الشرك والكفر:
الشرك والكفر

زهير قوطرش في الثلاثاء 29 مايو 2007




الصداقة ،ليست علاقة عادية ،وخاصة إذا كان امتدادها من أيام الشباب وأيام المراهقة وفترة تكوين الشخصية، التي صقلتها التجربة السياسية والايديولوجية، هذه الصداقة تترك بصماتها على كل أحداث العمر اللاحقة كمخزون إنساني مليء بالاحداث والتجارب ،والاجمل من كل ذلك أن يبقى الاصدقاء على تواصل وإن اختلفت أماكن وجودهم في هذا العالم الفسيح فأرض الله واسعة ، والعالم اصبح عبارة عن قرية صغيرة الكل فيها يخاطب الأخر بالصوت والصورة.وهذه حالتي مع صديق العمر الذي قرر زيار&EcEcirc;ي لبضع أيام، كم كان شوقي كبير الى رؤيته ، وما أن حانت لحظة اللقاء على أرض المطار حتى تعانقنا طويلاً، وصرخنا معاً وبدون شعور هتافاً كنا نهتف فيه ايام الستينات ،ومن اجله أعتقلنا لنزور خالتنا (السجن) لبضعة أيام كما يقولون في سوريا...وحد وحد... يا يسار.... كانت وحدة اليسار هاجسنا،وكانت الاشتراكية طريقنا..ودفعنا من أجل قناعاتنا السابقة ثمنا لابأس به....لا نندم أبداً على تلك المرحلة، كانت تجربة أغنت فينا الحس الوطني،وأغنت فينا رؤيتنا للعالم ،ومن ثم ساعدتنا في  فهمنا لديننا وقرآننا ،وجعلتنا نقرأه  بفكر ومنهج ،ربطنا فيه النص مع الواقع الذي نحن منه ، ربطنا النص مع ألآم المساكين والفقراء، وفهمنا من كل ذلك أن علينا أن نبني للناس جنة على الأرض قبل أن يصلوا الى جنة السماء.وتعلمنا بعد ذلك من ديننا أن خالق الكون وجاعل البشر اناساً ، اوجدهم على الأرض ليكونوا أ حراراً... ليكونوا من عباد الله في الدنيا ،لافرق بين مؤمن ومشرك وكافر كونه رب العالمين ،كرمهم ولم يشأ أن يجبرهم على شيء ، لأن خالق الكون والعالم فيه يعلم أن المخلوق الحر سيكون مؤهلاً لكي يعمر الأرض، لهذا كنا أحراراً وزادنا الايمان حرية،  لانخضع إلا للخالق الذي قال لنا في محكم تنزيله ،انتم عبادي في الأرض ،وعبيدي في الأخرة.تحركنا بسرعة من المطار لكي نصلي معاً الجمعة في مسجد المدينة الوحيد.... وبعد أن انتهت الصلاة وجلسنا معاً لنعيد تلك الذكريات الجميلة ،وإذ بصديقي يسألني... هل استمعت الى الخطبة...قلت له نعم ،وهل سمعت الخطيب يردد قول الله تعالى (إن الله لايغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) النساء 116 . قلت له اكيد سمعت ذلك.... وفوراً سالته هل تريد أن تتفلسف كعادتك... ضحك وقال لي : قرأت هذه الاية كثيراً وأفهم معانى الكلمات ..لكن لا أفهم القصد...ولماذا الكفر أخف عند الله من الشرك...هل يغفر الله الكفر أما الشرك فلا!!!!.... مع العلم أن معظم المشركين يؤمنون بالله... لكنهم أشركوا في عبادته أو جسدوا شيئا ليتقربوا فيه الى الله عز وجل...اليس كذلك؟ خذ على سبيل المثال ،المشركون العرب وبنص القرآن كانوا يعتقدون بوجو الله...وذلك حسب الاية ( ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فاحيا به الأرض بعد موتها ليقولن الله فأنى يؤفكون)، يؤمنون بالله ولكن كانوا يتخيلونه بأشكال وهمية مختلفة ،وينسبون إليه اموراً لاتليق بالخالق ولا بجلاله... لكنهم لم يكفروا به.... الكفار لايعترفون اصلاً بوجوده.... فكيف يكون الاشراك أو الشرك عند الله أكبر من الكفر....نظرت الى صديقي ... وبإبتسامة قلت له لن تتغير.... ولن تغيرك السنين... تحب دائما أن تسأل ..وتبحث عن الجواب.... ياصديقي الغالي حتى نفهم معنى الشرك والكفر ،لابد لنا ان نفهم من هو الله الذي أمن به الناس واشركوا وكفروا..به..اليست هذه مقدمة ضرورية لكي نصل الى ما سألت.. أليس كذلك؟ وطبعاً .ستردد لي الاجوبة الاعتيادية ، هو خالق الكون لا إله إلا هو.... هو نورالسموات والارض...حي قيوم لا تاخذه سنة ولا نوم.... كل هذا صحيح مئة بالمئة...لكن من ناحية فلسفية من هو الله؟ أومأ برأسه منتظرا الجواب.
ياسيدي التعريف الأهم لله عز وجل أنه الحق( ذلك بأن الله هو الحق) ....أي أنه موجود خارج انتاج الفكر الإنساني ،وليس من أنتاج فكر الانسان.قال لي صحيح مئة بالمئة. وحتى لاتكون هناك شبهات في ذهن البشر عن الله، وحتى لايتم تجسيده أي تمثيله بشخوص أو اشياء قال الله تعالى عن ذاته (ليس كمثله شيء).من هنا رفض النص القرآني كل أنواع التشبيه والشرك. وهذا بعلم الفلسفة التي كنا نتمتع بدراستها معناه أنه أحادي غير ثنائي...اشرح لي هذه النقطة... ياعزيزي كل الاشياء في خلق الله لها صفة الثنائية أو يحكمها قانون الثنائية كي تتكامل ... رجل ..وامراة... وهكذا وكونه أحادي أكد لنا ذلك بقوله ( قل هو الله واحد)... ومن ثم هو واحد.... (أنما الهكم اله وأحد).... رد بسرعة ..عظيم الآن فهمت معنى أحادي وواحد ..لا باس عليك نكمل الموضوع.وهوغير قابل للفساد أو التغير والهلاك معاذ الله( كل شيء هالك إلا وجهه) , وحتى تكتمل الصورة عن رب العزة نقرأ قي القرآن الكريم ( هو الأول والأخر والظاهر والباطن) وهنا يجب ملاحظة وجود حرف العطف بين الأول وألأخر وبين الظاهر والباطن مع العلم أنه لم تعطف اسماء الله على بعضها إلا في هذه الاية ،اتدري لماذا.... أجابني بسرعة العطف يدل على المتغيرات المعطوفة على بعضها....هذا صحيح ولكن هنا تعني من ناحية فلسفية عدم أنطباق معادلة الزمن على الله تعالى....أليس كذلك أومأ براسه وكأنه لم يدرك المعنى... الأول يا صديقي بلا ابتداء والأخر بلا اخرية... وظاهر دون أن تناله الحواس ،وباطن دون أن يشاب بشيء من عدم..... هذا هوالله لاإله إلا هو..... أردف قائلاً : والان لننتقل الى مفهوم الشرك والكفر.... دع عنك هذا الآن فعلينا أن نتوجه الى المنزل.. فشريكة العمر بانتظارنا وقد أعدت لنا أطيب المأكولات والحلوى..... وبعد أن انتهينا من حفلة الغداء جاء دور فنجان القهوة الشهي مع الهيل...ليعطينا دفقة من النشاط الفكري والتجلي .... قال صديقي دعنا ننهي الموضوع الشرك.. أعطيتني مقدمة طويلة ومفيدة ..لكن لم نصل الى حل المشكلة الاساسية. قلت له لاباس.
ياسيدي . الفرق بين الشرك والكفر أن الكفر حالة طبيعية جداً...... كيف هذا تقول طبيعية ؟ نعم يا أخي أسمع ما يقول رب العالمين (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) لم يقل أبداً فمن شاء فليشرك.... اردف قائلاً صحيح... لأنه بعد هذه الحرية من الخالق لايمكن ان يكون كل الناس مؤمنين ...معك الحق لقوله (لوشاء ربك لأمن من في الأرض جميعاً) .
ولا حظ أن الله لم يقل أن الكفر شيء عظيم ،بل قال أن الشرك.... أليس كذلك... هذا واضح لكن حتى الأن لم افهم لماذا الشرك هو أكبرعند الله من الكفر وأخطر .... سنأتي على ذلك... أسمع الشرك هو حالة مرضية غير طبيعية على الاطلاق. والمشرك بمرضه هذا يظلم نفسه. والشرك حالة تصيب الانسان وخاصة المؤمن نتيجة ما يترسب في نفسه من افكار ومعتقدات دخيلة، كلها نابعة من الوهم والباطل... والله هو الحق... وللشرك أنواع الاخطر منها هو شرك التجسيد أي إعطاء الله عز وجل بعداً زمانياً ومكانياً ومادياً محدداً وبتحويله الى شيء ،والخطورة في الشرك هي أن المشرك دائما يعتقد أنه على حق في شركه ويظهر ذلك وكانه مؤمن ، وأن معتقده أو شركه هو الصحيح..... ويدافع عنه على أساس انه الايمان الحق...لدرجة أنه يؤثر على ضعاف النفوس ليجرهم ويجر المجتمع الى ذلك والعياذ بالله.ونتيجة ذلك تخلق مؤسسات ،وأفراد يحولون هذا الشرك الى قضية مادية في أذهان الناس يدافعون عنها ويخضعون الى أربابها مبتعدين عن الله الذي هو الحق،وبالتالي يجسدون الى جانب الله عز وجل ألهة أو شخوص أو معتقدات تخالف جميعها ما أراد الله، ولهذا كان الشرك قضية مرضية خطيرة ومدمرة بالدرجة الأولى للإنسان ،وهو من عمل الشيطان أولاً وأخيراً
قال لي شبه تكونت عندي الفكرة ولكن هل تعطيني أمثلة.
أنظر الى هذه الاية في الصراط المستقيم ( أن لايشرك بالله شيئاً) لنستعرض أنواع الشرك
-من يشرك بالله مخلوقاً كالشمس والقمر والنجوم والكواكب فهو مشرك
- من يشرك بالله ملاكا  ولو بالشفاعة فهو مشرك
-من يشرك بالله رسولاً ولو بالشفاعة فهو مشرك
- من يشرك بكتاب الله كتاب أخرفهو مشرك
- من يشرك بسنة الله سنة اخرى فهو مشرك
-من يشرك بحديث الله حديثاً أخرفهو مشرك
-من يشرك بكلام الله كلاماً أخر فهو مشرك
- من يجعل الوحي وحيين فهو مشرك
وهناك شرك عندنا نحن المسلمين وهو قريب من شرك التجسيد ، ذلك في جعل الصحابة والفقهاء معصومين عن الخطأ ،وجعل ما قالوه شرعاً إسلامياً على أن تقوم الساعة.... وأيضاً زيارة القبور ..قبور الاولياء والتقرب الى الله عن طريقهم..كما لو أن الله بحاجة الى واسطة... .. والأمثلة كثيرة تحيط بنا من كل جانب .
وما العلاج يا أخي ؟سأل صديقي بنبرة فيها أسى
العلاج في العودة الى كتاب الله فهماً وتدبراً وعملاً والله أعلم.

اجمالي القراءات 16806

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (3)
1   تعليق بواسطة   عثمان محمد علي     في   الثلاثاء 29 مايو 2007
[7740]

مقاله جديره بالإحترام والتقدير

اخى زهير احييك على مقالتك وسردك الرائع عن خطورة الشرك والكفر ايضا -
وإسمح لى ان اضيف ايضا نحن لا نعرف السبب الحقيقى عند الله سبحانه وتعالى بعدم مغفرته للمشرك الذى مات على إشراكه - ولكنى اضيف لحضرتك ان خطورة الإشراك على المجتمعات فى ان المشركين دائما وابدا ما يرفعون او يستخدمون سلاح القوة والإستبداد وإهلاك الأنفس والأموال والأعراض لمخالفيهم من المؤمنين او الكافرين تحت حجج الدفاع عن الدين وبمبررات تشريعيه ارضيه مثل حد الرده ورووايات الخضوع والإذعان للحكام والكهنوت الدينى وهكذا --
على عكس الكافر او الملحد فهو يعلنها صريحة ويريد ان يعيش فى هدوء وامن وسكينه بينه وبين المجتمع ويخلى بينه وبين المجتمع كما يريد من المجتمع ان يخلى بينه وبين معتقده --
وبهذا يكون المشركين من المهلكين للحرث والنسل --ولو عدنا للقرآن الكريم سنجد ان من صقات المشركين او احد تعريفهم هم المقاتلين والمعتدين على الناس ظلما وعدوانا __

-وتقبل تحياتى وتقديرى

2   تعليق بواسطة   هاني الدمشقي     في   الأربعاء 30 مايو 2007
[7768]

مقالة مفيدة


الأخ زهير المحترم : مقالتك جميلة ومفيدة جدا , والسبب في قولي أنها مفيدة جدا كون أنه لو قرأها
كثير من الناس من الذين يشركون بالله ولايشعرون أنهم
يشركون به , وفي نفسه أنه من المؤمنين الحريصين على
الحق , قد واتمنى أن يلمسوا المعنى الذي ذهبت لإيضاحه لكي يطابق ما قرأه مع نفسه ويشعر أنه
يشابه تلك الحالات التي ذكرتها والتي كان غافلا عنها , فيصلح نفسه , لأن الإنسان بطبعه به كبرياء يكره الإعتراف بالخطأ ,
وخاصة إذا كان النقاش وجها لوجه , أما بتلك المقالات التي يقرأها بنفسه , فالتراجع عن الخطأ يكون سهلا عليه دون احراج أمام محدثه ,
ومن أنواع الشرك التي ذكرتها , فأكثرها خطورة تلك التي ظاهرها الإيمان بالله وبسنة رسوله عليه السلام مما تعلم في كتب التراث ويحاجج بها بقوة على أنهاالحق , والناس تستمع له وتصدقه فضرره كبير , أما الكافر الملحد فمن السهل تجنبه كونه يعلن ذلك فلا يؤخذ
منه ولا يتضرر منه الناس .


3   تعليق بواسطة   زهير قوطرش     في   الخميس 31 مايو 2007
[7811]


اشكر الأخوة عثمان محمد علي ،والأخ هاني الدمشقي على تعليقهما على المقال. وبالفعل كما ذكر الأخ عثمان أن الاشراك هو في النهاية يوازي الارهاب والقمع من قبل الافراد والمجموعات التي ضلت الطريق واشركت بالله. واتفق مع الأخ هاني في خطورة الشرك كونه مرض لايشعر به الناس ولكنه يتسرب اليهم باشكال والوان مختلفة. اللهم أبعد عنا الشرك،واجعلنا من عبادك الذين يؤمنون بكتابك ولا يشركون به شيئاً.

أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2007-02-25
مقالات منشورة : 275
اجمالي القراءات : 4,085,904
تعليقات له : 1,199
تعليقات عليه : 1,464
بلد الميلاد : syria
بلد الاقامة : slovakia