بلاغة القرآن

الأحد 06 اكتوبر 2013


نص السؤال:
أسألك عن الإعجاز البلاغي في القرآن . إن البلاغة في العربية أصلها من الفعل الثلاثي بلغ .. أي وصل وانتهى ، وقد تأتي البلاغة بمعنى إيصال المعنى كاملاً ، والمبلغ هو الموصل ، والبليغ هي صيغة المبالغة من المبلغ .وعليه إذا قلنا بأن القرآن كتاب بليغ فإن معناه أنه كتاب في غاية الوضوح .ولكن القرآن أتى ببعض الآيات الغير مفهومة وقد أشير إلى ذلك في قوله تعالى (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات وأخر متشابهات.. الآية) هذه النقطة الأولى . والنقطة الثانية .. أي نوع من التحدي الذي عجز عنه العرب وقد كانوا أبلغ البشر في ذلك الوقت ؟ لا بد أن يكون التحدي بأن يأتوا بحديث من مثله مبني على شروط محددة بحيث لا يمكن لهذه الشروط أن تتوافر مع بعضها مجتمعة إلا في القرآن –حسبما أفهم- وكذلك الشعر أيضاً فعندما يتحدى الشاعر بقية الشعراء بشعره فلا بد أن يكون هذا الشعر مليئاً بالموسيقى اللفظية والأساليب البلاغية ومنها الكناية والمجازات والتشبيه والاستعارة .. إلخ والتي تتفاوت بين شعر وآخر وعليه سيكون التحدي ،، وإذا نظرنا إلى القرآن لوجدناها كلها وجدت فيه فما الذي يختلف القرآن عن غيره حتى أتى هذا التحدي ؟ بالواقع الإجابة هي أن القرآن ليس شعراً ولا نثراً .. ولكن يستطيع بعض الناس أن يأتو بكلام بنفس أوزان الآيات وقد يكون بها بلاغة نوعاً ما . وهناك شيء مهم أيضاً وهو أن الأحاديث في القرآن تتفاوت في بلاغتها فهذا التحدي لن يكون صعباً بنفس الدرجة ربما . وبنفس المقياس الذي استخدمناه في السؤال السابق .. ما الذي تختلف فيه هذه الأحاديث عن الأحاديث التي يرويها البشر حتى يبنى التحدي عليه ؟ والنقطة الأخيرة تتحدث رأي المعتزلة وقد وجدته مغموراً في الإنترنت ولكني علمت شيئاً بسيطاً عنه وهو رأي ملفت للنظر .. يقول المعتزلة أن القرآن ليس معجز بلاغياً وقد أتى العرب بما هو أبلغ من القرآن وأعقد منه ويقولون بأن التحدي الوارد في سورة الإسراء آية 88 هو صرفهم عن تأليف مثله برغم سهولته . وسمي هذا "الصرفة" .. أرجو أن تطرح لي وجهة نظرك في الموضوع . ولك شكري وتقديري ..
آحمد صبحي منصور :

 

أهلا ,وسهلا ومرحبا ..وأقول :

أولا : مصطلح البلاغة خاص بعلوم اللغة العربية ( نحو ، صرف ، بلاغة ، معان ، محسنات بديعية ..الخ ). والبلاغة تعنى الاسلوب الفصيح فى معناه ( أساليب المجاز من تشبيه واستعارة وكناية وقصر ..الخ )وفى مبناه (أى فى موسيقى اللفاظ من سجع وطباق ومقابلة ..الخ ) . ولكن كلمة ( بلغ ) ومرادفاتها ضمن مصطلحات القرآن ، ويهمنا هنا مصطلح ( بلغ ) بمعنى البلاغ والتبليغ .

فوظيفة الرسول هى التبليغ ، وهو مأمور بذلك : (  مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ   ) ( المائدة 99 ) (  يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ) ( المائدة 67 ). والقرآن نفسه بلاغ للناس ( هَذَا بَلاغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وَلِيَعْلَمُواْ أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ ) ( ابراهيم 52 )(إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ) ( الأنبياء 106 : 107 ). وكان عليه السلام يعظ ويبلّغ بالقرآن ، لذا يقول له ربه جل وعلا :(أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا)(النساء 63 )، أى كان يعظ وينذر و يدعو ليس بكلامه بل بالقرآن الكريم .

ثانيا : اشتهر العرب بالفصاحة فى الشعر وفى النثر . وجاء القرآن معجزا لهم وللعالم كله . تحداهم رب العزة أن يأتوا بحديث مثله :(فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ ) ( الطور 34 ) . وحين زعموا أن النبى محمدا صنع القرآن أو( إفتراه )، جاءهم التحدى الالهى بأن يأتوا بعشر سور مستعينين بمن استطاعوا (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ) (هود 13 : 14 )، وعجزوا ، فتحداهم أن يؤتوا بسورة واحدة (وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ) ( البقرة 23 : 24 )، (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) ( يونس 38 )، فعجزوا .

ثالثا : وفى كل آيات التحدى كان المثل هو ( محمد ) نفسه ، وهو منهم ومثلهم ، وما يستطيعه يستطيعونه . ولا يزال هو المثل حتى الآن. وحين بدأت فى التفكير المتحرر وفوجئت بهجوم صاعق من الشيوخ فى الأزهر وصل بى العناد والتحدى الى مداه بأن عرضت القرآن نفسه محل الدراسة النقدية ، قلت لنفسى إننى أومن بالله جل وعلا وحده الخالق لما عداه ومن عداه ، ولكن لا بد أن أتيقن من صحة القرآن . ومن طبيعتى أننى أقرأ أى شىء بعيون نقدية تسرع فى كشف أخطاء المكتوب ، واكتسبت خبرة فى نقد واكتشاف أخطاء وتناقضات كتب التراث المقدسة حتى فى الصفحة الواحدة فى الكتاب الواحد . وقررت أن أتعامل مع القرآن الكريم بنفس الاسلوب . كنت قد حفظت القرآن على يد والدى وأنا طفل فى الثامنة ، وظل فى طيات الذاكرة أحفظه دون فهم ، بل مجرد الفهم التراثى الذى تعلمته فى الأزهر. وبدأت بداية جديدة عام 1977 حين تعرضت لأول هجوم ساحق من الشيوخ حين منعونى وعطلونى عن مناقشة رسالة الدكتوراة لمدة ثلاثة أعوام . خلالها عكفت على إعادة قراءة القرآن لاكتشاف ما فى القرآن من تناقض خصوصا فى تكرار وتفصيلات التشريعات والقصص. الأساس الذى اعتمدت عليه هو أن القرآن لو كان قد افتراه محمد وليس من عند الله جل وعلا فلا بد ان استطيع اكتشاف اخطاءه وتناقضاته ، لأنى (أحمد صبحى منصور ) أتفوق على ( محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم ) علميا من حيث التراكم المعرفى وسائر الظروف ، فلو عجزت أنا عن اكتشاف خلل فى القرآن فالمعنى الوحيد أن محمدا ليس هو منتج ومؤلف القرآن وبالتالى فهو (القرآن ) هو فعلا من عند الله ، ويعلو فوق مستوى البشر. بعد عامين من الدراسة خرجت مؤمنا حقيقيا بالقرآن ساجدا لله جل وعلا وكافرا بقدسية كتب التراث .

رابعا : وأكّد رب العزة عجز الجن والانس معا عن الاتيان بمثل هذا القرآن (قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا)(الاسراء 88 ).وفهم المعتزلة من هذه الآية إن إعجاز القرآن بالصرفة  ،أى منع الله جل وعلا الناس عن تحدى القرآن.وهذا خطأ  لأنه لا يستقيم مع التحدى ، فكيف يتحدى الله جل وعلا البشر ثم يستخدم قدرته فى منعهم من التحدى . لقد منح الله جل وعلا البشر حرية الاختيار فى الايمان أو الكفر ، وفى الانصياع والاستسلام لله جل وعلا أو فى تحدى ربالعزة وبهذا التحدى كان الانسان موصوفا بأنه خصيم مبين لربه جل وعلا : (أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ) ( يس 77 )( خَلَقَ الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ) ( النحل 4 ). وهذا الخصم يتحدى رب العزة دائما ، ومن هنا يتحداه رب العزة فى الاتيان بمثل هذا القرآن .

خامسا : حاول كثيرون تحدى القرآن فى فصاحته ، ومنهم ابن المقفع وغيره . وهناك فكرة مقالات عن الاعجاز القرآنى فى الفصاحة . وقد أعددنا منها مقالا عن الاعجاز فى اختيار اللفظ القرآنى ، ومعجزة الايجاز بالحذف فى القرآن ، ومعجزة الجملة الاعتراضية فى النسق القرآنى ..

سادسا: الفصاحة ليست وحدها الاعجاز القرآنى . هناك الغيب فى الماضى وفى الحاضر وفى المستقبل ، وقد كتبنا عن عن إعجاز الغيب فى القصص القرآنى . واقع الأمر إن الله جل وعلا جعل القرآن يتجلى لكل عصر بإعجاز يناسبه . وقد تجلى فى عصرنا بإشاراته  العلمية ، ولنا بعض مقالات عن الاعجاز العلمى فى القرآن الكريم نرجو الاستمرار فيها . وسيتجلى فى المستقبل القريب للعالم عند الكشف عن إعجازه الرقمى العددى الذى سيفسر سرّ التركيب الخاص بالكتابة القرآنية والذى يثبت حفظ القرأن الكريم بنصّه الى قيام الساعة ، هذا بالاضافة الى علامات الساعة المستقبلية ، وسنخصص لها حلقات فى برنامج فضح السلفية.

أخيرا : يبقى القول فى ان من إعجاز الفصاحة القرآنية أنه يجمع بين العمق والبساطة فى نفس الوقت بحيث يمكن لمن يريد الهداية يجدها فى بساطة اسلوبه ، مع أن نفس الآية يجد فيها العالم المتمكن ابعادا للتعمق والاجتهاد . ومن إعجازه أن التكرار ممل فى اسلوب البشر وهو من آيات الفصاحة القرآنية . بل إن من آياته الاسلوب العلمى ( فى المحكمات ) والاسلوب المفصل والبلاغى فى المتشابه . وبالاثنين معا تظهر عظمة القرآن ، ولنا مقالان منشوران عن المحكم والمتشابه فى موضوع الشفاعة وموضوع (إن هو إلا وحى يوحى ). 



مقالات متعلقة بالفتوى :
اجمالي القراءات 2251
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-05
مقالات منشورة : 1342
اجمالي القراءات : 11,380,376
تعليقات له : 2,521
تعليقات عليه : 8,245
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : United State

مشروع نشر مؤلفات احمد صبحي منصور

محاضرات صوتية

قاعة البحث القراني

باب مقال اعجبني

باب دراسات تاريخية

باب القاموس القرآنى

باب علوم القرآن

باب تصحيح كتب


بين الايمان والالحاد: سؤال دائما ما يراودني عندما أقرأ لك ولكل من يعمل عقله في النص الديني كيف وحتى الان لم...

الصلاة و الوضوء : حول مسئلة الصلاة، اذا كانت الصلاة قد نقلت الينا بالتواتر والتوارث عن ملة أبينا ابرهيم ــ...

لم أقرأه : ما رأيكم بكتاب ( الفن القصصي في القرآن ) للدكتور محمد أحمد خلف الله , و اجتهاداته حول هذا...

دليلى إحتار : السلام عليكم .. 1- الحقيقة عشت دقائق وقرأت مقتطفات من موقعكم فلم أتأكد تماما ما إذا...

هل هو فى الجنة ام.؟: أعيش فى أمريكا و فيها عرفت أصدقاء من أحسن الناس خلقا ، وأراهم ينبرعون لأعمال الخير .....

صلاة الجمعة فى البيت: اود السؤال عن صلاه الجمعه هل يجوز ان اصليها بالبيت ...

العادة السرية : انا شاب في ال20 من عمري مارست العادة السرية لكنع بطريقة أخرى و هي اني قمت باحتكاك عضوي...

الفنّ حلال ..: ( بحب الموسيقي اوى و اغانى عبدالحليم حافظ بتساعدني على انى ابدع و افكر لأكتب بحب التمثيل...

ألأديان التوحيدية ؟!: اعجبت بشجاعة ومنطق التحليل الموضوعي والعلمي لتيار اهل القران ، لكن المشكل ، استادي...

سأتزوج زواج متعة: الأستاذ الدكتور الفاضل أحمد صبحي منصور المحترم ت حية طيبة و بعد لقد قرأت مقالتك...

ابراهيم والأجر..: أولا:عند تلاوتى للقرآن الكريم وأثناء بحثى فى قصص الانبياء لاحظت أن كل الأنبياء عليهم...

قرآنى أفغانى: سلام عليكم اسمي ... من افغانستان حالا اسكن في الباكستان في مدينت الكويته اطلب من الله...

إنشروه: أتمنى أن تساهموا في نشر فيديو حالة الطفل المعجزة أسامة الذي حفظ القران الكريم سمعا في...

الدعاء للميت: شيخي الفاضل: ق رات لك هذين الفتوتين عن الدعاء للميت , و اردت منك ان توضح لي الاختلاف في...

اريد زوجة قرآنية : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..وبعد أنا واحد من الذين يرون الحق ويتبعونه بإذن...

more