دروس مفيدة من التجربة العراقية

اضيف الخبر في يوم الأربعاء ١٠ - مارس - ٢٠١٠ ١٢:٠٠ صباحاً.


دروس مفيدة من التجربة العراقية

 

 

دروس مفيدة من التجربة العراقية
د. سعيد الشهابي
3/10/2010
مقالات متعلقة :


أيا كان الموقف من الانتخابات البرلمانية الاخيرة في العراق، فانها تعتبر بداية مرحلة جديدة في التاريخ الحديث لهذا البلد، ما تزال ملامحها تتشكل تدريجيا في بعض تفصيلاتها. ويمكن القول ان اهم ملامح هذا العراق انه اصبح محكوما بشكل خاص بـ 'الديمقراطية التوافقية' التي شهدت قدرا من التطور عبر التجارب الانتخابية المتوالية خلال السنوات السبع الماضية. لكن هذه الديمقراطية،
هي الاخرى، تواجه عقبات غير قليلة، لعل اهمها احتمال العودة الى المحاصصة الطائفية على اساس الانتماءات المذهبية والعرقية، الامر الذي يفقد الممارسة الديمقراطية الموقف الاخلاقي في المساواة بين المواطنين واعتبارهم ذوي القرار في تحديد من يحكمهم. هذا برغم ان السيد نوري المالكي، الذي يبدو الاوفر حظا لرئاسة الحكومة المقبلة بعد الأداء المتميز للكتلة التي تزعمها 'ائتلاف دولة القانون'، كان أبرز الذين وقفوا ضدها. البعض يأخذ على الحكومة قرار استبعاد بعض المرشحين بسبب انتمائهم للنظام السابق وارتباطهم العضوي بحزب البعث. ويعتبر ان هذه الخطوة، برغم عدم تأثيرها على المجرى العام للانتخابات، ستظل ذريعة لأعداء النظام يثيرونها متى ما اقتضى الامر. وبرغم الادعاء بانها ذات 'طابع مذهبي' فان اغلب الذين طالهم قرار المنع هم من الشيعة، اذ ان المعروف ان حزب البعث السابق كان يضم أعدادا كبيرة من المنحدرين من المذهب الشيعي. مع ذلك لم يؤثر القرار على مشاركة العراقيين بجميع اطيافهم، بحماس كبير. كما لم يؤثر على الاهتمام الدولي بهذه الانتخابات التي تمت مراقبتها ومتابعتها باهتمام منقطع النظير. وللتدليل على ذلك فقد كان هناك ما يقرب من 1500 مراقب دولي يمثلون 35 منظمة مراقبة دولية. وبلغ الاعلاميون الذين وفدوا على العراق لتغطيتها 800 اعلامي بالاضافة الى 1200 اعلامي محلي. ولضمان نزاهة سير العملية الانتخابية بلغ عدد المراقبين المحليين والدوليين قرابة نصف المليون، وفق ما اعلنته المفوضية العليا المستقلة للانتخابات. هذه الارقام والحقائق تؤكد الاهمية التي اولاها المجتمع الدولي ليس لما يحدث في العراق فحسب، بل للعمل على تحويله من بلد مضطرب امنيا وسياسيا الى بلد مستقر يمارس دوره المسؤول في المنطقة والعالم.
العراق ما بعد الانتخابات سيكون مختلفا عما كان عليه قبلها. فثمة توقعات عديدة من شأنها تغيير وجه هذا البلد العربي المسلم الذي عاش أزمات الحروب والحصار على مدى ثلاثين عاما متواصلة، وما يزال مستهدفا من قبل جهات عديدة من بينها المجموعات الارهابية والاستخبارات الدولية. من هذه التوقعات اولا: تراجع الاحتقان الطائفي بشكل تدريجي في السنوات المقبلة. ومن اسباب ذلك ما شهدته العملية الانتخابية من غياب التكتلات ذات الطيف المذهبي الواحد، واستبدالها بتكتلات وائتلافات متعددة المذاهب والقوميات. وقد أظهر حماس المناطق التي قاطعت الانتخابات السابقة التي اجريت في 2005 للمشاركة هذه المرة تعمق الشعور بضرورة التعايش السلمي بين العراقيين على اختلاف انتماءاتهم الدينية والمذهبية والعرقية. ومن المؤكد ان نظام المحافظات الذي نقل الكثير من الصلاحيات من المركز في بغداد الى الاطراف ساهم في تعميق الشعور باحترام الخصوصيات المناطقية وحرية المواطنين في ادارة شؤون حياتهم اليومية وفق اراداتهم ورغباتهم. فمجلس المحافظة مسؤول عن تنمية المنطقة وفق رغبات ابنائها المنتخبين في تلك المجالس، بعيدا عن تدخل الحكومة المركزية. ثانيا: يتوقع تضاؤل العمل بنظام المحاصصة في النظام السياسي، ولكنه لن يختفي تماما لان الاطراف المعنية تعمل بنمط تدريجي من جهة وقادر، من جهة اخرى، على تنمية ثقافة القبول بالنظام التعددي الديمقراطي والقواعد التي يبنى عليها. وقد كان هذا النظام التحاصصي الذي فرضته قوات الاحتلال ابتداء بتشكيل مجلس الحكم، من الاسباب الرئيسية في اضعاف الحكومة المركزية، اذ اصبح رئيس الوزراء محاطا بوزراء لم يعينهم شخصيا، بل عينتهم الجهات التي ينتمون اليها وفق نظام محاصصة غريب. وقد ادت التجربة العراقية الى سجالات فكرية وعلى صعيد المفاهيم حول مدى واقعية الاطروحة الديمقراطية اذا كانت مؤطرة بالاطر المناطقية والانتماءات الدينية، وتعمق الاهتمام بمفهوم 'الديمقراطية التوافقية' التي تختزل فيها مقولة حكم الاكثرية وتستبدل بحكم توافقي حتى لو كان على حساب الاكثرية. وقد أكدت تجربة السنوات الاربع الماضية مدى الصعوبة التي واجهها رئيس الوزراء في ادارة حكومة يشرف عليها ولا يعين وزراءها، ولا يستطيع فرض سياسات موحدة تجاه جميع الاقاليم على قدم المساواة.
الانتخابات العراقية الاخيرة سيتمخض عنها ايضا تعمق الشعور بعدم جدوى استهداف النظام السياسي في البلاد اذا كان يمارس قدرا من الديمقراطية ويحترم الحريات العامة ويتفهم خصوصيات مكوناته بدون لبس. ولكن ذلك لن يكون ممكنا في ظل استمرار الاحتلال الانكلو- امريكي. غير ان هذا الاحتلال محدود بالزمان والمكان والظروف العامة. فلا تستطيع الولايات المتحدة الامريكية مثلا ابقاء قواتها في العراق بعد التاريخ الذي نصت عليه اتفاقية 'سوفا' التي تحدد وضع القوات، والذي ينتهي مع نهاية العام المقبل 2011. ولا يمكنها التدخل في ادارة البلاد او التأثير على الممارسة الديمقراطية بشكل علني، ويمكن القول ان اكبر صفعة وجهت للقوات الامريكية تمثلت برفض تقنين وجودها على الاراضي العراقية بعد انتهاء المدة المذكورة، ورفضت كذلك مبدأ حصانة القوات الامريكية امام القضاء العراقي. فقد تأخر التوقيع على تلك الاتفاقية طويلا، في الوقت الذي كان الرئيس الامريكي، جورج بوش، يعمل من اجل توقيعها قبل ان يغادر البيت الابيض في 20كانون الثاني/يناير 2009. واضطر بوش لتوقيعها بعد ان افرغها رئيس الوزراء العراقي وحكومته، من محتواها الحقيقي وجعلها اتفاقية باهتة لا تفيد الامريكيين شيئا. وقد حدث ذلك في وقت كان بوش بحاجة لما يحفظ ماء وجهه وهو يستعد لتسليم البيت الابيض للرئيس المنتخب، باراك اوباما. والواضح ان اوباما لم يستطع التفاعل مع الملف العراقي في عامه الاول، بل وجد نفسه تحت وطأة الفواتير السياسية والاخلاقية التي تركها بوش وراءه مثل سجن غوانتنامو ونزلائه الذين اصبح وجودهم فيه يحرج الادارة الامريكية ويعتبر تحديا للضمير الانساني، والحرب ضد الارهاب التي ما تزال تفرض نفسها بقوة، وتتحدى محاولات وقفها. فلا شك ان بعض المجموعات المسلحة شعر بخطأ سياسات استهداف المواطنين العراقيين عوضا عن الامريكيين، وبدأ ينأى عن ذلك الخط الذي يعتقد الكثيرون انه مخترق من قبل الموساد واجهزة الاستخبارات الاخرى.
وربما الجانب الاهم، ان التجربة السياسية العراقية، برغم صعوبة المخاض الذي مرت به، قادرة على تقديم نمط ممارسة سياسية متميزة في العالم العربي من شأنه التأثير على محيطه الاقليمي على صعيد الديمقراطية والحريات العامة والرقابة والمحاسبة. وحتى الآن فقد بقيت تلك التجربة مرتهنة لامور خمسة متصلة: اولها انعدام الامن بسبب نشاط المجموعات الارهابية التي استهدفت المواطنين على اساس الانتماء المذهبي والقناعات السياسية، ثانيها: استمرار الاحتلال الانكلو- امريكي الذي يغطي على كافة جوانبها الايجابية، وهو امر يتطلب من الساسة العراقيين الاسراع بانهائه نظرا لدوره السلبي على بقية الجوانب. ثالثها: حالة الاستقطاب الطائفي التي هيمنت على الوضع العراقي وكادت تؤدي الى حرب اهلية، وهي فتنة مفتعلة، دعمتها جهات اقليمية ودولية بالمال والدعاية الاعلامية والسياسية، رابعها: تفشي ظاهرة الفساد الاداري والمالي بشكل كاد يقضي على التجربة تماما ويحيل البلاد الى مستنقع من الازمات الاخلاقية. وخامسها: تداعي الخدمات العامة كالكهرباء والطرقات والماء والمجاري، الامر الذي دفع الكثيرين للتشكيك في جدوى التغيير الذي حدث. هذه المعوقات الخمسة أضعفت وهج التجربة واحدثت شرخا عميقا بين العراق وجيرانه من الدول العربية المحكومة بالاستبداد. ويمكن القول بان التجربة الانتخابية الحالية جاءت لتضع خطا تحتها جميعا، ولتأخذ بأيدي العراقيين نحو مستقبل جديد غير متأثر بهذه المعوقات. فقد تحسنت الاوضاع الامنية وقطع العراق شوطا في احلال الامن في كافة ربوعه، وان كان ذلك لا يعني انتهاء الاعمال الارهابية التي تستهدف المواطنين على اسس طائفية وسياسية، ولم يسلم منها احد. وقد تراجعت العمليات الانتحارية خصوصا بعد انسحاب القوات الامريكية من الشوارع، واستلام القوات العراقية مهمات الامن وجمع المعلومات. اما الاحتلال فهو قائم حتى الآن وان كان البريطانيون قد بدأوا مشوار الانسحاب بعد ان اصبح وجودهم غير مرغوب فيه بل تحول الى عبء عليهم وعلى العراقيين. اما الامريكيون فوضعهم اكثر غموضا. فهم مطالبون بالانسحاب مع نهاية العام المقبل، ما لم يتم توقيع اتفاقية اخرى مع الحكومة العراقية الجديدة، الامر الذي يراهنون عليه بشكل قوي، ويأملون ان يصبح احد 'اصدقائهم' رئيسا للوزراء بدلا من نوري المالكي، الامر الذي تلاشى بعد اعلان النتائج الاولية. لقد اصبح هناك شعور عام يرفض استمرار الاحتلال الانكلو- امريكي ولن يستطيع زعيم وطني التمديد لوجود قوات امريكية على اراضي العراق بعد انتهاء العام المقبل. مع ذلك فمن نافلة القول بان الغموض يكتنف الوجود الامريكي المستقبلي، خصوصا اذا أخذ بعين الاعتبار حجم الاستثمارات البشرية والمادية الامريكية في العراق، ومن بينها بناء اكبر سفارة امريكية في العالم بتكلفة تجاوزت الميار دولار.
لقد كانت الانتخابات العراقية الاخيرة الاكثر اثارة ليس في تاريخ العراق الحديث فحسب، بل في تاريخ المنطقة، نظرا لاهمية العراق كبلد واهمية مستقبله لبقية العالم خصوصا دول الجوار. وليس سرا القول ان دولا عديدة تدخلت بانفاق الاموال الطائلة للتأثير على المسار الانتخابي، او الدعاية الاعلامية لنمط من المرشحين الذين زاد عددهم على 6500، موزعين على اقاليم العراق وطوائفه الدينية. وثمة اهداف متضاربة للدول التي سعت للتأثير على تلك الانتخابات. فالامريكيون كانوا يتمنون وصول عناصر محسوبة عليهم الى الحكم، في مقدمتهم أياد علاوي وقائمته. والايرانيون دعموا مرشحين كثيرين وقوائم عديدة لضمان فوزها في معركة الصراع مع الولايات المتحدة على النفوذ في العراق. وكذلك فعلت السعودية التي كانت تأمل وضع حد للتجربة الديمقراطية التي من شأنها ان تؤثر سلبا على اوضاع الانظمة الاستبدادية في المنطقة. وقد ضخت الرياض مليارات الدولارات لشراء الاصوات لصالح بعض 'حلفائها' لانها تخشى عودة المالكي الى الحكم وما يمثله من توجه غير صديق لامريكا او السعودية او 'اسرائيل'. صراع النفوذ هذا عبر عن نفسه في الحملات الانتخابية ولكنه وجد مصاديق له في وسائل الاعلام التي سخرت لترويج وجهات النظر الخاصة بكل طرف. ومع ان الحملات الانتخابية كانت أقل حدة وتشددا، فقد ازعجت بعض المسؤولين والزعماء الاقليميين نظرا لما تمثله من نقلة نوعية في الممارسة السياسية في منطقة دأبت على الاستبداد والقمع ورفض قيم التعددية والتداول على السلطة والرقابة والمحاسبة. فالفساد المالي والاداري في العراق انما ظهر للعيان بفضل الاعلام الحر وشفافية منظمات الرقابة والمساءلة، بينما لا تسمح بقية دول المنطقة بشيء من ذلك. والواضح ان سياسات استهداف العراقيين بالتفجير، ودعم ذلك بالفتاوى الدينية المتطرفة ليس لها مردود ايجابي للقائمين عليها. والواضح كذلك ان الطائفية والمذهبية ليس لها نصيب كبير من النجاح في العراق مهما انفق عليها، وذلك بسبب التراث التاريخي من التواصل والتزاوج والاحترام المتبادل، وبسبب مواقف المرجعية الدينية التي اوضحت موقفها لاتباعها بحرمة دم المسلم على المسلم، ودعت الى الوئام والتفاهم والحوار. وما هو اوضح من كلا البعدين ان العراق اليوم قد حسم موقفه بعدم التنكر للقضايا العربية خصوصا قضية فلسطين، الامر الذي يجعله مختلفا مع الحكام الآخرين الذين لا تمثل العلاقة مع 'اسرائيل' لديهم خطا أحمر.
بغداد عاصمة عربية عملاقة تستحق الدعم وهي تسعى للخروج من النفق المظلم الذي ادخلها فيه هذا الاحتلال الانكلو- امريكي الغاشم. وبعد عقود من التراجع والذبول ها هي تسترجع عافيتها وتسعى لبناء نظام سياسي عصري فاعل، وهذا يقتضي التعامل معه بعقلية جديدة وجدلية تغلب مصالح الامة على المصالح الشخصية او الفئوية. وقد اثبتت التجربة الانتخابية ان الحكم الجديد في العراق يتبنى ثقافة التعايش السلمي والابتعاد عن مواضع الفتن الطائفية والعرقية، ويحترم الآخرين، ويجعل العراق 'مهابا' بين الدول.
فاذا كانت اللغة حاجزا طبيعيا بين الشباب العربي وايران فان ذلك الحاجز لا وجود له بين العراق والدول العربية. ولن يستطيع احد احتواء التأثير السياسي للتجربة السياسية على الوضع العربي العام خصوصا في ما يتصل بالعلاقات مع الولايات المتحدة والغرب. وبعد فشل اوراق 'الارهاب' و'الطائفية' و'انعدام الامن' و'غياب الخدمات والتنمية'، فقد آن الاوان لمن يهمه امر هذه الامة ان يمد يديه للعراق مجددا وتشجيعه على الاضطلاع بدور فاعل ازاء القضايا العربية والاسلامية، والاستفادة من تجربته الديمقراطية كواحد من المنطلقات لإنهاض الامة التي رزحت عقودا تحت الاستبداد والديكتاتورية والحكم الفردي والقبلي والتوارثي، ودعمه وهو يسعى للمفاصلة مع الاحتلال وتخليص البلاد من شروره، والاستفادة من تجربته في تجاوز الفتن الطائفية التي يغرس اعداء الامة بذورها ويرعونها بلا هوادة.

' كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن

 

 

اجمالي القراءات 1763
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق