إيران "الفارسية" في مواجهة "ولاية الفقيه": لماذا يحرض المهجر الإيراني على الحرب؟
الهوية الإيرانية من أكثر الهويات تعقيدا وتركيبا في العالم، إذ إنها نتاج تفاعل طويل ومستمر بين الحضارات القديمة والهويات القومية والانتماء الديني والحداثة".
بينما تتعرض إيران لقصف أمريكي إسرائيلي متواصل لا يهدد النظام وحده ولكنه ينسف مرافق الدولة الإيرانية ويقوض ثروات شعبها، يقف رضا بهلوي، نجل آخر شاه إيراني، مؤيدا وداعمًا لاستمرار الحرب على بلاده مع فريق من مؤيديه، والعديد من الجماعات الإيرانية المعارضة في الخارج، داعين للإطاحة بالنظام الإسلامي الإيراني ولو حدث ذلك عبر القنابل الإسرائيلية والصواريخ المنطلقة من البوارج الأمريكية المحتشدة في المياه حول إيران.
يقودنا ذلك إلى التساؤل حول الأفكار المرجعية لذلك المهجر الإيراني الذي تحرض قطاعات منه على الحرب، وما يخبرنا به ذلك حول إيران نفسها. فبعيدا عن عمائم رجال الدين وخطاب المقاومة ضد الاستكبار والمشاريع النووية والصاروخية التي باتت حديث العالم، هناك إيران أخرى تحت السطح شديدة التنوع والتناقض؛ لدرجة أن الدولة التي تحمل لواء المذهب الشيعي وتصدير الثورة هي نفسها معقل غلاة الفرس المعادين لكل ما يمت بصلة للعروبة والإسلام، والمؤيدين للغرب في تناقض هوياتي صارخ.
فبينما تخوض طهران حربا مصيرية ويحتشد الإيرانيون في شوارع طهران تنديدا بالعدوان، يشارك إيرانيون آخرون بحماس في مسيرات مؤيدة للعدوان في الدول الأوروبية أو الولايات المتحدة رافعين الأعلام الإيرانية القديمة التي تخص مرحلة العهد الملكي البهلوي جنبا إلى جنب مع أعلام إسرائيل. بل إن بعضهم بلغت به الخصومة حد الدفاع عن جرائم الآلة العسكرية الإسرائيلية التي تمارس الإبادة الجماعية في غزة نكاية في النظام الحاكم في البلاد، واستجداء للدعم من إسرائيل.
يتعاضد هؤلاء المعارضون الإيرانيون مع إسرائيل ليس فقط وفق مبدأ "عدو العدو صديق" بل يتطلعون لأيام كانت فيها بلادهم الدولة الوحيدة في المنطقة التي يلقى فيها الإسرائيليون الترحاب. هم ممثلون لنخبة "فارسية" الهوية تتطلع للوثوب إلى السلطة مجددا وإنتاج إيران أخرى أكثر وفاء لماضيها قبل ما يرونه "غزوا عربيا إسلاميا". هؤلاء يجمعهم مع بقية الإيرانيين وطن واحد وتتنازعهم انتماءات وهويات مختلفة تتصارع أحيانا وتتقارب حد الانصهار في أحيان أخرى.
فالهوية الإيرانية من أكثر الهويات تعقيدًا وتركيبًا في العالم، إذ إنها نتاج تفاعل طويل ومستمر بين الحضارات القديمة والهويات القومية والانتماء الديني والحداثة. وبينما يعد دخول الإسلام أهم حدث في التاريخ الإيراني، فإنه لم يشكل قطيعة تامة مع الماضي، بل أضاف طبقة من طبقات الهوية المتراكمة التي شكلت روافد تفاعلت فيما بينها لتنتج مزيجًا فريدًا عصيًا على التبسيط والاختزال، مما يجعل فهم المجتمع الإيراني اليوم مرهونا بالإدراك العميق لهذا التفاعل التاريخي المعقد.
الهوية الفارسية في إيران
يشكل الانتماء الفارسي ركنًا ركينًا في الهوية الإيرانية، فأكبر وأهم الأعياد التي يتم الاحتفال بها في البلاد على الإطلاق هو عيد رأس السنة الشمسية "النيروز"، الذي يدشن بداية العام الإيراني يوم 21 مارس/آذار في التقويم الميلادي. تتواصل احتفالات "النيروز" أسبوعين تقريبا، وقبله يحتفل الإيرانيون أيضا بيوم الأربعاء الأحمر في ليلة الأربعاء الأخيرة من العام الشمسي، وفي 21 ديسمبر/كانون الأول يحتفلون بـ"ليلة يلدا" ويسمونها ليلة ولادة الشمس، حيث تجلس العائلات حتى الفجر في انتظار انتصار الشمس في صراع النور والظلام وفقا للأساطير الفارسية.
تمتلئ تلك المناسبات بالتقاليد الزرادشتية (التي عُرفت بين العرب بالمجوسية) كالقفز فوق النار وغيرها. وما يزال هناك آلاف الزرادشتيين حتى اليوم في إيران خاصة في مدينتي يزد وكرمان يحتفلون بهذه المناسبات مع الناس إلى جانب أعياد أخرى خاصة بهم مثل كنبهار الذي يُحتفل به ست مرات على مدار العام (مع نهاية كل فصل وفي بداية العام ونهايته) ويعد جزءا من الذاكرة الحضارية الإيرانية قبل الإسلام.
ورغم دخول الإيرانيين في الإسلام، فإنهم ظلوا يتحدثون اللغة الفارسية التي تطورت وتأثرت بالعربية بشدة، وازدهر الأدب الفارسي في العصور الإسلامية، ويعد النص الأبرز في الأدب الفارسي هو "الشاهنامة" الملحمة الشعرية لأبي القاسم الفردوسي (940 – 1025) التي وصفها الأديب الإيراني المعروف بملك الشعراء، محمد تقي بهار (1884 – 1951)، بأنها "قرآن العجم" لدورها في حفظ اللغة والثقافة الفارسية العتيقة، وتتكون من 60 ألف بيت يمتزج فيها التاريخ بالأساطير منذ بدء الخليقة.
انتشرت الشاهنامة بين الإيرانيين بشكل كبير خاصة في دولة القاجار (1779-1925) حيث عمل القوميون الإيرانيون آنذاك على إحياء الوجدان الفارسي في فترة ما قبل الإسلام، ورعوا نشر نصوص الشاهنامة بين رعاياهم حتى كان السكان الريفيون في المناطق النائية يستطيعون سرد المقاطع الشعرية الطويلة ولو بشكل غير دقيق، وسمى القاجار أبناءهم على أسماء أبطال الملحمة، واتخذوا راية جديدة أعلنوا أنها تمثل "الحد الفاصل بين الخير والشر منذ أيام زرادشت" تظهر بها الشمس مع أسد يحمل سيف الإمام علي، رغم معارضة رجال الدين لهذا المزج بين عناصر إسلامية ومكونات زرادشتية.
مجسم-يمثل-مشهدا-من-أساطير-الشاهنامة-في-مقبرة-الشاعر-الفردوسي-(الجزيرة)
مجسم يمثل مشهدا من أساطير الشاهنامة في مدينة مشهد (الجزيرة)
لعب الشاه رضا خان (1925 – 1941) لاحقا دورا محوريا في صياغة الهوية الفارسية للدولة الإيرانية الحديثة. ففي عهده، شنت الدولة حملة مؤسسية هدفها تمجيد إيران القديمة و"تطهير" اللغة من الكلمات العربية، وأعيدت تسمية الكثير من المناطق ضمن سياسة "التفريس"، فتغير اسم عربستان إلى خوزستان، وسلطان آباد إلى أراك. كما جرى فرض استخدام الفارسية في اللافتات، ونشأت محاولات لاستبدال الحروف العربية لكنها لم تكتمل.
أكثر من ذلك اتخذ الشاه رضا اللقب العائلي "بهلوي"، على اسم اللغة القديمة التي تطورت إلى الفارسية الحديثة، وأجبر العائلة التي تحمل هذا الاسم على التخلي عنه، وفرض التجنيد الإجباري الذي انتزع الشباب من بيئاتهم التقليدية وغمرهم في النطاق الوطني الفارسي، وفرض عليهم تعلم الفارسية وأجبرهم على التحدث بها. وفي عهد ابنه الشاه محمد بهلوي (1941 – 1979)، الذي منح نفسه لقب ملك الملوك (شاهنشاه)، بلغت تلك الروح الفارسية ذروتها وتوج ذلك بالاحتفال الأسطوري الباذخ بالذكرى الـ 2500 لتأسيس الإمبراطورية الفارسية في برسبوليس عام 1971 بحضور ملوك وزعماء العالم.
"اقترن إحياء الروح الفارسية القديمة بالتأثيرات الغربية في نسخة محدثة من الهوية تسعى لاستحضار عظمة الماضي دون سوءاته".
اقترن إحياء الروح الفارسية القديمة بالتأثيرات الغربية في نسخة محدثة من الهوية تسعى لاستحضار عظمة الماضي دون سوءاته. ففي عام 1934، تم تغيير اسم بلاد فارس إلى إيران (ويعني أرض الآريين)، حيث ارتبط الاسم الأول بفترات تراجع حضاري، بينما استحضر الاسم الجديد عظمة إرث الآريين من أسلاف الإيرانيين القدماء الذين ينتسب إليهم الفرس.
تأثر هذا التوجيه جزئيا بالعلاقات المحسنة بين نظام شاه إيران وألمانيا في زمن هتلر والتي عززتها البروباغندا حول وجود "مشترك عرقي" بين البلدين. بالقطع لم تحضر فكرة التفوق العرقي في إيران كما حضرت عند النازيين، لكن ذلك لم يمنع من التأثر ببعض الأفكار العنصرية مثل تلك التي ظهرت في كتابات المفكر الفرنسي جوزيف آرثر دي غوبينو (1816-1882) الذي عُرف بكونه الأب الروحي لنظريات "العنصرية العلمية" وتفوق العرق الآري، وادعى أن الإيرانيين أقرب ثقافيا ونفسيا لشعوب شمال أوروبا وليس للشعوب المجاورة لهم.
رأى القوميون الفرس في هذا النسب الآري سبيلا لإثبات صلة قرابة مع مضطهديهم الأوروبيين، الذين أصبحوا -في تحول نفسي مذهل- أبناء عمومتهم، ونظروا إلى أنفسهم كأمة أوروبية الأصل تعيش في الحي الخطأ بجوار العرب، وقد عبّر الشاه الأخير، محمد رضا بهلوي، عن هذا الأمر أوضح تعبير حين وصف موقع إيران في المنطقة بأنه "محض صدفة جغرافية".
نظرية أم القرى
بجانب الهوية الفارسية، يعد المذهب الشيعي الاثنا عشري (نسبة إلى اثني عشر إمامًا من آل البيت) المكون الثاني الأبرز في هوية إيران الحديثة باعتبارها أكبر مركز لمعتنقي المذهب في العالم. ظل المذهب السني سائدا في إيران حتى بداية القرن السادس عشر الميلادي حين ظهرت "الدولة الصفوية"، وقتها قرّر الشاه إسماعيل الأول (1487-1524)، مؤسس الدولة، تبني التشيع مذهبا لها لتمييزها عن الدول المجاورة.
فُرض المذهب الاثنا عشري على الأغلبية السنية بالقوة، ونُفّذ التحول بطريقة سريعة جدا قادت إلى مجازر راح ضحيتها الآلاف من السكان خاصة في المدن الكبرى مثل تبريز كما جرى هدم المساجد السنية والكثير من المزارات الصوفية، واستقدم الصفويون علماء الشيعة من سوريا والعراق وجبل عامل في لبنان لوضع الأساس الفكري للمذهب في إيران. وقد لعب الفقيه العاملي (نسبة إلى جبل عامل) علي الكركي (1465-1534 تقريبا) دورا محوريا في تأسيس أول مدرسة شيعية في الدولة الصفوية، وهي المدرسة التي حولت التشيع الصوفي إلى التشيع الفقهي المؤسسي المتوافق مع تحول المذهب إلى دولة.
إسماعيل الصفوي (غيتي)
إسماعيل الصفوي (غيتي)
عمل الصفويون بشكل منظم على توظيف المناسبات الدينية، خاصة يوم عاشوراء، لتمتين الرابطة بينهم وبين رعاياهم في مواجهة العالم السني المحيط بهم من الشرق والغرب، فابتدعوا طقوس تجسيد استشهاد الإمام الحسين، حيث تبدأ هذه "المسرحيات" في الأول من المحرم بوصول الإمام الحسين إلى سهول كربلاء ورفع علم الثورة الأسود ضد الخليفة الأموي يزيد بن معاوية، وتنتهي يوم العاشر من المحرم. حافظت الدولة القاجارية على هذا التقليد، وحرص ملوكها على حضور هذه المناسبات، وظلت أعداد الأضرحة المقدسة في ازدياد حتى بلغت الآلاف، وارتبطت بها أوقاف كثيرة للإنفاق عليها.
كما تأسست الحوزة العلمية بشكلها الحديث في مدينة قم على يد الشيخ عبد الكريم الحائري عام 1923. ورغم علمانية الشاه رضا بهلوي الذي حظر الحجاب على السيدات واستولى على ممتلكات الأوقاف، اكتسبت المؤسسة الدينية في عهده مكانة كبيرة، وتطورت وتكرست الألقاب العلمائية كعرف اجتماعي لتصنيف مراتب العلماء في الحوزات العلمية مثل "آية الله" و"حجة الإسلام". وفي عهد نجله الشاه محمد رضا، استمر نفوذ المؤسسة الدينية بل إنه تصاعد أكثر وأكثر.
ومع اندلاع ثورة 1979، التي شاركت فيها مختلف الطوائف، كان رجال الدين الأكثر حضورا وتأثيرا مما مكنهم من تولي السلطة بزعامة روح الله الخميني (1902-1989) الذي أسس نمطا فريدا من الحكم الديني تحت مبدأ "ولاية الفقيه"، وتمتع بصلاحيات واسعة بصفته نائبا عن الإمام المنتظر.
"تتصور نظرية أم القرى إيران قائدة للعالم الإسلامي بأسره، ومدينة قم أم قرى هذا العالم الممتد بين إندونيسيا وموريتانيا، والولي الفقيه ولي أمر المسلمين في أنحاء العالم".
اشتهر الخميني بطريقة معيشته المتقشفة التي تشبه حياة المتصوفة في عصور الإسلام الأولى، الأمر الذي أدى إلى افتتان الناس به، وكان رفضه لحياة البذخ والإسراف وانتقاداته للتقاليد الملكية موضع إشادة واحترام من الجماهير التي رأت فيه معبرًا عن قيمها الروحية. ومع اجتماع القيادتين الروحية والسياسية في الولي الفقيه، أصبح التشيع أكثر "راديكالية"، وساد شعار "كل يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء"، وأعيد تفسير هدف رحلة الحسين إلى كربلاء، فلم يعد يُنظر إليه على أنه ذهب لقدره المحتوم راضيًا كما كان يُعتقد، بل لأنه اعتقد أن الظرف الموضوعي يمده بفرصة لتنفيذ ثورة ناجحة.
سرعان ما جرت ترجمة هذه التحولات إلى نظريات سياسية تجاوزت حدود إيران نفسها، أبرزها نظرية "أم القرى" التي طورها محمد جواد لاريجاني، وهي نظرية تعتبر إيران قائدة للعالم الإسلامي بأسره. وتتصور النظرية مدينة قم الإيرانية بوصفها "أم قرى" العالم الإسلامي الممتد بين إندونيسيا وموريتانيا، وأن إيران هي دولة المقر للعالم الإسلامي بأسره، وأن الولي الفقيه في إيران هو ولي أمر المسلمين في أنحاء العالم.
امتزاج الهويتين الفارسية والشيعية
لم تكن الهوية الدينية الشيعية لإيران انقلابا على ماضيها الإمبراطوري الفارسي حيث نجحت طهران في التوفيق بين الهويتين، وتم الالتفاف على التناقضات البنيوية بينهما، ولم يعد ممكنا فهم إحداهما بمعزل عن الأخرى . تذكر بعض المصادر الشيعية أن شهربانو ابنة يزدجرد، آخر أكاسرة الفرس، الملقبة بـ"شاه زنان" أي: سيدة النساء، سُبيت بعد الفتح الإسلامي لبلاد فارس، وأُعتقت واختارت الحسين رضي الله عنه ليكون زوجا لها فتزوّجها وأنجبت له زين العابدين.
"كان زين العابدين بحسب القصة غير المثبتة هو من امتزجت فيه دماء آل البيت والدم الملكي الفارسي، وأصبح ومن يليه من الأئمة، حائزين على هذه الشرعية المزدوجة".
ورغم أن هذه القصة لم تثبت تاريخيًا، ودخلت كتب الشيعة في وقت متأخر بحسب عدد من المحققين الإيرانيين مثل المؤرخ المعاصر رسول جعفريان، والفقيه الشيعي مرتضى المطهري ( مايو/أيار 1919 – مايو/أيار 1979)، والمفكر علي شريعتي ( نوفمبر/تشرين الثاني 1933 – يونيو/حزيران 1977)، إلا أنها حازت شهرة وقبولا كبيرين لأثرها في إيجاد تواصل رمزي بين تقدير آل البيت والوجدان الفارسي قبل الإسلام، فكان زين العابدين بحسب هذه القصة هو من امتزجت فيه دماء آل البيت والدم الملكي الفارسي، وأصبح ومن يليه من الأئمة، حائزين على هذه الشرعية المزدوجة.
لا تُقرأ كربلاء كذلك في الوعي الإيراني كحدث ديني بحت، بل كملحمة إنسانية تشبه ملاحم الشاهنامة، وكأن صوت البطولة القديمة يتجسد في صورة جديدة. وفي هذا السياق، يتردد المعنى العميق الذي عبّر عنه الشعر الفارسي بالعبارة الشهيرة: "الدم ينتصر على السيف"، وهو معنى يجمع بين روح الشهادة في التشيّع، وروح الشرف والبطولة في التراث الفارسي القديم.
" يشير عدد من الباحثين في تاريخ إيران إلى أوجه تشابه بين صورة الإمام الحسين في الوجدان الشيعي وصورة البطل الأسطوري الفارسي "سياوش" الذي قُتل ظُلما".
وتتداخل الذاكرة الدينية مع الذاكرة القومية حيث يشير عدد من الباحثين في تاريخ إيران إلى أوجه تشابه بين صورة الإمام الحسين في الوجدان الشيعي وصورة البطل الأسطوري الفارسي "سياوش" الذي قُتل ظُلما، كما يقارنون بين طقوس الحداد القديمة على سياوش -بما فيها حمل تابوت رمزي في مواكب جماعية مع بكاء ونحيب – وطقوس العزاء الشيعية اللاحقة على الحسين رضي الله عنه، ويرون احتمال تأثر الأخيرة بأنماط الحداد ما قبل الإسلامية في إيران. كما ارتبط الاحتفال بعيد النيروز بطقوس دينية وفقًا لبعض الروايات المستحدثة التي تحدثت عن ثواب الاغتسال والتطيب في هذا اليوم وفضل التعبد فيه، وصارت المراقد المقدسة في المذهب الشيعي هي الأماكن المفضلة لاحتفال الملايين بهذا العيد.
على أن هذا الامتزاج بين الدين والقومية ليس تاما وحاسما، بل هو أقرب إلى تفاعل مستمر. فعند تأسيس "الجمهورية الإسلامية" اعتُبر ذلك قطيعة مع الماضي البغيض، وأعلن القادة الجدد للجمهورية الإسلامية تبنيهم هوية دينية جامعة لا تتعصب لعرق معين، وتم إرجاع المكانة السامية الاستثنائية لإيران لا لماضيها الأسطوري بل لكونها تحمل راية مشروع إسلامي كوني.
غلاف لنسخة مترجمة للعربية من كتاب الإسلام وإيران (مواقع التواصل)
غلاف لنسخة مترجمة للعربية من كتاب الإسلام وإيران (مواقع التواصل)
ظهر ذلك مثلا في كتاب "الإسلام وإيران"، الذي جادل خلاله مرتضى المطهري، أحد أبرز قادة الثورة الإسلامية، بأن القومية نوع من الوحشية، وأن دعوى النقاء العرقي باتت خرافة في القرن العشرين. كما قيل إن الخميني أراد حظر الاحتفال بالنيروز عقب نجاح الثورة، لكنه عدل عن ذلك سريعا.
وحتى الشاهنامة نفسها، التي يعني اسمها "كتاب الملوك"، نالت حظها من إعادة التفسير. فبعد أن كان يُنظر لها تقليديا كمصدر للشرعية الملكية وسجل الإنجازات الملحمية للأسر الحاكمة الفارسية، ودليل على أن هوية إيران لا تنفصل عن الملكية، جادل كثيرون بعد ثورة 1979 بأنها لم تكتب لامتداح الشاهات بل العكس، فالأبطال يأتون من خارج دوائر العائلة المالكة، كما صُوّر معظم الملوك فيها كفاسدين وطغاة. وبذلك، تم تفسير الملحمة بوصفها تحريضا على الثورة بالنظر إلى أن بطل الملحمة الرئيسي كان كاوه الحداد الذي رفع راية الثورة ضد الشاه الطاغية.
وقد روج الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد لما عُرف بـ"الإسلام الإيراني"، أي فهم جديد للدين من منطلق إيراني، متأثرا برجل الدين حسن يعقوبي الذي اعتبر أن الملك الفارسي قورش هو ذو القرنين المذكور في القرآن الكريم. وخلال فترة حكمه، استعار نجاد "أسطوانة قورش" من المتحف البريطاني لعرضها في المتحف الإيراني سبعة أشهر، وهي قطعة أثرية يُقال إنها تحتوي أول إعلان لحقوق الإنسان.
صراع الهويات
مع تعدد روافد الثقافة الإيرانية تتراكم طبقات الهوية فوق بعضها بشكل غير منتظم لترسم ملامح مجتمع مختلف المشارب والتوجهات. ويمكن النظر إلى هذه الهويات كدوائر متداخلة بينها تقاطعات كبيرة. فالزرادشتيون يقفون داخل دائرة الهوية الفارسية التي يشاركهم فيها المسلمون الشيعة الذين يؤدون طقوسا إسلامية في يوم النيروز، ويقف بعضهم في مساحة التقاطع بين الدائرة الإسلامية والفارسية، وهكذا تتعدد التفسيرات للهوية الإيرانية بين النخب والعامة سواء بسواء.
فهناك تيار فكري فارسي مناوئ للتأثير الثقافي العربي ينقسم إلى عدة فئات أكثرها غلوا الفئة المعادية للإسلام بوضوح، ويعد الشتات الإيراني في الولايات المتحدة مركزا رئيسيا لهذا التيار اليوم، خاصة لوس أنجلوس، موطن أكبر تجمع للإيرانيين خارج الوطن الأم؛ حيث تعيش جالية إيرانية كبيرة تنتشر بينهم المشاعر المعادية للنظام الديني في بلادهم، وينظمون فعاليات للمطالبة بإنهاء حكم الولي الفقيه.
جانب من مسيرة احتجاجية ضد النظام الإيراني في لوس أنجلوس- 7 مارس (رويترز)
داخل هذه الجالية، هناك نقاش مستمر حول درجة الانخراط في الحضارة العربية الإسلامية، ويشتهر في هذا الصدد كتاب "قرنان من الصمت" لعبد الحسين زرين كوب، الأستاذ في جامعة طهران، الذي اتهم العرب بإخماد الثقافة الفارسية عمدا، وزعم أن أول قرنين بعد الفتح الإسلامي كانا "فترة صمت ثقافي" في إيران.
في المقابل، تصدى لهذه الأفكار المؤرخ الإيراني المتخصص في علم التحريف التاريخي ناصر بوربيرار في كتابه "اثنا عشر قرنا من الصمت"، وهو دراسة نقدية خلصت إلى أن ما يُقدَّم للإيرانيين من ماضٍ مجيد مبهر قبل الإسلام هو أساطير اخترعها قوميون متعصبون، خاصة في العهد البهلوي.
"كتاب بوربيرار أحدث هزة في الأوساط الثقافية الإيرانية، وتمثل أفكاره اليوم ذخيرة فكرية مؤثرة في سجالات الهوية ضد القوميين الفرس".
يعتبر بوربيرار أن الاثني عشر قرنا التي سبقت دخول الإسلام هي قرون الصمت الثقافي بحق، لأن الإمبراطوريات الثلاث الأخمينية والفرثية والساسانية كانت تحارب من يمارس القراءة والكتابة والشعر، وأن العرب أنقذوا الفرس من فساد النظام الساساني وأطلقوا طاقاتهم المكبوتة ليعبروا عن أنفسهم، بدليل أن الشاهنامه التي تُعد أهم عمل أدبي فارسي كُتبت في العصر الإسلامي. وقد أحدث الكتاب هزة في الأوساط الثقافية الإيرانية، وتمثل أفكاره اليوم ذخيرة فكرية مؤثرة في سجالات الهوية ضد القوميين الفرس.
وفي ظل حكم الفقهاء اليوم، يرفض قطاع من الإيرانيين الهوية الدينية تماما ويرى أن إيران ترزح تحت حكم العرب على اعتبار أنها منذ عام 1979 يحكمها مرشد أعلى يعتمر العمامة السوداء التي تدل على انتسابه لآل البيت -العرب-، وينظر هؤلاء إلى العرب بازدراء باعتبارهم غزاة غير متحضرين قضوا على الحضارة الفارسية العظيمة كما تقول الشاهنامه.
الرئيس الأسبق حسن روحاني كان اسمه الأصلي هو حسن فريدون (الأوروبية)
وقد سادت هذه الروح في العصر الحديث في عهد الشاه رضا خان كما سبق أن أشرنا. ولكن مع الثورة الإسلامية عام 1979، عادت التسميات الدينية للانتشار مرة أخرى، وغير البعض أسماءهم مع ارتفاع الوعي الديني. فالرئيس الأسبق حسن روحاني على سبيل المثال كان اسمه الأصلي هو حسن فريدون، لكنه خلال نشاطه السياسي للتحضير للثورة الإسلامية، غيّر لقبه إلى "روحاني"، وهي كلمة عربية ذات حمولة دينية بديلة لكلمة "فريدون" الفارسية القديمة المذكورة في الأساطير الزرادشتية.
اليوم، يزداد انتشار الأسماء الفارسية لدى الشرائح الاجتماعية غير المتدينة، كتعبير عن اتجاه ثقافي لتأكيد الهوية القومية والاعتزاز باللغة بدلا من الأسماء العربية، كما أن هناك اتجاها قويا لاختيار أسماء فارسية حديثة ذات رنين غربي مثل أرمان ونيلوفر، في ظل تزايد حضور الحداثة والإعجاب بالغرب بين الشباب الذين يسعون إلى دمج التأثيرات العالمية مع تراثهم الثقافي خاصة في المناطق الحضرية. ويلعب تزايد الاهتمام بالهجرة إلى أوروبا دورا في الشعور بالاغتراب عن الجوار العربي، بالتزامن مع انتشار جراحات التجميل لتصغير الأنف الفارسي سعيا للتشابه مع الأوروبيين. وبسبب كثافة إجراء هذه العمليات الجراحية، أصبحت طهران عاصمة تجميل الأنف على مستوى العالم.
شعب أم شعوب؟
تتسم إيران بكونها دولة ذات ماض إمبراطوري وهو ما ينعكس عليها حتى اليوم، حيث إنها دولة مركزية تحكم جماعات وأقاليم مختلفة ثقافيا ولغويا تحت إطار حضاري واحد، وينعكس ذلك بشكل واضح على هوياتها المتعددة. فالهوية الفارسية مثلا لا تحظى بالقبول من جانب العديد من الشعوب الأخرى كالأذريين في شمال غرب البلاد، والكرد في الغرب، والعرب في الجنوب الغربي، والبلوش في الجنوب الشرقي، والتركمان في الشمال الشرقي. فلكل من هذه القوميات لغتها وثقافتها الخاصة وامتداداتها عبر الحدود مع أقوامهم العرقية في دول الجوار.
تختلف هذه الشعوب في الانتماء العرقي واللغة والثقافة والمذهب الديني ونمط الحياة والعادات الاجتماعية. فالقبائل العربية في الأحواز تتشابه عاداتهم مع جيرانهم في جنوب العراق، ولا يكترثون كثيرا بالاحتفالات الفارسية. وحتى الأعياد مثل عيد الفطر، يميل بعضهم للاحتفال بها بالتزامن مع الرؤية الشرعية للدول العربية المجاورة في الخليج وليس مع طهران، ويرتدون الأزياء العربية كنوع من الاعتزاز بعروبتهم ورفض سياسات التفريس.
تركمان إيرانيون بملابس تقليدية (إيرنا)
لكن العديد من القوميات الأخرى تعد أكثر امتزاجا في الإطار القومي الإيراني العام، مثل اللُر والبختيارية والجيلكيين والمازندارانيين، رغم خصوصياتهم الثقافية واختلاف لغاتهم، فهم في المجمل يتحدثون الفارسية بطلاقة وليس لهم تقريبا أي امتدادات خارج إيران، ولا ينظرون إلى هويتهم المحلية بوصفها انفصالا عن الإطار الإيراني العام.
فمثلا، تعكس أعياد اللُّر طبقات الهوية الإيرانية؛ فالنيروز يمثل الإرث الفارسي القديم، وعاشوراء تمثل العمق الشيعي، بينما الأعراس والفعاليات القبلية تحفظ الذاكرة المحلية، مع أنهم ليسوا فرسا عرقيا بالمعنى الضيق، لكنهم ينتمون إلى الحضارة الفارسية الجامعة.
ورغم تعدد الأعراق داخل إيران يظل الفرس هم عامل الشد الأساسي الذي يشد هذه القوميات المتباينة في نطاق دولة واحدة تمثل وطنا جامعا ذا حضارة ممتدة. مارس الفرس دورهم القيادي بصفتهم يمثلون القومية العليا وعملوا دائما على جمع القوميات الأخرى تحت راية التصدي للتهديد الخارجي. غير أن ذلك لم يمنع من تصاعد المطالب الخاصة للأعراق الأخرى والتي تراوحت بين الانفصال والمطالبة بالحكم الذاتي، أو مجرد تخفيف القبضة الأمنية ووقف الاضطهاد الثقافي.
الحضور الهوياتي في السياسة
تحضر التأثيرات الثقافية دوما في الخطاب السياسي الإيراني. فحين تنتفض الجماهير ضد الحاكم، يتم تشبيهه بـ"الضحاك" الملك الظالم الأسطوري، أو حتى بيزيد بن معاوية الذي قتل جيشه الحسين رضي الله عنه. وعندما يقتل النظام المتظاهرين، تُقام مراسم العزاء وأربعينية الشهداء كوسيلة لإعادة حشد المحتجين ضد الحاكم. وتستخدم رموز الشاهنامة في الحملات الانتخابية كثيرا، فالرئيس أحمدي نجاد كان يتم تشبيهه بـ"كاوه" بطل الشاهنامة، لأنه جاء من صفوف الجماهير وواجه النخبة، وكان والده حدادا مثل كاوه.
راية الثأر الحمراء مرفوعة فوق قبة جامع جمكران الشهير (الأناضول)
راية الانتقام الحمراء مرفوعة فوق قبة جامع جمكران الشهير في قم (الأناضول)
وعند اغتيال شخصية مهمة، تُرفع راية الثأر الحمراء على المساجد وعليها عبارة "يا لثارات الحسين" التي رفعها المختار الثقفي خلال حملته لملاحقة من شاركوا في قتل الحسين، ولا يتم إنزال الراية إلا بعد الأخذ بالثأر. وقد رُفعت الراية بعد اغتيال الجنرال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس، عام 2020، وبعد اغتيال القيادي في حركة حماس، إسماعيل هنية، في 2024، وعقب اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي وكبار المسؤولين في نهاية فبراير/شباط الماضي رفعت الراية فوق قبة مسجد جمكران في مدينة قُم.
وحتى في العلاقات الدولية، تحضر هذه الروح الهوياتية. فعند المواجهة مع الغرب، يُستحضر نموذج الحسين المناضل. وعند المهادنة، يستحضر نموذج شقيقه الحسن الذي أبرم صلحا تنازل بموجبه عن السلطة حقنا للدماء. وكذلك يتسم تأثير الشعور القومي في السياسة الخارجية بالتناقض، إذ يستخدم أحيانا لتبرير المواجهة كما حدث أثناء الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، وأحيانا أخرى تضبط القومية تأثير الحماسة الدينية لصالح الحسابات الواقعية.
ويتأثر تفاعل إيران مع المجتمع الدولي بهذه الموروثات الثقافية التي تعزز من نزعات الهيمنة، فالهوية الوطنية تبرز شعورا بالتفوق على جيرانها العرب واعتزازا بماضيها الإمبراطوري قبل الإسلام. فبالنسبة للإيرانيين، فإن جل ما يعد عظيما فيما يشار إليه عموما بالثقافة الإسلامية أو العربية كان فارسيا في الواقع.
"الثقافة الإيرانية المشبعة بشعور التفرد والاستعلاء الحضاري هي منبع رؤية إيران لمكانتها بين دول العالم".
لا يقتصر تأثير الثقافة الإيرانية في السياسة الخارجية على البعد الرمزي وتبرير قرارات القادة، بل تكمن تلك الاعتبارات الثقافية في عمق الدوافع الأساسية لاتخاذ القرارات الكبرى. فالثقافة الإيرانية المشبعة بشعور التفرد والاستعلاء الحضاري هي منبع رؤية إيران لمكانتها بين دول العالم. يمثل المشروع النووي مثلا انعكاسا لرؤية إيران لمكانتها المتفوقة على دول المنطقة، وامتدادا للمجد التاريخي القديم لدولة ترى نفسها أكبر بكثير من مجتمع واحد وسط مجتمعات أخرى. فوفقا للمثل العليا الفارسية منذ القدم، يتم رفع حاكم البلاد إلى مرتبة شبه سماوية باعتباره "شاهنشاه" أي ملك الملوك وليس مثل الملوك الآخرين.
وهكذا لا تعد الهوية الإيرانية كيانا جامدا، بل عملية مستمرة من التشكل، تتفاعل مع التاريخ والدين والسياسة والعالم الخارجي؛ مما يجعلها واحدة من أكثر الهويات تعقيدا وثراء في العالم، فلا يمكن حصر التجاذبات الثقافية بين ثنائيات ثابتة كالمهجر العلماني الفارسي في مقابل الداخل الإسلامي المحلي، أو التناقض بين الريف المحافظ والمدن المتغربة، بل تتدرج الهويات الفرعية بين طرفي النقيض وتتداخل ويؤثر بعضها في بعض بشكل مستمر.
ويعكس التفاعل بين المكونات الثقافية المختلفة ملامح الشخصية الإيرانية المركبة، فلا يخلق هذا المزيج هوية موحدة متجانسة بقدر ما ينتج مجالا دائما للتفاعل والصراع وإعادة التأويل، لذا فإن فهم إيران لا يتحقق من خلال هوية واحدة بسيطة، بل عبر إدراك هذا النسيج المركب الذي تتجاور فيه الأسطورة والدين والقومية والسياسة لتنسج تجربة حضارية لم تتوقف يوما عن إعادة اختراع نفسها.
اجمالي القراءات
23