أسامة قفيشة Ýí 2019-02-05
الفتنة ( الباب الثاني )
في هذا المقال سننظر في الباب الثاني من الفتنة و هي فتنة المخلوق للمخلوق :
هذه الفتنة ليست حتمية , أي ليس بالضرورة أن تصيب الجميع , فالبعض لا يتعرضون لها في حين يتعرض لها البعض الآخر ,
و هي من الشرور التي يمارسها الخلق بين أنفسهم و على أنفسهم , هي مكرٌ و خديعة في كل جوانبها , أي تعتمد على التضليل و التغرير و الزور و التزوير و الافتراء و الكذب و الدجل و الهوى و الظلم و الفساد و التهديد و الإرهاب و الإكراه و الاضطهاد , و تلك الجوانب كلها شر يصنعها المخلوق بيديه , فيمارسها ضد نفسه و ضد غيره و في جميع النواحي .
تأتي تلك الفتنة في تصنيع تلك الشرور على وجهان :
الوجه الأول ( اعتداء ) بالإكراه و القوة و العنف ( الدجل و الظلم و الفساد و التهديد و الإرهاب و الاضطهاد ) ,
و الوجه الثاني ( تعدي ) بالتغرير و التزيين و التجميل ( التضليل و التزوير و الافتراء و الكذب و الهوى و التمني و الاستحواذ ) , و كلا الوجهان يحتاجان للمكر و الخديعة ,
كما تأتي تلك الفتنة في استغلال فتنة الله جل وعلا بحدّيها ( الأرزاق و المصائب ) و استغلالهما في حرفهما عن طريق الخير إلى طريق الشر , و بتحويل النعمةِ إلى نِقمة , و ذلك أيضاً بالمكر و الخديعة , فتتداخل فتنة الخلق مع فتنة الخالق فتحدث الخديعة و ينحرف المسار فتضيع الحكمة .
يعتبر هذا النوع من الفتنة خطراً بالغاً , و هو من أشد الكوارث فتكاً , و هذا بسبب الشر الذي تحمله هذه الفتنة بين كفيها , و هي أخطر بكثير من فتنة الله جل وعلا في انعكاس أثرها على الخلق و في نتائجها على صعيد الحياة الدنيا , و هي تؤدي في نهايتها إلى الخلود بعذاب جهنم لمن يسعون في دروب تلك الفتنة بالاعتداء و التعدي و لا ينتهون عنه ( إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ) ,
ففتنة الخلق بين أنفسهم أكبر و أخطر من فتنة الله جل وعلا ( وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ ) , نحن نعلم بان قتل و قتال المعتدين هو أمر الله جل وعلا و هو من أشد فتنه سبحانه و تعالى في ابتلاء و اختبار المؤمنين , و هنا نلاحظ بان فتنة الله جل وعلا تمثلت في تشريع قتل المعتدين و قتالهم و هذا فيه الخير و العدل في صد العدوان و رفع الظلم و الاعتداء , بينما فتنة الخلق بين أنفسهم تمثلت في الاعتداء على حقوق البشر و ظلمهم و اضطهادهم بعدة نواحي و هذا شرٌ عظيم , لذا كانت فتنة الخلق أكبر من فتنةِ قتلهم و قتالهم , و لأن الشر في الاعتداء يُغيّب الخير و يُضيّع العدل ,
أما من ابتلاه الله جل وعلا بأحد أوجه تلك الفتن وجب عليه الصبر و تحمّل هذا الأذى في سبيل الله جل وعلا , و عليه عدم الخضوع و الانجرار في ركبها , و عليه المواجهة لصدها بإحدى السبل المتاحة و صدها ممكن و بالإمكان , لأن عذاب الله جل وعلا في الحياة الآخرة سيكون أعظم و أكبر ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ) .
الوجه الأول من تلك الفتنة ( و هو اعتداء بالإكراه و القوة و العنف ) :
يقول جل وعلا ( فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ ) ,
هنا نلاحظ عدم إيمان جميع قوم موسى بسبب خوفهم من فتنة فرعون و ملئه , فهم قد رسبوا و سقطوا أمام تلك الفتنة , ففتنة فرعون و ملئه كانت تتمثل بالإكراه و القوة و العنف و ما يتضمنه ذلك من ظلمٍ و فساد و تهديد و إرهاب و اضطهاد ,
و لكن على الطرف الآخر نلاحظ من لم يكترث لفتنة فرعون فآمن , أي أن هناك سبيل في صد تلك الفتنة و النجاة منها ,
و هذا واضح أيضا في فتنة فرعون للسحرة من أجل الدجل الذي كان يمارسه فرعون من خلالهم في سحرهم لأعين الناس , و هذا كان بالإكراه ( وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ ) , كما نرى بأن هؤلاء السحرة قد نجو من فتنة فرعون بصدها علناً , و آمنوا و لم يكترثوا بتهديداته لهم بالقوة و العنف ( فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا ) ,
كما نلاحظ مثالاً في صد تلك الفتنة سراً و هي زوجة فرعون ( وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) ,
الله جل وعلا لم يغلق لنا الأبواب في صد تلك الفتن , فلك الحرية الكاملة في التعامل معها بالطريقة الأسلم و الأفضل , شرط أن لا تذعن لها و تسقط فيها ( أي تتقبلها ) , بل و عليك الحذر في مواجهتها و كيفية صدها و هنا نضرب بعض الأمثلة :
( مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) ,
( لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ) ,
( إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) , و هنا تتداخل فتنة الله جل وعلا بالتحريم مع فتنة الخلق ,
( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) ,
( قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا ) ,
( فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ) ,
كل تلك الفتن يمكن صدها بطريقةٍ مثلى كي نتجنب الشر الذي يسعى إليه المخلوق مكراً و خديعةً , و يبتغيه دون رادع يردعه عن اعتدائه بالمكر و الخديعة ,
ليس هذا فحسب بل نجد باب التوبة و المغفرة لا يزال مفتوحاً أمام من سقطوا في تلك الفتن حيث يقول جل وعلا ( ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ) هذه المغفرة و تلك الرحمة تستوجب هجران تلك الفتن , و جهاد النفس و الصبر و التحمل في سبيل الله جل وعلا , و إن كانت تلك الفتن فيها مظالم من مكرٍ و خديعة وجب استرجاعها و إصلاحها و الإكثار من العمل الصالح .
الوجه الثاني من تلك الفتنة ( و هو تعدي بالتغرير و التزين و التجميل ) :
هذا الوجه هو ملعب الشيطان و وجهه و وجهته , و هو تعدي و ليس اعتداء , و هذا التعدي يأتي بالتغرير و التزيين و التجميل و التضليل و التزوير و الافتراء و الكذب و الهوى و التمني و الاستحواذ ,
و هنا لا ننكر بأن بعض البشر يريدون التفوق على الشيطان في تلك النواحي , و لكنه يبقى سيدهم و معلمهم و ملهمهم من خلال وحيه و إرشاده و توجيهاته ,
و الشيطان هو أحد مخلوقات الله جل وعلا , و وجوده هو في حد ذاته فتنةٌ من فتن الله جل وعلا , و هنا تتداخل فتنة الشيطان بفتنةِ وجوده , و لكن فتنته كسائر فتن المخلوقات كونه من ضمنها , ففتنته ليست بالحتمية ( إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ) ( وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم ) ( إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ ) ,
يقول جل وعلا محذراً من مساعي الشيطان و فتنته تلك ( يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ ) , فلننظر كيف تمكن الشيطان من فتنة آدم عليه السلام و زوجه , كي نتحقق بأن فتنته هي مكرٌ و خديعة :
( وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ ) ,
( فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لّا يَبْلَى ) ,
( فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ ) ,
( وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ) ,
هنا نلاحظ هذا المكر و تلك الخديعة جاء من باب التغرير و الكذب و التمني و الكذب و الافتراء و التزوير ,
و نضرب مثلاً آخر على فتنة الخلق للخلق و فيها تأكيد على أنها أكبر و أعظم من فتنة الله جل وعلا :
يقول سبحانه ( قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ ) :
فتنة الله جل وعلا هنا كانت بالإيمان اختباراً و ابتلاء ( مكرٌ و تدبير ) حيث يقول ( وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ) ,
و للتذكر علينا أن لا ننسى بان هؤلاء القوم من بني إسرائيل قد نجو سابقاً من فتنة فرعون المتمثلة في الاعتداء بالقوة و الإكراه و العنف , و لكنهم قد سقطوا الآن أمام فتنة السامري المتمثلة في التعدي على الله بالشرك بالتزيين و التضليل و الهوى ,
و من هنا نستنتج بأن فتنة الخلائق في وجهها الثاني و الماثل في التعدي هي أكبر و أعظم من وجهها الأول و الماثل في الاعتداء , كونها تتداخل مع فتنة الله جل وعلا فتصبح فتنة مركبه و مشتركه ( وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا ) ,
و عن فتنتهم تلك و التي فيها مكرٌ و خديعة يقول جل وعلا ( فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ * أَفَلا يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا ) .
إن فتنة الخلائق تلك هي من صنيع الخلق بالمكر و الخديعة , و نحن لسنا عاجزين عن صدها , و علينا أن لا نقف عاجزين أمامها ,
و من تعرض و ابتلي منّا بمثل تلك الفتن فما عليه سوى تقوى الله جل وعلا , فهي مفتاح الفرج و النجاة من كل تلك الفتن و الابتلاءات .
وماذا لو امتلكت فلسطين قنبلة نووية !
وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً
دعوة للتبرع
هذه الاتهامات : سلام علی ;کم یا دکتر احمد صبح 40; ...
سؤالان : السؤا ل الأول : هل اللهو حرام ؟ السؤ ال ...
تحريفاتهم هى السبب: السلا م عليكم ورحمة الله وبركا ته اريد ان...
( كبد ) من تانى .!!: الأيه الكري مة التي تقول " لقد خلقنا...
آيات بينات : حول حفض القرآ ن على ضهر قلب فال الله...
more