5 آلاف جثة وجدوها في مدافن جماعية، وحفارو القبور يواصلون البحث عن المزيد.. كيف تحولت الرقة إلى مدينة

اضيف الخبر في يوم الأحد 18 نوفمبر 2018. نقلا عن: عربى بوست


5 آلاف جثة وجدوها في مدافن جماعية، وحفارو القبور يواصلون البحث عن المزيد.. كيف تحولت الرقة إلى مدينة

5 آلاف جثة وجدوها في مدافن جماعية، وحفارو القبور يواصلون البحث عن المزيد.. كيف تحولت الرقة إلى مدينة أشباح بعد داعش؟

رصدت صحيفة The Independent البريطانية انتشار المقابر الجماعية في مدينة الرقة بعد خروج تنظيم الدولة داعش منها حتى أن حفاري القبور، أصبحوا يقومون بعمل روتيني يومي، وهو التنقيب عن الجثث المدفونة، في المقابر الجماعية، أو الموجودة تحت الأنقاض

وقالت The Independent البريطانية، في نقلها لما يحدث، إن حفاري القبور وهم يؤدون عملهم برفع الجثث المُكفَّنة وعلى الرغم من اعتيادهم ذلك باعتباره بات مألوفاً لهم هذا العمل، لكنّ تُخيِّم عليهم حالة من الكآبة مع كل مرة ينزعون فيها الغطاء عن الجثة. يقول مساعد الطبيب الشرعي، عبد الرؤوف أحمد، كاسِراً حاجز الصمت: «يمكنك معرفة المقاتلين من ملابسهم. وهذه الجثة ليست لمقاتل».   

ولا تستغرق عملية فحص الجثة وقتاً طويلاً، فخلال دقيقتين، استطاع عبدالرؤوف أحمد أن يُحدِّد أنَّ الجثة لامرأة في أواخر العشرينيات من عمرها، وأنَّها على الأرجح أُحضرت إلى هنا من المستشفى. وسبب الوفاة غير معروف.

حديقة البانوراما في الرقة تضم أكبر مقبرة جماعية

تقول الصحيفة، إنه في الظروف العادية، يكون استخراج الجثة هو بداية التحقيق وليس نهايته. لكن هنا في حديقة البانوراما، أكبر مقبرة جماعية في الرقة، هناك الكثير من الجثث والقليل من الوقت.

مساعد الطبيب الشرعي عبدالرؤوف أحمد وفريقه من المستجيبين الأوائل مسؤولون عن جمع الموتى في الرقة، الذين لا يزال كثيرٌ منهم تحت أنقاض المباني المُدمَّرة، أو مدفونين في مقابر جماعية. حيث اكتُشِفَت تسعة مواقع شبيهة على الأقل في المدينة بعدما حرَّرتها القوات التي يقودها الأكراد من قبضة تنظيم داعش في أكتوبر/تشرين الأول 2017، ويتوقعون أن يجدوا المزيد.

قتلى الأيام الأخيرة في عاصمة الخلافة

وتقول The Independent البريطانية إنه لا يزال الكثير حول هذه المقابر غامضاً، لكن هناك قصة ترويها حديقة البانوراما. فكل المدفونين هنا ماتوا في آخر معارك الرقة، وهي معركة مُدَمِّرة استمرت أربعة أشهر سوَّت المدينة بالأرض. وبعد مرور عام على هذه المعركة، يكشف هذا المكان، الذي كان يوماً ما مكاناً يسوده السلام، أهوال الأيام الأخيرة في «عاصمة» الخلافة.

حوَّلت القبور في حديقة البانوراما تلك الحديقة إلى نصب تذكاري مُروِّع. إذ تمتد أكوام التراب إلى مسافات بعيدة في خطوط مُرتبة تتبع اتجاه الخنادق المحفورة تحتها، وتظهر من الأعلى كأنَّها جزء من تصميم مُعقَّد لممرات مُرَّتبة تتقاطع مع بعضها من جانب إلى آخر.  

تكشف صور الأقمار الصناعية أنَّ تنظيم داعش بدأ بحفر تلك الحفر الضخمة في فبراير/شباط 2017، عندما بدأ بخسارة الأراضي في ريف الرقة لصالح قوات سوريا الديمقراطية بقيادة الأكراد. وكان هناك عدد من مواقع المقابر التي كانت أُعِدَّت مسبقاً بهذه الطريقة، لكن لم يكن أي منها بهذا الحجم.

بحلول شهر يونيو/حزيران، كانت المدينة محاصرة تماماً. وفي الأشهر التي تبعت ذلك، شنَّت قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة حملة قصف قتلت عشرات المدنيين. واستخدم مقاتلو داعش المدنيين دروعاً بشرية، ومات الكثيرون منهم في عمليات تبادل إطلاق النار.

يقول عبدالرؤوف أحمد، فيما كان يراقب فريقه وهو يحفر: «كان هؤلاء الناس محاصرين. إذ منع تنظيم داعش أي شخص من الخروج من المدينة، وقصف التحالف كل شيء. لم يكن لديهم أي خيار إلا الموت هنا».

ومع تكدس الضحايا، واجتياح القتال المدينة، لم يكن لدى السكان مكانٌ لدفن موتاهم. فاستخدموا أي رقعة من الأرض يمكنهم العثور عليها. وأصبحت حديقة البانوراما مكان الدفن الرئيسي في الرقة للمدنيين والمقاتلين على السواء.

يقدر المدفونون في حديقة البانوراما بـ 1500 شخص

كشفت الصحيفة، على لسان المسؤولين أن عدد المدفونين في المقبرة الجماعية بحديقة البانوراما حوالي 1500 شخص. وبالاستناد إلى الجثث التي استُخرجت حتى تاريخه، يقولون إنَّ الغالبية العظمى، حوالي 80%، كانوا لمدنيين أكثرهم نساء وأطفال، وإنَّ حوالي 20% كانوا لمقاتلي داعش.

عند الظهيرة، كان فريق أحمد قد استخرج خمس جثث من الأرض. كلٌ منها يروي قصة مأساة أخرى من تلك الأشهر الأخيرة.

قال أحمد: «استخرجنا من قبل جثث ثلاثة رُضَّع، أحدهم يبلغ ستة أشهر، والثاني يومين، والثالث عامين. هؤلاء أطفال ماتوا جرَّاء الانفجارات، والطائرات، والقصف».

وقال إنَّهم وجدوا بعض الأجنة مدفونة هنا أيضاً، والتي يشك أنَّ عدداً منها كان نتيجة حالات إجهاض نجمت عن قصف المدينة. وأضاف: «هذه هي المعاملة التي لقيها أهل الرقة، ولم يعانيها غيرهم».

منهم قتلى من الشيشان كانوا في تنظيم داعش

إلى جانب الأبرياء، دُفِن كذلك المقاتلون الذي جلبوا معهم الكثير من المعاناة للمدينة. فوُجِد في هذه المقبرة عدد من مقاتلي داعش الأجانب، بينهم عدد من المقاتلين الشيشان.

ترك الموت والدمار الذي تسبَّب به القصف في الرقة، والمُتجسِّد هنا في حديقة البانوراما، إرثاً مريراً. كان معظم سكان المدينة سعداء بالتحرر من داعش، لكنَّهم يشعرون بغضبٍ من الثمن الباهظ الذي دفعوه مقابل تلك الحرية.

ودافعت الولايات المتحدة، التي شنَّت حوالي 90% من الغارات الجوية على المدينة، عن الطريقة التي أدارت بها الحملة. فقال القائد السابق للتحالف الدولي ضد داعش، الجنرال ستيفن تاونسند: «كان هناك شعور بالحاجة المُلِحّة» للاستيلاء على المدينة لأنَّ التنظيم كان يستخدمها كقاعدة للتخطيط لشن هجمات على الغرب. جديرٌ بالذكر أنَّ عدد الضحايا المدنيين تفاقم بسبب استخدام التنظيم لهم كدروع بشرية.

اعترفت الولايات المتحدة بمسؤوليتها عن موت حوالي 100 مدني في الرقة، لكنَّ مراقبين مستقلين شككوا في هذه الأرقام.

فقالت مجموعة Airwars، وهي مجموعة تحقيق مستقلة مقرها المملكة المتحدة، إنَّ أكثر من 1500 مدني قُتلوا في هجمات جوية ومدفعية للتحالف في معركة الرقة الأخيرة بين يونيو/حزيران وأكتوبر/تشرين الأول2017.

منظمة العفو تندد بموقف الولايات المتحدة

في تقرير صدر الشهر الماضي عن منظمة العفو الدولية، قالت المنظمة إنَّ «استمرار عدم اعتراف التحالف بمدى هول الصدمة التي ألحقها بالضحايا من المدنيين، والدمار الذي تسبب به للرقة، ناهيك عن التقاعس عن إجراء أي تحقيق في ما حدث، يُشَكِّل صفعة في وجه الناجين الذين يحاولون إعادة بناء حياتهم ومدينتهم».

وقال أحمد إنَّ المستجيبين الأوائل وجدوا ما بين 4 إلى 5 آلاف جثة في أنحاء المدينة، في المقابر الجماعية وتحت الأنقاض، معظمهم من ضحايا الغارات الجوية.

تحتل حديقة البانوراما مساحة واسعة على شكل مثلت، وليست بعيدة عن نهر الفرات في جنوب غربي المدينة. ويجد زائرو الحديقة في استقبالهم نُصباً كبيراً لزهرة قرب المدخل.

وقبل الحرب، كان هناك لوحة زيتية كبيرة للرئيس السوري السابق حافظ الأسد تطل عليها. لكن عندما سيطر داعش على المدينة، طُليت اللوحة باللون الأسود.

توجد بالقرب من مركز الحديقة حالياً خيمة بيضاء صغيرة تُستخدَم كمكتب لحافري القبور. يتذكَّر كثيرون منهم زيارتهم للحديقة في فتراتٍ أفضل حالاً، عندما كانت الحديقة تمتلئ بالعائلات التي تريد الابتعاد عن صخب المدينة.

لم يخضع معظم هؤلاء العاملون في المقابر لتدريباتٍ متخصصة في العمل الذي يقومون به. وحتى عبد الرؤوف أحمد، الذي يعمل مساعد طبيب شرعي، لا يقوم إلا بفحص سريع للجثثث. فهو يتفحَّص الملابس التي يرتدونها، ويعطي سناً تقديرياً لصاحب الجثة، ويبحث إن كانت معهم أي وثائق (وهذا قليل الحدوث) أو أي علامات مميزة. بعد ذلك تُنقل الجثث لتُدفَن في مقبرة خارج المدينة.

العمل الذي يقومون به كئيب، لكنَّه ضروري، ويُعبِّر عن حال الرقة اليوم. قد يكون التحقيق الكامل في المقابر الجماعية في المدينة فرصة لأسر الضحايا ليجدوا بعض العزاء، أو حتى التحرك خطوة باتجاه مساءلة أولئك المسؤولين عن قتل ذويهم. لكن دون توافر التدريب والموارد اللازمين، فإنَّ ما يقوم به العاملون الآن هو مجرد دفن للماضي.

راقبت الباحثة الكبيرة في منظمة هيومن رايتس ووتش بريانكا موتابارثي عملية استخراج الجثث من إحدى المقابر الجماعية في الرقة في وقتٍ سابق خلال الصيف.

وقالت بريانكا لصحيفة The Independent البريطانية: «هذه الفِرَق المحلية تفعل ما بوسعها، لكن هناك قواعد أساسية في علم الطب الشرعي لا تُتَّبع. وهناك حاجة لكفاءات معينة للقيام بذلك».

شاهدت بريانكا المستجيبين الأوائل وهم يستخرجون الجثث من مقبرة جماعية أخرى في ملعب الرشيد، على بُعد حوالي ثلاثة كيلومترات من حديقة البانوراما. كان تنظيم داعش قد حوَّل الملعب إلى سجن عندما استولى على المدينة في عام 2014. واختفى الآلاف في سجونٍ مثل هذه ولم يُعرَف عنهم شيء بعد ذلك.

قالت بريانكا إنَّ فرصة الكشف عن مصيرهم تضيع.

وأضافت: «هناك عشرات العائلات في المنطقة فقدوا أحباءهم، وهذه المقابر فرصة لهم كي يعرفوا ماذا حدث لذويهم. لكن إن لم يتم تسجيل هذه الجثث بشكل ملائم، فإنَّهم سيخسرون هذه الفرصة. ودون توافر المساعدات الفنية المناسبة، فإنَّ عملية استخراج الجثث هذه لن تُوفِّر للعائلات الأجوبة التي كانوا ينتظرونها، وقد تتلف أو تُدَّمر أدلة مهمة ضرورية لأي جهود مستقبلية لتحقيق العدالة».

مدينة الرقة في حاجة إلى الدعم الكامل

قالت الصحيفة، إن كل هيئة رسمية في الرقة تقريباً تحتاج بشدة إلى المساعدة. فطالب مجلس الرقة المدني، الذي أنشأته قوات سوريا الديمقراطية لإدارة المدينة بعد هزيمة داعش، مراراً بالمزيد من الدعم من المجتمع الدولي لإعادة الإعمار، غير أنَّ الولايات المتحدة وغيرها ربطوا دعم إعادة الإعمار بالحصول على تنازلات من حكومة الرئيس بشار الأسد.  

وقال عبدالله العريان، المسؤول في لجنة إعادة الإعمار بالمجلس، والتي تتولى الإشراف على إدارة القبور الجماعية، لصحيفة The Independent، إنَّ معظم الضحايا الذين يُكتَشفون يكونون مدفونين منذ فترة طويلة جداً، وهم ليسوا أكثر من مجرد هياكل عظمية، الأمر الذي يتطلَّب معدات فحص غير متوفرة لديهم.

وأضاف: «نقوم بكل شيء باستخدام أيادينا، فليس لدينا أجهزة متخصصة لفحص تلك الحالات، وليس لدينا مختبرات لفحص الحمض النووي، ومعظم الجثث ليس معها أي وثائق».

وبينما يستمر المستجيبون الأوائل في البحث عن أي أدلة في حديقة البانوراما، يتوقع العريان اكتشاف مقابر جديدة. فقد اكتُشِفَت أكثر من 200 مقبرة جماعية في العراق، تحتوي تقريباً على 12 ألف جثة لضحايا تنظيم داعش. وهناك الكثير من المؤشرات التي تدعو لتوقع اكتشاف المزيد في سوريا.

وتابع العريان قائلاً: «لا أعتقد أنَّها آخر مقبرة جماعية».

اجمالي القراءات 122
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق