عمليات منظمة تقودها “عصابات الشوارع”.. كيف تحول المتسولون بالمغرب إلى مهنة تقود أصحابها للغنى؟

اضيف الخبر في يوم الأحد ٢١ - أبريل - ٢٠٢٤ ١٢:٠٠ صباحاً. نقلا عن: عربى بوست


عمليات منظمة تقودها “عصابات الشوارع”.. كيف تحول المتسولون بالمغرب إلى مهنة تقود أصحابها للغنى؟

منتشرون في كل مكان، تختلف أعمارهم، كما تختلف أجناسهم، يتشابهون في ملابسهم الرثة التي تحيل على وضعيتهم الهشة، تتغير طرق استجدائهم للناس بتغير مقاصدهم.

في أكبر شوارع الدار البيضاء القلب النابض للمغرب، كما في أصغر دروبها، لا يمكنك أن تمر دون أن تصادف عيناك متسولاً أو متسولة، وقد يصادف أن يعترضوا طريقك بإلحاح مزعج، يجبرك على منح ما هو أقرب إلى الإتاوة من الصدقة.

صرحت وزارة الداخلية المغربية، عن تسجيل أكثر من 14 ألف قضية متعلقة بظاهرة التسول في المغرب، تم بموجبها إيقاف أكثر من 15 ألف شخص من طرف المصالح الأمنية بتنسيق مع السلطات المحلية، وذلك خلال الفترة الممتدة من أول يناير/كانون الثاني إلى 31 مايو/أيار 2023.

هذه الأرقام المرتفعة مردها في الغالب اكتشاف العديد من الأشخاص المداخيل الخيالية التي يدرها التسول، والتي تفوق ما يكسبه الأجير الصغير أو المتوسط، وبالحديث عن قصص أشخاص يعيشون حياة مزدوجة بين الغنى والتسول، ارتأت هذه الفئة سلك الطريق السهل لجمع وتحصيل الأموال واحتراف "التسول المهني".

التسول "المهني"
تحوّل التسول إلى عمليات منظمة، فبدأت تظهر مجموعات تتفق فيما بينها على توزيع الأحياء والشوارع، تشكل خطراً على المجتمع وعلى منظومة القيم عند المغاربة، وازداد الأمر سوءاً بعد دخول المهاجرين الأفارقة والسوريين على خط مد اليد.

أوضح شكري أنه بازدياد المتسولين ازدادت حيلهم لاستجداء الناس، فأصبحنا نرى متسولين "يضعون ضمادات طبية، أو يقومون بخلق إعاقات في الجسد كالعمى أو الشلل في أحد الأطراف".

ودائماً ومن أجل استغلال الضحية عاطفياً، قد "تصادف متسولاً في بعض الأمكنة الدينية كالمساجد والقبور والأضرحة،" وهي الأماكن التي يكون فيها منسوب الإيمان مرتفعاً، بالإضافة إلى "استغلال الأطفال المعوقين من أجل إثارة الشفقة عند الناس"، يضيف محدثنا.

وإذا كان التسول في السابق منحصراً داخل الحي أو المدينة، فقد صار اليوم باباً مشرعاً على العالم عبر وسائل التواصل، وهي عملية لا تتطلب أي مجهود سوى توفر تعبئة الأنترنت وقوة الإقناع في التمثيل.

عبر الإنترنت، أصبح بإمكان المتسول الإلكتروني فتح حساب بمعلومات في الغالب وهمية، ليبدأ بطلب المساعدات المالية من المشاهد، أو العلاج من أبسط الأمراض إلى أخطرها لاستعطاف الناس، مثل علاجات السرطان أو القيام بعمليات جراحية.

اعتبر عالم الاجتماع التسول الإلكتروني "نصباً واحتيالاً بامتياز اغتنى منه الكثيرون"، فالذين يستخدمون هذا النوع من التسول "يسخرون لذلك قدرات مالية"، وبالتالي "لا يدخلون في خانة المحتاجين، بل يمكن تصنيف بعضهم كحالات مرضية".

التسول في المغرب
أمام محطات القطار والمحلات، ومقرات العمل، وعلى عتبات المساجد، وداخل الحافلات وأضواء المرور وغيرها، تجدهم أفراداً ومجموعات، رجالاً ونساءً مستعينات بأطفال صغار، ومعاقين أو هذا ما يبدون عليه، أو شاباً في كامل قواه العقلية والجسدية "تقطع به الحبل" أي (سرق ما معه ويحتاج العودة لمنزله).

التقى "عربي بوست" بالعديد من المتسولين في المغرب، رفضوا الحديث إلينا أو حتى الاقتراب، في توجس فروا منا أو صرخوا مطالبين بالابتعاد عنهم، وهو أمر بدا لنا طبيعياً، خاصة بعد عرض مسلسل "جوج وجوه"، وبعده العديد من الفيديوهات لمتسولين ينتقدون المسلسل.

المسلسل يحكي قصة مجموعة من المتسولين يعيشون حياة مزدوجة، حياة المال والأعمال، وحياة أخرى يظهرون فيها بمظهر بائس، يمدون أيديهم للمارة، ويستجدونها الطعام والمال، وهو الأمر الذي استفز العديد منهم وخرجوا يشتكون في وسائل التواصل الاجتماعي.

أحداث المسلسل جاءت صادمة للبعض، نظراً لحجم المداخيل التي راكمها المتسولون/ أبطال العمل، والتي تعد بالمليارات، علماً أن الدولة لا تستفيد منها ولا مديرية الضرائب ولا الاقتصاد الوطني.

لكنها بدت مقنعة للبعض الآخر، فعند تجولنا بأحد أحياء الدار البيضاء بالمغرب، صادفنا متسولاً، شكله أقرب إلى مجنون، وعند اقترابنا منه فر هارباً، قبل أن نلتقي بشخص كان بالقرب يشاهد ما حدث.

قال الرجل إن من رأيناه الآن هو شاب بكامل قواه العقلية، يلبس تلك الثياب طيلة أيام الأسبوع، عدا السبت والأحد، إذ يفضل الرجل ارتداء أجمل ما عنده من ملابس والتوجه إلى طماريس (مدينة ساحلية في ضاحية الدار البيضاء)، وقضاء "الويكاند" كما يحلو له.

ومن الواقع إلى المواقع، انتقل التسول إلى وسائط التواصل الاجتماعي، وانتشرت مئات الفيديوهات التي يشتكي أصحابها من الإعاقة والفاقة، راجين المساعدة، أو منشور لسيدة تدعي أن لها أبناء وتعيش عيشة ضنكاً، وتطور الأمر، وأصبحنا نشاهد "لايفات" لأسر بأكملها تطلب مساعدات كيفما كانت.

قال إدريس السدراوي، رئيس الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان، إن أهم العوامل المساهمة في تفشي ظاهرة التسول مرتبطة في الغالب بالفقر، وصعوبة الولوج إلى سوق الشغل، والترمل لا سيما بالنسبة للنساء، والطلاق، والتخلي الأسري.

وأضاف السدراوي في حديثه لـ"عربي بوست"، أنه في المقابل هناك عوامل مرتبطة بتدني المستوى الدراسي والتكويني، وتراجع قيم التضامن العائلي، فضلاً عن الاستعداد القبلي لدى المواطن لمد يد العون للمتسولين لأسباب مختلفة، منها ما هو اجتماعي وما هو ديني.

في الشارع، يختلف المتسول المتشرد عن المتسول المحترف صاحب "المهنة"، فالأول يمد يده من أجل الأكل أو شراء الدخان، ويكون معروفاً لدى سكان المنطقة، بينما الثاني يكون مجهولاً، يتجول كل يوم في حي أو شارع، وتختلف قصصه باختلاف المانح أو المتصدق.

أبرز الدكتور عبد الجبار شكري عالم النفس وعالم الاجتماع، أن فعل التسول "لا يرتبط بالضرورة بالحاجة، فقد أصبح طريقاً سهلاً للحصول على الأموال، وبالتالي أصبح يعتبر عند بعض المتسولين دخلاً ثابتاً لا يمكن الاستغناء عنه".

وأضاف شكري في حديثه لـ"عربي بوست"، أنه من أجل ذلك أخذ المتسولون يطورون حرفة التسول عن طريق خلق وسائل وأحداث درامية، والتلاعب بشكلهم حتى يثيروا عطف الناس".

تسول الأغنياء.. مرض أم عادة؟
وانتشرت قصص المتسولين "الأغنياء" أصحاب الأملاك والعقارات والأرصدة البنكية في المواقع الإخبارية، وتناقل المجتمع المغربي قصص مستولين في المغرب ماتوا وتركوا وراءهم أموالاً طائلة.

في مدينة أكادير تمكن الأمن من إيقاف امرأة أعمال ستينية، متلبسة بالتسول بأحد الشوارع المعروفة وسط المدينة، قبل أن تكشف التحقيقات عن أن الموقوفة تمتلك محطتين للوقود في أكادير وإنزكان، وأسطول سيارات، بالإضافة إلى ضيعة فلاحية، ورصيد مالي مهم في البنك.

وهذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها ضبط امرأة ثرية تمتهن التسول، حيث تم قبلها إيقاف متسوّلة ظهرت في فيديو وهي تقوم بتغيير ملابسها في سيارتها الفاخرة بأخرى رثة، قبل أن تبدأ التجول في المنطقة من أجل تسول المارة.

كما جرى اعتقال سيدة في مقتبل العمر، تحترف التسول، وبعد مباشرة التحقيقات سيكتشف المحققون أنهم أمام سيدة ميسورة، تمتلك منزلين وعقارات في حي راقٍ وأرصدة بنكية، كما أنها تحمل الجنسيتين المغربية والسويسرية.

وكانت السيدة كل يوم تقود سيارتها رباعية الدفع إلى مكان بعيد عن محل سكناها، وترتدي نقاباً وثياباً رثة، تجوب الأحياء، وتجلس على الأرصفة وتطلب الصدقة، وعند نهاية اليوم تعود إلى سيارتها ومنزلها وأبنائها، في حياة أخرى بعيدة كل البعد عن التسول.

عن هذا النوع من المتسولين يقول عالم النفس الاجتماعي، يمكن اعتبار التسول عند بعض الناس حالة مرضية، أو إدماناً مرضياً، خاصة في صفوف الشباب والأشخاص الأصحاء جسدياً، القادرين على تغيير وضعيتهم الهشة، وفي هذه الحالة لا بد من التوجيه الطبي.

ويعرف هذا النوع من التسول بالتسول المرضي أو الانحرافي، وهو تسول يتصف بالاستمرار بالرغم من اغتناء صاحبه، نتيجة الكسب المستمر والوفير من المال، فيصاب بالجشع، وعدم القدرة على التوقف، مثله مثل أي إدمان آخر.

الفئات الهشة.. الأكثر استغلالاً
مسنون ونساء رفقة أطفال أو دونهم، أو معاقون، غالبيتهم يأتون من بعيد أو من وسط الضباب قبل أن يختفوا فيه مع نهاية اليوم/العمل، يتسولون دراهم من المارين، مدعين حاجتهم للأكل أو لشراء أدوية أو لإجراء متطلبات طبية كالتحاليل أو الأشعة.

والناس بطبعهم التضامني يميلون إلى هذه الفئات الهشة، التي في نظرهم أضعف من أن تكسب قوت يومها، لكن هذا التضامن يدفع بعض أشرار النفوس إلى استغلالهم، فتجد الأطفال منتشرين في إشارات المرور، بينما المسنون وبعض المعاقين يتم وضعهم على جنبات المساجد والمحلات التجارية.

تقول "حنان" شابة ثلاثينية: "منظر المتسولين في المغرب أصبح مزعجاً، ومستفزاً، خاصة أن البعض منهم يجبرونك على منحهم المال بإلحاح، دون مراعاة لظروفك المادية أو حالتك النفسية التي قد تكون في ظروف غير طبيعية".

وأضافت حنان في حديثها لـ"عربي بوست"، أنه بالرغم من كل هذا، تجد نفسها تتعاطف مع "المسنين والمعاقين، وحتى بعض النساء اللاتي يحملن الرضع" الذين، حسب تعبيرها "لا حول لهم ولا قوة، مضطرين لمد أيديهم لكي يعيشوا".

استغلال الأطفال في التسول
من جهتها شجبت نجاة أنوار، رئيسة منظمة "ماتقيش ولدي" عملية استغلال الأطفال في التسول؛ لأن هذه الظاهرة تفضي بالضرورة إلى إخراجهم من مقاعد الدراسة، وتدمير مستقبلهم، مقابل استعطاف قلوب المانحين.

وأضافت أنوار في حديثها لـ"عربي بوست"، أن استغلال الأطفال في التسول هي ظاهرة تعاني منها معظم دول العالم، وليس المغرب وحده، وإن تفاقمت فيه مؤخراً.

وأشارت المتحدثة إلى أن كل هذا هو نتيجة لعدة عوامل من بينها ما هو اجتماعي وما هو اقتصادي، ومعالجتها مرتبطة بمعالجة الأسباب الأساسية أو العوامل التي تنتج لنا مثل هذه الظواهر السلبية.

في حين أكد أحمد رضى شامي، رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، أن التسول ينتهك الكرامة والحقوق للأشخاص الذين يمارسونه، ويمس بالدرجة الأولى الفئات الهشة التي هي في حاجة إلى الحماية من كل استغلال ومُتاجرة، كالأطفال والنساء والمسنين والأشخاص في وضعية إعاقة.

ومن أجل صون كرامة هذه الفئات، أوصى المجلس بتشديد العقوبات على الشبكات التي تستغل الأطفال والنساء والأشخاص ذوي إعاقة، وكذا ممارسي "التسول المهني" الذين يستخدمونه للربح لا لسد الحاجة.

كما أوصى النهوض بالسياسات المتعلقة بحماية ومساعدة الأشخاص في وضعية إعاقة والأشخاص المسنين، والإدماج الاجتماعي والاقتصادي للمهاجرين المُعَرَّضِين لممارسة التسول.

وسجل المجلس أن "غياب دراسات معمقة ومعطيات إحصائية شاملة حول حجم التسول بالمغرب يشكل عائقاً كبيراً أمام السياسات العمومية الرامية إلى محاربة هذه الظاهرة بشكل فعال".
ضرورة آليات ناجعة
أمام استمرار التحديات التي تطرحها ظاهرة التسول، فإن المقاربة المعتمدة حالياً على الصعيد الوطني في مجال محاربة التسول غير ناجعة بالقدر الكافي.

فعلى مستوى المقاربة الوقائية، "لا تتيح البرامج الاجتماعية لمحاربة الفقر والهشاشة، بسبب طبيعتها المجزأة ومعايير الاستهداف المعتمدة وكيفيات التنفيذ، التصدي بشكل كافٍ ومستدام للانعكاسات السلبية للفقر والهشاشة على الفئات المعوزة" حسب السدراوي.

وأضاف رئيس الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان، أن هذه الفئات "تظل في الغالب خارج نطاق تدخل هذه البرامج، وهو ما وقع في ملف الدعم المخصص للأسر والمقدر ابتداء من 500 درهم شهرياً، والذي لا يمكنه بأي حال من الأحوال أن يعيل هذه الأسر".

وأبرز الفاعل الحقوقي أن المراكز الاجتماعية التابعة لمؤسسة التعاون الوطني، وكذا خطة العمل الوطنية لحماية الأطفال من الاستغلال في التسول (تم إطلاقها سنة 2019)، "لا تزال محدودة للغاية وغير قادرة على التكفل بالعائلات والأشخاص في وضعية تشرد بالنظر إلى حجم الظاهرة".

وفي الأخير خلص محدثنا إلى أن القضاء والحد من ظاهرة التسول، يقتضي "سياسات عمومية أكثر اهتماماً بالجانب الاجتماعي وإيجاد بدائل دائمة للتسول، من خلال تعزيز السياسات المتعلقة بالمساعدة الاجتماعية وتطوير الأنشطة المدرّة للدخل وتحسين التكفل بالأشخاص الذين يعانون من اضطرابات عقلية".

من جانبها، قالت رئيسة منظمة "ما تقيش ولدي" إن هناك بعض الآليات التي يمكن اعتمادها كخلق رقم أخضر يتيح للمواطنين التبليغ عن تواجد طفل في وضعية تسول أو يتم استغلاله من أجل ذلك، وبإنشاء تطبيق رقمي للتبليغ، ستسهل العملية.

ويتيح التطبيق أيضاً التبليغ عن تواجد أطفال في وضعية الشارع مع تحديد الموقع، وإن أمكن أخذ صورة من أجل أن يتم التعرف على الطفل أو الذي يقوم بالتسول أو من يتم استغلاله من أجل ذلك في حالة البحث عنه، تختم أنوار.
اجمالي القراءات 261
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق