مرتزقة الحروب في ليبيا والسودان.. من يقاتل ومن يجني الأرباح؟
لم يعد المرتزق مجرد فرد يمكن تتبع مساره من خلال انتمائه العسكري المباشر، بل أصبح جزءا من شبكة تعاقدية قد تتوزع مسؤولياتها بين عدة دول وشركات ووسطاء
لم يعد المرتزق في الحروب المعاصرة مجرد مقاتل أجنبي يحمل سلاحه مقابل المال، وينتقل من جبهة إلى أخرى بحثا عن أجر أعلى.
فقد أصبح الارتزاق، في بعض صوره، نشاطا مؤسسيا تديره شركات وشبكات تعاقد وتمويل، وتتشابك فيه المصالح العسكرية والاقتصادية والسياسية، حتى باتت الحرب نفسها مجالا للاستثمار، وأصبح استمرارها مصدر دخل لقوى تستفيد من بقائها مشتعلة.وفي هذا التحول، لم تعد المشكلة مقتصرة على معرفة هوية المقاتل أو جنسيته أو الجهة التي تدفع راتبه، بل امتدت إلى أسئلة أكثر تعقيدا.. من يملك القوة المسلحة؟ ومن يصدر أوامر القتال؟ ومن يحصل على عائدات النفط والذهب؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما يرتكب المقاتلون جرائم بحق المدنيين؟ وهل تستطيع الدول الاستعانة بقوى عسكرية خاصة لتحقيق أهدافها، ثم التنصل من أفعالها بحجة أنها لا تخضع لقيادتها المباشرة؟
هذه الأسئلة تشكل محور رسالة ماجستير أعدها الباحث أحمد محمد سعد أحمد في برنامج حقوق الإنسان بكلية العلوم الاجتماعية والإنسانية في معهد الدوحة للدراسات العليا، بعنوان "فاعلية التطبيق الفعلي للقانون الدولي الإنساني على ظاهرة المرتزقة في صورتها المؤسسية في النزاعات المسلحة غير الدولية.. دراسة مقارنة على النزاع في ليبيا (2014–2020) والنزاع في السودان (2019–2025)".
وتختار الرسالة نموذجين مختلفين في طبيعة القوى المسلحة ونشأتها.. مجموعة فاغنر الروسية في ليبيا، وقوات الدعم السريع في السودان. وتبحث من خلالهما كيف يتداخل العمل العسكري مع استغلال الموارد الطبيعية، وكيف تتحول القوة المسلحة إلى مؤسسة ذات مصالح اقتصادية، وما يترتب على ذلك من تحديات أمام القانون الدولي الإنساني وآليات المحاسبة.
وتنطلق الدراسة من فرضية أن القواعد القانونية التي وضعت للتعامل مع المرتزق التقليدي تواجه صعوبات كبيرة أمام التشكيلات العسكرية المعاصرة، خصوصا عندما تختلط صفة المقاتل بالموظف، والشركة بالجيش، والقوة المحلية بالشبكة العابرة للحدود.
والقضية الأكثر إثارة التي تطرحها ليست مجرد انتشار المرتزقة، وإنما إمكان تحول الحرب إلى نشاط اقتصادي يمول نفسه بنفسه، بحيث يصبح استمرار القتال مصلحة لمن يديرونه.
السودان..عندما يصبح الذهب وقودا للحرب
في الحالة السودانية، تضع الرسالة يدها على واحدة من أكثر العلاقات تعقيدا بين الحرب والاقتصاد.. تحول الذهب من مورد وطني يفترض أن يسهم في تمويل الدولة إلى مصدر لتمويل القوى المتحاربة، بما يمنحها القدرة على الاستمرار بعيدا عن الموازنة العامة.
وتعود الدراسة إلى التحولات الاقتصادية التي أعقبت انفصال جنوب السودان عام 2011، وما ترتب عليها من فقدان جزء كبير من الإيرادات النفطية، الأمر الذي دفع إلى التوسع في استخراج الذهب باعتباره مصدرا للعملات الأجنبية.
ومع الوقت، أصبحت السيطرة على مناطق التعدين جزءا من الصراع على السلطة، وتداخلت المصالح العسكرية مع النشاط التجاري وشبكات التصدير والتهريب.
وتشير الرسالة إلى أن قطاع التعدين التقليدي والحرفي مثل نحو 83% من إجمالي إنتاج الذهب السوداني المعلن عام 2024، وهو قطاع يصعب إخضاعه للرقابة المالية الحكومية.
ومع اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023، تصاعد التنافس بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع على مناطق إنتاج الذهب والبنية الاقتصادية المرتبطة به.
وتورد الدراسة أن قوات الدعم السريع تحركت للسيطرة على مناطق تعدين حيوية في دارفور وكردفان، كما استولت، بحسب المصادر التي اعتمدتها، على مصفاة الذهب بالخرطوم في الأشهر الأولى للحرب.
وتقدر كمية الذهب غير المصفى التي كانت في المصفاة بنحو 1.3 طن، بقيمة تصل إلى 150 مليون دولار، وكانت جاهزة للتصدير.
كما تتناول عمليات نهب الأموال والذهب والمقتنيات الثمينة من البنوك والمنازل، ونقلها باتجاه دارفور وعبر الحدود السودانية، باعتبارها جزءا من مصادر تمويل شراء الأسلحة والعمليات اللوجستية.
وتبرز منطقة جبل عامر في هذا السياق بوصفها أحد أهم مراكز إنتاج الذهب، وترى الرسالة أن السيطرة على الموارد المرتبطة بها منحت قوات الدعم السريع قدرة مالية على شراء الأسلحة وتجنيد المقاتلين.
والمفارقة التي تكشفها هذه المعطيات أن الحرب لا تستهلك الموارد فحسب، بل قد تتحول إلى وسيلة للاستيلاء عليها، ثم استخدامها لتمويل مزيد من القتال.
وهكذا يصبح إنهاء الحرب تهديدا للمصالح الاقتصادية التي نشأت في ظلها، بينما يتحول استمرارها إلى فرصة لتوسيع النفوذ والثروة.
موقع غارة جوية استهدفت منطقة للتنقيب عن الذهب بالسودان، تسلط الضوء على تحول مناطق استخراج الذهب إلى ساحات للصراع المسلح، وهي إحدى القضايا الرئيسية التي تتناولها الدراسة
موقع غارة جوية استهدفت منطقة للتنقيب عن الذهب بالسودان، تسلط الضوء على تحول مناطق استخراج الذهب إلى ساحات للصراع المسلح، وهي إحدى القضايا الرئيسية التي تتناولها الدراسة (الفرنسية)
من كولومبيا إلى دارفور.. رحلة المقاتلين عبر قارات وحدود
من أكثر الجوانب إثارة في الرسالة تتبعها شبكات تجنيد المقاتلين الأجانب، وكيف أصبح نقلهم إلى ساحات القتال نشاطا عابرا للقارات، تشارك فيه شركات ووسطاء ومسارات لوجستية متعددة.
وتتناول الدراسة، استنادا إلى تقارير صحفية ووثائق أمريكية، تجنيد مقاتلين كولومبيين للمشاركة في الحرب السودانية.
وتصف مسارات انتقال معقدة تبدأ من خارج أفريقيا، وقد تمر بعواصم أوروبية مثل باريس ومدريد، ثم بمراكز تجميع في بوصاصو بالصومال أو بنغازي في ليبيا، قبل نقل المقاتلين إلى دارفور.
ولا تكمن أهمية هذه المسارات في بعدها الجغرافي وحده، بل في تعدد الأطراف المشاركة فيها.
فالمقاتل قد يجند عبر وسيط، ويتعاقد مع جهة لا تظهر بوصفها طرفا مباشرا في الحرب، وينتقل عبر عدة دول، ثم ينخرط في عمليات عسكرية لمصلحة قوة محلية.
وهنا تطرح الرسالة إشكالية المسؤولية.. هل تقع على المقاتل نفسه، أم الجهة التي جندته، أم الشركة الوسيطة، أم الطرف الذي استخدمه في القتال، أم الدولة التي مولت العملية أو سهلتها؟
وتشير إلى أن هذا التداخل يزيد صعوبة إثبات العلاقة بين الجهة المستفيدة والانتهاكات التي قد يرتكبها المقاتلون.
وتتوقف عند عقبة قانونية إضافية تتمثل في صعوبة تطبيق التعريف التقليدي للمرتزق على هذه الحالات، خصوصا عندما يتطلب الأمر إثبات الدافع الشخصي للمقاتل وتوافر مجموعة من الشروط القانونية مجتمعة.
وبذلك، لم يعد المرتزق مجرد فرد يمكن تتبع مساره من خلال انتمائه العسكري المباشر، بل أصبح جزءا من شبكة تعاقدية قد تتوزع مسؤولياتها بين عدة دول وشركات ووسطاء
ليبيا..من ساحة حرب إلى مركز لتجارة المقاتلين والسلاح
لا تتعامل الرسالة مع ليبيا بوصفها حالة منفصلة عن السودان، بل تظهر كيف امتدت شبكات الحرب عبر الحدود بين البلدين.
فبعد أن كانت ليبيا ساحة رئيسية لنشاط المقاتلين الأجانب والشركات العسكرية الخاصة، أصبحت بعض مناطقها، بحسب الدراسة، مراكز لوجستية لإمداد أطراف الحرب السودانية بالمقاتلين والعتاد.
وتخص الدراسة مدينة الكفرة بدور مهم في هذه الشبكات، باعتبارها نقطة تجميع للقوافل المتجهة نحو السودان.
كما تتناول استخدام ممرات برية ومرافق جوية في شرق ليبيا لنقل الإمدادات والمقاتلين، مستندة إلى تقارير تتحدث عن دور قوات موالية لخليفة حفتر في تأمين بعض هذه المسارات.
وتشير إلى تقارير عن استخدام مطاري بنينا والكفرة في استقبال شحنات مرتبطة بالدعم العسكري لقوات الدعم السريع.
وتخلص إلى أن المثلث الحدودي بين ليبيا والسودان وتشاد تحول إلى فضاء تنشط فيه شبكات التعاقد العسكري والتهريب ونقل الإمدادات.
وفي هذا الفضاء، لا تعود الحدود السياسية عائقا حاسما أمام انتقال المقاتلين والأسلحة والأموال، بل تصبح الممرات الحدودية نفسها مصدرا للنفوذ والمكاسب الاقتصادية.
وتلفت الدراسة إلى استخدام تقنيات الاتصال الحديثة، ومنها منظومات "ستارلينك"، في تنسيق حركة القوافل وتبادل المعلومات في المناطق النائية، بما يزيد قدرة الشبكات المسلحة على العمل بعيدا عن الرقابة الحكومية.
وهنا تبرز صورة مختلفة للحرب.. شبكة إقليمية تتجاوز حدود الدولة، وتجمع بين المقاتل والمهرب والوسيط وشركة النقل وممول العمليات العسكرية.فاغنر..
الشركة التي جمعت بين القتال والمصالح الاقتصادية
تخصص الرسالة جانبا أساسيا لدراسة مجموعة فاغنر الروسية في النزاع الليبي خلال الفترة من 2014 إلى 2020، بوصفها نموذجا للقوة العسكرية التي تعمل في منطقة ملتبسة بين النشاط التجاري والعمليات القتالية والارتباط بمصالح دولة أجنبية.
ففاغنر، كما تقدمها الدراسة، لا تقتصر على توفير خدمات الحراسة أو التدريب أو المشورة العسكرية، وإنما تمثل نموذجا يجمع بين الدعم الفني والمشاركة القتالية والارتباط بمصالح استراتيجية واقتصادية.
وتبحث الرسالة في دور النفط الليبي باعتباره موردا استراتيجيا ارتبط بالصراع على السيطرة والنفوذ، وفي كيفية استخدام الموارد الاقتصادية لدعم استمرار العمليات العسكرية.
وتبرز هنا فكرة "خصخصة الحرب"، التي تعني انتقال وظائف كانت حكرا على الجيوش والمؤسسات الرسمية إلى كيانات تقدم خدماتها بموجب ترتيبات تجارية أو تعاقدية.
لكن هذه الخصخصة لا تعني بالضرورة انسحاب الدول من إدارة الحروب؛ فقد تتيح لها استخدام قوى عسكرية مرتبطة بها دون الظهور بوصفها طرفا مباشرا في كل عملية.
ومن ثم، فإن الشركة العسكرية قد تحقق أهدافا استراتيجية لدولة، بينما يصعب إثبات مسؤولية تلك الدولة عن كل فعل ترتكبه الشركة.
وتعتبر الرسالة أن هذا النموذج يسمح بتداخل المصالح السياسية والاقتصادية والعسكرية، ويمنح الأطراف المستفيدة مساحة أوسع لإنكار الصلة المباشرة ببعض العمليات.
وتشير أيضا إلى الروابط بين فاغنر وقطاع الذهب السوداني، ومنها شركة "ميرو جولد"، وما تنقله مصادرها عن امتيازات تعدين وعلاقات تبادل بين الدعم العسكري والمصالح الاقتصادية.
وهكذا تجمع الدراسة بين النفط في ليبيا والذهب في السودان لتوضيح كيف يمكن للموارد الطبيعية أن تتحول إلى جزء من البنية المالية للشبكات العسكرية.
نصب تذكاري بموسكو لمؤسس مجموعة فاغنر العسكرية الروسية، التي تتناول الدراسة دورها في النزاع الليبي، بوصفها نموذجا لخصخصة الحروب وتداخل النشاط العسكري مع المصالح الاقتصادية.
نصب تذكاري بموسكو لمؤسس مجموعة فاغنر العسكرية الروسية، التي تتناول الدراسة دورها في النزاع الليبي، بوصفها نموذجا لخصخصة الحروب وتداخل النشاط العسكري مع المصالح الاقتصادية. (رويترز)
قوات الدعم السريع..
كيف تتحول قوة أنشأتها الدولة إلى جيش ينازعها السلطة؟
تختلف الحالة السودانية عن نموذج فاغنر في نقطة أساسية تبرزها الرسالة.. فقوات الدعم السريع لم تنشأ شركة عسكرية خاصة، وإنما كانت تشكيلا شبه نظامي مرتبطا بالدولة السودانية، ثم تطورت إلى قوة ذات قيادة مستقلة ومصالح اقتصادية واسعة.
وتتتبع الدراسة تحول هذه القوات إلى ما تصفه بجيش مواز يمتلك مصادر تمويل وشبكات اقتصادية خاصة.
وترى أن هذا التحول يطرح تحديا لمفهوم احتكار الدولة للقوة، إذ يمكن لتشكيل نشأ داخل مؤسساتها أن يكتسب تدريجيا القدرة على العمل خارج سلطتها، ثم يدخل معها في مواجهة عسكرية مباشرة.
وتربط الرسالة بين هذا الاستقلال العسكري والاستقلال المالي؛ فامتلاك موارد اقتصادية وشبكات تمويل يخفف اعتماد القوة المسلحة على ميزانية الدولة، ويمنحها قدرة أكبر على مواصلة القتال.
وتزداد المعضلة عندما ترتبط هذه القوة بشبكات تجنيد وإمداد عابرة للحدود، فتتحول من تشكيل محلي إلى طرف في منظومة إقليمية أوسع.
وتقارن الرسالة هذا النموذج بفاغنر، لتوضح أن الوصول إلى ظاهرة "الارتزاق المؤسسي" قد يتم عبر مسارات مختلفة.. شركة عسكرية تتوسع في الوظائف القتالية، أو قوة شبه نظامية تتوسع في الاستقلال المالي والعسكري.
غير أن هذه المقارنة تظل قائمة على مفهوم تحليلي واسع يستخدمه الباحث، ولا تعني أن الوضع القانوني لقوات الدعم السريع مطابق للوضع القانوني لشركة عسكرية خاصة.
هل يمكن ارتكاب جرائم حربدون أن يتحمل أحد مسؤوليتها؟
هذا هو السؤال القانوني الأشد أهمية في الرسالة.
فالقانون الدولي الإنساني يضع قواعد لحماية المدنيين وتنظيم سلوك أطراف النزاعات المسلحة، لكن تعقيد الهياكل العسكرية والتعاقدية يجعل تحديد المسؤولين عن بعض الانتهاكات وإثبات صلتهم بها أكثر صعوبة.
وتشير الدراسة إلى أن المادة 47 من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 تضع ستة شروط تراكمية لتعريف المرتزق، وهو ما يجعل تطبيقها على كثير من العاملين في الشركات العسكرية الخاصة أمرا معقدا.
فقد يحمل الشخص جنسية معينة، ويعمل بعقد تجاري، ويشارك في مهام أمنية أو تدريبية، ثم ينخرط في القتال، دون أن تتوافر فيه بالضرورة جميع الشروط القانونية لتعريف المرتزق.
لكن الرسالة لا تقف عند تعريف المقاتل، بل تنتقل إلى إشكالية إسناد المسؤولية عن أفعاله إلى الدولة التي تموله أو توجهه.
وتتناول معيار "السيطرة الفعلية" الذي استقر عليه قضاء محكمة العدل الدولية، وما يفرضه من صعوبات في إثبات مسؤولية الدولة عن أفعال جماعات أو تشكيلات لا تنتمي رسميا إلى قواتها المسلحة.
وتقارن ذلك بمعيار "السيطرة العامة" الأكثر مرونة، الذي ظهر في اجتهاد المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة.
وترى أن اختلاف المعايير، إلى جانب سرية العقود وتعدد الوسطاء وتشابك الهياكل العسكرية، يخلق صعوبات أمام المحاسبة.
وتبرز مشكلة أخرى تتعلق باختصاص المحكمة الجنائية الدولية، الذي ينصب على المسؤولية الجنائية للأشخاص الطبيعيين، ولا يمتد في نظام روما الأساسي إلى محاكمة الشركات بوصفها أشخاصا اعتبارية.
ولهذا تقترح الرسالة توسيع إطار المساءلة ليشمل الكيانات الاعتبارية، مع تعزيز الرقابة على الشركات العسكرية وأنشطتها.
ومع ذلك، فإن عدم ثبوت صفة المرتزق على شخص أو عدم إمكان محاكمة شركة أمام المحكمة الجنائية الدولية لا يعني إعفاء الأفراد من المسؤولية عن جرائم الحرب، ولا خروج نشاطهم من نطاق القانون الدولي الإنساني. فالمعضلة التي تسلط عليها الدراسة الضوء تتعلق أساسا بحدود بعض أدوات المساءلة وصعوبات تطبيقها.
مقاتلون منشقون عن قوات الدعم السريع يُعتقد أنهم يستسلمون للجيش السوداني غربي أم درمان. وتتناول الدراسة تحول قوات الدعم السريع إلى قوة عسكرية موازية ذات مصادر تمويل مستقلة (أسوشيتد برس)
المدنيون..الضحايا الذين تضيع حقوقهم بين الشركات والدول
تربط الرسالة هذه التعقيدات القانونية بمصير المدنيين في مناطق النزاع.
فحين يرتكب أفراد مرتبطون بشركات أو شبكات عسكرية انتهاكات، قد يجد الضحايا أنفسهم أمام سلسلة طويلة من الجهات المحتملة للمسؤولية، دون أن تكون هناك جهة يسهل الوصول إليها للحصول على الإنصاف وجبر الضرر.
وتشير الدراسة إلى أن الشركات العسكرية قد تعمل في دول ضعيفة المؤسسات القضائية، أو في مناطق تنهار فيها أجهزة إنفاذ القانون، بينما توجد الجهات الممولة أو المتعاقدة معها خارج الحدود.
وقد تتوزع المسؤوليات بين القائد الميداني والشركة المتعاقدة والدولة الداعمة والجهة المحلية المستفيدة.
وفي الحالة السودانية، تتناول الرسالة ضعف مؤسسات القضاء في ظل الحرب، والقيود التي تواجه آليات تقصي الحقائق والمساءلة الدولية.
أما في ليبيا، فتركز على صعوبة إثبات العلاقة القانونية بين بعض الشركات العسكرية والجهات الخارجية المرتبطة بها.
وبذلك يصبح أحد أخطر آثار خصخصة الحرب، وفق الدراسة، اتساع المسافة بين وقوع الانتهاك والوصول إلى المسؤول عنه.
من يربح من استمرار الحرب؟
تتجاوز الرسالة السؤال التقليدي عن أسباب اندلاع النزاعات إلى سؤال يتعلق بأسباب استمرارها.
فالحروب التي ترتبط باقتصاد مستقل للفاعلين المسلحين قد تنشئ مصالح جديدة لا تتوافق بالضرورة مع إنهائها.
وفي هذا السياق، لا يكون الذهب أو النفط مجرد مورد يستخدم أثناء القتال، بل قد يصبح جزءا من الدافع إلى السيطرة على الأرض واستمرار الصراع.
وتوضح الدراسة أن الشبكات العسكرية ذات المصالح التجارية تستطيع تطوير مصادر تمويل تسمح لها بالاستمرار حتى عندما تتراجع موارد الدولة أو تنهار مؤسساتها.
وهذا يغير طبيعة العلاقة بين القوة المسلحة والسلطة السياسية.
فبدلا من أن تكون القوة العسكرية أداة تستخدمها الدولة لتحقيق أهداف محددة، قد تتحول إلى كيان يمتلك موارده الخاصة، ويفرض أولوياته، ويعيد تشكيل التوازنات السياسية والاقتصادية لمصلحته.
ومن هنا، فإن مواجهة الظاهرة لا تقتصر، في تصور الباحث، على تجريم تجنيد المرتزقة أو محاسبة المقاتلين الأفراد، وإنما تتطلب أيضا التعامل مع مصادر التمويل وشبكات التجارة والتهريب والعقود العسكرية.
قوات الدعم السريع تتهم بارتكاب فظائع في كردفان والفاشر (أسوشيتد برس)
مواجهة "الحروب المخصخصة"
تنتهي الرسالة إلى الدعوة لتطوير إطار دولي أكثر قدرة على تنظيم الشركات العسكرية والأمنية الخاصة ومساءلتها.
وتقترح الانتقال من التركيز الضيق على الدافع الشخصي للمرتزق إلى النظر في طبيعة الوظائف العسكرية التي تؤديها الكيانات المنظمة، وعلاقاتها التعاقدية ومصادر تمويلها وسلاسل قيادتها.
كما تدعو إلى تطوير قواعد المساءلة، بما في ذلك تعديل نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية ليتضمن المسؤولية الجنائية للكيانات الاعتبارية.
وتقترح إنشاء هيئة دولية مختصة بمراقبة الشركات العسكرية والأمنية الخاصة، وضمان شفافية عقودها، وتعزيز امتثالها للقانون الدولي الإنساني.
وترى أن مواجهة الظاهرة تتطلب كذلك التعامل مع اقتصاد الحرب، وخصوصا استغلال الموارد الطبيعية وشبكات التمويل التي تسمح للقوى المسلحة بمواصلة عملياتها بعيدا عن الرقابة الحكومية.
فالمشكلة، وفق ما تنتهي إليه الرسالة، لا تكمن فقط في وجود مقاتلين مأجورين، وإنما في نشوء بنية اقتصادية وعسكرية تجعل العنف خدمة قابلة للبيع والشراء، وتتيح للقوى المتحاربة الاستمرار عبر موارد مستقلة وشبكات عابرة للحدود.
عندما تصبح الحرب مشروعا تجاريا
تكشف المقارنة بين ليبيا والسودان عن تحول أوسع في طبيعة بعض النزاعات المسلحة المعاصرة.
ففي ليبيا، تقدم الرسالة نموذجا لشركة عسكرية مرتبطة بمصالح استراتيجية واقتصادية خارجية، بينما تقدم في السودان نموذجا لقوة شبه نظامية تطورت إلى تشكيل مسلح مستقل يمتلك موارد مالية وشبكات إمداد خاصة.
ورغم اختلاف النموذجين، فإنهما يلتقيان، في تحليل الباحث، عند العلاقة بين السلاح والمال والسلطة، وعند الصعوبات التي تواجه إخضاع القوى المسلحة للمساءلة القانونية.
والنتيجة الأبرز التي تطرحها الرسالة أن خصخصة الحرب لا تعني فقط دخول شركات إلى ميادين القتال، بل تعني أيضا إمكان تحول العنف المنظم إلى نشاط اقتصادي يدر الأرباح، ويخلق مصالح في استمراره، ويضعف قدرة الدولة على احتكار استخدام القوة.
وهنا تكمن المفارقة الأكثر إثارة.. فبينما يدفع المدنيون ثمن الحرب من حياتهم وأمنهم وممتلكاتهم، قد تصبح الحرب نفسها مصدرا للثروة والنفوذ بالنسبة إلى القوى التي تخوضها أو تمولها. وعندما يحدث ذلك، لا يعود السؤال مقتصرا على كيفية وقف إطلاق النار، بل يمتد إلى كيفية تفكيك الاقتصاد الذي يجعل استمرار إطلاق النار عملا مربحا.
اجمالي القراءات
32