ج1 ب2 ف 3 : الدعوة إلى الإيمان بألوهية الولي الصوفي

آحمد صبحي منصور في الإثنين 12 يناير 2015


كتاب (التصوف والحياة الدينية فى مصر المملوكية )

 الجزء الأول : العقائد الدينية فى مصر المملوكية بين الاسلام والتصوف .

  الباب الثانى :  تقديس الولي الصوفي في مصر المملوكية

الفصل الثالث :ملامح تأليه الولى الصوفى فى العصر المملوكى

 أولا  : معنى الدعوة إلى الإعتقاد فى الولي الصوفي:

1-  المسلم يؤمن بالله ورسله . وشهادة الاسلام تعنى الإيمان بالله تعالى والكفر بما عداه من آلهة. والإيمان برسل الله عليهم السلام هو إيمان بالرسالات السماوية التى تنزل كلاما من رب العزة لهداية البشر، ينطق بها أنبياء الله جل وعلا ورسله المُختارون من بين هؤلاء البشر . ليس الايمان بشخص الرسول البشرى ، بل بالرسالة السماوية التى نزلت عليه ، يقول جل وعلا عن محمد خاتم المرسلين:( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (2) محمد). ولأن الكتب السماوية مصدرها واحد وتؤكد كلها على أنه ( لا إله إلا الله ) مهما إختلفت ألسنة البشر: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ (25) الأنبياء )  فإن التعبير عن هذه الكتب يأتى أحيانا بلفظ ( كتاب ) : (وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ ) (15) الشورى) ، وواجب الايمان بها جميعا بلا تفرقة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (136) النساء ) والايمان بالكتب السماوية يعنى عدم التفريق بين الرسل ، لأنه لا أشخاص هنا ولكن رسالة سماوية تدعو الى أنه لا إله إلا الله جل وعلا :( آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285)البقرة ).

2-  ليس فى شهادة الاسلام إيمان بمخلوقات  وإنما بالله جل وعلا وكتبه أى رسالاته ، أى إسلام القلب والوجه لله جل وعلا ، لذا فلا تفريق بين الرسل ولا تفريق بين الله جل وعلا ورسالاته : ( قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136)  البقرة )، والذى يرفض هذا ويؤمن ببشر يكون قد إبتغى غير الاسلام دينا:( قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ (85)آل عمران ).

3-  والصوفية  بشر كباقى البشر ، وهم يطلبون من بقية البشر الايمان بهم كآلهة مع الله تعالى عن ذلك علوا كبيرا . ويتردد عنهم فى العصر المملوكى تعبير "الاعتقاد " فيهم . ومعنى الاعتقاد في صوفي ما أن نعتقد في تصريفه في ملك الله وفي نفوذه الإلهى ، أي نعتقد إلوهيته وذلك يتناقض مع شهادة لا إله إلا الله التي تقصر الألوهية على الله وحده، وتنفي وجود الشريك والمساعد للولي المقدس، وتثبت أن لله جل وعلا ــ وحده ـــ تمام التحكم والسيطرة على ملكه.

4-  وقبل نزول القرآن كان الإيمان بالأولياء شائعا واجبا فى قريش والعرب ، ولا يتناقض مع الإيمان بالله جل وعلا ، بل كان المشركون لا يؤمنون إيماناً خالصاً بالله وحده ، أى فإما إيمان بالله والاولياء معه  وإما الكفر . وسيقول الله تعالى مخاطباً أولئك يوم القيامة ( ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا ) غافر 12) وكانوا يعبدون الأولياء لتقربهم لله تعالى زلفى، فقال جل وعلا لهم يدعوهم إلى إخلاص الدين له جل وعلا وحده : ( أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) الزمر3 ) .

5-   ثم جاء دين التصوف فيما بعد داعياً بالإيمان بالولي والاعتقاد في نفعه وضره، بنفس ما كان عليه العرب في الجاهلية.

 ثانيا : نماذج من الدعوة الى الايمان بالولى الصوفى

   أ) يقول الغزالي في ترتيب درجات الاعتقاد أن الاعتقاد يزداد (بما يسري إليه من مشاهدة الصالحين ومجالستهم وسيماهم وسماعهم وهيئاتهم في الخضوع والخوف والاستكانة)[1].ويقصد بالصالحين الأولياء الصوفية ، فهو القائل (من لا يقدر أن يكون من أولياء الله فليكن محباً لأولياء الله مؤمناً بهم ، فعسى أن يحشر مع من أحبهم )[2]. أي أنه قسم الفائزين إلى أولياء ومؤمنين بهم يحشرون معهم.

   ب) وفي العصر المملوكي حيث أصبح التصوف الدين الفعلي للدولة ، صار الاعتقاد في الأولياء هو الشهادة الرسمية للدخول في الإسلام ، حيث أضحى الإسلام مجرد رسم وشكل مظهري تمارس من خلاله شعائر التصوف ومعتقداته المضادة للإسلام . فعندما أسلم أحمد بن هولاكو بعث برسالة رسمية إلى المنصور قلاوون يُقرُّ فيها بالاعتراف( بوحدانية الله ، والشهادة بمحمد عليه أفضل الصلوات والسلام، بصدق نبوته ، وحسن الاعتقاد في أوليائه الصالحين)[3]. ولم يعرف المسكين – الذي دخل الإسلام زوراً – أن الاعتقاد في الأولياء الصالحين بزعمه ينفي إخلاص الدين لله تعالى. ولكنها ثقافة  العصر الذي سوغت هذا التناقض ، وصار على ذلك الناس ، وأسلم ابن هولاكو على أيديهم.

   ج) وترتب على الإيمان بالأولياء الصوفية الإيمان ببركاتهم وتصريفهم ، حتى لم تخل تحية الإسلام (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) من عبث التصوف فأدخل فيها الأولياء مع الله، وسجل ذلك كتاب رسمي بعثه النجاشي للسلطان جقمق سنة 847 فقال فيه ( ورحمته وبركاته عليكم أجمعين ، وبركات الأولياء الصالحين)[4].

ثالثا : الدعوة الى الايمان بمؤهلات الولى الصوفى الالهية

1 - وحرص الصوفية على دعوة الناس للإيمان بمؤهلاتهم الوهمية من علم لدني غيبي وخلافه . والغزالي أشهر الدعاة بهذا الإفك ، وهو يدعو المسلمين الذين بقوا على إسلامهم إلى الإيمان بالعلم اللدني الذي يعطاه الأولياء من لدن الله  ليكون لهم مشاركة فى ذلك العلم اللدنى المزعوم ، يقول ( أدنى نصيب من العلم اللدني التصديق به والتسليم لأهله)[5]. ويقول إن من لم تنكشف له حقائق العلم اللدني ( فلا ينبغي أن ينكر ظواهرها بل أقل درجات الإيمان التصديق بها )[6]. وهو يقول ( اعلم أن من انكشف له شئ ولو الشئ اليسير بطريق الإلهام والوقوع في القلب من حيث لا يدري فقد صار عارفاً بصحة الطريق، ومن لم يدرك ذلك في نفسه قط فينبغي أن يؤمن به)[7] ، وقال عن معرفة العارف بالقدر أو الغيب (.. فمن عرف السبب في هذا الأمر معرفة صادرة عن نور الهداية فهو من خصوص العارفين المطلعين على سر القدر ، ومن سمع هذا فآمن  به وصدق بمجرد السماع فهو من عموم المؤمنين)[8].  أي المؤمنين بالصوفية وإمكاناتهم الإلهية. والمنكر طبعاً من الكافرين عند الغزالي .

2 ـ وفي نهاية العصر المملوكي حيث عمّ الجهل والتخلف كان الخواص – الصوفي الأمي – يقول عن كلام (أهل الحال) (تمجُه العقول من حيث أفكارهم ولا تقبله إلا بالإيمان فقط )[9]. أى التسليم والايمان بكل ما يقوله الأولياء الصوفية مهما بلغت سماجته وجهله وضحالته .

رابعا : الإيمان بالصوفى أم الكفر به ( الانكار عليه )

1 ـ  ودعوة الصوفية الناس للإيمان بهم قوبلت بتسليم البعض فأصبحوا معتقدين، وبإنكار من الآخرين أو كفرهم بهم وانتقادهم. وقد اهتم المتصوفة بمجابهة أولئك المنكرين على ولايتهم والرافضين التسليم بألوهيتهم ، كما لو أن الله تعالى خلق لهم البشر ليكونوا لهم عبيداً ، وكما كان حقا لهم أن   يكون الناس لهم عبادا من دون الله الخالق جل وعلا . ولا يكاد يخلو كتاب صوفي من الرد على المنكرين. وقد يقترن تقديس الولي في بداية الكتاب الصوفي بالحط على المنكرين كما يقول ابن عطاء في مقدمة التنوير والشعراني في مقدمة الطبقات الكبرى:( الحمد لله الذي خلع على أوليائه خلع أنعامه .. واختصهم بمحبته – إلى أن يقول : وسترهم عن أعين الفجار لأنهم عرائس ولا يرى العرائس المجرمون، فإذا مر عليهم من أولياء الله تعالى ينسبونه إلى الزندقة والجنون – فمنهم المنكر لكراماتهم – ومنهم المنتقص لمقاماتهم ، وفيهم الثالب لأعراضهم ، ومنهم المعترضون، يعترضون على أحوالهم ويخوضون بجهلهم في مقالهم وبهم يستهزئون.. فسبحان من قرب أقواماً واصطفاهم لخدمته فهم على بابه لا يبرحون..  وسبحان من أباحهم حضرة قربه، والمنكرون عليهم عنها مبعدون ، فالأولياء في جنة القرب متنعمون، والمنكرون في نار الطرد والبعد معذبون).. ويرى الشعراني أن ( من أشد الحجاب عن معرفة أولياء الله شهود المماثلة والمشاكلة )[10]. أي أن المنكر لألوهية الولى الصوفي يرى أن الصوفي بشر مثله وعلى شاكلته فيكون هذا مانعا من الايمان بألوهية ذلك الولى الصوفي ، ويكون ذلك حجابا يمنع الايمان بذلك الولى الصوفى ، وعلى ذلك ( فإذا مر عليهم ولي من أولياء الله ينسبونه إلى الزندقة والجنون).. ومع إيمان العصر المملوكي بالتصوف إلا أن بعض أفراد الصوفية لقوا إنكاراً من بعض معاصريهم فلم يؤمنوا بهم ولم يصدقوا بولايتهم، يقول الشاذلي (ولقد ابتلى الله هذه الطائفة الشريفة بالخلق ، خصوصاً أهل الجدال ، فقلّ أن تجد منهم أحداً شرح الله صدره للتصديق بولي معين ، بل يقول لك : نعم نعلم أن لله تعالى أولياء وأصفياء موجودين ولكن أين هم ، فلا تذكر لهم أحداً إلا أخذ يدفعه ويرد خصوصية الله تعالى له ويطلق اللسان بالاحتجاج على كونه غير ولي الله تعالى)[11].. أي أنهم آمنوا بالتصوف كمبدأ ولم يؤمنوا بأشخاص الصوفية المعاصرين لهم .

2 ــ  وقارن الشاذلي بين الكفر بالله والكفر بالولي الصوفي ، فجعل المنكر على الأولياء كالكافر بربه وجعل الإيمان بالولي كالإيمان بالله ، ويتطرف فيزعم إن الله جل وعلا جعل بعض البشر يسيئون لرب العزة ليكون هذا تعزية للولى الصوفى إذا أنكر عليه بعض البشر . يقول ( لما علم الله عز وجل ما سيقال في هذه الطائفة ( أى الصوفية ) بدأ سبحانه وتعالى بنفسه فقضى على قوم أعرض عنهم بالشقاء، فنسبوا إليه زوجة وولداً وفقراً .. فإذا ضاق ذرع الولي أو الصديق لأجل كلام قيل فيه من كفر وزندقة وسحر وجنون وغير ذلك نادته هواتف الحق في سره : الذي قيل فيك هو وصفك الأصلي لولا فضلي عليك ، أما ترى إخوتك من بني آدم كيف وقعوا في جنابي ونسبوا إليّ ما لا ينبغي لي..)[12] .     

 



[1]
- إحياء جـ1 / 83 .

[2] - إحياء جـ4/ 305.

[3] - سيرة المنصور . مخطوط مجلد 1 لوحة 10 .

[4] - التبر المسبوك 68 .

[5] - إحياء جـ1/ 18 .

[6] - إحياء جـ 4 / 421 .

[7] - إحياء جـ3 / 30 .

[8] - إحياء جـ4/ 147 .

[9] - الجواهر والدرر 264

[10] - الطبقات الكبرى للشعراني جـ1/ 6

[11] - الطبقات الكبرى للشعراني جـ 1/ 6.   

[12] لطبقات الكبرى للشعراني جـ1/ 9 .

اجمالي القراءات 4180

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-05
مقالات منشورة : 4064
اجمالي القراءات : 35,801,073
تعليقات له : 4,423
تعليقات عليه : 13,096
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : United State

مشروع نشر مؤلفات احمد صبحي منصور

محاضرات صوتية

قاعة البحث القراني

باب دراسات تاريخية

باب القاموس القرآنى

باب علوم القرآن

باب تصحيح كتب

باب مقالات بالفارسي