اليهود يبكون والمسيحيون يتبرّكون بمكان تعميد المسيح والبهائيون يحجون إلى عكّا وحيفا.. هذه مراسم الحج

اضيف الخبر في يوم الإثنين 20 اغسطس 2018. نقلا عن: عربى بوست


اليهود يبكون والمسيحيون يتبرّكون بمكان تعميد المسيح والبهائيون يحجون إلى عكّا وحيفا.. هذه مراسم الحج

في هذه الأيام المباركة تتوجه أنظار المسلمين من كل بقاع العالم إلى الأراضي المقدسة؛ مكة المكرمة، حيث يؤدي الملايين من الرجال والنساء مناسك الحج، وقد يظن البعض أن هذه التسمية تطلق على شعائر يؤديها المسلمون دون غيرهم من أصحاب الديانات السماوية والوضعية الأخرى، لكن الحقيقة أن الحج عُرف على مرّ الأزمنة وإن اختلفت الممارسات والأماكن وحتى الهدف من ديانة لأخرى.

وتعني كلمة «الحج» لغوياً «القصد» أو «التوجه إلى»، أما في الاصطلاح فقد شاع استعمالها بمعنى «التوجه لزيارة مكان مقدس دينياً للتبرك به»، في هذا الموضوع نعرّفكم على طقوس الحج في الديانات والطوائف المختلفة.

الحج في اليهودية بكاء ورسائل إلى الله.. بل ويشبه حج المسلمين

تفرضتعاليم الدين اليهودي على الذكور وحدهم -من دون النساء أو المرضى- الحج ثلاث مرات سنوياً لهيكل سليمان، الذي يظن اليهود أنه يتمثل حالياً في حائط البراق أو حائط المبكى في فلسطين، في عيد السكوت «المظلة» أو العرش  والبيساح «الفصح» والشفوعوت «عيد الأسابيع».

 
 
اليهود يحجّون عند حائط المبكى

يعتبر اليهود الجدار رمزاً لحضور الله، لذا فهم يصلون أمامه ويبكون ويكتبون صلواتهم على قطع صغيرة من الورق ويدخلونها بين شقوقه اعتقاداً بأن الله سيرى ما يكتبون، وكل عامين تُجمع هذه الأوراق وتدفن في جبل الزيتون.

هناك أماكن أخرى ذات أهمية دينية  كبيرة لليهود، أبرزهاكنيس الغريبةفي جزيرة «جربة» التونسية، الذي يقصده يهود تونس والأجانب في اليوم 33 من الفصح، وتتمثل شعائر هذا الحج في إقامة الصلوات وإشعال شموع داخل الكنيس، والحصول على بركة الحاخامات مع ذبح الخراف والقرابين، في حين يُحضر البعض معه بعض البيض وقد كتب عليه أمنياته ليخبئه في الكنيس، باعتباره مكاناً مباركاً وأملاً في تحقق أمنياته، وقد دأب بعض المسلمين أيضاً على مشاركة اليهود هذا الفعل في بعض الأوقات.

يحج أيضاً بعض اليهود-منذ ثلاثة قرون- إلى «وزان» بالمغرب في موسم الهيلولة، وتحديداً مزار رابي عمرام بن ديوان، فيوقدون الشموع فوق قبره ويتضرعون له طلباً للبركة والشفاء من الأمراض والتخلص من الحسد والحصول على الرزق الوفير.

لم يفرض على المسيحيين.. الحج في المسيحية ليس في بيت لحم فقط

لا توجد طقوس بعينها للحج في المسيحية، لأن التركيز في بدايات ظهور الديانة كان على ألوهية المسيح أكثر من تجسيده الجسماني، ويتوجّه المسيحيون طواعيةً للحج إلى القدس، الذي ينتهي برؤية النور المقدَّس المنبعث من قبر السيد المسيح في كنيسة المهد، في بيت لحم بفلسطين، لنيل البركة وتحقيق السعادة الروحية، أي أن مفهوم الحج في المسيحية يقتصر على التبرك بالأماكن المقدسة دينياً لديهم.

 
 
بيت لحم ليست المكان الوحيد الذي يمكن أن يحج له المسيحيون

فيالقرن الثامن عشرأصبحت هناك وجهات إضافية يحج إليها المسيحيون من أضرحة الشهداء والقديسين والكنائس العظيمة؛ أهمها منطقة المغطس في نهر الأردن، التي يحج إليها الآلاف سنوياًللاحتفال بعيد الغطاس، عيد تعميد المسيح في نفس المكان الذي عمد فيه، على يد «يوحنا المعمدان»، حسبما يؤمن المسيحيون.

تبدأ الطقوس بذهاب الكهنة في موكب على أنغام الموسيقى للنهر، وملء الجرار من مياهه المباركة، قبل العودة إلى كنيسة عماد السيد المسيح، وبدء القداس الاحتفالي ورش المشاركين بالمياه المباركة، بينما يفضل الكثيرون النزول للنهر أيضاً لنيل البركة، كما يحج المسيحيون إلى الفاتيكان وكنيسة «لورديس» في فرنسا، المشهورة بتجلّي العذراء للقديس برناديت في العام 1858.

الحج في البوذية.. الحج إلى مكان تنوير بوذا ومرقده

بدأ حج البوذيين بعد نحو 200 عام على رحيل بوذا، مؤسس الديانة، ويتمثل مفهوم الحج لديهم في رحلة للأماكن ذات المكانة الدينية بهدف التنوير، وقد اجتمعوا على الحجلأربعة مراكز رئيسيةارتبطت بمراحل حياة بوذا، مسقط رأسه في حدائق لومبيني في النيبال، والمكان الذي أتاه التنوير فيه -بحسب البوذية التنوير هو الارتقاء التام- في «بود غايا» تحت الشجرة المقدسة، وحيث تلقى تعليمه للمرة الأولى في «سارناث» بالهند، وقرية كوسي نارا الهندية التي رقد بها للمرة الأخيرة «النيرفانا».

 
 

وبمرور الوقت أنشأت كل بلدة معابد ومراكز لديها لتلقي التعاليم وممارسة الشعائر بها، كما زرعوا أشجاراً من نفس نوع الشجرة المقدسة (شجرة التين) فيها ترمز للعلم والاستنارة، وإن بقي الحج لمسقط رأس بوذا الأهم حيث يرسخ مفهوم التفاني والتبعية، ويعزز الانضباط الروحي، و«بود غايا» مكان استنارته؛ ليعكس طلبهم العلم والفهم للتخلص من المعاناة الدنيوية من رحلتهم.

الحج في الشنتو: 6 ملايين زائر اعتادوا السير آلاف الكيلومترات

يحج أتباع الديانة الشنتوية مرة واحدة بالعمر،ويمكن تقسيم الحج لديهم لنوعين، أولاً حج لموقع واحد يشتمل على عدة مزارات أو أضرحة في نفس المكان، أو حج متعدد المواقع تتم فيه زيارة عدة أضرحة أو معابد خاصة بإله واحد أو عدة آلهة ذات صلة، ولا يشترط هنا ترتيب معين في الزيارة ولا توقيت معين للحج أو زمن مفروض لإنهائه، مثل طريق الحج الأشهر في كومونو.

أما أشهر الأضرحة فهو ضريح إيسة أو إيسى «جراند إيسه المقدس»، الذي يحتوي على أكثر من 100 ضريح، أهمها الضريح الداخلي المخصص لإله الشمس «أماتيراسو» والضريح الخارجي المخصص لآلهة الحصاد، ويزوره سنوياً قرابة 6 ملايين زائر، ويقع في منطقة ساحلية كثيفة الغابات والجبال وسط اليابان.

وتقتصر الطقوسعلى تطهر الكهنة واغتسالهم قبل استقبال الزوار الذين يغمسون أيديهم بالتبعية للتطهر، وكل 20 عاماً تتم إعادة بناء الضريح قبل أداء المراسم التي يحضرها الإمبراطور ويوزع بها الطعام المقدس على الزوار بنفسه.

قديماً كان الحجاج يرتدون ملابس معينة ويسيرون آلاف الكيلومترات على أقدامهم، تنقلاً بين الأضرحة المقدسة لديهم، أما الآن فالحج في اليابان المعاصرة لم يعد مدفوعاً بالتعبد فأصبح أقرب للسياحة، إذ يسافر الأشخاص بملابسهم العادية ويتنقلون بالحافلات، ويمكن أن يكملوا رحلتهم في عدة ساعات أو أيام، فهي رحلة تحت ظلال الطبيعة الخلابة -اتحاد الضباب والغابات والشلالات مع الأضرحة والمزارات المقدسة- يقابلون فيها أشخاصاً جدداً يشاركونهم نفس المعاناة والآمال، أو يذهبون للتنزه بها مع أصدقائهم وأسرهم، ويكتشفون تراثهم الثقافي.

بالطبع لا يزال هناك بعض الحجاج المكرسون الذين يحرصون على السير بين المزارات الدينية، وهدفهم هو التطهر من الذنوب، ويبذلون الالتماسات والصلوات، وينشدون الهدوء والراحة من رحلتهم.

أمّا في البهائية فمجرد زيارة إلى فلسطين

الحج في البهائية، حدَّده بهاء الله (ميرزا حسين علي النوري مؤسس هذه الديانة) في «الكتاب الأقدس»، على كل مؤمن قادر من أتباعه -مع استثناء النساء- إلى موضعين هما: بيت الباب في إيران، ودار بهاء الله في العراق، لكن بعد هدمها في إطار مكافحة انتشار هذه الديانة الوضعية تحول البهائيون للحج إلى عدة أماكن مقدسة، تقع جميعاً في فلسطين وترتبط بحياة مؤسس هذه الديانة ومعاونيه الأوائل، وأهممركزين لديهم هما ضريح بهاء الله في عكا، وضريح الباب المقدس في حيفا، ويطلقون عليهما الحرمين المقدسين.

 
 

لا طقوس ولا وقت محددين له في الحج البهائي، لكنه يقام سنوياً ويستمر لمدة 9 أيام بعد توجيه الدعوة من قبل بيت العدل البهائي، المسؤول عن تنظيم أمور أتباع هذه الديانة، ويقوم الحجاج بما يحلو لهم من الصلوات والصوم والطقوس بهما.

وفي الهندوسية يكون التطهر من الآثام في مياه النهر تبركاً بالإله

يعرف الحج الهندوسي بـ «اتيرثا ياترا» أو «كومبه ميلا» بحسب أهم المناطق المقدسة لديهم، وهو فرض إلزامي يحدث كل 3 سنوات، ويعد مرور 12 عاماً يكون التجمع الأكبر، وتنقسم طقوسه في الانغماس المقدس في المياه للتطهر، وزيارة الأضرحة الخاصة بآلهة معينة، والسفر للأراضي ذات المكانة الدينية، ويعد أكبر تجمع ديني في العالم إذ تصل أعداد المشاركين به إلى 300 مليون مشارك.

وفي مدينة الله آباد الهندية، وتحديداً عند ملتقى نهري جانغ وجامونا، يبدأ رجال الدين بالنزول للنهر ويلحق بهم الأتباع والمريدون بغرض التطهر من الذنوب والخطايا، وتعود هذه الممارسة لاعتقاد أصحاب هذه الديانة بأن أحد الآلهة قد اغتسل بهذه المياه وباركها، يليه زيارة الأضرحة الخاصة بالآلهة التي يتبعها كل فريق، وأخيراً السفر للأماكن المقدسة، وهي عبارة عن سبع مدن داخل الهند.

ركنٌ من أركان الإسلام وأكثر من مليوني حاج من كل بقاع الأرض

يعتبر الحج في الإسلام فرضاً على كل مسلم بالغ عاقل بشرط الاستطاعة المادية، أو الجسمانية، وهو الركن الخامس من أركان الإسلام، ويحدث سنوياً في مكة المكرمة بزيارة بيت الله الحرام (الكعبة المشرفة) في شهر ذي الحجة، وتبدأ مناسكه الرئيسية في اليوم الثامن بركن «التروية»، مروراً بالوقوف على جبل عرفات ورمي الجمرات، وانتهاءً باليوم الثالث عشر بـ «طواف الوداع»، وقد وصل عدد الحجاج المسلمين على عرفات هذا العام أكثر من مليوني حاج بحسب الأرقام الرسمية.

 
 

إلا أن بعض الطوائف الإسلامية لا تكتفي بهذا الحج وتقوم بطقوس حج خاصة بها، مثل الصوفية الذين يحجون إلى جبل حميثرة بالبحر الأحمر ويطلقون عليه الحج الأصغر، والشيعة الذين يحجون إلى قبر الحسين رضي الله عنه في كربلاء ويسمونه الحج الأربعيني.

الحج الأصغر للصوفية: حميثرة بدلاً من عرفات إن لم تستطع الحج الأكبر

تزامناً مع وقوف الحجاج المسلمين على عرفة، يقف قرابة المليون شخص من أتباع الطرق الصوفية في مصر والعالم، على جبل حميثرة بمرسى علم في البحر الأحمر، يقلدون شعائر الحج الأعظم فيمولد أبو الحسن الشاذلي،أحد أشهر أقطاب الصوفية، ويطلقون على ذلك «الحج الأصغر».

 
 

يعتقد هؤلاء أن من يفوته الحج الأكبر في مكة ينبغي عليه زيارة الشاذلي، أملاً في أن ينعم عليه الله بزيارة بيته الحرام، يحلقون رؤوسهم ويذبحون ويجمعون الحصى ويلقونه تقليداً لأركان الحج وبنفس التوقيت، تليها بعض الحلقات الصوفية التي يمارس بها الوعظ والصلاة والخطب.

الحج الأربعيني لدى الشيعة.. يلبون نداء الحُسين ويسيرون مئات الكيلومترات على الأقدام

بجانب زيارة البيت الحرام يعتقد الشيعة بقدسية ما يسمى بـ «الزيارة الأربعينية» أو الحج الأربعيني، إلى قبر الإمام الحسين رضي الله عنه، ويوافق ذلك العشرين من صفر من كل عام، ويعد أكبر تجمع ديني إسلامي وثاني أكبر تجمع ديني بعد الحج الهندوسي في العالم.

يقطع الملايينقرابة 450 كم سيراً على الأقدام متشحين بالسواد، لتأكيد البيعة للإمام الحسين وإظهار ولائهم لعقيدتهم، يسير الرجال والنساء والأطفال وهم يلطمون صدورهم على وقع أناشيد حسينية، وقد عصبوا جباههم بمناديل كتب عليها «لبيك يا حسين».

 
 

ينشد الجميع الحضرة الحسينية بكربلاء، وبعد الوصول ينقسمون في منطقة «بين الحرمين» فيدخل بعضهم إلى مقام الإمام الحسين، فيما يدخل البقية إلى مقام أخيه العباس الذي يلقبه الشيعة بأبي الفضل أو قمر بني هاشم، وبلغعدد المشاركين الأجانب في 2017، أكثر من 13 مليون سائح أجنبي بخلاف المتدينين الشيعة من العراقيين.

كل ما سبق يعزز الاعتقاد بأن الحج ظهر على مر الأزمنة، حتى الديانات التي لم تفرضه؛ ابتدعه أتباعها باختلاف الطقوس وأماكن القصد والمساعي المرجوة منه، ومثل في جميع الطوائف والعقائد رحلة للأماكن المقدسة دينياً بغرض التطهير الروحي والتخلص من الخطايا والتقرب للمعبود، والحصول على المنافع الدنيوية كذلك.

اجمالي القراءات 507
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق