مسمار جُحا

د. شاكر النابلسي في الأربعاء 24 يناير 2007


قه الضمير الإسلامي، الذي استيقظ في لحظة صدق وصفاء مع الذات.

من هنا، يعترض الأقباط على المادة الثانية من الدستور المصري، ويطالبون بتعديلها، حتى لا تُستغل سياسياً مستقبلاً ، من قبل حكام ضعاف نفوس، وتُتخذ ذريعة للتنكيل بإخوان لهم، هم في هذا الوطن قبل زمن طويل، من بزوغ الهلال في الجزيرة العربية.

المزيد مثل هذا المقال :

-3-

المادة الثانية من الدستور المصري، مادة سياسية، كيدية، مسمومة بامتياز. وهي كمسمار جُحا في الدستور المصري.

لماذا؟

1-           لقد وُضعت هذه المادة في دستور 1971 ، في ظروف سياسية صعبة ودقيقة على الرئيس السادات، الذي التفت حوله في تلك الفترة، فلم يجد غير الإخوان المسلمين في الساحة السياسية، ومرشدهم آنذاك عمر التلمساني، لكي يتكيء عليهم، ويستعملهم رأس حربة، وعصا موسى، لمقاومة أعدائه من الناصرين، والماركسيين، والقوميين. ومن أجل ذلك، كان لقاء القناطر الخيرية الشهير، بين السادات والتلمساني، والذي سلّم خلاله التلمساني مفاتيح المساجد والأزهر للسادات، وسلّمه السادات مفاتيح مجلس الشعب، والصحافة، والجامعات، والنقابات، وكل مؤسسات الدولة، لكي يرعى فيها الإخوان أغنامهم كما يشاؤون وبسلام، ويصبحون عصا السادات، التي يهشُّ بها على غنم الناصريين، والماركسيين، ومن ولاهم.

2-              عند اعلان المادة الثانية من الدستور المصري، التي تقول أن "دين الدولة الإسلام، والشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع"، والتي بعدها أعلن السادات، بأنه "الرئيس المسلم للدولة المسلمة"، كان السادات يغمز عمر التلمساني وينحني قليلاً، وقد ارتسمت على شفتي التلمساني ابتسامة الرضا والقبول، والتمعت عيناه، وأيقن التلمساني بعدها، أن السادات قد سمع وأطاع، ووعد وأوفى. في حين فهم أعداء السادات من السياسيين الرسالة، وأسرّوها مكيدة. واعتبر الأقباط هذه المادة، واعلان السادات بأنه "الرئيس المسلم للدولة المسلمة"، بمثابة عزلٍ شاملٍ لهم. فهو إذن ليس رئيسهم، وإنما هو رئيس المسلمين فقط. والدولة المصرية إذن، ليست دولتهم الوطنية، وإنما هي دولة المسلمين فقط، وعليهم أن يتصرفوا. وهكذا تمَّ انكار ومحو وجود وحقوق أكثر من عشرة ملايين قبطي في مصر، لغرض سياسي، وسمعاً وطاعةً للتلمساني، وثمناً لدعم السادات في محنته، و(زنقته) السياسية في ذلك الوقت. فالقادر من الأقباط على التصرف، تصرّف وهاجر، وكظم من هم بالداخل الغيظ، وانكفأوا على أنفسهم ألماً، وحزناً. فبعد أن كانوا (يا ولداه) أنصاراً، أصبحوا مهاجرين. وبعد أن كانوا أصحاب الدار، أضحوا وقوداً للنار، التي أشعلها السادات مع خصومه السياسيين، آنذاك.

3-              عبارة "دين الدولة الإسلام"، موجودة في معظم الدساتير العربية. وهي مادة تحصيل حاصل. كأن تقول بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا مثلاً في دستورها: "دين الدولة المسيحية"، فما هو الجديد في ذلك؟ وهل يمكن أن يكون الإسلام أو اليهودية أو البوذية، دين هذه الدول؟ وأين الدولة العربية التي ديانة معظم مواطنيها مسيحية أو يهودية أو بوذية؟ فهذه مادة تزويقية، كالخرزة الزرقاء، ليست أكثر ولا أقل. فلا نظام عربياً يحكم بشريعة الإسلام. ولو تمَّ الحكم بهذه الشريعة حقاً، وعقلانياً، وبالعدل والانصاف، لأصبح العالم العربي اليوم، بلاد السمن والعسل، وليس بلاد الفقر، والتخلف، والخوف. وهذه المادة في الدساتير العربية، لم يعترض عليها المسيحيون في المشرق العربي خاصة، لأنها - كما قلنا - تحصيل حاصل. كأن يقال لون البحر أزرق، أو أن الانسان له عينان، ولسان. وهي بالتالي، مادة وضعت لحماية الحكام وتبجيلهم، وعدم الاقتراب منهم، أو محاسبتهم في فسادهم. فالحاكم هو حامي الدستور. والدستور هو دستور الدولة التي دينها الإسلام. فالحاكم إذن، هو حامي الإسلام. فمن يجرؤ على مساءلته؟ ولكن مخاوف الأقباط من هذه المادة في مصر بالذات، تأتّتْ من كون هذه المادة، ستستعمل من قبل بعض الحكام في بعض الأحيان، استعمالاً سياسياً سيئاً، ليس ضد الأقباط مباشرة، ولكن رشوة ومكافأة لمن هم ضد حقوق المواطنة للأقباط، كالإخوان المسلمين وغيرهم، من الجماعات الإسلاموية، والتي يمكن أن يستعملها الحاكم المصري كعصا موسى في الهشّ السياسي والنشِّ الانتخابي، في بعض الأحيان.

4-              من المعلوم، أن أي نص تشريعي غير إسلامي في القوانين والأنظمة الانسانية، هو بالضرورة من روح الإسلام، ولا يتعارض مع الإسلام، ما دام يعمل لصالح الإنسان. بل هو إلهي عام، ما دام يسعى لرقي الانسان، وتسهيل سُبل ومسالك الحياة له. قال الفقيه الإمام نجم الدين الطوفي الحنبلي في القرن الثامن الهجري: إذا قُدمت المصلحة على النص المقدس، أُخذ بالمصلحة. فقيل له، هذا افتيات على النص. فقال: لا نصَ يخالف المصلحة. إذاً، لماذا كل هذا التحدي لمشاعر الأقباط في مصر بمسمار جحا هذا، سيما وأن الأقباط، يُشكّلون أكثر من عشرة بالمائة من سكان مصر، ويحتلون مناصب رفيعة في العلم، والتربية، والتجارة، والصناعة، والثقافة، والإعلام، والسياسة، ويشاركون في بناء الوطن على هذا النحو؟ ولا سيما كذلك، أن الدساتير المصرية نفسها وفي مُجملها، ليست مأخوذة بشكل أساسي من الشريعة الإسلامية، بقدر ما هي مأخوذة من الدساتير الأوروبية العَلْمانية، فيما يتعلق بالقانون الدستوري، والقانون الجنائي، والقانون المدني، والقانون التجاري، وسواها. وأن واضعي هذه الدساتير، ليسوا فقهاء دين من الأزهر، بقدر ما هم قانونيون عَلمانيون، درس معظمهم في السوربون، وفي جامعات الغرب، وتشبّعوا بروح القوانين الفرنسية خاصة، والغربية العَلمانية عامة.

5-              وأخيراً،  لماذا  يُصبح الأقباط دائماً، هم أكباش الفداء؟ فلكي يُثبّت السادات أركان حكمه، قدّمهم أكباش فداءٍ ، في دستور 1971 ، للإخوان المسلمين، والمتشددين المتعصبين الدينيين من رجال الأزهر. واليوم يُصرُّ الرئيس مبارك على التمسك بهذه المادة، وعدم تغييرها، لتكون الشريعة الإسلامية أحد مصادر التشريع المصري فقط – وهذا ما هو قائم الآن بالفعل، بعكس ما تقول المادة الثانية من الدستور الحالي- وذلك لتثبيت مسمار جُحا الساداتي، ورشوة رجال الأزهر والأوقاف، والشارع المصري الديني، وكذلك رشوة الإخوان المسلمين، للسكوت عما هو آتٍ من توريث، وتحويل مصر الى جمهورية وراثية، أسوة بسوريا الماضية، وليبيا القادمة وغيرها. فليس حباً في الإسلام والتشريع الإسلامي، يريد مبارك أن يُبقي مسمار جُحا هذا، وليس كرهاً بالأقباط من مواطنيه، وهم الذين ساندوه، وكانوا ظهراء له، بدعوة البابا شنودة الى انتخاب مبارك صراحة، في الانتخابات الرئاسية. بينما عادوه الإسلامويون، وسبّوه، وعملوا ضده، بل إن منهم من حاول اغتياله في أديس أبابا في 1995. فهل هذا جزاء سنمّار؟ وإلى متى سيبقى الأقباط أكباش فداء الحكام المصريين، لتثبيت كراسيهم، وتأمين حكمهم، ودحض أعدائهم؟

 

هذا السؤال موجه للأقباط بالدرجة الأولى، ليس تحريضاً، وليس استفزازاً، كما سيفسره بعضهم من أهل الغرض والهوى الرخيص، ولكنه سؤال الذات للذات، في ساعة حساب الذات.

السلام عليكم.

اجمالي القراءات 12270

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (1)
1   تعليق بواسطة   آية محمد     في   الثلاثاء 30 يناير 2007
[1991]

حقوق الأقباط

أحيانا أتساءل، هل هذا موقع أهل القرآن الذى وجد القرآنيون منفس لهم فيه أم موقع أهل المسيح الذين وجد فيه المسيحيون من يعطيهم حقوقهم التى و الحمد لله أمنها لهم الزعيم الأكبر بوش الإبن. أليس الأولى بنا أن ننقاش مشاكل المسلميين و كيفية التخلص من إضطهادهم فى العالم كله بدل من إيجاد حل للأقباط الذين لم يعد عندهم أصلا مشكلة بعد أن سيطروا على مصر كلها.
أحب أن أطرح سؤالا أنا أيضا على غرار سؤال الدكتور شاكر النابلسى: إلى متى سيبقى المسلمون أكباش فداء الحكام الغرب للسيطرة على منطقة الشرق الأوسط و تنفيذ مخططتهم الصهيونى؟

بالنسبة للأقباط فمن حقهم الآن أن يرفعوا ميكروفون عن مأذنة فى القاهرة لمجرد أن صوت الأذان منفر. أما والدتى المسلمة المحجبة ذهبت للأوقاف للتشتكى من ميكروفون مأذنة جانب بيتنا فقالوا لها "إتقى الله". بلغت الشرطة قالوا لها ليس لنا دخل إلا إذا أشتكى مسيحي. و صل بها الضيق إلى أن ذهبت للمؤذن نفسه فى حيينا "حدائق الأهرام" و طلبت منه خفض الصوت لأن أحفادها يصيبهم الهلع فى الليل و ما كان من المؤذن القذر إلا أن سبها علنا فى خطبة الجمعة و وصفها: "هذه المرأة الكافرة " و اتهمها ظلما و بهتانا بانها تريد لغى آذان الفجر و طالبها أن تقوم و تصلى – هذا الحيوان الفاجر يعلمنا الصلاة فى خطبة الجمعة. و مما إضطرنى أن "أشرشحله فى وسط المصليين و مسحت به أرض حدائق الأهرام أول ما خلص صلاته الله لا يتقبل منه!!!!!!!!!!!!!
المهم، والد زوجى يسكن فى عماره فى مدينة نصر و جاره القبطى ذهب للشرطة و أشتكى من خطيب يشجع على الفتنة، فى ثانية رفع الميكروفون بأمر قانونى!!! نحن المسلمون لم نستطع أن نخفض من صوت إزعاج رهيب و جهل مسموع إلا بالنزاع و العراك و المسيحى لغاه بالطلب من الشرطة. معروف الآن فى مصر أن أي مسيحى ما عليه إلا أن يرفع صوته و يقول "إضطهاد ديني" فتأتى الشرطه مهرولة و تقول "شبيك لبيك...إحنا و المسلميين خداميين بين إديك"

أعتقد أن المسيحيون واخديين حقوقهم تالت متالت و الدور و الباقى علينا إحنا الغلابة.

طيب يا دكتور، بتتكلم على المتطرف عمارة! طيب إيه رأي حضرتك فى المسالم بابا الفاتيكان إللى لا كان قصده شر و لا حاجة - أعوذ بالله - لما قال أن محمد أتى بكل ما هو شرير. لا و المسكين قالها علنا للعالم كله مش فى كتاب لا يقرأه إلا المتطرفيين أمثال عماره. لا يوجد فرق بين البابا و عماره! الفرق الوحيد أن البابا أقوي و لا يستطيع أحد أن يقول له "تلت التلاته كام"...لم نجد من يحرق كلامه أو يقول له أتقى الله و لم يقل له أحد حرام عليك المسلميين مش ناقصيين!!!
و شكرا

أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2007-01-16
مقالات منشورة : 334
اجمالي القراءات : 2,874,316
تعليقات له : 0
تعليقات عليه : 361
بلد الميلاد : الاردن
بلد الاقامة : الولايات المتحدة