليس كل معطوف بالواو والمعطوف عليه متغايرين بالضرورة من جميع الوجوه، وإنما يتحدد وجه العلاقة بينهما بحسب السياق والقرائن.

ومن ثم، فإن مجرد العطف بالواو لا يثبت وحده أن الحكمة وحى مستقل عن القرآن.

ثانيًا: ماذا تعنى كلمة «الحكمة»فى القرآن ؟

إذا أردنا معرفة ما المقصود بالحكمة في قوله تعالى:

﴿وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾

فعلينا أن نبدأ بدراسة استعمال القرآن لهذه الكلمة، قبل أن نحملها مباشرة على مصطلح لاحق نشأ في علوم الحديث والفقه.

فالقرآن الكريم نسب الحكمة إلى أكثر من نبى، ولم يجعلها مقصورة على النبى محمد عليه السلام.

فالقرآن يقول عن عيسى عليه السلام:

﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ﴾

ويقول تعالى:

﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾

ويقول عن داود عليه السلام:

﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾

فإذا كانت الحكمة تعنى بالضرورة سنة نبوية بالمعنى الاصطلاحى، فهل كان لهؤلاء الأنبياء وحى تشريعى مستقل يسمى «سنة» ؟

والأقوى دلالة قوله تعالى عن لقمان:

﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾

ولقمان ليس نبيًا ـ بحسب ظاهر القرآن ـ، فهل يعنى ذلك أن الحكمة التى أوتيها رجل لم يكن نبيًا كانت هي الأخرى سنة تشريعية يجب على الناس اتباعها؟

ثم يقول تعالى:

﴿يُؤْتِى الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾

فالآية تتحدث عن الحكمة باعتبارها عطاءً من الله لمن يشاء، ولم تقل إنها سنة نبوية أو وحيًا تشريعيًا مستقلًا.

فهل يمكن- بناء على ماتقدم- اختزال الحكمة ابتداءً في معنى واحد هو «السنة النبوية» بالمفهوم الاصطلاحي المتأخر؟.

فالحكمة في القرآن تعبر عن مفهوم أوسع، يرتبط بالعلم والرشد، وصواب القول والعمل، ووضع الأمور في مواضعها، وبما يمنحه الله من هداية وفهم وتعليم.

ثالثًا: آية الأحزاب وسؤال جوهرى عما «يُتلى»

إذا كانت الحكمة وحيًا غير متلو، فكيف يقال إنها مما يُتلى؟

يقول الله تعالى مخاطبًا نساء النبى عليه السلام:

﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾

فالآية تذكر «الحكمة» في سياق ما يُتلى في بيوت أمهات المؤمنين.

وهنا تبرز مسألة جديرة بالتأمل: إذا كانت الحكمة تعني بالضرورة، في الاصطلاح القائل بالوحى الثاني، وحيًا غير متلو، فكيف نفهم ورودها في سياق «ما يُتلى»؟

هذه الآية، تدعونا إلى التوقف طويلًا قبل التسليم بأن الحكمة في القرآن تعني بالضرورة وحيًا ثانيًا غير متلو.

 والذي يمكن أن يُفهم من سياق الآية، دون تحميلها ما لا تدل عليه ألفاظها، أن الله تعالى يأمر نساء النبى عليه السلام بتذكر وتعاهد ما كان يُتلى في بيوتهن من آيات الله والحكمة؛ أى أن يستحضرن ما كان يُتلى ويُذكر في بيوتهن، ويعملن بمقتضاه.

وفى مثل هذه المسائل يجدر بنا أن ننطلق من النص القرآنى نفسه، ثم نبحث في مدى توافق التفسيرات الموروثة معه، بدلًا من التسليم بصحتها ابتداءً، ثم لىِّ أعناق الآيات أو تحميلها ما لا تحتمل من التأويلات، بغية التوفيق بينها وبين تلك التفسيرات.

رابعًا: آية الإسراء ودلالة الحكمة الموحاة

من أبرز الآيات التي ينبغى الوقوف عندها في هذا البحث قوله تعالى، عقب سلسلة من الوصايا والتوجيهات:

﴿ذَٰلِكَ مِمَّا أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾

والسياق يتضمن جملة من التوجيهات والأحكام، منها النهى عن الشرك، والإحسان إلى الوالدين، وإيتاء ذوى القربى حقوقهم، والاعتدال في الإنفاق، والنهى عن قتل الأولاد خشية الإملاق، واجتناب الفواحش، وتحريم قتل النفس بغير حق، والنهى عن أكل مال اليتيم، والوفاء بالعهد، وإقامة الوزن بالقسط، والنهى عن الخوض فيما لا علم للمرء به، والنهى عن الكبر والخيلاء.

ثم يأتي الختام:

﴿ذَٰلِكَ مِمَّا أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾

وأهمية هذه الآية أنها تربط الحكمة بما أوحاه الله إلى النبي عليه السلام من تعاليم وتوجيهات وأحكام. والأهم أن هذه التوجيهات واردة في سياقٍ قرآنى متلو، وأن الآية نفسها جزء من القرآن الكريم.

ومن هنا، يمكن فهم الحكمة على أنها وجه من وجوه ما أوحاه الله إلى النبى عليه الصلاة والسلام ضمن النص القرآنى، متضمنًا الهداية والتعليم والتشريع والإرشاد، والصواب في الاعتقاد والسلوك، والأحكام التي تستهدف تحقيق الخير والإصلاح. وعلى هذا، لا يصح اختزال مفهوم الحكمة في مجموعات متباينة من الروايات التي دُوّنت في كتب الحديث في مراحل متأخرة.

وبناءً على هذا الفهم، لا يصحّ الترادف بين مفهوم الحكمة ومصطلح «السنة الحديثية»، ولا الخلط بينهما؛ فالحكمة، وفق هذا التصوّر، مفهوم قرآني ذو دلالة خاصة ومستقلّة، لا تربطه بالسنة الحديثية أيّ صلة، لا من قريب ولا من بعيد.

 

خامسًا: هل الحكمة هي أقوال النبى التي نقلتها الأحاديث؟

هناك انتقال يحتاج إلى البرهنة، وهو الانتقال من:

الحكمة ← السنة ← الأحاديث ← الوحي.

يرى جمهور العلماء أن الحكمة هي السنة، ثم يقولون إن السنة هي الروايات المنسوبة إلى النبى عليه السلام، ثم، بناءً على كون الحكمة وحيًا من الله، تصبح هذه الروايات هي الأخرى وحيًا من الله.

لكن أين الدليل القرآني الذي يثبت أن الحكمة تعني تحديدًا «السنة النبوية» بالمعنى الاصطلاحى؟ وأين الدليل على أن السنة بهذا المعنى هي عين مجموع الروايات التي دُوّنت لاحقًا في كتب الحديث؟

هذه مستويات متتابعة، وكل انتقال من مستوى إلى الذى يليه يحتاج دليلا خاصا لإثباته .

فإذا لم يثبت قرآنيًا أن الحكمة هي السنة بالمعنى الاصطلاحى، ولم يثبت كذلك أن السنة بهذا المعنى هي عين الروايات المدونة في كتب الحديث، فلا يصح منطقيًا القفز من كون الحكمة وجها من وجوه ما أوحاه الله إلى الرسول عليه السلام ضمن آيات القرآن إلى القول بأن كل رواية منسوبة إلى النبى عليه السلام هي وحى إلهى.

سادسًا: هل كون بعض السلف فسّروا الحكمة بالسنة يحسم المسألة؟

قول كثيرمن المتقدمين أن «الحكمة» هى السنة لا يثبت أنه المعنى القطعي المراد إلهيًا؛ فأقوال العلماء، مهما علت مكانتهم، تظل اجتهادات بشرية قابلة للنقد والمناقشة، ولا تكتسب صفة القطع والإلزام بمجرد قدمها أو شيوعها.

إثبات أن «الحكمة» تعني «السنة» يقتضي وجود أدلة لغوية وقرآنية واضحة، كما يقتضى اتساق هذا التفسير مع سائر مواضع ورود اللفظ في القرآن الكريم؛ فإن لم يثبت بدليل كافٍ، عُدَّ اجتهادًا له أهميته التاريخية، لا معنى قطعيًا لا يقبل المراجعة.

كما أنه لا يجوز الجزم بمراد الله تعالى من لفظ قرآني دون دليل كافٍ؛ فالاجتهادات البشرية تحتمل الصواب والخطأ، والواجب التمييز بين دلالة النص القطعية والاجتهاد التفسيري، صيانةً لجلال الوحي وتجنبًا للقول على الله بغير علم.

سابعًا: ضرورة التمييز بين «الحكمة» و«السنة» و«الحديث»

من الضرورى التمييز بين ثلاثة مفاهيم كثيرًا ما تختلط في مثل هذا النقاش:

الحكمة: لفظ قرآنى ورد في سياقات متعددة، فنُسب إلى الأنبياء وغيرهم، وجُعل عطاءً من الله لمن يشاء، وربطته الآيات بالخير والهداية والرشد.

السنة: لفظ عربي له استعمالات متعددة، من أبرزها الطريقة والمنهج والسيرة. ثم اكتسب معانٍ اصطلاحية خاصة على يد رجال الفقه والحديث.

الحديث: رواية تنسب إلى النبى عليه السلام وقد تتعلق بقوله أو فعله أو تقريره أو صفته.

وانطلاقًا من هذا التمييز، لا يصح الانتقال مباشرةً من اللفظ القرآني «الحكمة» إلى المصطلح الفقهي «السنة»، ثم مساواة هذه الأخيرة بمجموع الروايات المدوَّنة في كتب الحديث،فهذه ثلاثة مفاهيم مختلفة لايصح الإنتقال من أحدها إلى الآخردون إقامة الدليل على صحة هذا الإنتقال ، وبيان الأساس الذي يستند إليه الربط بين هذه المفاهيم.

كما أن المسألة لا تُحسم بمجرد افتراض وجود علاقةٍ ما بين هذه المفاهيم، ، بل تقتضي إثبات أن هذه العلاقة ترقى إلى حدّ التطابق، وأن النص القرآني ذاته، دون الاستناد إلى أي مصدر آخر، هو الذي قرّر هذا التطابق وأقام الدليل عليه.

ثامنًا: هل يمكن أن يكون الرسول قد تلقّى وحيًا غير القرآن؟

نعم، فالقرآن يؤكد أن الله كان يوحى إلى نبيه ويطلعه على أمور لم يكن يعلمها، فليس كل وحى بالضرورة قرآنًا يُتلى.

ومن ذلك قوله تعالى في قصة إفشاء السر:

﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ ۖ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَٰذَا ۖ قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾

فالآية تدل على أن الله أنبأ النبي بأمر كان قد خفى عليه. ألا يُعتبر هذا الإنباء وحيًا؟

كما يمكن القول أيضًا إن النبي عليه السلام قد تلقّى من الله تعالى تعليمًا توجيهيًا يتصل بكيفية أداء الشعائر والمناسك والعبادات، كالصلاة والصيام والحج، وهو ما يُطلق عليه بعض الباحثين تجاوزا مصطلح «السُّنَّة العملية».

ويجد هذا المعنى ما يشهد له في القرآن الكريم، من حيث إسناد تعليم فعل الخيرات وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة إلى الوحي الإلهي، كما في قوله تعالى في شأن إبراهيم وبنيه:

﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ ۖ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ الأنبياء: 73.

ويشير هذا النص إلى أن الوحى لم يقتصر على تبليغ النصوص المتلوة ، بل شمل أيضًا توجيه الأنبياء إلى أعمال العبادة والطاعة وكيفية إقامتها، وهو ما يمكن الاستئناس به في بيان الصلة بين الوحي الإلهى والممارسة العملية للشعائر التعبدية لدى المسلمين.

ولكن القول بوجود وحى أو تعليم إلهى خارج نص القرآن، لا يعنى، بأي حال، أن ما نُقل عن النبي عليه السلام في كتب الروايات قد يمثل ضربًا من ذلك الوحي.

فهناك مرحلةٌ وسيطةٌ يكتنفها الغموض، امتدّت نحو قرنين من الزمان، تفصل بين الحدث النبوي والبدء فى تدوين الروايات التي وصلت إلينا في صورتها المكتوبة.تتمثل في منظومة النقل البشرى بمختلف مكوناتها، من الرواة وطرق الرواية إلى جمع الأخبار وتمحيصها ونقدها وتصنيفها.وهذه كلها عمليات بشرية اضطلع بها أفراد وجماعات، وبالطبع تأثرت هذه العمليات بخلفياتهم الفكرية وميولهم الدينية ومواقفهم السياسية.

ويكشف اختلاف الروايات وتباينها، ولا سيما بين أتباع الاتجاهات والمذاهب السياسية المختلفة، عن مدى حضور هذه العوامل في تشكيل المادة الروائية. ومن ثم، فإن هذا التباين لا يثير إشكالية اعتبار هذه الروايات وحيًا فحسب، بل يتجاوزها إلى سؤال أعمق يتصل بمدى حجيتها الدينية، وبإمكان اعتبارها حجة ملزمة لمجرد ورودها في كتب الحديث.

ومن ثم، فإن إثبات وجود وحي خارج القرآن لا يستلزم بالضرورة وجود أي علاقة بين ذلك الوحى وبين الروايات التي نُسبت إلى النبي.

تاسعًا: هل السنة «وحى ثانٍ» بالمعنى دون اللفظ؟

يتطلب هذا السؤال مراجعة دقيقة ومتأنية قبل الإجابة عليه؛ إذ ينبغى التمييز بين القول بإمكان تلقى النبي تعليمًا أو وحيًا خارج القرآن، وبين القول بأن السنة، بمختلف صورها، تمثل وحيًا ثانيًا بالمعنى دون اللفظ.

فإذا كان المقصود بالسُّنَّة ما اصطلح بعض الباحثين على تسميته تجاوزا بـ«السُّنَّة العملية»، وهي المتعلّقة بكيفية أداء الشعائر والمناسك والعبادات، كالصلاة والصيام والحج، فإن بعضهم يرجّح أن الرسول عليه السلام قد تلقّى من ربّه تعاليم هذه العبادات وكيفية أدائها عن طريق الوحي والتعليم، على نحوٍ يماثل ما تلقّاه إبراهيم وبنوه.

ثم تولّى الرسول عليه السلام بيان تلك التعاليم للمسلمين وتعليمهم إياها عمليًّا، من خلال ممارستها أمامهم، إمامًا ومرشدًا ومعلّمًا، على امتداد أكثر من عشر سنوات. وقد انتقلت هذه السُّنَّة بين المسلمين بالمشاهدة والممارسة والتوارث العملي، جيلًا بعد جيل، دون أن يتوقّف انتقالها على تدوينها في مصنّفات مكتوبة.

أما إذا كان المقصود أن كل ما أسندوه إلى النبي في كتب الحديث يُعَدّ وحيًا من الله، مع القول بأن المعنى من الله واللفظ من النبى، فهذه دعوى تبدو إشكالية؛ إذ إن علماء الحديث أنفسهم يقررون أن كثيرًا من الأحاديث نُقلت بالمعنى، وأن ألفاظ الروايات قد تختلف باختلاف الرواة وطرق النقل، فلا يمكن الجزم بأن اللفظ المدون في كتب الحديث هو عين اللفظ الذي صدر عن النبي عليه السلام.

وإذا كان المعنى من الله، فكيف نثبت أن المعنى الذي ورد في رواية معينة هو بالفعل المعنى الذي أوحى إلى النبي؟

وإذا كان اللفظ من النبي، فكيف نتعامل مع اختلاف ألفاظ الروايات للخبر نفسه؟

وإذا كانت الرواية قد مرت بعد ذلك عبر سلسلة من الرواة، فهل ما نُسب إلى النبي هو المعنى الأصلي، أم الصياغة التي فهمها الراوى ونقلها؟

ومن جهة أخرى، إذا اعتُبرت هذه الأحاديث وحيًا من الله، فإن ذلك يثير إشكالًا أكبر؛ إذ كيف يمكن قبول روايات يُفترض ثبوتها وصحتها، ثم نجد بينها ما يبدو متعارضًا مع القرآن، أو مخالفًا لما يقتضيه العقل، أو مناقضًا للعرف والخلق القويم، فضلًا عن وجود تعارضات ظاهرة بين بعض الروايات نفسها؟

وبما أن الوحي الإلهي منزّه عن التناقض والاضطراب، فإن نسبة هذه الروايات جميعًا إلى الوحى تقتضي تقديم تفسير واضح ومقنع لما بينها من اختلافات وتعارضات.

عاشرًا: ما الذي يمكن إثباته يقينا من القرآن، وما الذي يحتاج إلى دليل إضافي؟

في ضوء ما سبق، ينبغي التمييز بين عدة مستويات، وعدم الخلط بين ما يثبته القرآن صراحةً، وما يستنبط  منه بالتدبر، وما يحتاج إلى أدلة أخرى لإثباته:

1-القرآن وحي إلهي متلو. وهذه حقيقة أساسية في التصور الإسلامي، وللقرآن خصوصيته من حيث النص والتلاوة والنقل.

2- لايقتصر الوحى على القرآن المتلو. فالقرآن يذكر صورًا أخرى من الوحي والإعلام الإلهي.

3-الحكمة مفهوم قرآني يتصل بالعلم والرشد وصواب القول والعمل، كما وصف القرآن بعض ما أوحاه الله إلى النبي بأنه من الحكمة.

4-تفسير الحكمة بالسنة تفسير معروف في التراث الإسلامي. لكنه يظل تفسيرًا يحتاج إلى برهان ،. إذ لا يكفي مجرد نسبته إلى كثيرمن العلماء المتقدمين لإثبات أنه المعنى المقصود

5. إثبات إمكان وجود وحي أو تعليم إلهي خارج القرآن لا يثبت تلقائيًا أن كل ما نُسب إلى النبي عليه السلام من أقوال وأفعال هو وحي. فإثبات الإمكان شيء، وإثبات تحققه في حالة معينة شيء آخر.

6. إن ثبوت نسبة قول أو فعل إلى النبي عليه السلام لا يستلزم بالضرورة أن يكون مضمونه وحيًا إلهيًا؛ فصحة النسبة شيء، وتحديد طبيعة القول ومصدره شيء آخر. فقد يثبت صدور قول عنه عليه السلام، لكن يبقى التحقق من طبيعته: أهو تبليغ عن الله، أم اجتهاد نبوي، أم تصرف بشري.

ولا يكفي الاستدلال بقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ لإثبات أن كل ما صدر عن النبي عليه السلام من أقوال وأفعال هو وحي إلهي؛ إذ إن المقصود بالوحى هنا القرآن الكريم وحده ،لأنه لو افترضنا أن كل ما صدر عنه كان وحيًا مباشرًا من الله فكيف نبرر عتاب الله له فى بعض المواقف؟ فهل يُعقل أن يكون الفعل محل العتاب مأمورًا به بوحي إلهي، ثم يأتي العتاب عليه؟

لهذا يجب التمييز بين الوحي الإلهي، والاجتهاد النبوي، والتصرف البشري، بدلًا من التسوية بينها جميعًا.

7. مجرد وجود رواية ما في كتاب حديثي لا يعني بالضرورة ثبوت نسبتها إلى النبى مهما كانت أسانيدها،لأن هذه الأسانيد مهما بلغت من القوة فهى أولا وأخيرا نتاج بشرى.

8. كان النبي عليه السلام يبلّغ عن الله، ويبيّن شرعه، ويعلّم الناس، ويقضي بينهم، ويعمل بما أُمر به. لكن تحديد طبيعة كل قول أو فعل صدر عنه، ومصدره، ودلالته التشريعية، ومدى عمومه وإلزامه، يتطلب النظر في سياقه والأدلة المتعلقة به.

ومن هنا فلا ينبغي الانتقال من إثبات حقيقة إلى إثبات حقيقة أخرى لمجرد وجود صلة بينهما؛ فإثبات أن الوحي أوسع من القرآن لا يثبت أن كل رواية وحي، وإثبات صحة رواية لا يثبت وحده أن مضمونها وحي إلهي، وكون الحكمة ذُكرت مع الكتاب لا يحسم وحده أن المقصود بها السنة.

الخاتمة

 

إذن، فالمسألة لا تتعلق بإنكار مكانة النبى عليه السلام، ولا بالتشكيك في دوره في تعليم المسلمين وبيان آيات القرآن وتطبيق أوامر الله، وإنما تتعلق بضرورة التمييز بين المستويات المختلفة  للمعرفة الدينية ، وعدم التعامل معها بوصفها وحدة واحدة متجانسة، رغم اختلافها من حيث المصدر، وطرق النقل، ووسائل التوثيق، ودرجة الثبوت.

ومن هذا المنطلق، ينبغى التمييز بين الوحى وتفسير الوحى، وبين كلام الله وكلام البشر، وبين الحدث النبوى والرواية التي تنقله، وبين ما ثبت بالدليل وما اكتسب قوته من طول التداول وهيبة الموروث.

أولًا: اختلاف طبيعة انتقال القرآن عن انتقال الروايات الحديثية

بما أن القرآن الكريم هو الوحى المؤكَّد، فينبغى التمييز بين انتقاله بوصفه نصًّا متلوًّا محفوظًا ومتداولًا بين المسلمين، وبين انتقال الروايات المنسوبة إلى النبى عليه السلام،تلك التي دُوّنت في المصنفات الحديثية خلال مراحل متأخرة.

فقد كُتب القرآن وجُمع في العهد النبوى، وحفظه عدد كبير من الصحابة ، ثم قام عثمان بن عفان بنسخ المصاحف وإرسالها إلى الأمصار. ومن ثم، لا يمكن اختزال انتقال القرآن في سلسلة من الأفراد، بل يستند إلى مسار متكامل من الحفظ والتلاوة والكتابة والجمع والتداول الجماعى.

أما ورود عبارت مثل: «برواية حفص عن عاصم» أو «برواية ورش عن نافع»،فى التعريف بالمصاحف فقد استُخدم بغرض إثبات أن انتقال القرآن إلينا تم عبر الأسانيد، بما يوحى بأن نقله جرى بالطريقة ذاتها التي انتقلت بها الروايات الحديثية، و كأن حفصًا وورشًا وغيرهما من أصحاب القراءات كانوا هم المصدر الوحيد الذي وصل القرآن إلى المسلمين من خلاله، وكأن المسلمين ظلوا فى انتظار ظهور هؤلاء القراء حتى يعرفوا قرآنهم ويتداولوه.

ولا يخفى على كل ذى عقل أن الغاية من هذا الطرح هي إحداث خلط متعمد بين مسألة نقل القرآن ومسألة نقل الروايات الحديثية، بحيث يُصوَّر التشكيك في مصداقية نقل رواية حديثية واحدة وكأنه تشكيك في وصول القرآن نفسه، انطلاقًا من افتراض أن طريقة النقل واحدة وأن القائمين عليها هم نفس الأشخاص. وبهذا يتحول هذا الخلط المتعمد إلى وسيلة لإغلاق باب النقد والمراجعة، وإلى سيف مسلط على رقاب كل من تسوّل لهم أنفسهم مناقشة رواية أو التشكيك فى ثبوتها، وكأن نقد الروايات الحديثية يستلزم بالضرورة الطعن في القرآن أو التشكيك فى نقله.

وهذا التمييز بين طبيعة انتقال القرآن وطبيعة انتقال الروايات الحديثية يقودنا إلى ضرورة النظر في المراحل المختلفة التي تمر بها الرواية، وعدم الخلط بين كونها موجودة في المصنفات وثبوت نسبتها إلى النبي عليه السلام.

ثانيًا: مراحل انتقال الروايات الحديثية ومستويات إثباتها

وبخصوص الروايات والأخبار المنسوبة إلى النبى عليه السلام، فيمكن توضيح مراحل انتقالها على النحو الآتى:

صدور القول أو وقوع الفعل النبوى ← سماع الصحابى أو مشاهدته ← نقل الخبر عبر التابعين والرواة ← جمعه وتدوينه في المصنفات ← وصول النص الروائى إلينا.

وتمثل كل حلقة من هذه السلسلة مرحلة مستقلة فى نقل المعرفة، ويحتاج كل انتقال من مرحلة إلى التي تليها إلى دليل خاص لإثباته.

فوجود رواية في مصنف يثبت أن المصنف قد تضمنها، لكنه لا يثبت وحده صحة نسبتها إلى النبى عليه السلام. وحتى إذا ثبت أنه قالها فعلًا، فإن ذلك لا يكفى وحده لإثبات أن مصدر مضمونها وحى إلهى.

ومن هنا، تبرز ضرورة التمييز بين أربعة مستويات متمايزة:

1-الوحى الإلهى.

2-ما صدر عن النبى عليه السلام فعلًا.

3-ما تنسبه الروايات إليه من أقوال وأفعال.

4-ما اختاره المصنفون من الروايات وأثبتوه في مصنفاتهم.

فهذه المستويات ليست مترادفة، ولا يكفي ثبوت أحدها لإثبات الآخر؛ إذ يقتضى الانتقال من مستوى إلى آخر التحقق من طبيعة الصلة بينهما، وفحص الأدلة التي تسوغ هذا الانتقال، وتقدير مدى موثوقيتها.

وبناءً على ذلك، لا يكفى التأكد من صحة رواية عن النبى عليه السلام لإثبات أن مضمونها وحى من الله بالمعنى نفسه الذى يُعد به القرآن وحيًا إلهيًا؛ إذ إن ثبوت صدور القول عن النبى لا يستلزم بالضرورة تحديد مصدره أو طبيعته، ولا يثبت أنه وحى إلهى.

وعليه، فإن الانتقال من لفظ الحكمة الوارد في القرآن إلى اعتباره مرادفًا للسنة، ثم مساواة السنة بمجموع الروايات الحديثية، ثم اعتبار هذه الروايات جميعها وحيًا إلهيًا، يتطلب إثبات كل خطوة على حدة. ولا يكفى التسليم بصحة إحدى هذه المقدمات لإثبات ما يليها.

ثالثًا: الحكمة في القرآن وعلاقتها بالسنة

لقد استدللنا بآية الإسراء على أن الحكمة وحىٌ متضمن في القرآن الكريم، وأن بعض الوصايا القرآنية وصفها الله بأنها من الحكمة التي أوحاها إلى نبيه.

فعلى من يذهب إلى أن الحكمة تعنى السنة أن يقدم أدلته من النص القرآنى، وأن يوضح وجه الاستدلال بها، لا أن يستند إلى أدلة من خارج القرآن أيًّا كان مصدرها.

وإذا كان المقصود بالسنة مجموع الروايات الحديثية، فإن الأمر يستلزم بيان العلاقة بين السنة بوصفها مفهومًا دينيًا وبين الأخبار التي نقلها الرواة وصنفها المحدثون. وإذا قيل إن هذه الروايات وحى من الله، وجب بيان الدليل الذي يثبت هذه النتيجة، وعدم الاكتفاء بمجرد افتراض أن الحكمة هي السنة، وأن السنة هي الروايات.

وهنا نجد أنفسنا أمام السؤال المصيرى الذى لا يجوز لنا أن نتجاهله، بل يتعين على كل منا أن يطرحه على نفسه بصدق وتجرد وشجاعة:

هل أثبت القرآن بما لايدع مجالا للشك أن الحكمة اسم لوحى ثانٍ غير متلو، وأن هذا الوحى الثانى هو السنة، وأن السنة تعني بالضرورة مجموع الروايات التي وصلت إلينا عبر كتب الحديث؟ أم أن هذه سلسلة من الاستنتاجات المتتابعة، يحتاج كل منها إلى دليل مستقل؟

هنا تحديدًا ينبغى أن نتوقف، وأن نتحرر، قدر الإمكان، من رهبة الموروث وسلطة الأسماء، لنعود إلى السؤال الأبسط والأكثر حسمًا:

أين الدليل على صحة هذه السلسلة من المقدمات؟ وما الذي يثبته النص القرآني منها مباشرة، وما الذي أضافه الاجتهاد البشرى ؟

إن هذه الأسئلة تستدعى قدرًا أكبر من الدقة والتمييز. وطرحها يعنى العودة إلى نقطة البداية، وإعادة ترتيب المفاهيم قبل إصدار الأحكام.

رابعًا: الموروث الدينى بين الاحترام وضرورة المراجعة

فليس كل ما ترسخ في الوعى الدينى عبر القرون قد تحول، بمجرد شيوعه وطول مدة تداوله، إلى حقيقة يقينية، وليس كل ما قاله فقيه من القدامى قد أصبح وحيًا، ولا كل ما توارثته الأجيال قد صارملزمًا للمسلم أمام الله لمجرد أنه موروث.

فاحترام العلماء وتقدير جهودهم شيء، وتحويل أقوالهم إلى سلطة فوق النقد والمراجعة شيء آخر. ولا ينبغى أن يتحول نقد تفسير أو مناقشة رواية وكأنه انتقاص من العالم أو من النبى عليه السلام ، كما لا ينبغى أن تتحول مكانة العلماء إلى مانع من فحص الأدلة التى استندوا إليها.

إن البحث عن الحقيقة لا يبدأ بالتسليم بكل ما ورثناه، ولا برفضه لمجرد أنه موروث، بل يبدأ بالاستعداد لفحصه، وقبول ما يثبت بالدليل، ومراجعة ما يظهر ضعفه. فالعقل الذي يخشى مراجعة مسلّماته سيتحول في نهاية المطاف من عقل يبحث عن الحقيقة إلى عقل يحرس معتقداته السابقة دون أدنى اعتبار لمضمون هذه المعتقدات.

ومن هذا المنطلق، لا ينبغي أن تتحول مقولة مثل «ضعها في رقبة عالم واطلع سالم» إلى ذريعة للتنصل من المسئولية أمام الله. فلا ينبغى للإنسان أن يلغى عقله، ويسلّم زمام تفكيره لغيره، ثم يتوهم أن ذلك الغير سيتحمل عنه تبعات ما اعتقده أو اختاره يوم الحساب. فمهما علت مكانة العالم، وكثر أتباعه، وشاع قوله، وطال العهد به، فإن شيئًا من ذلك لا يعفى الإنسان من مسئوليته الشخصية عن إيمانه ومعتقده واختياراته.

ولا يعنى ذلك أن كل إنسان مطالب بأن يكون متخصصًا في جميع العلوم الدينية، أو أن يستغنى عن أهل العلم وخبراتهم، وإنما يعنى أن الاستعانة بالعلماء لا تلغى مسئولية الإنسان عن اختياراته.

خامسًا: المسئولية الفردية أمام الله

 يؤكد القرآن الكريم مبدأ المسئولية الفردية تأكيدًا قاطعًا، واضعًا الإنسان أمام حقيقة لا سبيل إلى التنصل منها، وهي أن كل امرئ مسئول عن كسبه وعمله واختياره، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾.

ويوم الفزع الأكبر، تأتي كل نفس تجادل عن نفسها، فلا تغني نفس عن نفس شيئًا، ولا يحمل إنسان وزر غيره. وحين تتكشف الحقائق، يتبرأ المتبوعون من أتباعهم، ويندم الأتباع على طاعتهم العمياء لمن أضلوهم من سادتهم وكبرائهم.

ومن ثم، يرسّخ القرآن حقيقة أخلاقية وإيمانية لا لبس فيها، مفادها أن اتباع الآخرين لا يُسقط المسئولية عن الفرد، وأن طاعة أصحاب المكانة الدينية لا تصلح ذريعة للتنصل من تبعات الأفعال والاختيارات؛ فالمسئولية تقع على عاتق كل إنسان، وسيلقى المرء ربه يوم القيامة فردًا، لا تشفع له مكانة عالم، ولا تعصمه منزلة شيخ، ولا تنفعه دعوى الاتكال على من يتوهم أن بأيديهم مفاتيح الجنة ومغاليق النار.

سادسًا: العودة إلى الدليل بوصفه أساس الاعتقاد

ومن هنا يصبح السؤال الحقيقى ليس: ماذا قال العلماء ؟ ولا: ماذا ورثنا عن آبائنا؟ ولا حتى: ماذا اتفق عليه جمهور الناس؟ بل يصبح السؤال الذى لا يستطيع أحد أن يجيب عنه نيابة عنا:

ماذا قال الله فعلًا؟ وما الدليل على ما أعتقده؟ وما حدود ما أستطيع الجزم به حين أقف بين يدى ربى؟

فإذا كانت «الحكمة» وحيًا ثانيًا غير القرآن، فأين الدليل الذي يثبت ذلك؟ وإذا كانت هي «السنة»، فأين الدليل على أن السنة بهذا المعنى هي الروايات الحديثية؟ وإذا كانت تلك الروايات هى المقصودة بكونها وحيًا، فكيف انتقلنا من مفهوم الوحى الإلهى إلى روايات نقلها وجمعها وصنفها رجال يعتريهم الخطأ والسهو والنسيان، وقد يقع في نقلهم سوء الفهم؟ وكيف أصبح التساؤل عن حجية بعض هذه الروايات، أو مناقشة مضامينها، يُعامل وكأنه رفض للدين نفسه؟

إن القضية ليست معركة بين «قبول السنة» و«رفض السنة»، ولا ينبغى أن تتحول إلى صراع بين معسكرين متقابلين، يُتهم أحدهما بالتفريط في الدين ويُتهم الآخر بالتعصب للموروث.

بل ينبغى أن تكون بحثًا هادئًا ومنهجيًا في دلالات القرآن، وسياقات الآيات، وطبيعة الوحى، وطبيعة الرواية، وحدود ما يمكن أن ننسبه إلى الله تعالى على سبيل القطع واليقين.

لهذا لاينبغي أن يكون سعينا منصباعلى تبنى اعتقاد دينى بعينه لمجرد أنه يمنحنا شعورًا بالأمان، أو يجنّبنا الوقوع في دائرة الإقصاء والنبذ من جانب الأغلبية؛ كما لا ينبغي أن نبحث عن عالمٍ نتكئ على آرائه ونتخذ من أفكاره ملاذًا يعفينا من عناء التفكير، ويحرّرنا من مسئولية الاختيار. بل ينبغى أن يكون هدفنا هو الوصول إلى الحقيقة من خلال الدليل والبرهان، مع التحلى بالشجاعة الكافية التي تجعلنا مستعدين لمراجعة قناعاتنا وإعادة النظر في مواقفنا وتغييرها كلما ظهرت أدلة جديدة جديرة بالاعتبار.

فالغاية ليست الانتصار لرأى مسبق، وإنما الوصول إلى الحقيقة، والاستعداد لقبول ما يأتى به الدليل، حتى لو اضطررنا إلى مراجعة الكثيرمما توارثناه وألفناه .

إن الطريق إلى الحقيقة لايبدأ بالإحتماء بسلطة تبرئنا فى أعين الأكثرية من تهمة الضلال. بل يبدأ بامتلاك الشجاعة الكافية لمساءلة ذواتنا بصدق:

هل أومن بما أومن به لأننى بحثت ووجدت دليلًا على صحته، أم لأننى وُلدت داخل منظومة علمتنى منذ البداية أنه الحق؟

وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي: ألا يكون همنا مجرد الرضا والتسليم بما يجنبنا تبعة مخالفة ما استقرت عليه الجماعة، بل أن نتحرى ما نراه أقرب إلى الحق وأرضى لله، وأن نجعل الدليل القرآنى أساسًا لمواقفنا، لا الخوف من مراجعة الموروث، ولا هيبة الأشخاص، ولا سطوة الشائع والمتداول.

فالحقيقة لا تُقاس بمدى شيوعها، ولا تستمد حجيتها من كثرة القائلين بها، فلم يأت ذكر الكثرة في القرآن الكريم إلا مقرونًا بالشرك والضلال والفساد والغفلة والإعراض عن الحق، وإنما تُعرف بما يقوم عليها من أدلة وبراهين، لا بمجرد عدد من يؤمنون بها أو طول العهد بتداولها.

وفي نهاية المطاف، لا تكمن قيمة هذا البحث فى أن يقودنا إلى النتائج التي أردناها مسبقًا، بل في أن يحرّر عقولنا من أسر المسلّمات، ويهيئنا لتقبل ما تثبته الأدلة والبراهين، مهما تعارض مع ما توارثناه وألفناه.

فالسؤال في النهاية ليس:

كيف أنتصر لرأيى؟

وإنما:

هل أملك من الأدلة ما يجعلنى قادرًا على الدفاع عن اعتقادى بصدق وتجرد؟

وما حدود ما يحق لى أن أجزم به حين أقف بين يدى ربى؟

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

اجمالي القراءات 10

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2017-09-14
مقالات منشورة : 33
اجمالي القراءات : 182,029
تعليقات له : 490
تعليقات عليه : 51
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt