وقفة مع آية من القرآن ..

لطفية سعيد في الإثنين 30 اكتوبر 2017


 
قال تعالى في محكم آياته :(قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا(110 الكهف
وقفة مع آية من القرآن اشتملت على كل ما يحتاجه البشر في حياتهم بإيجاز شديد  .. قد بدأت بخطاب للرسول بلفظ (قل ) للتنبيه إلى أنه كان النبي عليه السلام عندما يُسأل  ، كان ينتظر الإجابة  من ربه ، وهذه الإجابة موضوع البحث (110 الكهف ) جاءت محكمة معجزة في ست نقاط .. هي بالترتيب : 
1ـ (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ )  اسلوب قصر يفيد التوكيد .. بمعنى أن الله سبحانه يأمر  نبيه بضرورة التأكيد على بشريته ،(لم تقل الآية نبيا أو عبدا بل قالت بشر) حتى لا ينسى الناس بعد ذلك ويقعوا فيما وقعت فيه الأمم السابقة عندما قالت بتأليه الرسل.. لا ثنائية اليهود، ولا تثليث النصارى: ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ) بآية لا يمكن أن تمتد إليها يد بشرية بالتحريف بحذف او إضافة لتظل باقية إلى قيام الساعة ودالة على بشرية الرسول محمدعليه السلام ، لم يكتف القرآن بأن يذكر بأسلوب القصر ويؤكد على البشرية ويسكت .. بل قال ( مثلكم )  فهو أحدكم من نفس البيئة وبنفس اللسان .. وقد لبس فيكم عمرا، أفلا تعقلون  ...
2ـ (يُوحَىٰ إِلَيَّ ) فقط الفارق الذي يفرق الرسول عليه السلام ، عن باقي البشر هو، أنه يوحى إليه وهو موضوع الرسالة  وقد أخذ مسماه كرسول أساسا ، لما يحمله من رسالة للناس .. 
3ـ ( أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ ) موضوع الرسالة ومفادها وهي نفس موضوع الرسالات السابقة جاء على لسان كل أنبياء الله ورسله السابقين ، (التوحيد )(وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ" وما الداعي إذن لبعث رسول  جديد يقول نفس الكلام السابق لأسباب منها ان البشر دائمة النسيان ويركنون لغواية الشيطان الذي توعدهم بحرفية منقطعة النظير بالغواية.. وذلك انتقاما وحسدا لهم ،  لأن أباهم آدم كان سببا في خروجه من الجنة واستحقاقه لغضب الله.. فيأتي التحريف ويكثر الفساد فتأتي الرسالة الجديدة لتعدل ما أفسده الناس وتصححه، وتذكرهم : تبشيرا وإنذارا ..
4 ـ (فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَرَبِّهِ )عرض واختيار لمن يرجو لقاء ربه مختار الانصياع لأمر ربه والانقياد لأوامره عليه بكل وضوح  بالآتي: 
5ـ (فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا  ) القيام بالعمل الصالح والابتعاد عن الفساد والإفساد .. (مسلم سلوكي )المساهمة في إعمار الأرض بالمسالمة والمشاركة الخيرية في الدنيا ، كونه فردا نافعا وليس بضار مفيد لمن حوله من الخيرين بالطبع..  هذا معا وجنبا إلى جنب مع:     
6ـ (وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) ان يكون مسلما أو مؤمنا عقيديا .. وهذا  الحكم فيه لرب العزة  فهو من يفصل وحده سبحانه في موضوع العقائد ، ويحكم على البشر باعتبارات تخصه  وحده  سبحانه الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.. 
وبعد... ما مصير الأعمال  (التي قد تُرى صالحة) التي قد يقوم بها البشر في حالة الإشراك ،أو تلبسهم بكفر عقيدي ؟.. هل ورد فيهم حكم  في القرآن  ؟  في آيات كثيرة نذكر منها على سبيل المثال ـ مع العلم أنه ليس لنا حكم كبشر عليهم .. إنما نتلو فقط ما ورد في القرآن عن ، إحباط العمل أو خسرانه أو جعله (هباء منثورا )  وكلنا رجاء ودعاء بألا نكون مع الفئات التالي ذكرها   :
"إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (21) أُولَٰئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ(22 آل عمران ) 
وأيضا : " قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) أُولَٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (105) ذَٰلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (الكهف 106)
 
وهم أنفسهم الذين لا يرجون لقاء الله سبحانه  استكبارا وعتوا :" وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا ۗ لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (21) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَىٰ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا (22) وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا(23 الفرقان) 
ودائما صدق الله العظيم 
........................................................................        
اجمالي القراءات 3793

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (2)
1   تعليق بواسطة   عثمان محمد علي     في   الإثنين 30 اكتوبر 2017
[87388]

تدبر جميل يا استاذه .


تدبر جميل ربنا يبارك فيك يا استاذه ....ومن عظمة القرآن انه مُتجدد فى عطاءه ونوره الذى يشرح الصدور ....فهذه ألاية الكريمة موضوع المقالة تُخبر المسلمين المُعاصرين ايضا بأن محمدعليه السلام كان بشرا ، ولو فكروا قليلا فى بشريته لتوقفوا عن تقديسه ورفعه إلى مرتبة الألوهية ،وتفضيله على بقية الأنبياء ، ولعلموا انه لم يكن يملك حق التشريع ،ولا الزيادة عليه أو النقصان منه ، ولعبدوا رب محمد وربهم ورب العالمين مُخلصين له الدين ....



تحياتى .



2   تعليق بواسطة   لطفية سعيد     في   الإثنين 30 اكتوبر 2017
[87393]

شكرا دكتور عثمان على تعليقك الرائع ، قد ذكرني بآيات أخرى


أشكرك يا دكتور عثمان على إثراء المقال ، وقد ذكرني  تعليقك  (عن استحقاق رب العزة وحده للعبادة دون غيره من المخلوقات وذلك لأسباب كثيرة منها ما  جاء  في سورة قريش من إطعام بعدجوع وأمن بعد خوف وهذه نعم محسوسة لا سبيل لإنكارها :"لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ) شكرا لكم ،ودمتم بكل الخير 



أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2008-10-30
مقالات منشورة : 109
اجمالي القراءات : 954,363
تعليقات له : 3,517
تعليقات عليه : 371
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt