عادل بن احمد Ýí 2026-01-17
أخطر أنواع اللصوصية التي نعيشها اليوم ليست تلك التي تستهدف جيوبنا، بل تلك التي تستهدف عقولنا؛ إنها سرقة ممنهجة للوعي يمارسها "كهنوت" محترف يتقن العزف على أوتار العاطفة الدينية لتخدير الشعوب. ولعل أكبر عملية تزوير نشهدها هي ما يمكن تسميته بـ "فقه التخدير"، حيث يتم ترويج مرويات تناقض العدل الإلهي، وتصوير الفساد المستشري على أنه "قدر مقدور" لا يملك المواطن أمامه إلا التسليم، أو "ذنب مغفور" لا يحتاج إلا لطقوس شكلية لمحه، أو حتى "شهادة مجانية" تُمنح لضحايا الإهمال لتبرئة القتلة.
وأسوأ ما في هذا الفقه هو تلك "المغسلة الأتوماتيكية" للذنوب التي اخترعوها عبر أحاديث شيطانية منسوبة زوراً للنبي، هدفها إقناع الناس بأن العدالة الإلهية "سهلة الاختراق" ومستباحة. انظروا كيف أسسوا لـ "بورصة الغفران" عبر مرويات الصيام؛ فيقولون: «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ يُكَفِّرُ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالَّتِي بَعْدَهُ»! تأملوا كارثية هذا الطرح! كيف يُعقل في ميزان العدل الإلهي أن يمحو جوع يوم واحد مظالم عام مضى؟ والأدهى والأمرّ، كيف يغفر ذنوب "سنة قادمة" لم تأتِ بعد؟!. ثم يلحقونه بحديث «صِيَامُ عَاشُورَاءَ يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ»، وكأن الذنوب غبار يزول بجوع يوم واحد، ويختمون الجدول بـ «يُغفرُ اللهُ يومَ الاثنينِ والخميسِ». ولم يكتفوا بـ "وصفات الصيام"، بل فتحوا أبواب "تبييض السجلات" لكبار الفاسدين عبر أحاديث مثل: «مَنْ حَجَّ.. رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ»، و«العُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا». هذه النصوص خلقت لنا النموذج الكارثي: "المسؤول الفاسد الحاج"، الذي يسرق المليارات ويعطل مصالح العباد، ثم يطير في رحلة سياحية دينية ليظن واهماً أنه عاد "نقيّاً"! هل الله "محاسب" يخدعه طواف سبعة أشواط ليمحو ظلم سنوات؟ هذا المنطق ينسف القانون القرآني الصارم: " لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ".
ويتجاوز "فقه التخدير" حدود الغفران ليصل إلى تزوير مفهوم "الشهادة". ففي الوقت الذي تموت فيه الجماهير تحت أنقاض المباني المغشوشة التي بناها مقاولون فاسدون تحت عين الدولة، يخرج الكهنة بأحاديث مثل: «الشهداء سبعة.. والذي يموت تحت الهدم شهيد، والغريق شهيد.. والمبطون شهيد»! إن الغرض الخبيث من استحضار هذه المرويات في سياق الكوارث الإدارية هو "امتصاص غضب الناس". فبدلاً من أن يطالب الشعب بمحاكمة الوزير أو المهندس الذي سرق ميزانية البناء وتسبب في انهيار السقف فوق رؤوس الأبرياء، يتم إقناعهم بأن ضحاياهم قد نالوا "أرفع الدرجات" وأصبحوا شهداء! هذا "الاستسهال" في توزيع ألقاب الشهادة هو غطاء ديني للجريمة؛ فمن مات تحت الهدم بسبب "فساد إداري" هو "قتيل الغدر والسرقة" وليس "شهيد القدر"، والسكوت عن القاتل بحجة أن المقتول "شهيد" هو مشاركة في الجريمة.
هذا التخدير العقائدي يمتد ليغطي الفشل الواقعي؛ فكلما اشتعلت الأسعار وانهارت المعيشة بسبب نهب الثروات، خرجوا علينا بمواعظ "الزهد" والتقلل من الدنيا. وهنا يظهر النفاق الصارخ: فبينما يعيش المسؤولون في قصور مشيدة ويتمتعون بأرقى الخدمات، يطالبون المواطن بالصبر على الجوع، موهمين إياه أن الفقر "ابتلاء" سيؤجر عليه. إنهم يقلبون موازين القرآن؛ فبدلاً من محاسبة "السفهاء" الذين بددوا المال العام كما في قوله تعالى: " وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا "، يطالبون الضحية بالتقشف والرضا بالذل، متناسين أن الفقر في بلاد الثروات هو "جريمة سياسية" وليس "ابتلاءً ربانياً".
لذا، فإن الترويج لهذه الأحاديث التي تفتح "مزاداً للغفران المجاني" أو تمنح "شهادة الوفاة بضمان الجنة" لضحايا الإهمال، هو افتراء على الله وتجرؤ على عدالته. الحقيقة القرآنية ساطعة: ما نحن فيه من بؤس ليس "غضباً غامضاً"، بل هو نتيجة حتمية لما كسبت أيدينا. الآية واضحة كالشمس: ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ ٱلَّذِى عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ. الفساد جريمة لها مرتكب يجب أن يُحاسب، لا أن يُحصّن بنصوص تمنحه صكوك الغفران وتمنح ضحاياه "أوسمة وهمية" لتضيع حقوقهم في الدنيا. كفى بالله وكيلاً، وكفى بالقرآن حجةً لنرفض هذا "التخدير" ونسمي الأشياء بمسمياتها: الفشل فشل، والسرقة سرقة، والله بريء مما يصنع المبطلون.
المغرب يُبدع تنظيمًا ويُشرّف وصافةً… ومصر تؤكد حضورها في المربع الذهبي
القرآن المجهور في الصلاة.. المهجور في الحياة: فصام الشخصية المسلمة المعاصرة
فقه التخدير: حين يُستخدم "القضاء والقدر" للتغطية على "الفساد والهدر"
إسلام بلا كهنوت، بلا وسطاء، وبلا أعذار أخلاقية
الأمانة الوظيفية: بين "الطقوس الشكلية" و"الميثاق القرآني الغليظ"
دعوة للتبرع
عن قبر النبى : اين بالضب ط قبر النبى ، وهل الموج ود الآن هو...
سؤالان : السؤا ل الأول : هل هناك فى الشري عة فرق بين...
الرسول بمعنى القرآن : لقد جاء في موضوع القام وس القرآ ني حول فهم...
تناسخ الارواح : ما حكم تناسخ الارو اح وهل هو موجود في القرا ن ...
وقت الأذان : هل وقت الأذا ن محدد بدقة وفق المعر وف لنا ؟...
more