حديث عن الفتنة الصحفية في مصر!

سليم عزوز في الأربعاء 19 سبتمبر 2007


في الفتنة الكبري اعتزل الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص الناس وقال: ائتوني بسيف يميز بين الحق والباطل. وفي رواية أخري قال: ائتوني بسيف اذا ضربت به المسلم لم يقطع، وإذا ضربت به الكافر قطع!.

لم أجد أروع من هذا القول لأستهل به هذه السطور عن الفتنة الصحفية في مصر، التي نتجت عن حكم المحكمة بحبس وتغريم أربعة من رؤساء تحرير الصحف الخاصة، اتهمهم الحكم بإهانة الرموز الوطنية، كما نتجت ايضا عن التحقيق مع أحدهم، واحالته للمحاكمة في القضية الخاصة بنشر شائعة مرض الرئيس مبارك، وقد اختلطت القضيتان، حتي صار كثيرون ينظرون إليهما علي انهما قضية واحدة، ربما لتزامن الحكم مع التحقيق والإحالة في القضية الثانية، وربما لان أحد رؤساء التحرير الذين أدانهم حكم الحبس هو من حقق معه أمام نيابة امن الدولة واحيل أمره للقضاء، وليس هذا وحده هو بيت القصيد، فسواء في دعوي الحبس او في بلاغ الشائعة، فنحن لسنا بصدد قضية يمكن ان يتعامل معها المرء علي طريقة: ابيض او اسود، فكما يقف الصحفي الحكومي ضد الضحايا، فان علي الصحفي المعارض ان يخرج لهم مبايعا في المنشط والمكره!.



منذ أيام استضافتني قناة الحوار في برنامج لها تقوم فكرته علي استضافة معلق يدلوا بدلوه في موضوع الحلقة، ثم يتم فتح الباب لاراء المشاهدين حوله، وقد أشار مقدمه الي موضوع الحكم والي بلاغ الشائعة، وهو ما أوضحته في تعليقي، ولكن بعد ان انتهيت وذهبت لحال سبيلي، راعني ان المشاهدين تعاملوا كما لو كان رؤساء التحرير الذين تم الحكم ضدهم، أدينوا بتهمة نشر وترويج شائعة مرض الرئيس!.

عندما تقرر التحقيق مع الزميل إبراهيم عيسي رئيس تحرير الدستور بتهمة نشر شائعة من شأنها تكدير السلم العام، وتخريب الاقتصاد المصري، وإشاعة الهزال في منطقة الشرق الأوسط، وإحباط الأمة.. امتنا والأمم المجاورة، تلقيت اتصالا هاتفيا من الزميلة نور الهدي زكي الصحفية بجريدة العربي يحيطني علما ان وفدا سيتحرك في صباح باكر من أمام نقابة الصحفيين الي آخر بلاد المسلمين حيث المقر الجديد لنيابة امن الدولة العليا في التجمع الخامس ، لتأكيد التضامن معه، وقد راقت لي الفكرة في اللحظة الأولي، فمن ناحية فان هذا يدخل في باب الواجبات الاجتماعية، ومنذ ان خضت الانتخابات البرلمانية في مسقط رأسي بالصعيد الأقصي ومعلوم انني سقطت ، وأنا أتصرف علي طريقة زعماء القبائل في مثل هذه الشئون، ذلك بأن الإجماع هناك انعقد علي ضرورة تأييد أحد الأشخاص، وعندما كنت اسأل عن عطائه التاريخي للدائرة وأهلها، الذي ألف حوله القلوب، قيل لي انه لم يترك مناسبة اجتماعية إلا وشارك فيها، في الأفراح يكون أول من يحضر واخر من ينصرف، وهو امر مبرر، انما غير المبرر هو انه يقيم في المأتم، ولمعلوماتكم العامة فان الميت عندنا يقيمون له سرادقا ثلاثة ايام بطولهم، وهو امر لا أستطيع القيام به ولو كنت سأصبح رئيسا لدولة لها علم ونشيد، وليس مجرد نائب في مجلس الشعب، يتصرف معي رئيس المجلس علي انه السيد ناظر المدرسة!.

المهم، فان الرجل بمجرد ان نجح لم يقم سرادقا، للتعزية او للتهنئة.. أحسن، والاهم من ذلك انه من ناحية أخري انه في تضامنا مع إبراهيم عيسي نقوي موقفه ونكون كمن اخرج لسانه لخصومه، وهو واجب وطني، ويدخل في باب أضعف الإيمان، المنوط بالضعفاء من أمثالنا الذين لا يستطيعون ضربا في الأرض ولا شجاعة المواجهة الصريحة!.

لكن سرعان ما فتر حماسي، فإبراهيم عيسي لا يقف مع أحد، ولا ينحاز لزميل مسه قرح، ومن قبل دخل السجن نفر من الزملاء، ولم يكتب كلمة دفاعا عنهم، وأغلقت جريدة آفاق عربية ، وشُرد الزملاء العاملين فيها، واعتصموا وتظاهروا، ولم يشاركهم ولو مرة نضالهم، المرة الوحيدة الذي تحركت لديه جينات التضامن كانت عندما تم القبض علي الدكتور سعد الدين إبراهيم في قضيته الشهيرة، فقد كتب مقالا ودار به علي الصحف بغية نشره، فهو وقتها كان ممنوعا من الكتابة، قبل ان يغمره رضا صفوت الشريف الأبوي، ويسمح لجريدة الدستور بالصدور أسبوعيا، وعندما يقرر ان يصدرها يوميا فان الأمر لم يستدع سوي ان يشرب قهوته في مكتبه العامر بالإيمان، ويخرج من عنده سالما غانما تصحبه السلامة!.

ثمة شئ آخر هنا، وهو ان صاحبنا منفوخ بالفطرة، واحالته للنيابة ببلاغ مقدم من جهاز امن الدولة، وسط زفة من المؤيدين، أمر من شأنه ان يؤثر علي حالته النفسية، وهي تهمني بحكم الزمالة. وفي تقديري ان وقف طبع وتداول الإصدار الأول من جريدة الدستور لم يؤثر فيه كما اثر قول بعض الزملاء أنها لم تنجح بإبراهيم وحده، وانما بهم أيضا، فقرر في هذا الإصدار ان يكون هو الكاتب الأوحد، والصحفي الوحيد، والمناضل الذي لا يستطيع ان يصل الي سقف نضاله أحد بالجريدة، فكيف وهو يهاجم رئيس الدولة ونجله، وفي الإصدار الحالي لم يدعو للعمل معه ايا من هؤلاء الذين ساهموا معه في نجاح الإصدار الأول إلا بلال فضل ربما لانه تحقق في مجال اخر هو عالم السينما؟!.

ونظرا لأنني لم استطع ان احسم امري، وعندما اعجز عن الحسم فانني أتحول الي صوفي لاينقصه سوي لحية طويلة وعمامة خضراء، فقد استدعيت قول أحد المتصوفة: لا تدبر لك أمرا فأولي التدبير هلكا.. سلم الأمر تجدنا نحن اقرب لك منك. وقلت في عقل بالي ان استيقظت مبكرا، فسوف أشارك الزملاء نضالهم، وان لم يحدث فيا دار ما دخلك شر، وقد استيقظت في العاشرة صباحا.. نوم العوافي!.

في جلسة ضمت رهط من الزملاء صرحت برأيي، وعارضني الحضور وقالوا ينبغي ان تكون مع المبدأ. وما هو المبدأ؟ ان تقف ضد الحبس في قضايا النشر. قلت لهم لا اظن انه سيحبس، فضلا عن ان من قدموه للمحاكمة خدموه بغبائهم الموروث، وانتظروا كيف سيرتفع توزيع الدستور بسبب هذه الدعاية المجانية من قبل السلطة. قالوا ان المواد التي قدم بها للمحاكمة تبيح الحبس الاحتياطي في قضايا النشر، قلت: انتظروا إننا معكم منتظرون!.

بعد ان انتهت النيابة من التحقيق أخلت سبيله بضمان بطاقته الصحفية، ثم أحالته لمحكمة الجنح، والتي لو قررت حبسه، فمن حقه الطعن في الحكم، أمام محكمة جنح مستأنف. بيد ان هناك شائعة نشروها وهي ان محكمة الجنح هنا سيكون حكمها واجب النفاذ، وقد شككوني لقوة الشائعة في ثقافتي القانونية، وبادرت بسؤال أصدقائي من المحامين، وكان قولهم ان محاكم الجنح أحكامها بالسجن يتم وقفها بدفع الكفالة!.

أحد الأصدقاء انتحي بي جانبا وقال: مثل هذا الرأي الذي قلته لا تجهر به أمام أحد؟.. ماذا أفعل به اذن.. هل أخلله ، من التخليل؟.. قال: احتفظ به لنفسك. لن أكون اذن سليم عزوز.. قال: الخوف من ان يساء فهمك. قلت: انا اهوي ان يساء فهمي.. هويدي!.

عندما خرج ابراهيم عيسي من النيابة تصرف علي انه سعد باشا زغلول وهو عائد من المنفي.. رفع علامات النصر، وأرسل قبلات لأنصاره في الهواء، ونشر في جريدته اكثر من صورة بخط سير قبلة من هذه القبلات. لم يعد صاحبنا بحاجة لحركات فشنك يحقق بها الدعاية لنفسه، وقد وصل به الحال الي أنه كل سنتين ومنذ ان اصبح عضوا في نقابة الصحفيين وهو يعلن قبل فتح باب الترشيح علي منصب النقيب انه مرشح له قبل ذلك بشهور، وعند يتحدد الموعد يقال انه اول من سيتقدم، فيمر اليوم الأول والثاني، وفي اليوم الأخير يشيع انه سيأتي قبل دقائق من غلق باب الترشيح، ويُغلق باب الترشيح ولا يأتي. وفي الانتخابات التي جرت قبل عامين نشرت جريدة المصري اليوم خبر تأهبه للترشيح، في صدر صفحتها الاولي، ولم يترشح، وقلت لاحد الزملاء هناك: حصلوا منه قيمة الخبر باعتباره إعلانا!

في شهر نوفمبر، او ديسمبر، ستجري انتخابات نقابة الصحفيين، ولم يعلن إبراهيم عيسي انه سيرشح نفسه، ولن يعلن، فليس بحاجة الي مثل هذه الأخبار المضروبة ليُبروز نفسه، فالنظام يقوم بالواجب، ويقدمه للمحاكمة في قضية من اغرب القضايا، فهو لم يختلق شائعة مرض الرئيس، فالشائعة انتقلت في مصر كلها قبل ان تنشرها الدستور ، وترسانة الإعلام المملوكة للسلطة عجزت عن أن تواجهها، والرئيس - شأن كل الرؤساء - يجري عليه ما يجري علي البشر، من مرض ونصب وموت، والقول بأن الرئيس مريض لا يمثل أي إساءة إليه، حتي وان كان الخبر غير صحيح. فقبل شهر أخذت أنا دور انفلونزا مدمر، حتي ظننت أنها انفلونزا الطيور ، ولم يؤثر هذا علي سمعتي في السوق، ولم تستغن هذه الصحيفة وغيرها عن خدماتي لان القائمين عليها علموا انني امرض كسائر البشر، أو انني بعد عمر طويل، وبعد الشر، بعد الشر، سأموت!.

وأكبر جريمة ارتكبها القوم في حق أنفسهم هي تصويرهم علي ان الدستور قد هزت أركان الدنيا بنشرها الشائعة، فتسببت في خسارة البورصة، وهز الاقتصاد وتكدير السلم العام، وإشاعة الإحباط في ربوع المحروسة، كيف لصحيفة لا يزيد توزيعها عن خمسين ألف نسخة في اليوم ان تفعل كل هذا، وتؤثر في (77) مليون مصري.. يبدو أنها من أهل الخطوة، حسب التعبير الصوفي. والغريب ان يعجز القوم بترسانة صحفهم عن ان يحولوا ما نشر الي عهن منفوش.. بالطبع سيزيد توزيع الدستور بفضل ما جري.. يعجبني ذكاء حكومات دول العالم الثالث!.

ثم اذا كانت شائعة كهذه فعلت ما فعلت، فماذا لو اصبح الأمر حقيقة، ومرض الرئيس كما مرضت انا قبل شهر، ثم لقد شاهد الناس الرئيس في شهر رمضان قبل ثلاثة أعوام وهو يسقط أمامهم بينما كان يلقي خطابه في شهر رمضان، وسافر الي ألمانيا وهناك أجريت له جراحة، وشاهدناه علي سرير المريض يتحدث للتلفزيون المصري، ولم يقل ان اقتصاد البلاد قد اهتز، وان السماء انطبقت علي الأرض، ولم تصاب الأمة بالإحباط المعوق للتزايد السكاني، ولم ينادي مناد: مالطا خربت يا رجالة!.

ثم كيف يحدث كل هذا البلاء الذي لم يستحوا ان يذكروه في أوراق رسمية من جراء نشر الدستور للشائعة، في وقت صدعوا فيه رؤوسنا بأننا بلد مؤسسات، ام ان الأمر كان مزاحا لا اكثر!

زميلة في معرض اعتراضها علي قالت انها ضد رئيس تحرير الدستور، لان بينه وبين جماعة الإخوان صفقة، ولموقفه المهادن للأمريكان، الذي قال أحدهم في قناة الجزيرة - والحجة عليها - ان الإصلاح في مصر يقوده شخصيات مثل إبراهيم عيسي، ثم استدركت: لكن ينبغي ان تقف مع المبدأ، وهو لا لحبس الصحفيين!.

عن نفسي لا ابني موقفي تجاه الآخرين علي موقفهم مع او ضد الإخوان، فهم فصيل وطني جاد له وعليه، ولا اهتم كثيرا بكلام الأمريكان فكونداليزا رايس تمتطعت وقالت أنها تشعر بالقلق لحبس ايمن نور، فحبسوه خمس سنوات، ولم تأخذهم به رحمة. وكلام المسؤولين الأمريكان في مسألة الإصلاح أشبه ما يكون ببيانات رئيس الوزراء المصري السابق عاطف عبيد، التي كانت تأتي محملة بأطنان من الإنجازات الكاذبة، اما المبدأ فأنا معه، بيد اني لا أميل للمهرجانات، وأري ان البكاء ينبغي ان يكون علي رأس الميت، ويوم ان يحبسوا إبراهيم عيسي سأعلق له لافتة تأييد أمام منزلي، وقبل هذا فإنني بحكم السن ليس لدي القدرة علي المشاركة في فرح العمدة المنصوب. فقبل ذلك تم تقديم أحد رؤساء التحرير للمحاكمة بتهمة سب قاض، وعلي الرغم من انه باع المحررة التي كتبت الخبر في التحقيقات الا انه خرج ليواجه الفضائيات معلنا: سنقاتل، وبعد ان احتشد النشطاء خلفه وهتفوا له بالروح وبالدم تم التنازل عن البلاغ وانتهي الأمر ليصبح الجري للمتاعيس!.

ما علينا، فقد كنت ابغي التعليق علي حكم الحبس الذي طال أربعة من رؤساء تحرير الصحف الخاصة، بيد ان الكلام أخذنا، ثم أنني نسيت استهلالي للمقال بموقف سعد بن ابي وقاص، وكنت أريد ان انطلق منه الي إعلان موقفي باعتزال الفتنة، لكن واضح انني لم اخلق لمثل هذه المواقف العظيمة، عذري انني لم أناصر في هذه الفتنة جبهة ضد الأخري فقد قاتلت علي الجبهتين.. صعيدي ولا مؤاخذة!

اجمالي القراءات 9201

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2007-06-30
مقالات منشورة : 12
اجمالي القراءات : 84,749
تعليقات له : 0
تعليقات عليه : 2
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt