عادل بن احمد Ýí 2026-01-15
لم يولد الإسلام كهنوتيًا، ولم ينزل القرآن ليؤسس طبقة دينية تتحدث باسم الله، ولا ليقيم بين النص والإنسان حواجز من التأويل المُقدّس أو الطاعة العمياء. جاء الخطاب القرآني مباشرًا، واضحًا، محمّلًا الإنسان مسؤولية الفهم والاختيار والعمل، لا تابعًا ولا قاصرًا. ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾، والتدبر هنا تكليف عام لا امتياز خاص، ومسؤولية فردية لا تُفوَّض.
غير أن التاريخ الديني سرعان ما أنتج واقعًا مغايرًا؛ واقعًا تشكّل فيه كهنوت بلا كنيسة، وسلطة دينية بلا نص صريح، ووساطة تحوّلت من شرح إلى وصاية، ومن بيان إلى احتكار. لم يُعلن هذا الكهنوت نفسه صراحة، بل تسلل بهدوء، حتى صار السؤال ريبة، والتفكير جرأة غير محمودة، وأصبح “الاتباع” فضيلة حتى لو عطّل العقل والضمير. ومع ذلك، يصرّ القرآن على نفي أي طبقة تتوسط الحساب أو تحتكر النجاة: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾، فلا جماعة تنوب، ولا شيخ يتحمل، ولا مذهب يُخلّص.
ومن هنا يبدأ الخلل الحقيقي: حين يتحول البيان إلى وصاية. البيان يشرح ويترك للإنسان حرية القبول أو الرفض، أما الوصاية فتصادر هذا الحق، وتربط الهداية بالطاعة لا بالفهم. والله سبحانه و تعالى يحذّر بوضوح من هذا المسار حين يقول: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾، ولم يكن اتخاذهم أربابًا سجودًا، بل طاعةً وتشريعًا وتسليمًا بلا مساءلة. هنا يتحول الدين من رسالة تحرير إلى أداة سيطرة، ومن خطاب مسؤولية إلى منظومة ترويض.
أخطر ما أنتجه الدين الشعبي ليس الكهنوت وحده، بل ما ولّده من أعذار أخلاقية تُفرغ النص من مضمونه العملي. فحين تتحول الرحمة إلى مخرج من المحاسبة، والنية الطيبة إلى بديل عن العمل المتقن، والاستغفار إلى غطاء للتقصير المتكرر، يصبح التدين وسيلة لتهدئة الضمير لا لإقامة العدل. غير أن القرآن يقطع هذا المسار بصرامة لا لبس فيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾، ويؤكد أن الادعاء بلا فعل ليس نقصًا عابرًا، بل مقتٌ أخلاقي.
ولم تبقَ هذه الأعذار في حيّز التنظير، بل صارت لغة يومية نمارسها دون وعي. الموظف الذي يعطّل مصالح الناس يبرر لنفسه قائلًا: «ما باليد حيلة، النظام هكذا»، وكأن تكرار الظلم يمنحه شرعية. التاجر الذي يغشّ يقول: «الكل يفعل ذلك»، فيحوّل شيوع الخطأ إلى حق مكتسب. المسؤول الذي يوقّع قرارًا جائرًا يطمئن ضميره بعبارة: «أنا عبد مأمور»، متناسيًا أن القرآن لم يعترف يومًا بطاعة ترفع المسؤولية: ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ﴾.
بل يتجاوز الأمر ذلك إلى استدعاء الله لتبرير التقصير. يُقال: «الله غفور رحيم» في موضع المحاسبة لا في موضع التوبة، وتُردَّد عبارة «النية طيبة» لتغطية عمل فاسد، بينما يحسم القرآن هذا التلاعب بوضوح: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾، فلا نجاة بلا سعي، ولا وزن لنية لم تُترجم إلى فعل. لذلك يربط القرآن الحساب بالعمل لا بالشعور: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾.
وفي الحياة الاجتماعية، يتخذ العذر الأخلاقي أشكالًا أكثر دهاءً؛ يُقصى المستحق ويُقدَّم القريب بدعوى «صلة الرحم»، وتُهدر حقوق الغريب باسم «المعروف»، مع أن القرآن يضع العدل فوق كل اعتبار: ﴿إِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ﴾. ويُسكت عن الفساد بحجة «ستر العيوب»، بينما الستر قرآنيًا لا يعني حماية الظالم، بل منع الفضيحة مع وقف الجريمة.
هكذا تتحول الأعذار من تبريرات فردية إلى ثقافة عامة، ومن الثقافة إلى نظام غير معلن يُدار فيه الظلم بهدوء، ويُمارس الفساد بلا شعور بالذنب. غير أن القرآن لا يعترف بهذه المخارج النفسية، ويواجه الإنسان بحقيقته مهما تجمّل: ﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ﴾. فالأعذار قد تُخدِّر الضمير مؤقتًا، لكنها لا تُغيّر ميزان الحق، ولا تُسقط المسؤولية.
ومن هنا يتضح أن إسقاط الوساطة ليس فكرة نظرية، بل ضرورة أخلاقية؛ فحين يسقط الوسيط، تسقط معه كل شماعات التبرير. لا يعود هناك من نختبئ خلفه، ولا خطاب نعلّق عليه فشلنا، ولا فتوى نغلف بها تقصيرنا. يبقى الإنسان وحده أمام النص، وأمام ضميره، وأمام نتائج أفعاله. وهذه هي الحرية القرآنية التي يخشاها كثيرون، لأنها لا تمنح راحة نفسية، بل تُحمّل عبئًا أخلاقيًا ثقيلًا لا مهرب منه.
وفي هذا السياق، انقلب مفهوم التدين رأسًا على عقب. لم يعد التدين التزامًا أخلاقيًا يُقاس بالأثر، بل هوية تُقاس بالمظهر والانتماء. صار السؤال: “مع من أنت؟” أهم من “ماذا تفعل؟”، بينما القرآن لا يهتم باللافتات بقدر ما يهتم بالنتائج: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، والتقوى هنا ليست خوفًا لفظيًا، بل ضبطًا للسلوك، وعدلًا في المعاملة، وأمانة في العمل. لذلك يربط القرآن الإيمان بالفعل دائمًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، وكأن الإيمان بلا عمل ادعاء ناقص الأهلية.
وحين يسقط الوسيط، تسقط معه كل شماعات التبرير. لا يعود هناك من نختبئ خلفه، ولا من نعلّق عليه أخطاءنا، ولا من نطالبه بتحمل وزرنا. يصبح الإنسان وحده أمام النص، وأمام ضميره، وأمام نتائج أفعاله. وهذا بالضبط ما يخشاه كثيرون؛ لأن الحرية القرآنية ليست راحة نفسية، بل عبء أخلاقي ثقيل. ﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ﴾، فالإنسان يعلم، مهما ادّعى، ومهما زيّن أعذاره.
من هنا نفهم لماذا يُقاوَم هذا التصور للإسلام. إسلام بلا كهنوت لا يمنح سلطة، وبلا وسطاء لا يخفف الحساب، وبلا أعذار أخلاقية لا يهادن التقصير. كثيرون لا يريدون دينًا يُطالبهم، بل دينًا يطمئنهم وهم على حالهم. غير أن القرآن لم ينزل ليكون مخدّرًا، بل ليكون معيارًا: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾.
الإسلام في جوهره مشروع أخلاقي عملي، لا طقوسًا معزولة عن الواقع. الصلاة ليست حركات، بل انضباطًا: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾، والصيام ليس امتناعًا مؤقتًا، بل تهذيبًا دائمًا: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، والعبادة كلها ليست شعائر موسمية، بل وظيفة وجودية: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ﴾.
وعليه، فإن إسلامًا بلا كهنوت لا يعني الفوضى، بل نهاية الاحتكار. وبلا وسطاء لا يعني القطيعة، بل الوعي والمسؤولية. وبلا أعذار أخلاقية لا يعني القسوة، بل العدل. إنه إسلام يعيد الإنسان إلى مكانه الطبيعي: كائنًا حرًا، مسؤولًا، محاسبًا، لا تابعًا ولا مُخدَّرًا. إسلام يضعه وجهًا لوجه أمام قوله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ﴾.
المغرب يُبدع تنظيمًا ويُشرّف وصافةً… ومصر تؤكد حضورها في المربع الذهبي
القرآن المجهور في الصلاة.. المهجور في الحياة: فصام الشخصية المسلمة المعاصرة
فقه التخدير: حين يُستخدم "القضاء والقدر" للتغطية على "الفساد والهدر"
إسلام بلا كهنوت، بلا وسطاء، وبلا أعذار أخلاقية
الأمانة الوظيفية: بين "الطقوس الشكلية" و"الميثاق القرآني الغليظ"
دعوة للتبرع
غراب البين : الناس تتشاء م بالغر اب وتقول عن فلان مثلا...
وضع المدينة حربيا: يظهر من القرآ ن الكري م كلمة ( نفر ) أى الخرو ج ...
لا نفقه تسبيحهم : سلام علیکم بعض الایا ت القرآ ن تقولو ن یسبح...
معيشة ضنكا: وانا في بيتي سمعت ملتحي في المسج د يعص نفسه عص...
ضلالات المساجد: انا فتاة ابلغ من العمر 18 سنة التزم ت منذ عامين...
more