كل هذا الهلع من التنصير

آحمد صبحي منصور في الأحد 06 اغسطس 2006



الهلع سائد من جماعات التنصير الغربية، يؤجج هذا الهلع فكر المؤامرة ورياح الديمقراطية والحرية التى بدأت تلسع قفا الطغاة والمتطرفين . وكالعادة لجأوا الى استخدام اسم الاسلام العظيم ليحتفظوا بالسلطة والنفوذ.
فى السبعينيات كانوا يرهبوننا من الثقافة الغربية قائلين انها غزو فكرى وطمس للهوية، وهو قول يحوى طعنا ضمنيا فى ثقافتنا وعقليتنا، وننتظر الآن حملة ارهاب فكري أخرى تخوفنا من التبشير والتنصيرالآتية مع رياح الحرية والتغيير. والطعن هنا يوجهه الطغاة السياسيون والمتطرفون الى الاسلام رأسا متهمين اياه بالعجز عن الصمود امام معتقدات أخرى. الطغاة البغاة لايعنيهم الاسلام أو المسيحية ولا تعنيهم الثقافة العربية أو الغربية، انما الذى يعنيهم أن يظلوا على أكتافنا حكاما يزهقون أنفاسنا ويسلبون ثروتنا وكرامتنا وأحلامنا ومستقبل أولادنا. ونحن فى نظرهم مطايا للركوب سهلة التوجيه والتخويف أو على أحسن تقدير سفهاء أو أيتام دون البلوغ نستحق الوصاية ولن يأتى لنا – أبدا – موعد النضج وتحمل المسئولية.
لكن الأمر يستحق ان نناقش موضوع التنصير بين المسلمين من وجهة نظر اسلامية نضع فيها بعض النقاط فوق بعض الحروف.
أولا: نبدأ بالدين نفسه:
1- دين الله تعالى بايجاز هو التسليم له تعالى وحده الاها لا اله غيره ونشر السلام فى الأرض ، بهذا نزلت كل الشرائع السماوية لاقامة العدل والقسط فى التعامل بين الناس وفى التعامل مع الله تعالى.( الحديد 25) . قد
تختلف الشرائع والمناسك فى الرسالات السماوية ولكن هذا الاختلاف هو للتنافس فى الخيرات(المائدة48) .
2- الله جل وعلا ليس محتاجا لعبادتنا، وليس محتاجا حتى لجهادنا ، فهو جل وعلا " الصمد" الذى لايحتاج لأحد ويحتاج اليه كل أحد، وهو تعالى"الغنى عن العالمين":" ومن جاهد فانما يجاهد لنفسه ان الله لغنى عن العالمين: العنكبوت6"" ان تكفروا فان الله غنى عنكم ، ولا يرضى لعباده الكفر. وان تشكروا يرضه لكم."الزمر7"
3- الذى يحتاج الى الايمان وعمل الصالحات هو نحن لنفوز فى اختبار الحياة . ولأنه اختبار فهو مبنى على تمام الاختيارومطلق الحرية فى الطاعة أو المعصية، فى الايمان أو الكفر ، فكل منا سيكون مسئولا عن نفسه واختياره امام الله تعالى يوم الدين.
4- على ذلك فالهداية مسئولية شخصية ، ومن اهتدى فقد اهتدى لنفسه ومن ضل فانما يضل على نفسه ويتحمل عاقبة عمله في الآخرة. وهذه حقيقة قرآنية تواترت فيها الآيات لتؤكد ان النبى نفسه لايمكن ان يهدى من أحب وليس عليه مسئولية الهداية وانما فقط التبليغ . وبالتالى فانه ليس من سلطة البشر( من الدولة ، الكهنوت ، الحاكم ، المجتمع ، المؤسسات الدينية ) التدخل لاكراه أحد فى اختياره الدينى أو الفكرى أو العقيدى . كل فرد له تمام الحرية فيما يختار وفيما يدعو الآخرين اليه طالما لا يرغم احدا فى الدين. الدعوة الدينية مناخ حر مائة فى المائة ووظيفة الدولة فى الاسلام هى حفظ حقوق البشرالمادية والمعنوية وأولها حريتهم المطلقة فى الايمان والكفر دون أى نوع من التعدى على الآخرين.أى باختصار ضمان حرية هذا المناخ واستمراره حرا بدون تدخل يهدد حرية أى فرد فيما يختار لنفسه من عقيدة ودين ولتكون مسئولية كل فرد حقيقية على ما اختاره لنفسه بعد علم وفهم أو بدون علم وفهم..
هذا فى الدين ووصاياه ومبادئه أو ما ينبغى أن يكون.
ثانيا : فى التدين :
التدين هوالتطبيق العملى للدين . و العادة ان يبدأ التطبيق أروع ما يمكن ثم يلحقه التغيير والتبديل طبقا لمصالح ومنافع سياسية، ثم يكتسب التغيير والتبديل مشروعية زائفة عبر أحاديث ضالة ووحى كاذب، وبمرور الزمن من التطبيق التطبيق لهذا التبديل والتحريف تتوارى حقائق الدين العليا ليحل محلها التدين النفعى والاحتراف الدينى مرتبطا بالاستغلال الاقتصادى والاستبداد السياسى والفساد المجتمعى مما يجعل بعض المثقفين يتخذ موقفا عدائيا من الدين كله بدون تفرقة بين حقائق الدين وخطايا محترفى التدين خدم الاستبداد أعوان الفساد. نضع هنا أيضا بعض النقاط:-

1- فى دولة النبى محمد عليه السلام كان التدين أو التطبيق أروع ما يكون، كان فيها للمنافقين والمنافقات حريتهم الكاملة فى الأمر بالمنكر والنهى عن المعروف وعن طاعة النبى ، وكان للمؤمنين والمؤمنات نفس الحرية للدعوة للأمر بالمعروف والنهى عن المنكر واقامة الصلاة وايتاء الزكاة وطاعة الله تعالى ورسوله (التوبة67 &71 ) والمعروف فى مصطلحات القرآن هو القيم العليا المتعارف على انها خير من العدل والسلام والاحسان والحرية والكرم والحب والشفقة..الخ ، بينما المنكر هو ما يعرفه الناس من الشرور والآثام والرذائل والظلم والتعدى والقهر.. الخ.
2- بسبب ظرف سياسية تحول تدين المسلمين الى غزوات معتدية على الغيربالمخالفة لتشريع القرآن فى قصر الحرب على الدفاع فقط، وتكونت للمسلمين امبراطورية تواجه امبراطورية الروم وتنازعها السيطرة على العالم ، وبهذا تحول تدين المسلمين الى تقسيم العالم الى قسمين دار الحرب ودار الاسلام ، وأصبح اهل الكتاب داخل امبراطورية المسلمين مواطنين من الدرجة الثانية او أسوأ.وسار الروم على نفس السياسة فى التعامل مع المسلمين اذ كان ذلك هو منطق العصور الوسطى الذى استمرالى ان تحررت منه أوربا واستمر المسلمون خاضعين له طيلة الخلافة العثمانيةا.
3- بدأ المسلمون فى الخروج من شرنقة العصور الوسطى باصلاحات محمد على فى مصر وباى تونس ، وازدهرت حركة الاصلاح التى تأخذ عن أوربا الا ان الاصلاح تعطل لاسباب كثيرة اهمهاالاستبداد العسكرى الحاكم و المذهب الوهابى الذى استرجع اشد فكرالمسلمين تخلفا وتعصبا وتطرفا فأصبح بالنفط السعودى ممثلا للاسلام نفسه، هذا المذهب الوهابى هو الذى أنشا حركة الأخوان المسلمين وما نشأ عنها من تنظيمات سرية وعلنية قامت وتقوم بصياغة عقول المسلمين على أساس التدين العصر اوسطى وتجلياته ومنها تقسيم العالم الى دار الحرب ودار الكفر. هما معا - الاستبداد العسكرى والتطرف الدينى - يجدان مبرر وجودهما فى تخويفنا من معسكر الغرب ، فثقافته غزو فكرى، وحواره الدينى معنا- لتقرير حقوق الانسان فى حرية الاعتقاد- هو تبشير. مع ان حقائق الاسلام تؤكد كما سبق على حرية الاعتقاد المطلقة وحرية الدعوة الدينية بالاقناع وليس بالاكراه.
4- الغرب نفسه فتح أبوابه للمسلمين وغيرهم للدعوة الدينية لينشر الأخرون عقائدهم بين المسيحيين الغربيين وفق منظومته القيمية فى حرية الدين والشعائر. واستغل المتطرفون ذلك فى الدعوة للوهابية ( لا أقول هنا الدعوة للاسلام) وهم يتفاخرون بامكانهم شراء الكنائس فى الغرب وأمريكا وتحويلها الى مساجد بينما لا يستطيع أقباط مصر أصلاح دورة مياه فى كنيسة الا بصدور موافقة من رئيس الجمهورية وفقا للخط الهمايونى العثمانى والذى لا يزال معمولا به حتى الآن بعد زوال الدولة العثمانية ذاتها.
5- نتيجة لفتح الغرب أبوابه للوهابيين انتشر التطرف الوهابى فى الغرب ذاته مهددا الغرب وامريكا داخل ترابها، أو على حسب التعبير الفقهى السلفى مهددا ( دار الحرب ) اختطف الوهابيون ليس فقط منظومة الغرب القيمية من حرية العقيدة ولكن اختطفوا أيضا دين الاسلام العظيم وهو ضد كل مقولاتهم التشريعية والعقائدية.
6- العدل يحتم انه طالما يفتح الغرب لك أبوابه لتدعو الى تدينك بحرية بين مواطنيه فالواجب عليك أنت أيضا ان تفتح أبوابك له ليدعو الى تدينه بحرية بين مواطنيك. والغرب هنا يقرن دعوته اللاهوتية بثقافة حقوق الانسان ، أى لا يجبر أحدا على الاعتقاد وانما يتقرب اليه بالاحسان والمساعدات والهبات والمستشفيات والتعليم العادى والتدريب وحسن الأخلاق ليقنعه بالكهنوت المسيحى والخلاص على الطريقة المسيحية. اقناع دون اكراه أو اجبار. هذا يختلف تماما عن اسلوب الدعوة الوهابية المعروف والقائم على الاسترزاق ونشر كراهية الغير حتى فى عقر داره.
7- مع ذلك فان الدعوة للاسلام تلقى رواجا فى الغرب لسهولة عقيدة الالوهية فى الاسلام وبساطتها. حالات فردية تلك التى تحول فيها مسلمون الى المسيحية، لضآلتها الشديدة لا يمكن ادراجها فى احصائية او نسبة مئوية بالنسبة للمليار وربع مسلم فى العالم . ولكن مع ذلك تتعاظم مخاوف المتطرفين والمستبدين من التنصير والتبشير ليس حرصا على الاسلام ولكن خوفا على السلطة السياسية والدينية. والشعب هو الضحية ..أليسوا هم الراعى والشعب هو الرعية حسب تراثهم ؟؟ وماهى الرعية سوى الانعام والبقر والماعز والأغنام. لذا يخافون من تناقص عدد المواشى التى يحكمونها و يملكونها. هذه هى نظرتهم "للرعية" وذلك هو سبب رعبهم من الحرية والديمقراطية والوعى الذى يتحول به "القطيع" الى بشر حقيقى مستحق لتكريم رب العزة جل وعلا له.
اجمالي القراءات 32220

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (1)
1   تعليق بواسطة   لطفية سعيد     في   الأربعاء 09 مارس 2016
[80775]

بين الدين والتدين


من المستفيد الوحيد من عمل الصالح والعقيدة السليمة ؟ هل يحتاج الإسلام أحدا  من البشر كي يرغم  باقي البشر على اتباعه  ؟! الله سبحانه غني عن العالمين ، وهناك فرق  بين حقوق العباد   من حيث السلوك  وسن القرآن حدودا لا تقبل الشك فيها على سبيل المثال ، القتل أو السرقة او رمي المحصنات ، لها عقوبات ثابتة لأنها تخص حقوق العباد .. أما حقوق الله سبحانه من الإيمان به وحده والتسليم الكامل له والإخلاص،   ليس لها لها عقوبة دنيوية مطلقا ، بل العقاب فيها مؤجل البت فيه لليوم الآخر حيث تبلى الصدور، وتُعرف صدق النوايا ! هل يحتاج الإسلام أحدا من البشر مكرها عليه ، مرغما على اتباعه بالقوة ؟! ولم كانت فترة الاختبار والاختيار من البداية ؟!على العكس تماما الإسلام الحقيقي المتمثل  في القرآن يحارب الفتنة وهي الإكراه ويأمر بحرية الاعتقاد .. إذ ان  الهداية مسئولية شخصية  .. من أين أتت تلك الوصاية  من طبيعة التدين، والتدين هو التطبيق العملي للدين، وعادة تكون بدايته أروع ما يكون ، وكان ذلك التطبيق الرائع في عهد الرسول ،وفي دولته المدنية حيث عاشت فيها جماعات  متفرقة  اتسع لها صدر الدولة المدنية .. ثم بدأ هذا التدين في الابتعاد والتغيير طبقا لمصالح ومنافع سياسية ،ثم اكتسب التغيير والتبديل مشروعية زائفة عبر أحاديث  ضالة ، ووحي كاذب ، وبمرور الزمن توارت حقائق الدين العليا ، لتحل محلها التدين النفعي مرتبطا بالاحتراف الديني والاستغلال الااقتصادي  ،والاستبدادا السياسي ، مما يجعل  بعض المثقفين يتخذ موقفا من الدين  وهو لا يدري انه هو التدين الذي فرضته مجموعة المنتفعين وليس الدين الحقيقي !!



أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-05
مقالات منشورة : 3222
اجمالي القراءات : 25,339,528
تعليقات له : 3,805
تعليقات عليه : 11,678
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : United State

مشروع نشر مؤلفات احمد صبحي منصور

محاضرات صوتية

قاعة البحث القراني

باب دراسات تاريخية

باب القاموس القرآنى

باب علوم القرآن

باب تصحيح كتب

باب مقالات بالفارسي