صابئة الأردن... تحديات وواقع مُرّ

اضيف الخبر في يوم الإثنين ٠٨ - أغسطس - ٢٠٢٢ ١٢:٠٠ صباحاً. نقلا عن: رصيف 22


صابئة الأردن... تحديات وواقع مُرّ

مع كل مناسبة دينية تمر على أبناء الصابئة المندائية في الأردن، تعود التحديات إلى الظهور من جديد، إذ لا تعترف الأردن بالصابئة بالرغم من وجود ما يقارب 471 عائلةً وأكثر من 60 عائلةً غير مسجلة وفق أرقام رئاسة الجالية في الأردن. وتمنعهم السلطات الأردنية من ممارسة عماد طقوسهم "التعميد"، بالقرب من المياه الجارية في منطقة وادي شعيب، ويقابل تلك التحديات شوق إلى بلادهم وبلاد أجدادهم وحلمٌ بالعودة لممارسة طقوسهم الدينية حيث دجلة العراق، بالرغم من ذكريات التهجير القاسي الذي ألمّ بهم.

تُعدّ الصابئة من الديانات التوحيدية، فهي من أقدم الديانات المعروفة وتُعدّ الآرامية الشرقية اللغة الرئيسية للصابئة، كما يتبع المندائيون كتاب "كنزا ربا" أو الكنز الكبير، الذي يحوي صحف آدم الأولى وتعاليمه المكتوبة بلغتهم ويُقسم الكتاب إلى جزئين؛ الأول خاص بالأمور الدنيوية من وصايا وحكم ومفاهيم، والجزء الثاني خاص بالنفس بعد وفاتها ورحلتها من الجسد الفاني إلى أصلها، وهو عالم النور.

أما عن المياه، فهي كل شيء بالنسبة لهم لأنها مصدر التطهير المستمر للإنسان، كما يطلق رجال الدين المندائيون لحاهم إذ يُمنع المساس باللحى وشعر الرأس بحسب دينهم، لأنهم يؤمنون بأن النفس موجودة في الرأس، ولذا وجب على المندائي تقديس مكان وجود نفس الحي العظيم.

كيف مر العيد الكبير على صابئة الأردن؟
احتفل أبناء الصابئة المندائية في الأردن في السابع عشر من شهر تموز/ يوليو الماضي، بالعيد الكبير أو الكرصة أو بالمندائية "دهوا ربا"، وهو عيد رأس السنة المندائية، إذ لا يغادر المندائيون بيوتهم لمدة ست وثلاثين ساعةً متواصلةً، فهو عيد الاعتكاف والانعزال عن العالم؛ وفق تعاليم ديانة الصابئة.

يقول الصابئي باسم عبود، لرصيف22: "ما زلنا في الأردن نتشبث بطقوس العيد، ورمزيته تكمن في أنه بداية لسنة جديدة وفرصة للدعاء والتمني من الرب أن يعمّ الخير والسلام والصحة على أرجاء العالم".

"لممارسة طقوس التعميد أو الاصطباغ نحتاج الى نهر جارٍ، كنا نتعمد في منطقة وادي شعيب إلا أن السلطات الأردنية منعتنا، أما الآن فنستأجر مزرعةً على طريق جرش ونتحمل تكاليف استئجارها و تكاليف إصلاحها"
ويُضيف عبود: "نقوم بتخزين الماء والطعام بما يكفينا لمدة يومٍ ونصف، إذ نحن على موعد مع اعتكاف داخل منازلنا يدوم 36 ساعةً لممارسة الطقوس والتعبد للخالق، كما نصوم عن اللحوم تماماً ونقدّم الثوابات (المساعدات) عمن غادر الأرض".

نظريات عديدة حول العيد الكبير عند المندائيين يشرحها الترميذا علاء عزيز (شيخ من شيوخ الصابئة المندائية في الأردن). في حديثه إلى رصيف22 يقول: "إن الله أمر بتصليب الأرض وتهيئتها للسكن من قبل آدم و ذريته، كما أنه في اليوم نفسه خلق آدم ونفخ فيه الروح"، وعن دلالة الاعتكاف لمدة 36 ساعةً، يضيف طارش: "هذه المدة هي فترة خلق الأرض، فلا يُسمح لأي صابئي بلمس شجرة أو حيوان، أو حتى الاختلاط بالمحيط الخارجي".

رئيس الجالية المندائية في الأردن، سمير الكيلاني، يقول لرصيف22: "لممارسة طقوس التعميد أو الاصطباغ نحتاج الى نهر جارٍ، كنا نتعمد في منطقة وادي شعيب إلا أن السلطات الأردنية منعتنا، أما الآن فنستأجر مزرعةً على طريق جرش ونتحمل تكاليف استئجارها و تكاليف إصلاحها".

ويضيف: "تكبّدنا 1،500 دينار أردني في هذا العيد فقط لممارسة طقوسنا الدينية"، ويتابع الكيلاني: "العراق يعترف بالصابئة دستورياً، لذا كنا نمارس طقوسنا الدينية من دون موافقات ومن دون تكبد أي أعباء مادية أو تحمل أي مشقّة".

طقوس العيد أجّجت الحنين إلى العراق
بعد انتهاء الساعات الستة والثلاثين، تبدأ مراسم العيد ويبدأ المندائيون بالخروج من منازلهم لتبادل التهاني والأمنيات، إذ يقول طارش: "في العراق كنا نجتمع في بيت الطائفة مندى، بيت العلم والمعرفة، لتبادل التهاني. في الأردن لا يُعترف بنا كطائفة وتالياً لا يوجد لدينا بيت للطائفة إذ نجتمع في مكتب رئاسة الجالية، وذلك لا يمكن أن يعوّضنا لأنه مكان اجتماعي ثقافي أكثر من كونه مكاناً دينياً وهذا يشعرنا بالحزن فممارسة طقوسنا في دولة تعترف بنا مختلفة عن ممارستها في دولة لا تعترف بنا".

"بالرغم من أن الوزن الديمغرافي للمندائيين قليل وتاريخهم الطويل مع الهجرة التي تركت آثارها حتى يومنا هذا، إلا أن مجرد بقاء الوجود المندائي معجزة ووهو تمثيل لحضارة بلاد الرافدين القديمة، يضاف إلى ذلك تمسكهم باللغة الآرامية وامتلاكهم أدباً دينياً غنياً"
ويقول طارش: "من الطقوس التي تقام لهذا العيد ما يُعرف باسم كنشي وزهلي وهو اليوم الذي يسبق يوم العيد، ولهذا اليوم طقوس خاصة به، تتمثل في الذهاب صباحاً قبل بدء الاعتكاف إلى منطقة تحوي نهراً جارياً للاصطباغ أو التعميد ويمكن استبداله بحوض مياه بأبعاد معيّنة ويُشترط ألا تكون المياه راكدةً".في الأردن، تبُعد أماكن الأنهار الجارية عن أماكن سكن المندائيين في عمان، إذ لا يمكنهم تحمل مشقّة الطريق وليس في إمكانهم العودة قبل السادسة مساءً، أي قبل بدء موعد الاعتكاف، ويقول طارش: "في العراق كنا نعيش ونتجمع بالقرب من نهر دجلة ونمارس طقوسنا بفرح، أما اليوم في الأردن فنتحمل مشقّة طريق طويلة ولا يساعدنا الوقت في الوصول باكراً، لذا لا نستطيع الذهاب جميعاً".

المندائيون... تاريخ من الهجرة والمعاناة
مؤسس معهد دراسات التنوع الديني في العراق، الدكتور سعد سلوم، في حديثه إلى رصيف22، يقول: "90% من المندائيين غادروا العراق بعد العام 2003، وهذه علامات مقلقة لبدء انتهاء الوجود المندائي في العراق بالرغم من ذلك الدستور العراقي يعترف بالدين المندائي ولديهم كوتا في البرلمان العراقي الفيدرالي ولديهم ممثل في إقليم كوردستان".

يضيف سلوم: "هجرة المندائيين إلى دول مجاورة كالأردن وسوريا ولبنان وتركيا، كانت صعبةً لأنها دول لم تألف وجود أتباع يوحنا المعمدان وتالياً تحتاج إلى وقت للتعرف على هذه الديانة كونها مرتبطةً بشكل خاص بالعراق وعاصمتها التاريخية ميسان في جنوب العراق".

يلاحَظ أن المندائيين في سوريا كانوا أكثر استقراراً وراحةً من بقية البلدان فهي الوجهة الإقليمية الأهم لهم، ولكن التغيرات والأحداث السياسية جعلتهم يهاجرون من جديد، بحسب سلوم.

ويرى سلوم أنه، "بالرغم من أن الوزن الديمغرافي للمندائيين قليل وتاريخهم الطويل مع الهجرة التي تركت آثارها حتى يومنا هذا، إلا أن مجرد بقاء الوجود المندائي معجزة ووهو تمثيل لحضارة بلاد الرافدين القديمة، يضاف إلى ذلك تمسكهم باللغة الآرامية وامتلاكهم أدباً دينياً غنياً وطقوساً ذات خصوصية ولم يتعرف أبناء الشرق الأوسط عليهم بالرغم من أنهم ثروة كبيرة".
اجمالي القراءات 265
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق