المضحك.. والمبكي.. والمائع.. في وثيقة الاستبداد الاعلامي!

سليم عزوز في السبت 16 فبراير 2008


من سره ان ينظر الي أناس من العصر الحجري، فلينظر للسادة وزراء الاعلام العرب، الذين اجتمعوا في جامعة الدول العربية، يريدون منا ان نرجع (زي) زمان، دون ان يقولوا للزمان ارجع يا زمان. مع احترامنا للست أم كلثوم!
زمان كانت الأنظمة هي المهيمنة علي الاعلام، والذي لم يكن له الا أن (يبروز) السادة الحكام، وأنجالهم، وكانت الأنظمة لا تذيع ولا تبث، الا ما تريد، وتحجب عن المواطن، ما تريد حجبه، ومن عجب ان يجتمع الأشاوس في اجتماع استثنائي، وغايتهم ان يقولوا للمواطن: للخلف در، علي الطريقة العسكرية، مع أننا في زمن السماوات المفتوحة!


لقد اقر القوم، ما عُرف بالوثيقة الاعلامية، التي تتضمن سبل العودة بنا الي زمن الدولة المهيمنة علي الاعلام، وأقروا مبدأ (السيادة الوطنية)، والذي يعني، حق كل دولة ان تقر من القوانين، ما يمكنها من اختيار الزمن المناسب، التي تريد العودة اليه، ومعلوم ان بعض الدول تريد العودة الي زمن ما قبل الخليقة الفضائية، وان كان ولا بد، فانه تكفيهم وتكفي شعوبهم، قناة روتانا سينما، مش ح تقدر تغمض عينيك!
هذه الوثيقة التهمة، تأتي في سياق، السعي الحثيث من قبل الأنظمة العربية، للعودة للمربع الأول، بعد سنوات من الحراك السياسي، والحديث عن الاصلاح، والذي لم يكن من (فضلة خيرهم) وانما كان استجابة للتعليمات الأمريكية في هذا الصدد!
لقد لوحت لهم كوندوليزا رايس بالعصا الغليظة من مكان سحيق، وهددتهم بالويل والثبور، ان لم يسيروا في طريق الاصلاح، فاذا بهم ينفرون خفافا وثقالا، ويغدون خماصا وبطانا، وتحدثوا لحد الملل عن الاصلاح، وكيف انهم اتخذوا هذه الخطوة بمحض الارادة، لانهم اصلاحيون بالفطرة، وانهم سيطبقون الاصلاحات السياسية دون املاءات من أحد، يمكن ان تنال من (السيادة الوطنية) الأصيلة. وعقدت المؤتمرات في هذا الصدد، وخرجت مبادرات عربية للاصلاح من هنا ومن هناك، ومن مكتبة الاسكندرية، التابعة لوزارة الثقافة المصرية، ومن القصر الملكي السعودي، فحتي السعودية يا مسلم، خرجت منها مبادرة للاصلاح.. تصور!
وحدث ان تم اسر الرئيس الشهيد صدام حسين، وكان تحت تأثير عملية تخدير اقدم عليها البرابرة الأمريكان، ليظهروه أمام العالم مهزوزا، فاهتزت العروش العربية، ومن معه أسلحة خردة قام بتسليمها للراعي الأمريكي، علي أساس ان هذا كل ما يملكه من أسلحة الدمار الشامل، وركب الأنجال هنا وهناك الموجة ورفعوا رايات الاصلاح، وقال احد القادة العرب ان من لم يحلق لنفسه سوف يحلق له البيت الابيض. وانه لا بد من تطبيق الديمقراطية، ليكون الأمر بيدنا لا بيد عمر!
لكن رايس تبين أنها لم تكن جادة في دعوتها وتهديداتها، فتم طي صفحة الاصلاح، وجرت تعديلات دستورية لتبقي علي السادة الحكام في مواقعهم الي يوم يبعثون، وليكون الوارث منهم بعد عمر طويل!
لقد وصل الحراك السياسي للاعلام، فشاهدنا بعض البرامج، في بعض الفضائيات الخاصة، ترفع سقف الحرية فيها، وكان علي وزراء الاعلام العرب مهمة خفض السقف ليلامس الأرض، فكان هذا الاجتماع، وكانت هذه الوثيقة.
لقد عاد القوم وزادوا، في ان وثيقتهم أعدتها مجموعة من الخبراء في مجال الاعلام، ومن عجب انهم لم يعلنوا أسماء هذه الصفوة المختارة من السادة الخبراء، الذين ينبغي ان يخلدوا، ويدخلوا التاريخ من أوسع أبوابه، ولكن بظهورهم.
وثيقة الخبراء، هي وليدة عقل مرتبك، لركاكتها، وهي تنافس في الركاكة، كلمة وزير الاعلام المصري انس الفقي، والتي كانت مع ذلك كاشفة، لما في الصدور، فالفضائيات ليست فقط المستهدفة بالرقابة، ولكن الأمر سيشمل الاعلام الالكتروني، فقد طالب بتشريعات علي النحو الذي يواكب التقدم العالمي في هذا المجال، ومراعاة خصوصيات المجتمع العربي!
انظر الي التدليس، فالوزير المفدي، يتحدث عن التقدم العالمي، ثم يسحق العبارة بالحديث عن خصوصيات المجتمع العربي. وقد احترت واحتار دليلي في المدلولات التي ترمي اليها عبارات مثل: السيادة الوطنية، والخصوصيات العربية، عندما ينطق بهما أحد من أهل الحكم، وقد تم الاسراف في ترديد المصطلحين في اجتماع الأشاوس وزراء الاعلام العرب، وجاء في الوثيقة الالتزام باحترام مبدأ السيادة الوطنية لكل دولة علي أراضيها.
في بطن الوزراء
الوثيقة ليست ركيكة فحسب، ولكنها مائعة أيضا، وهي تضم كثيرا من البنود، التي لا يمكن للانسان ان يقف علي مراميها بسهولة، الا اذا قرأ ما في بطن الوزراء العرب، مثل النص الذي يلزم الاعلام الفضائي بعدم التأثير سلبا علي السلم الاجتماعي، والوحدة الوطنية، والنظام العام والأدب العامة، وهو امر ذكرنا بنص يجرم قيام الصحافي بتكدير السلم العام، تم وضعه في قانون النشر في مصر.
ومن النصوص التحفة أيضا، الامتناع عن بث كل شكل من أشكال التحريض علي العنف والارهاب، مع التفريق بينه وبين الحق في مقاومة المحتل!
كلام جميل لا ريب، لكن الأشاوس الذين اجتمعوا لم يضعوا تعريفا للمحتل، والمعني هل يستطيعون ان (ينوروا المحكمة) ليفتونا في الحالة العراقية، وهل يسري عليها ما يسري علي العنف المنبوذ، ام المقاومة المطلوبة؟!
ان ما لا يختلف عليه اثنان، هو ان الكيان الاسرائيلي محتل للأراضي العربية، ومع هذا فقد تم رفض طلب قناة (الأقصي) المملوكة لحركة حماس، من ان تبث علي القمر نايل سات، لانها تقف علي خط النار في مواجهة المحتل، ربما خوفا من الجانب الاسرائيلي، وربما تقربا اليه بالنوافل، وربما ابتهج جماعتنا عندما رفضوا الطلب لانهم بذلك تأكدوا من ان سيادتهم الوطنية ليست علي أراضيهم وحسب، ولكن علي سمائهم أيضا!
نعلم جميعا ان الولايات المتحدة الأمريكية احتجت علي قيام قناة (الزوراء) بالبث من علي القمر المصري سالف الذكر، وبعد لف ودوران تم رفع القناة، ولم نسمع أي حديث عن بسلامتها (السيادة الوطنية)!
المضحك في الوثيقة أنها احتوت علي نص يؤكد علي الالتزام بالقيم الدينية والأخلاقية للمجتمع العربي.. انظر من يتكلم!
فالتلفزيونات العربية الرسمية شاركت فضائيات (الهشك بشك) ـ والمصطلح لفيصل القاسم ـ في الخروج علي القيم الدينية والأخلاقية، والسادة وزراء الاعلام العرب يتهمون بالتطرف كل من يطالبهم بالالتزام بهذه القيم!
لكن لا بأس فهم هنا يسعون لادخال الغش والتدليس علي المواطن العربي، لتصوير أنفسهم كما لو كانوا من دعاة مكارم الأخلاق.. ونعم الدعاة بصراحة. وفي كلمته الجبارة قال انس الفقي: الاعلام مسؤول عن حماية المجتمع من التعرض لمؤثرات دخيلة. ماذا يعني سموه بالمؤثرات الدخيلة؟.. الله اعلم.
انه أي كلام، كمثل هذا النص الذي يؤكد علي علانية وشفافية المعلومات، وحماية حق الجمهور في الحصول علي المعلومات السليمة، مع ان الأنظمة العربية تعتبر المعلومات سرا حربيا، لا يجوز لاحد ان يطلع عليها، ولو كانت البرلمانات المنتخبة، او شبه المنتخبة، وهذا النص شبيه بالحاصل في قوانين الصحافة في عالمنا العربي، التي تعطي الصحافي الحق في الحصول علي المعلومات، دون ان تضع آلية لذلك، الأمر الذي حول هذا الحق الي كلام انشائي لا يساوي ثمن الحبر الذي كتب به!

سلطة الدولة

ما علينا، فقد قيل ان الوثيقة تلزم الفضائيات باحترام (سلطة الدولة)، ولا شك ان هذا الحديث المسهب عن (السيادة الوطنية) و (سلطة الدولة) يوحي كما لو كان القوم وزراء في دول رهن الاحتلال، ولذلك هم كثيرا ما يتحسسون (بطحات) رؤوسهم.
ان اخطر ما في الوثيقة التهمة أن التجريم لا يقف عند عقاب الفضائيات، عند بث ما يتعارض مع بنودها الفتاكة، وانما التجريم يبدأ بالأعمال التمهيدية من تصوير وتسجيل وخلافه، وهي تعطي الحق لمصادرة الكاميرات والمعدات.
لقد رفضت قطر هذه الوثيقة، وجاء الرفض بينما كان وزير الاعلام المصري يلقي بيان الحرب، ويؤكد علي اجماع الدول العربية عليها، فقرر السفير محمد المالكي رفض بلاده اقرارها، مشيرا الي ان حرية الاعلام يجب ألا تقيد، كما تحفظت الأردن والامارات، وهو موقف يُذكر فيُشكر.
لقد شاركت قطر في المؤتمر بالقائم بالأعمال في مصر، لانه لا يوجد بها وزير للاعلام، مع أنها سحبت الريادة الاعلامية، في وقت توجد بلدان بها وزراء للاعلام، هم كعبد ابق علي مولاه، أينما يوليه لا يأتي بخير، فقد هزموا في مجال المنافسة وولوا الدبر، وها هم يعودون من جديد، ليقمعوا ويكمموا، لعل الريادة تعود اليهم، زاحفة علي بطنها، عندما لا ينافسهم أحد.
يبدو ان أولي الأمر منا لا يشعرون بنفوذهم الا عندما يمارسون الاستبداد، وقتها يشعرون بعظمة سلطة الدولة، وان السيادة الوطنية بخير.

ارض ـ جو

تستطيع قطر ان تجعل من وثيقة الاستبداد الاعلامي أثرا بعد عين، ان دخلت مجال المنافسة علي الأقمار الصناعية، وأطلقت قمرا ليقضي علي الاحتكار في هذا المجال، والذي يصب في خدمة أنظمة القمع.
برحيل الصحافي مجدي مهنا فقدت قناة (دريم)، أحد ابرز مقدمي البرامج فيها، كما فقده المشاهد أيضا.
السيادة الوطنية تعني في عرف وزارة الاعلام المصرية، احتكار التلفزيون المصري بث نشرة الأخبار، وحرمان القنوات المصرية الخاصة منها، فالنشرة لا ينبغي ان تبدأ الا بخبر عن الرئيس، وهو ما لن تلتزم به القنوات التي جري منعها من ذلك.
السيادة الوطنية أيضا تعني كما جاء في برنامج (قلم رصاص) لحمدي قنديل، انه اذا اخترق الاسرائيليون الحدود وقتلوا الجنود المصريين، فلا شيء، واذا اخترقها الفلسطينيون الهاربون من الجحيم فقد وقع الاحتلال، وتعرضت السيادة للخطر الماحق والساحق.
في برنامج (ساعة حرة) علي قناة الحرة، اختصر أحد الضيوف الفضائيات في الجزيرة، والجزيرة في (الاتجاه المعاكس)، ومن ثم فقد برر للوثيقة التهمة، فالبرنامج المذكور، ومن ثم كل برامج الفضائيات، وان كانت مثيرة الا أنها ليست مفيدة، وعليه لا بد من قيام الأنظمة بترشيد الخطاب الاعلامي. انها أزمة من يعيش اكثر مما ينبغي!

اجمالي القراءات 7836

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2007-06-30
مقالات منشورة : 12
اجمالي القراءات : 122,049
تعليقات له : 0
تعليقات عليه : 2
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt